فرق ومذاهب\العدد مائة وسبعة وستون - شعبان 1438 هـ
أقطاب العلمانية (3)
الأربعاء 26 أبريل 2017

طارق منينة

 

 

تباشر الراصد نشر الطبعة الجديدة من كتاب الأستاذ الباحث طارق منينة "أقطاب العلمانية" على حلقات، وهو الكتاب الذي سدّ ثغرة كبيرة في المكتبة العربية قديمًا، وتحوي هذه الطبعة مزيدًا من الإضافات والفوائد.

 

الدعوة العلمانية الحديثة في مواجهة مع الإسلام

على رغم التزامات أركون المنهجية وتبنيه موقف وضع الدين في الخيال الرطب الذي هو أوسع دائرة  عنده من  دائرة الأسطورة  والخزعبلات، إلا أن موقفه الحقيقي هو محاربة الإسلام بإعتباره الأصلي والثابت والرباني الأصل، فيقول: "إن الدور الذي  يلعبه «الإسلام» الأسطوري والجوهراني، والماهياتي الثابت والثبوتي في الخطاب الإسلامي المعاصر هو من القوة والهيمنة بحيث يلزم لمجابهته أن يعبئ كل الباحثين جهودهم" ([1]).

إن العودة للإسلام ورفض سلبيات الحضارة الغربية ، يعتبرها چورچ طرابيشي («عملية سلخ جلد»([2]) «وعي مدمِّر» و«اللاوعي»([3])، ويقول إنها: «جائحة أيدلوجية ووباء نفسي.. يتهددنا جميعاً.. فالوباء لابد أن يتوقف عند حده، وعدواه عن الانتشار.. وهذا ما يجب أن يكون أمر اليوم على مدى السنوات القادمة في لائحة مهمات كل مثقف عربي حريص على أن تُكْتب له النجْاة» ([4]).

لذلك كتب طرابيشي مجموعة كتب غير علمية، نقداً لمفاهيم الإسلام  ، مثل  ما فعل في كتابه (المعجزة أو سبات العقل في الإسلام)، وكتابه (من  إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، النشأة المستأنفة)، وكتابه (الله في رحلة نجيب محفوظ)، وكتاب (مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام). فكل مثقف عربي ينتمي للعلمانية يجب-عند طرابيشي- أن يواجه الإسلام كدين وثقافة وكرؤية للوجود وللقوة والهيمنة والسيادة العليا، وهذه هي دعوة عموم العلمانيين المنحرفين.

يقول د. هاشم صالح[5] في تعريف المجتمع الإسلامي الذي يريد (هو وأركون) تغيير وجهته من الإسلام إلى العلمانية، إنه «كل مجتمع يسيطر عليه الإسلام كدين وثقافة وكرؤيا للوجود: أي كل مجتمع لم يدخل بعد ساحة العلمنة الحقيقية».([6]) فيجب عند د.أركون وغيره من العلمانيين المنحرفين أن تعبئ الجهود لإدخال المجتمعات الإسلامية في ساحة العلمنة الحقيقية الشاملة وليست الجزئية كما هي عليه اليوم في معظم البلاد.

وأما عزيز العظمة فينقل عنه د. المسيري قوله:" العلمانية تستند إلى النظرة العلمية بدلاً من الرؤية الدينية الخرافية في شؤون الكون والطبيعة على العموم (هل الرؤية الدينية "خرافية" بالضرورة؟!)، وتؤثر الكلام في علم الفلك على الكلام القرآني حول التكوير، والكلام في الجغرافيا الطبيعية على الكلام حول جبل قاف (هل يمكن اختزال إسهامات الجغرافيين الإسلاميين إلى هذا الحد)، والأخذ بالاعتبار العقلي بدلاً من الاعتبار الإيماني والخرافي للأمور". وهو لايقف عند هذا الحد-يقول المسيري- بل يتحدث عن "الموروث الكُتبي" و"الماضي المتقادم الزائل"[7].

يعلق المسيري:" المشكلة الحقيقية –في تصورنا- أننا إن قررنا أن نسبح مع هذا التيار العالمي الحتمي سنكتشف أنه في واقع الأمر غربي وحسب (تماماً كما بين لنا عاطف العراقي) إذ ثمة ترادف بين مفهومي العالمية والغرب في كتابات هؤلاء العلمانيين المتأرجحين فالواحد منهما هو الآخر، وهو أمر مفهوم تماماً في إطار النموذج الأحادي الإتجاه (والنماذج المادية لابد أن تكون أحادية صلبة أو ذرية...لا مركز لها) ...ولذا ينصحنا عزيز العظمة ، بدلاً من أن نضيع الوقت ، ونكد ونتعب، أن نوجه أنظارنا حيث نجد تطبيقاً متبلوراً للقوانين العالمية العامة الحتمية، فتبني المُثُل الغربية هو تبني المُثُل العالمية، والمثل العالمية (كما بين لنا هاشم صالح من قبل) تعني سيادة القوانين المادية الطبيعية العالمية، التي لا تعرف المكان أو الزمان أو الغائيات الإنسانية أو الخصوصيات القومية، فهي "زمانية عالمية" تحول الإنسان إلى كيان طبيعي/ مادي لا يختلف كثيراً عن الكائنات الطبيعية / المادية الأخرى".[8]

فليس الأمر، هو صراع  علماني مع الخطاب الإسلامي المعاصر على المشروعية لمن هي؟ أهي للإسلام الذي يتبناه الخطاب الإسلامي أم للعلمانية التي يتبناها أهلها، إنما الأمر هو  محاولة تغيير المجتمعات للعلمانية وإلحاقها بالمركزية الغربية ، والعمل على  إخراج المجتمعات الإسلامية وليس الخطاب الإسلامي المعاصر وحده - من الإسلام إلي العلمانية الشاملة، فالعلمانية المُرجفة  تستهدف نبذ الإسلام ونقد معالمه، وتهديم معالم المجتمعات الإسلامية وطرد هويته الحضارية، ورمي الإنسان في هوة المادية والعدمية وذلك بتحويل نصوص الوحي إلى معان مادية وخرافية وأسطورية وخيالية والدعوى أن الزمن تجاوز حرفيتها وقدسيتها.

 

دول ورؤوساء تبنوا الحرب على الإسلام

ولقد دخلت تركيا هذه «الساحة العلمانية» بسقوط الخلافة وتولي أتاتورك زمام الأمور وحكم الجمهورية الجديدة،  لكن بعنف التغيير ، يقول د. أركون «راح كمال أتاتورك ينجز ثورة علمانية حقيقية في بلد كان ولا يزال متشدداً إسلامياً.. خلق جمهورية تركية على غرار النموذج الغربي وألغى التقويم الإسلامي الهجري، ثم ألغى الحروف العربية في الكتابة.. ثم حل وزارة الشئون الدينية...»([9])، وألغى الجذور الإسلامية كلها...

فالثورة الكمالية - يقول الشيخ يوسف القرضاوي - لـ «كمال أتاتورك» كانت قد جعلت من العلمانية أساس الدولة وأساس التحديث فيها مما كان يعني أن الإسلام يجب أن يخرج من الحياة العامة»([10]).

ولقد كان ما فعله أتاتورك كما قال المستشرق ڨمباري (VEMBARI) هو نتيجة للتأثير والضغط الغربيين([11])، لتغيير معالم تركيا المسلمة وتحويلها من الإسلام إلى العلمانية وذلك بعد إسقاط الخلافة وإثارة النعرات القومية! ولقد فرح «الغرب» بما آلت إليه تركيا المسلمة التي قادت العالم الإسلامي قروناً عديدة.

فقد ورد في النصوص الاستعمارية السرية والتي نشرت أخيراً، تقرير وزير المستعمرات البريطانية «أورمسي غو» لرئيس حكومته في 9/1/1938، : «ومن أسباب سعادتنا أن كمال أتاتورك لم يضع تركيا في مسار قومي علماني فقط، بل أدخل «إصلاحات» بعيدة الأثر (!) أدت إلى نقد المعالم الإسلامية لتركيا»([12])  

تقول كارين آرمسترونج :" كان مصطفى كمال أتاتورك (1938-1881م) مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، يمثل عبر العالم الإسلامي عنف العلمانية... كان أتاتورك عازماً على إبعاد الإسلام عن الشؤون السياسية والاقتصادية كافة، ولأجل ذلك فقد أصبح أتاتورك محترماً في الغرب بإعتباره قائداً مسلماً متنوراً، ولكنه كان في الحقيقة دكتاتوراً كارهاً للإسلام، الذي وصفه بـ "الجثة المتعفنة""[13]

أما العلماني الدكتور سمير أمين فقد كان يتمني لو أن أتاتورك وحزبه قاموا بثورة ثقافية داخل الدين تكون أشد أثراً وأبعده مما قام به من نسخ أوروبا بشكل سطحي، كان يتمنى لو أن الأمر كان نسخ العلمانية بشكل عميق وليس سطحي! فيقول: «لم يفكروا لحظة واحدة أن ثورة ثقافية داخل الدين (!) هي إحدى نقاط البدء للحداثة الأوربية، وأن ثورة مشابهة في الإسلام كانت ممكنة وضرورية، لقد اكتفوا بـ «نسخ أوروبا بشكل سطحي»([14]).

 

العلمانية هي أساطير العلمانيين عن الدين والحياة  والإنسان.

فالعلمانية في الحقيقة لا صلة لها بالعلم، وإن كان فيها من جزئيات العلم، إنما هي تمتطي ظهر الفرضيات العلمانية  الوقتية (والمؤقتة!!) التي ينتمي أغلب مخترعيها إلى  الفكر المادي، وبصورة مسبقة، فإذا ظهر ضعف فرضية ما أوفسادها حاولوا حجبها (وكأنها لم تكن، فأين مثلا نظرية رينان في الأعراق؟!)، وعدم إثارة الكلام حولها، غالباً، وإلتجأوا إلى الفرضيات التي لم تلقى كثيراً من صور النقد الشديدة، كذلك فالعلمانية تمتطي العلم، بصورة عامة، بغية الإستفادة من نتائجه أو جعله ينطق بمذاهبها ومواقفها الإختزالية  كما قال الأستاذ محمد قطب في كتابه مذاهب فكرية معاصرة:" فأما ماركس فقد أنشأ نظرية اقتصادية أو قل فلسفة مادية كاملة، بناها على فكرة التطور من جهة وفكرة حيوانية الإنسان وماديته من جهة أخرى. وأما فرويد فقد أنشأ نظرية نفسية لتفسير تركب النفس الإنسانية ونشاطاتها ، بناها على فكرة حيوانية الإنسان. وأما دركايم فقد أنشأ نظرية اجتماعية لتفسير الظواهر الاجتماعية بناها على حيوانية الإنسان وغلبة نزعة القطيع الحيوانية عليه من جهة، وعلى انعدام الثبات فى القيم الاجتماعية من جهة أخرى"[15]

وهي على كل حال تحرف أدلته، وتأخذ منه وترقع، وتعزل نتائجه الكلية في عالم الإنسان والنفس والحياة والمجتمع لأسباب مادية ورأسمالية أو  أو لدعاوى  عنصرية واستعمارية، أو لأهواء ومواقف فلسفية وأيديولوجية، وذلك يمنع تحقيق المعالجة الشاملة ، الإنسانية والرحمانية،  لقضايا العلم والمجتمع والإنسان،  والوصول إلى نظرة مكتملة في التفسير والتأويل ، ومن ثم تحقيق العدل في الأحكام والمواقف ، وتحقيق السعادة الحقيقية للإنسان.

الكفران العظيم

وكما قلنا فإن الغرب قد حرف «الحضارة» فأخذ نصفها المادي وترك الجزء الإيماني الذي صنع به المسلمون انطلاقاتهم الحضارية الباهرة، وأضاف بدلا منها الفلسفة العقلانية (المادية، وهي في حقيقتها لا عقلانية) على النصف المادي حتى دخلت الحضارة في عالم الإلحاد والسيولة، والإحتكار والجشع المادي، فأشْقتْ البشرية من جرّاء ذلك مما أدى إلى تحطيم روح الإنسان وعلاقاته المجتمعية الحميمية الأصيلة، كما أدى ذلك إلى تفكك روابط الأسرة، وقيام حربان كافرتان في ربع قرن وتمزق الروح البشري وانحطاط العقل وضياع الأمان، والفوضى الجنسية، هذه هي النتائج المباشرة للبعد عن المنهج  العلمي الشامل في النظر إلى الإنسان والمجتمع والحياة، والعلاقات السببية الخاصة بكل ذلك، كذلك بالغفلة الكلية عن عبادة الله الشاملة، عبادته في المعمل  والمختبر، وفي عالم الاجتماع والسياسة وعالم الفن والأدب، والإقتصاد وعلوم الكون والطبيعة كما وعبادته في المسجد .

يقول الأستاذ محمد قطب في هذا السياق إن أوروبا: أقامت السياسة والاقتصاد بمعزل عن القيم الروحية وأقامت شئون الجنس بمعزل عن الأخلاق، وشئون الدنيا بمعزل عن الآخرة، وشئون الحياة بمعزل عن الدين وكانت النتيجة تصادم هذه القيم المقطوعة من جذورها المشتركة والصراع المدمر العنيف، والشد والجذب في داخل النفس بصورة تتلف المشاعر وتُمْرض الأعصاب، فوصلت حوادث الجنون والانتحار وضغط الدم والأمراض العصبية والنفسية إلى درجة لا مثيل لها في التاريخ[16].

فالعلمانية بسلوكها طريق الاستقلال عن الله والوحي الذي أنزله على رسله في هذه  العوالم المترابطة المتشابكة التي تشكل عالم الإنسان ككل، جرَّت البشرية إلى الشقاء وفقدان الأمل، بعد أن صورتها في صورة الحيوان وألبستها إهاب الحيوان وأباحت لها فعل الحيوان وأطلقت الدوافع الجنسية بدون ضوابط فطرية أو شرعية، ما جعل عقل الإنسان عقل حيواني لا يؤمن إلا بالمحسوس من الطعام والشراب والجنس والمادة، وروح حيواني لا يحس إلا قبضة الطين وبروز الحيوان، ما جعل «العلم» مطموسا ً مغيراً للمفاهيم الحقيقية لغاية وجود الإنسان وعلاقته بالكون والحياة والإنسان!

ذلك لأنه انساق وراء الفلسفة التي أدعت العلمانية والكونية والعالمية، الفلسفة التي تخفَّت وراء العلم، ولبست إزاره، وتكلمت باسمه حتى اختلط على الناس الفرق الضخم بين الفلسفة وفوضويتها وفرضياتها وتخرصاتها والعلم الحقيقي! 

 

أدوار العلمانية:

قلنا إن العلمانية التي جلبها بعض المثقفين العرب إلى بلاد المسلمين غير مُسْلمة المضمون والهوية، الاتجاه والخط، المشروعية والمصدر، الإدراك والتصور، العلم والمعرفة ولم نقل هذا من أنفسنا بل إنها من تعريفات أقطاب العلمانية أنفسهم!

يصف لنا الدكتور فؤاد زكريا موقف الفصائل العلمانية في عالمنا العربي والإسلامي من «المشروع الإسلامي»: «فالعلمانية اليوم تضم القومي واليساري والليبرالي والمثقف غير المُسيس وبقدر ما يختلف هؤلاء في تعريف مفهوم التقدم أو الإصلاح والنهضة، وفي تحديد نوع المسار الذي يسعون إلي توجيه المجتمع نحوه، فإنهم متفقون جميعاً على رفض الأهداف التي يدعوا إليها التيار الإسلامي»([17]).

إن الدكتور فؤاد زكريا  الذي قال أن: "الاشتراكية هي وحدها المرحلة التي تتحقق فيها للإنسان حريته الحقيقية"([18])هو بحق شيخ العلمانية في عالمنا العربي والإسلامي، وهو هنا يؤكد أن الأهداف التي يدعو إليها المسلمون مرفوضة علمانيا ً، وكما تقدم من كلام د. أركون فإن ذلك مفهوم، فالذي يختار العلمانية لا بد أن يواجه الإسلام في مفاهيمه الكلية أو على أقل تقدير في بعض مفاهيمه الضرورية، كالمفهوم الإسلامي للدين والدولة والعلاقة بينه وبين سياسة الخلق والرعية.

إن الدكتور فؤاد زكريا تبنى بدلاً من الإسلام مفاهيم غربية مستوردة، وأقامها في مواجهة الحركة الإسلامية والأزهر الشريف، ومؤسسات الإسلام الكبرى، تبنى الماركسية التي زعمت أن الدين والأخلاق والفطرة الثابتة من اختراع وسائل إنتاج المجتمعات الزراعية القديمة!

تبنى «الفلسفة الوضعية» لـ «أوجست كونت»[19] التي دعت إلى رفض الدين وتجاوزه باعتباره لا يصلح إلا لتنظيم الشعوب البدائية، وأنه ليس سوى خطوة من خطوات الإنسانية نحو المبدأ العلمي الحديث([20])!

حاول بهاتان الفلسفتان- مع خليط من فلسفات أخرى! - أن ينسب «تخلف المسلمين» العصري إلى المرجعية الإسلامية! فعالج الحقائق الإسلامية والتراث الإسلامي بهذه الفلسفات التي واجه بها الحركة الإسلامية المعاصرة، وقف يتحدى «الوحي» بالعقل والفلسفة معطياً الهيمنة لا للإسلام ولكن للفلسفة التي آمن بها!

وذهب ليتحدى «التراث» اقتداءاً بالنهضة الأوربية التي رفضت الوحي ونادت باستقلال الإنسان والعقل ما أدى إلى الإلحاد الحديث، دعا إلى ذلك على «أساس الرفض الحاسم للتراث»([21]) وهو يُرجِّح أن يُقصره على الفترة الأولى من حياة المسلمين بحيث لا يتجاوز هذه الفترة، لا التراث ولا الدين ولا شريعة هذا الدين يحق لها أن تبقى كما كانت بل يجب في نظره أن يُتجاوز كل ذلك!

وهو لا يخجل من إعلان ذلك فيقول: «الأوربيون لم يخجلوا من إعلان رفضهم القاطع لتراث كامل ينتمي إلى صميم ثقافتهم وتمتد إليه جذورها.. ولم يكن  في موقف الرفض القاطع هذا ما يعيبهم (!) بل لقد أصبح هذا الموقف هو أساس مجدهم.. ولم يمنع ذلك، بطبيعة الحال من أن يتخذ الأوربيون فيما بعد موقفاً متوازنا (!) من التراث القديم حيث وضعوه في إطاره التاريخي (!).. ولم يعد هناك ما يُخْجل في الاعتراف بقيمة التراث الكلاسيكي وفي تمجيده بوصفه قوة كانت لها قيمتها التاريخية الكبرى في عصرها، وإن تكن التطورات التالية قد تجاوزتها إلى حد لا متناه.. فهو يمجد لأنه كان شيئا رفيعا في عصره، على حين أن تخلفه يظهر واضحاً إذا ما قورن بالأوضاع التي تجاوزته في العصر الحالي»([22]).

فهو يعلن أن «المشروعية الإسلامية» يجب أن تتوارى مع التاريخ القديم!، كما توارى تراث أوروبا المسيحي/الكلاسيكي، أي الدين المسيحي، والتراث الذي خلفه بما فيه من انحرافات كان المسلمون في الحقيقة قد أدانوه وأظهروا عيبه وخرافاته،  كما بين لهم القرآن عيوبه العقلية والنصية ، وإنحرافاته المكتوبة والمسطورة، لكن يظهر أن الدكتور زكريا ماهر في طمس حقائق التاريخ وعلى هذا الأساس ينادينا بأن نتجاوز ترثنا مع أن هذا التراث بما فيه الوحي والسنة[23]، وما نتج عنهما من عقل وسببية في العلم والنظرة للعالم هو الذي حرَّض أوروبا على تجاوز تراثها الكنسي المنحرف وعلمها مبادئ العلم وطريق البحث العلمي والتجريب، فكيف نتجاوز الإسلام، وعقائده، ووحيه، وعلمه عن الكون والعقل والآيات الكونية والمادة  المدروسة، وهو الذي حرَّك نهضة أوروبا في بدايتها على التحرر من الدين المسيحي المنحرف والكنيسة التي تحالفت مع الإقطاع وأذلت الشعوب وفرضت على الناس الإتاوات كما فرضت عليهم أعمال السخرة فيما تملك من الأرض[24].

تعلم الأوربيون من الحضارة الإسلامية في الأندلس العلوم التجريبية التي انطلقت من التعاليم الإسلامية، كما تعلموا أن أفكار الكنيسة الدينية، والعلمية مخالفة للعلم الذي كان يعلمه المسلمون انطلاقاً من القرآن والتجربة المعملية والنظر والخبرة على السواء.

فما الذي يدعونا إليه  د. فؤاد زكريا؟  أن نترك القرآن وشريعته ونحن الذين علّمنا أوروبا الانفتاح على القوانين الطبيعية التي خلقها الله وتحكم الكون بأمره، علمناهم مناهج بحث وطرائق تفكير منفتحة على الكون تلتمس أسبابه وتنفع الإنسانية كلها (فهذا الأصل كيف يُتجاوز؟!).

علمناهم أن الحركة العلمية الموارة لا تنطلق أبداً إذا كان هناك استسلام للخرافة وترك الأسباب لتعمل لوحدها بقدرة الله، وإنما قدر الله الحقيقي هو الأخذ بأسباب الكون والتفكير وتعقُّل السنن الإلهية وتدبرها، السنن التي يجرى الله بها قدره في الكون المادي وفي حياة البشر([25]).

علمنا أوروبا النظافة وإنشاء المدن المضاءة والشوارع الممهدة كما يقول الشيخ محمد الغزالي([26]).

فكيف نتجاوز هذا الواقع الفريد، وهذا النموذج الإنساني المتوازن المُصلح للعالم، نظام حياة، وواقع جديد، رفيع كريم نام متجدد للحياة البشرية غير منفصل عن الوحي ولا عن احترام العقل.

نظام ينشئ آثاراً شعورية وخُلقية وحركية في ضمير الفرد وفي سلوك الجماعة، وفي نظام الحياة تقف أمامه النظم الأرضية المختلفة عند مفرق الطرق ([27]).

لقد قامت الحركة العلمية في الأندلس وصقلية والشرق الإسلامي في ظل العقيدة وبدافع منها، ومن قاعدة طلب العلم «فريضة» يتقرب بها الإنسان إلى الله، وقيامها على هذا المنهج، يقول الأستاذ محمد قطب: «قد صان هذه الحركة عن أن تُستَخْدم في إفساد العقيدة أو إفساد الأخلاق كما تستخدم الحركة العلمية القائمة اليوم في الغرب سواء في تقديم  نظريات «علمية!» تنفي صدور الخلق عن الخالق.. أو فلسفات «علمية!» تسخر من الدين والأخلاق»([28]). العلمانيون العرب يريدوننا أن نتجاوز الإسلام بزعم أنه حلقة متخلفة مضى عليها الزمن وعفى عليها الأثر وأكل عليها الدهر وشرب!

ومع أن معطيات الواقع التاريخي المحسوس الحقيقي تؤكد أن الإسلام صنع حضارة علمية تجريبية معملية باهرة، وأنه حث على العلم ، مع ذلك فإننا نجد العلمانيين يحرفون حقائق القرآن والتاريخ.. ثم يطالبون بفضح المغالطات التاريخية «زعموا!!» ونقد تاريخي للقرآن والإسلام والحضارة الإسلامية وهذا أحدهم كما قدمناه للقارئ وهو ، د. محمد أركون الجزائري-السوربوني، طالب بـ «القيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط والحذف والإضافة والمعالجات التاريخية التي أحدثتها الروايات القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس»([29])!

طالب بذلك في محاضرة له، ألقاها في باريس عام 1974 ضمن المؤتمر العلمي الذي عقدته «منظمة الدراسات الإسلامية»([30]) (مؤتمر غربي مغرض!)

ويعتبر القرآن «عجيب مدهش ديني مرتبط بالفكر الأسطوري»([31]) قالها للأوروبيين في نفس المحاضرة وبما أنه وضعي كفؤاد زكريا ولا مؤمن فإنه يقول: «فيما يخص اللامؤمن أو الروح الوضعية وكما نقول اليوم فإننا نجد على العكس أن العجيب المدهش ليس إلا تنازلاً مؤقتاً يقدمه العقل للإثارة والظواهر الخيالية»([32]).

فالقرآن - بحسب مزاعمه -: «القرآن يُنجز أو يبلور (بنفس طريقة الفكر الأسطوري الذي يشتغل على أساطير قديمة متبعثرة)[33] شكلاً ومعنى جديد أي عملاً متكاملاً مجهزاً بطريقة استخدام وأسلوبية خاصة في اللغة العربية» ومازال الكلام له في نفس المحاضرة الباريسية!

ويقول في نفس المحاضرة - التي وضعها كفصل في كتابه الفكر الإسلامي - أن هدفه - زيادة على  -ما قاله آنفا - هو: «القيام برد فعل ضد تراث طويل جداً من تفسير القرآن وقراءته» ويُذكرهم بالدكتور محمد أحمد خلف الله الذي اعتبر القصص القرآني قصص غير تاريخي، ليس حقائق تاريخية! الدكتور الذي كان يؤمن بالاشتراكية، يذكرهم أن هذا الدكتور ما كان يملك الأدوات التي تفيد في المهمة الكبرى.. مهمة الخلخلة المباشرة والمتوسعة! ولذلك لم يقم «خلف الله» بها كاملة، ويؤكد لهم أنه  هو الذي يستطيع القيام بالمهمة مع تجاوز ما وقع فيه خلف الله من: «حرصه على مراعاة الموقف الإسلامي الإيماني ونقص معلوماته فيما يخص البحوث الجارية اليوم في مجال التحليل الأدبي»([34])، فهل هذا هو«الفكر الحر» الذي يطالبون بفتح بلادنا الإسلامية للترحيب به بدلاً من عزله؟ هل يمكن أن يصبح هذا الفكر «تنوعا خلاقا؟! هل كان هذا هو الفكر الحر الذي علم أوروبا كيف تتحرر من خرافاتها وتنطلق بأدوات الحضارة الإسلامية إلى التطور والتقدم؟

مَنْ يعاني مِنْ مَنْ، أَالفكرالمقلد للغرب يعاني كفكر حر - مزعوم!- في العالم الإسلامي أم أن العلماء المسلمين والمفكرين المسلمين هم الذين يعانون من الدكتاتورية العلمانية والإرهاب الفلسفي؟ إنَّ الدكتور فؤاد زكريا، شيخ العلمانية في العالم العربي والإسلامي، والمؤمن بالماركسية والفلسفة الوضعية والمغرم بالوجودية وما شابه الوجودية يعاني كفكر حر في الوطن العربي والإسلامي!!! فيقول: «إنَّ الوطن العربي يعاني في الوقت الراهن من قيود –في الوقت الراهن-  من قيود على الفكر الحر لم يعرف لها مثيلا منذ زمن بعيد»([35])، يقول ذلك وهو الذي يحرض الدولة المصرية على التقليل من الحصة التي رصدتها للدين ومنحتها له في البرامج الإعلامية!

إنه يرفض أن: «تُسخِّر أجهزتها الإعلامية لنشر برامج دينية تزداد مساحتها أو ساعات إرسالها بإِطراد»([36])، يرفض « اهتمام الدولة بنشر الموضوعات الدينية وإذاعتها على نطاق واسع»([37])!

إن الدين عنده كما عبَّر عن ذلك يمثل مرحلة تاريخية غابرة فحسب، وعصر العلم يتجاوزها! يقول شارحا ومعلقا على فلسفة «أوجست كونت» التي يؤمن بها إيماناً أعمى أنها: «نظرت إلى المرحلة الدينية بأسرها على أنها مرحلة أولية من مراحل الفكر البشري (!)، ومن ثم فلابد من تجاوزها، وبالفعل فإن عصر العلم يتجاوز هذه المرحلة بحيث لا تعود لها من الأهمية إلا من حيث أنها تمثل مرحلة تاريخية غابرة فحسب».

قارن هذا التعليق مع ما ذكره آنفا عن موقف أوروبا من تراثها حيث تجاوزته التطورات إلى حد لا متناه، وأن تخلفه يظهر واضحاً إذا ما قورن بالأوضاع التي تجاوزته في العصر الحديث، تجد أنه يعامل الإسلام كما تعاملت أوروبا مع المسيحية مع أن هناك فرق بين المسيحية المنحرفة التي حرَّمت العلم وحرفت الدين، في وقت كان النور يشع من الحضارة الإسلامية في الأندلس والشرق الإسلامي الموحّد النور المنبثق من مشكاة القرآن وتعاليمه الحاثة على النظر في الكون والسعي في الأرض واستخدام سُنة التسخير للسماوات والأرض، لكن الدكتور زكريا يطمس حقائق التاريخ كما طمس حقائق الوحي في كتاباته ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ]الصف:[8  فالعلم في الإسلام لم يتجاوز الإسلام وإنما توافقا وتلازماً وتناسقاً معاً وصنعا حضارة زاهية زاهرة عظيمة أفاد منها العالم وما يزال!

فحضارتنا العريقة في التاريخ هي التي  اخترعت منهجية العلم التجريبي ومشت فيه خطوات واسعة وطورت أساليب البحث العلمي وهي تتعبد  لله في المعامل والمساجد والمدارس  فلم يتخلى رجالها عن الوحي لسبب العلم ، بل الوحي  في الإسلام أنشأ الذهنية العلمية ، لكن عبَّاد الغرب لا يفقهون ذلك ولا يعقلون.

بيد أننا لا نلتفت لأفكارهم المتهافتة وتحريفاتها وطمسهم للحقائق فالكون يشهد بأن «الإسلام» لا غيره هو الذي دفع العالم إلى التطوير والتنوير، البحث والكشف، إلى هذه الانطلاقة العلمية التي كان هو مصدرها وملهمها.

فقد دعا إلى وجوب التعلم، وأوجب تدبر آيات الله في الكون والتعرف عليها، بعد أن أخبر سبحانه أن السموات والأرض: «بما تحويان من موجودات وطاقات مسخرة  للإنسان بأمر الله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ] الجاثية:13[ فعليه إذن أن يحقق هذا التسخير بالفعل] المشي في مناكب الأرض والأكل من رزقه [»، من تلك النقطة.. من هذا التوجيه انطلق العقل المسلم يرتاد الكون ويكفي أن يكون هو الذي أنشأ المذهب التجريبي الذي تقوم عليه كل فتوحات العلم الحديث»([38]).

ويكفي أن نثبت هنا ما قاله «بريفولت»  في الحضارة الإسلامية، التي قامت أساساً على أصول الإسلام ومبادئ القرآن. إذ يقول في كتابه «بناء الإنسانية - Making of humanty»: «لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية»[39] على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج.. إنَّ العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في أسبانيا، لم تنهض في عنفوانها إلا بعد وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة، وراء سحب الظلام، ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوروبا الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية،لأنه على الرغم من أنه ليست ثمة ناحية من نواحي الازدهار الأوربي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما يكون في نشأة تلك الطاقة التي تكون ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة، وفي المصدر القوي لازدهاره: أي العلوم الطبيعية، وروح البحث العلمي».

ويستطرد فيقول: «وإن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة، بل يدين هذا إلى الثقافة العربية ]يقصد الإسلامية[ بأكثر من هذا إنه يدين لها بوجوده نفسه»!

إن الحضارة الإسلامية، والإسلام بطبيعة الحال.. بناء على هذه الحقائق، ليست مرحلة غابرة كما زعم العلمانيون ومنهم د.فؤاد زكريا، وأنه يجب تجاوز وجود هذه المرحلة، كما دعا وطلب وذلك لسبب بسيط، وهو أن وجود الحضارة مدين للمصدر الذي أمدها بروح البحث والتجريب، وروح البحث العلمي، الروح المنطلق من الدعوة القرآنية للنظر والتعقل والمشي في مناكب الأرض وآيات الكون، أما أن يقتل الإبن البالغ أبيه زاعماً أنه نضج فهذا هو الجنون نفسه (لكن الفلسفة المادية إدعت أنها قتلت الرب، واستغت عن الأب!، واخيراً قال أحد  أقطابها: إن الإنسان قد مات).

يقول «بريفولت»: «أما ما ندعوه «العلم» فقد ظهر في أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة، من طرق التجربة والملاحظة والقياسات ولتطور الرياضيات إلى صورة يعرفها اليونان.. وهذه الروح وتلك المناهج العلمية، أدخلها العرب إلى العالم الأوروبي»([40]). بيد أن أوروبا رفضت «الإسلام» الذي كان قد خلق هذه الروح في عالم المسلمين!

«رفضت أن تأخذ الإسلام ذاته عقيدة ومنهج حياة، وعادت إلى الجاهلية الإغريقية والرومانية تستمد منها بدلاً من الدين الكنسي الذي لفظته، والدين الصحيح الذي رفضت بدافع العصبية أن تدخل فيه، ومن ثم عادت - كما قلنا- إلى العقلانية اليونانية بزيادة انحراف جديد هو النفور من الدين، والسعي إلى إخراجه من مجالات الفكر والحياة.

لقد كانت الجاهلية الإغريقية جاهلية وثنية خالصة في واقع حياتها، ولكن «المفكرين» و«الفلاسفة» فكروا في الله سبحانه وتعالى، وحاولوا تصوره على قدر ما اجتهدت عقولهم، فاهتدوا إلى وحدانيته وكماله وجلاله، ولكن تشعبت بهم الظنون في متاهات لا قرار لها.. أما جاهلية عصر الإحياء وعصر النهضة فقد سخرت «عقلها»  في كيفية الاستغناء عن الله، وإخراج موضوع «الإلوهية» من ميادين الفكر والحياة واحداً إثر الآخر»([41]).

إنَّ رفض الإسلام الذي أمد هذه الحضارة بالروح العلمية التي تكلم عنها «بريفولت» يعني رفض «الحياة» التي أمدت أوروبا بالطاقة وقام عليها البناء العلمي الذي اعترف علماء الغرب أنه مأخوذ من مصدر الثقافة الإسلامية! نعم، على هذا البناء ومن هذا المصدر قامت الحضارة الغربية، التي لولا سيطرة الفلسفة - ورفض الإسلام - عليها بعد ذلك لقدمت للبشرية الخير والبر والإحسان والأمان بدلاً من الشقاء، والانتحار والجنون، والشذوذ والجريمة، والفوضى والسعار الجنسي، والضغط العصبي والنفسي وتمزق الروح البشري والانحراف عن الفطرة وعن دين الله والعبودية الحقة.

.. بيد أن فوق هذه الجرائم التي يرتكبها العلمانيون العرب بحق الإسلام فإنَّ لهم جريمة كبرى ارتكبوها وهم يقومون بدور العبد للفكر الفلسفي الغربي، هذه الجريمة هي أنه بدلاً من إعلام أوروبا بالحقائق الإسلامية التي تختلف جذرياً عن خرافات الكنيسة المنحرفة ومقدساتها الكتابية المزورة، بدلاً من إعلامها بأن الإسلام ليس ديناً ينبغي تجاوزه وأنه ليس اختراع الناس البدائيين وأنه دين الله، ودين الفطرة البشرية، دين حث على العلم، واحترام العقل ودعا إلى التقدم والتطور واستخدام السنن الكونية وأن ذلك لا يتعارض مع مفهوم القدر في الإسلام ولا مفهوم العبودية الإنسانية لله، ولا حقيقة الألوهية، بدلاً من إثبات هذه الحقائق وتوصيلها رسالة إلى أوروبا مع الحقائق التي قدمناها عن الإسلام وحضارته، قاموا بدور المستشرق الخبيث الذي كان يحارب الإسلام وشريعته زمن الحروب الصليبية وأزماننا المعاصرة سواء، والذي يمدحونه فيما يقدحون في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلماء الإسلام القدامى والمعاصرين سواء، قاموا بدور الزنادقة الذين خرجوا قديما ً على حضارة الإسلام يريدون شدَّها إلى زندقة الحضارات البالية وفسادها الأخلاقي وتخلفها الروحي، قاموا بدور الصاد عن دين الله ما أدى إلى تشويه رسالة الإسلام عند الغربيين، خصوصاً والإعلام الغربي يستغل هؤلاء العلمانيين فيصنع معهم لقاءات تلفزيونية مغرضة - وآخرها كان لقاء قناة تلفزيونية ألمانية مع د. نصر حامد أبو زيد - ليصبوا في النهاية في بحر الغرب المظلم الغريق، ويُضل بهم جماهير غربية غفيرة، وقد كان يمكنهم بدلاً من ذلك أن يستخدموا مناصبهم ومواقعهم وشخصياتهم في توصيل الحقائق التي دعا إليها الإسلام وأقام بها حضارة إسلامية زاهية، لكنهم نكسوا على رؤوسهم وقلدوا تقليد القرود وغيروا جلودهم كما يُغيِّر الثعبان جلده!

لقد صنعهم «الغرب» ليكونوا «عقلية جديدة تعتمد على تصورات الفكر الغربي ومقاييسه، ثم تحاكم الفكر الإسلامي والمجتمع الإسلامي من خلالها بهدف سيادة الحضارة الغربية»([42]) عقلية تريد: «إزالة عناصر التمييز والذاتية، وخصائص النفس والعقل والمزاج المستمد من الإسلام، وقتل هذه الذاتية واحتواؤها»([43]).

كما أنهم يختزلون الإنسان في قوانين مادية فلسفية ويخضعونها لحتمياتها وحتمياتهم أو فرضياتهم، وأساطيرهم وتخرصاتهم،  فيبتلعه الحيز المادي الطبيعي أو المصطنع، كافراً بالغيب، معرضاً عن الحق، فيعيش في ظلمات الفكر الطبيعي (نسبة للطبيعة والمادة المجردة)، "بحيث يصبح جزءاً لايتجزأ منها، ويختفي ككيان مركب متجاوز للطبيعة وللمادة، منفصل نسبياً عما حوله وله قوانينه الإنسانية الخاصة"[44].

إنهم يقومون بدور الخديعة للأمة الإسلامية فيقدحون في الوحي الذي أنزل من عند الله وأمنت به، ويدعون إلى هوية أخرى غير هوية هذه الأمة وثوابت غير ثوابتها ومع ذلك يقولون نحن لا نفعل ذلك، ونحن قوم أمناء على هذه الأمة!

وكمثال على ذلك، فإنَّ أركون الذي زعم منذ قليل أن التاريخ يُظهر مغالطات قرآنية تشكيكاً للأمة في قرآنها، هذا «الأركون» ينصره د.علي حرب ، بالقول في سياق الدفاع عنه : «ولعل البحث لا يتقدم إلا بخلخلة الاعتقاد وزحزحة القناعات وتبديل زاوية النظر إلى الأمور والأشياء»([45])، ويقول كمال عبد اللطيف تلميذ الجابري  ،  مؤيداً لأركون، في سياق دفاعه أيضاً عن أن الدراسات الشارحة للتراث لاتفيد  لأنها: «تظل دون عتبة البحث المنهجي، الرامي إلى خلخلة الأصول ومساءلة الثوابت وإعادة المعطيات في ضوء الأسئلة الجديدة، والمفاهيم المستجدة»([46])، وهي المفاهيم التي استعارها د. أركون من المذاهب الفلسفية الحديثة والتي تُحقِّر «الوحي الإلهي»  ويطبق أركون رؤيتها المادية على القرآن فيقدح في هوية القرآن وتنزيله، وهوية الأمة وخيريتها بدينها.

هذا  الدكتور السوربوني  ليس له هم إلا طمس هوية الأمة ليضع في رقبتها أغلال الغرب التي أشقتها، ومع علم د.علي حرب بذلك وقد قدمنا قوله في خلخلة الاعتقاد وتأييده لأركون في ذلك - وسيأتي من هذه الأقوال الكثير!- فإنه يدافع عن أركون قصد التلبيس على القراء وزيادة في التشويش والخلخلة وإمعاناً في «الخداع» والمكر يقول: «وإذا كان البعض يعترض على قراءة أركون التفكيكية بالقول أنها تؤدي إلى تفكيك الهوية وضياع المعنى ومن ثم يتهم صاحبها بالتهم المعروفة كالتخريب الثقافي، ويصنفه بين الخارجين والمنشقين، أو بين المستشرقين والمستغربين، فما هي إلا أشكال للتصنيفات القديمة إياها.. فالنموذج العقائدي، بما هو عقل مغلق (!)، يري إلى الاختلاف والمغايرة بوصفها ابتداعاً وانحرافاً وينبغي فضحهما وإدانتهما، وقديماً كُفِّر الفلاسفة على آرائهم واجتهاداتهم.. الإقرار بالاختلاف هو السبيل إلى التوحيد (!) وليس العكس كما يظن ويعتقد، على أننا لا ننظر إلى الاختلاف بوصفه ضلالاً أو انحرافاً، بل بوصفه طريقاً آخر(!) أو مذهباً آخر أو اجتهاداً آخر(!»)([47]). يقول ذلك في نفس الصفحة التي ذكر فيها أن عمل أركون هو خلخلة الاعتقادات وزحزحة القناعات! ويعتبر ذلك فكراً واجتهاداً آخر يجب إعطاءه مساحة للنقد!

ومع أن علي حرب غارق في بحر الفلسفة المظلم إلا أنه يطالب بالتحرر من أي أصول «فمهمة الفكر أن يفكر بالتحرر من كل وصاية ومن أية جهة أتت سواء أكانت وصاية الفلسفة وأهلها أم وصاية الشريعة وأئمتها»([48])! وهو يتهم عقيدة الإسلام بأنها «عقل مغلق» كما فعل أركون تبعاً لمفكرين غربيين كما سيأتي في الفصل الذي صنعناه عن د.محمد أركون.

فإذا كانت الشريعة هي الإسلام وقوانينه ومبادئه وتشريعاته وعقائده وقيمه، فإن التحرر منها يعني التحرر من الهوية الإسلامية وإذا كانت السلطة في الإسلام هي للشريعة الإلهية فإنَّ التحرر من هذه السلطة تحرر من السلطة الإلهية.

وإنَّ د.حسن حنفي[49] يصب أيضاً في هذا الاتجاه، فيقول: «مهمة التراث والتجديد التحرر من السلطة بكل أنواعها سلطة الماضي وسلطة المورُوث، فلا سلطان إلا للعقل ولا سلطة إلا لضرورة الواقع...»([50])! وسيأتي أيضاً في الفصل الذي خصصناه لفكر د.حنفي قوله في عدم لزومية الوحي فالسلطان للعقل فقط!

فهل تحرر هؤلاء فعلاً أم صاروا عبيداً لحفلات السيرك الغربي يغير لهم جلودهم كلما رأى ذلك مصلحة له ومسلياً للنظارة الغربيين!

لننظر إلى قول المتحرر د. علي حرب التالي: «الفكر الغربي هو الذي أيقظنا من سباتنا الحضاري وفتح لنا أبواب النقد... بحيث نغير جلدنا تماماً كما يغير الثعبان جلده»([51])!!! فأين التحرر من الفلسفة وأهلها هنا؟! وقد غيرت له جلده تماماً كما يغير الثعبان جلده!!!

لم يصل «الاجتهاد العلماني إلى هذا الحد، بل لقد طالب الأستاذ «كرم الحلو» من خلال مقالاته في جريدة الحياة التي تصدر من لندن بالغزو الثقافي ورياح الغرب المدمرة فقال: «فليكن الغزو الثقافي الغربي الصدمة الكهربائية المنقذة من نهايتنا المحتومة ولتهب علينا رياح الغرب من كل الجهات لتغزنا ثقافته ولتستفزنا قيمه فربما كان من ذلك خلاصنا ويقظتنا من سبات طال وطال حتى كأنه الموت»([52])، يقول ذلك ولا يسأل – يقول الأستاذ منير شفيق[53] - إن كانت بعض تلك الرياح صهيونية وبعضها متصهينة وبعضها جاء ليهب بأبشع ما جاء به الاستعمار القديم وبعضها جاء ليتحكم بالدولة والتعليم والحياة اليومية بأشد مما كان عليه الحال أيام الاستعمار المباشر، وبعضها يحمل كل ما يمكن أن تورده الثقافة المنحطة التي تشجع على.. تهديم العائلة، وتروج للعنف والجريمة وأنواع الانحراف"([54]).

إنَّ كرم الحلو يطالب بتذويب الهوية الإسلامية لصالح العولمة الغربية فيقول: «فلنكف عن استحضار التاريخ واللوذ إلى رموزه صوناً لهوية لم يعد ممكناً تأكيدها إلا بانخراط أكثر فأكثر في ثورة العولمة والحداثة حيث الواقع العلمي الراهن يتجه نحو هوية (معولمة) من خلال التشكيل المستمر التي تخضع لها الهويات القومية»([55]).

ومعلوم أن العولمة تُسقط الحدود والخصوصيات، ويصبح كل البشر كائنات وظيفية -كما قال المسيري- أُحادية البعد، وهي "القفص الحديدي"[56] كما هو تعبير ماكس فيبر.

إنَّ جوهر ثقافة «الغرب» اليوم هو إعطاء السيادة للإنسان المنحرف بديلاً عن الله خالق الإنسان، وكل العلمانيين يعلمون ذلك، يقول د. محمد أركون عن «الغرب»: «نجد أن مركز السيادة قد انتقل من السماء إلى الأرض ومن الله إلى البشر»([57]). فالدعوة إلى العلمانية «الغزو الفكري الإلحادي»  تعني إعطاء السيادة للإنسان وإبعاده عن الله، نقلها من سيادة الشريعة الإلهية إلى سيادة عقل الإنسان، وفي الحقيقة فإن انتقالها في «الغرب» كان إلى عقل إنسان الفلسفة الإغريقية اليونانية والرومانية الإباحية!

وقد جاء الإسلام لحرب هذه الفلسفات العقلانية المنحطة التي يريد العلمانيون العرب في العصر الحديث أن تنتصر - في أحدث صورها! - على الإسلام! الإسلام الذي قال عنه د. أركون بعد ملاحظة دقيقة: «نلاحظ في كل المجتمعات الإسلامية أن الإسلام بصوره المختلفة... يشهد اليوم انتشاراً وذيوعاً لم يعرفها في ماضيه السابق كله»([58])  «الخطاب الإسلامي ذائع أكثر من أي وقت مضى» ([59])، إذن، ستكون ضراوة المعركة بين الإسلام والكفر شديدة، أكثر من أي وقت مضى!

وقد أعطى الغرب أسلحته للعلمانيين العرب وغيرهم من أبناء البلاد الإسلامية الأخرى ليقوموا بالحرب المباشرة وغير المباشرة ضد هذا الدين وضد هوية هذه الأمة الإسلامية الحضارية، وضد خصائصها ومقوماتها بلا هوادة ولا ضمير! فامتطى بعضهم «حصان طروادة» ودخل تخوم الإسلام والمسلمين ليهدم البناء من الداخل كما فعل أغلب العلمانيين!

فادعى د.حسن حنفي أنه مجدِّد الدين في القرن العشرين.. ثم نقد الوحي وعقائد الإسلام الثابتة، حتى قال عنه د. على حرب - وهو أخ له في العلمانية! -: «حسن حنفي لا يستطيع نقد العقائد والمذاهب إلا باسم الدين نفسه»([60])! ويوضح لنا إلى ماذا يسعى حنفي فيقول: «يسعى إلى قلب كل المفهومات» ([61]).

ويقول چورچ طرابيشي عن حقيقة د. محمد عابد الجابري أنه يأتي العقل العربي -وفي الحقيقة الإسلامي!- متصدياً له - في شبه حصان طروادة جديد - من داخل الأسوار([62]).! وسنتعرف بعد قليل على هذه النماذج الفريدة بشكل أكثر وضوحاً!

إنَّ د. فؤاد زكريا يُعرِّي إخوانه الذين اختاروا أن يهدموا الإسلام من الداخل، من داخل نصوصه الإسلامية، ويصفهم بالخوف والخداع!: «يمكن القول إن دخول الفكر الفلسفي العربي المعاصر في «لعبة النصوص» - وهو أمر أصبح عظيم الشيوع في هذه الأيام - هو ذاته أوضح مظاهر الخوف في الفكر الفلسفي»[63]، لكنه يبرر خداعهم في التلاعب بالنصوص الإسلامية واستخدامها بأنه تلاعب بالنصوص تقتضيه الظروف، إذ أنه قد يكون هو الوسيلة الوحيدة في ظروفنا الراهنة لوجود ألف قيد وقيد!

كان د. ذكريا يود لو أنهم أعلنوا الهيمنة المباشرة للفلسفة على الوحي وانطلقوا منها لمواجهة هذا الوحي بدلاً  من دخول معركة يُستخدم فيها أدوات الخصم وتنتهي بالهزيمة وانتصار الخصم!

إذ باتخاذ طريقة «لعبة النصوص» من قبل أغلب العلمانيين كما قال: «يظل جهده - يقصد هذا النوع من العلمانيين - في هذا الميدان محدوداً وتظل مناقشته ملتوية غير مباشرة.. مغلول بألف قيد وقيد، بل قد يرغمه على اللجوء إلى الخداع»([64]).

والعلماني الذي يتخذ هذه الوسيلة لمحاربة الإسلام والفكر الإسلامي ينتهي - في رأي د. زكريا - إلى الهزيمة: «لأنه يكون في موقف المهزوم الذي سلَّم مقدماً بأنه خسر أهم أرض يرتكز عليها فهو حين يفترض أن النص لا يقبل المناقشة (!) وحين يدعم موقفه الخاص من خلال النص يواجه بها تلك النصوص الأخرى التي يلجأ إليها الآخر، يكون قد سلم مقدماً بأن النص هو المرجع غير القابل للمناقشة العقلية»([65]).

فالنص عند شيخ العلمانيين ليس هو المرجع، إنما المرجع هو الفلسفة (الغربية، طبعاً) يقول: «فالفلسفة تناقش كافة المسلمات»([66])، وترفض التسليم مقدماً بأن النص «بحسب مصطلح العلمانيين!» أو «القرآن الكريم» أو «الوحي الإلهي» هو المرجع الغير قابل للرد والتشكيك والمراجعة النقدية التي يقومون بها تقليداً للغرب المادي الإختزالي، أنه يريد إنقاذ الفكر الفلسفي من الخضوع للنص الإسلامي ولو خداعاً وتلاعباً لحين القضاء على الإسلام والفكر الإسلامي!

لأن ذلك تترفع عنه فلسفة الدكتور زكريا! ويضعها في مأزق حرج! مأزق أن يلجأ العلماني مرغماً إلى ممارسة فاعليته بشروط الطرف الآخر وعلى أرض الطرف الآخر، وهو ما يترفع عنه - نظرياً! - الدكتور زكريا!

فعندما يواجه العلماني مفكراً إسلامياً مخضرماً فإن الارتباك المؤدي إلى التلاعب والخداع من قبل العلماني يُصبه بالذعر ما يجعله يهرب إلى نص إسلامي ليجد فيه مخرجاً قد ينقذه من الوقف المحرج هذا. في حين أن فؤاد زكريا يريد من المحاور أو الناقد أن  يتصدى للنص ذاته كما قال (ومع ذلك لم يفعل هو ذلك وكان يتوجس خيفة من تلك الفعلة).

يقول زكريا: «فما الذي يفعله المفكر لكي يتخلص من موقف كهذا؟ إنه يتحايل على هذا الموقف (!) بأن يلجأ هو بدوره إلى الاستشهاد بالنصوص لتأييد وجهة نظره الخاصة.. أن الفكر الفلسفي، حين يجد نفسه مضطراً إلى التخلي عن طريقته الخاصة في البحث، وأعني بها طريقة مناقشة المسلمات مهما كانت أساسية، يلجأ إلى ممارسة فاعليته بشروط الطرف الآخر وعلى أرض الطرف الآخر، فلا يعود مرتكزاً على المنطق الداخلي لحجَجُه العقلية (!) وإنما يجادل في المسائل الدينية من داخل النصوص ذاتها مع تأويلها عقليا ً»([67]).

فاللجوء إلى أي نص، يستطيع «العلماني»  ملئه بما يشاء من حججه المدعوه «عقلية» لمعارضة الحجة القاهرة هو الوسيلة الأكثر بروزاً وانتشاراً في عالم العلمانية المتسترة بالتفكير الإسلامي والاجتهاد الإسلامي وادعاء الإيمان بثوابت الإسلام!! فإذا أعوزهم الدليل وغلبتهم الحجة الإسلامية فإنهم غالباً ما يلجأون إلى الطعن واللعن.. والتهديد والوشاية.. والأكاذيب وخداع أكبر مما كان!

إنَّ حضور الإسلام في المجتمعات الإسلامية، ويقظة مفكريه وعلمائه، وتنامي الفكر والشعور الإسلامي لهو عائق في عملية الهدم المباشر ما أدى إلى سلوك أغلب العلمانيين كما أشار د. فؤاد زكريا طريق التخفي داخل الفكر الإسلامي والتستر داخل حصونه لإعمال الهدم  وتمزيق الإسلام من داخل الأسوار!

إنَّ علاقة الفلسفة بالمسيحية المزيفة في الغرب أدت إلى تطاحنهما مما أدى إلى انهيار هذه المسيحية، الشيء الذي جر هذه الفلسفة الغربية إلى إعلانات حاقدة مثل قول نيتشه «اللوطي!» «إن الله قد مات» ، والمدهش أن نيتشه كما قال الدكتور المسيري جعل من نفسه إلها:" وقد قال نيتشه الذي كان قد مكث في مصحة عقلية مدة  قصيرة :" إذا كان هناك إله، فماذا أكون أنا إذن"، أي أنه يطالب بتأليه الإنسان. ولكن ، حينما يتأله الإنسان ويظهر السوبرمان، فإن العالم في الواقع يصبح بلا معنى... ويظل العالم مفتقراً إلى المعنى"[68]، ونيتشه كما يقول د. فؤاد زكريا «أنه يُبرِّر الشذوذ.. تبريراً يجعل منه ظاهرة سليمة»([69]).

إن قول نيتشه هو تطور في الفكر المادي سيؤدي كما قلنا، فيما بعد، على لسان فوكو، إلى إعلان " موت الإنسان"، يقول د. فؤاد زكريا: «نجد تطورات هائلة تطرأ على المفاهيم الدينية الرئيسية في ضوء النظريات العلمية الهامة كنظرية التطور والتحليل النفسي والنسبية، (!)([70]).

أصبحت هذه النظريات هي المبادئ الفلسفية التي قادت بعد ذلك البحث الفلسفي العلمي العلماني إلى الهاوية!، فلم يصر البحث العلمي مجرداً من الهوى والفلسفة (وراس المال!) ، وإنما خضع لها تماماً،  مع محاولة الضمير الغربي شرعنة أنواع من المقاومة.

وكما اقتنعت الجماهير الغربية اليوم بما تدعي الفلسفة أنه من نتائج البحث العلمي الدؤوب من الإلحاد واعتبار الأسرة شيء بدائي لا يجوز أن يثبت وغير ذلك من مزعومات تُنْسب للبحث العلمي وهو بريء منها، فقد اقتنعت الجماهير المسيحية (إنتهى أغلبها إلى الإلحاد والكفر)، بنتائج نظرية دارون التي قالت بأن أصل الإنسان حيوان، مع نفي حقيقة الخلق الدقيق! وذلك بعد أن وقفت في بادئ الأمر في جانب الكنيسة ضد نظرية دارون لكنها ما لبثت أن غيرت موقفها غضباً من الكنيسة الطاغية.. وفرحت بالانطلاق والتحرر.. ولو في إهاب الحيوان!

وأصبح «التطور» الدارويني الذي لبس مسحة العلم هو بداية تغيير كل شيء تحت مسمى «العلم»  فأخذ التحليل النفسي لفرويد «حيوانية الإنسان»  من دارون وأضاف أن هذا الإنسان الحيوان الغارق في الحيوانية دوافعه كلها جنسية فقال بأن الطعام جنس والشراب جنس والنوم جنس والصحو جنس والتبول والتبرز جنس والرضاعة جنس ومص الإبهام جنس والنشاط الفكري والنفسي كله نابع من هذه الفوهة الجنسية. فجعل الحياة كلها تنبعث في هذا «الجنس» حتى الدين والأخلاق[71]! «إنَّ أحداً لم يلوث الإنسان بمقدار ما لوثه فرويد» حين أصر على تفسير كل نشاطه بالتفسير الجنسي.. المغرق في الحيوانية..

«أسطورته الكبرى التي جعلها المحور الرئيسي لكل نظرياته.. أسطورة العشق الجنسي للأم، أخذها - باعترافه ] في كتابه[Totem & Tobooحدأ

 من مثال أورده دارون من عالم البقر! ففي عالم البقر تهيج الثيران في موسم الإخصاب، فتقتل أباها الشيخ ثم تقتتل فيما بينها على الأم، كل يريد الفوز بها لنفسه، فتموت الثيران الضعيفة أو تخور قواها مما تنزف من الدم، ويبقى الثور الأقوى، يفوز وحده بالأم، ويلبي معها داعي «الجنس»!

وفرويد.. في بساطة.. بلا تحرج ولا تأثم.. ولا تأنيب ضمير.. ينقل هذه الظاهرة الحيوانية إلى عالم الإنسان!.. وينسبها إلى البشرية الأولى، كأنما قد شهد مولدها وعاين تحركاتها[72] وسجل ما جرى لها من الأحداث!

ويغفل في بساطة.. بلا تحرج ولا تأثم ولا تأنيب ضمير.. أن بعض الحيوانات ذاتها يأبى الولد منها أن يطأ أمه ولو دُفع إلى ذلك دفعاً وعوقب على الامتناع بالضرب الأليم، ثم لا يكتفي بأن تكون تلك اللوثة المجنونة قد أصابت البشرية الأولى مرة.. بل يصر على تلويث الأجيال البشرية كلها.

أما «القيم».. فهي "الكبت" لذلك الجنس! هي الوقوف في طريق «النمو الحر للطاقة الجنسية»[73]! - التي يحبذها فرويد - المتسمة «بطابع القسوة حتى في صورتها الطبيعية العادية»[74] هي التي ينشأ عنها القلق والإضراب والعقد النفسية والانحراف والشذوذ»([75]).

إذن، فليتحرر الناس من القيم التي تحيل حياة الناس إلى جحيم ولينطلقوا بفلسفة فرويد كما انطلقوا في الغرب! - إلى السعار الجنسي، ولتكن العلاقات الشاذة هي الأصل، ولتزول البشرية التقليدية ولتكون بشرية التهجين العلمانية!

هذا النداء هو نداء المذاهب المادية المغموسة في حمأة الحيوانية ومستنقع البهيمية ونحن نرى اليوم، ونحن نعيش في الغرب، أن الحيوانية هي الأصل والإنسانية كما نعرفها في عالم الدين هي في فرع النسيان!

إنَّ مذهب «السببية» الذي غيَّر من مفاهيم الألوهية والوحي في الغرب هو مذهب عقلي يتجه إلى إزالة الله وما فوق الطبيعية من الكون كما يقول «جون برنتون» ويقول أيضاً: «إنَّ السببية تهدم كل ما بنته الخرافات والإلهامات والمعتقدات الخاطئة في هذا العالم» (يقصد المعتقدات الدينية) ثم يقول: «الإله في عرف نيوتن أشبه بصانع الساعة، ولكن صانع هذه الساعة الكونية - ونعني بها الكون - لم يلبث أن شد على رباطها إلى الأبد.. وإنه ليبدوا أنه ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلى إله صانع هذه الساعة الكونية، الذي لا يستطيع - إذا ما أراد - التدخل في شئون عمله»([76]).

هذا هو التعديل الذي طرا على مفاهيم الألوهية والوحي والبعث في عالم الغرب فأفسده وأورده مورداً مهلكاً، وهو التعديل الذي يطالب به د. فؤاد زكريا لولا استحالته في المجتمعات الإسلامية، للظروف، للألف قيد وقيد !!

فيقول: «هذا النوع من التعديل في المفاهيم الرئيسية يستحيل تصوره في مجتمعنا، بل إن محاولة كهذه تدان بشدة وتعرض صاحبها - ونحن في الربع الأخير من القرن العشرين - لأخطار معنوية ومادية شديدة» ([77]).

ولذلك فهو وإن كان قد سلك - نظرياً فقط! - طريق الفلسفة معرضاً عن لعبة النصوص، التي ستورطه في هيمنتها وهو ما يستكبر عنه ويأنف منه! فإنه يعذر العلمانيين الذين اتخذوا طريق «التلاعب بالنصوص الإسلامية»  واختراق الأسوار والهدم من الداخل لوجود ألف قيد وقيد، أشياء لم توجد بهذه الصورة الصلبة في ظروف أسياده الغربيون اللهم إلا في الماضي البعيد!

لقد قام البعض وتجرأ وقدح في الوحي القرآني وقام بعملية نقد استعار أدواتها من المستشرقين وفلاسفة المذاهب الحديثة، لكن هذا البعض قليل إذا ما قارناه بالذين يستبعدون «الوحي والنبوة»  من النقد الذي يسمونه «النقد اللاهوتي»  يستبعدون هذا النوع من النقد لعدم توفر ظروفه!!

 



([1]) المرجع السابق، ص 165.

[2]» مذبحة التراث، ص 24.

[3]» المثقفون العرب والتراث، ص 19.

([4]) المرجع السابق، ص 11، وقد ثمن طرابيشي (ص11) موقف طه حسين الشاذ في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) من أخذ الحضارة الغربية بخيرها وشرها، وطالب بقبول دعوة طه حسين " البديعة " بزعمه بدل النكوص عنها لمدة نصف قرن حتى الآن! ثم قال إن الأمر معركة وأنه لذلك صنع كتابه (المثقفون العرب والتراث) : " وكتابنا ... لا يخفي أنه يريد نفسه عن سبق قصد وتصميم متورطاً في المعركة..." وهو يسمي الفكر الإسلامي الصحيح ظلامية، كما أنه قد حرف في كتبه  التي نقد فيها حقائق القرآن وآيات الله معنى السببية في القرآن والتوفيق بينها وبين  دلالة المعجزات.

[5] - مترجم كتب د. محمد أركون وصديقه الحميم!

([6]) تاريخية الفكر العربي والإسلامي ص 36

[7] - العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، للمسيري، دار الشروق، ج1 ص 90. وما بين القوسين من تعليق المسيري نفسه. وقد وجدت ما يشبه هذا النص الذي نقله المسيري لعزيز العظمة في كتاب العلمانية في المشرق العربي، من تحرير لؤي حسين، دار بترا، ص98، فيقول: "اعتماد العلم بالتاريخ وبالجغرافيا بدلاً من الاهتمام بجبل قاف وبمعارك الجان والملائكة وتحول النار برداً وسلاماً والمشي على الماء، واتخاذ المدارس والجامعات بدلاً عن حلقات المساجد".

[8] - العلمانية الشاملة، للمسيري، ج1 ص 96،97.

[9]» تاريخية الفكر العربي والإسلامي، ص 277.

([10]) الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه، ص 61.

([11]) انظر الاستشراق السياسي، ص 45.

[12])) نقلاً عن هموم داعية، ص 92.

[13] - حقول الدم، كارين آرمسترونج، ص 476.

[14] - مقدمة الثقافة والأيديولوجية في العالم العربي، ص 28.

[15] - مذاهب فكرية معاصرة، للأستاذ محمد قطب، دار الشروق، ص 100.

[16] - دراسات في النفس الإنسانية. ص 63.

[17]- الصحوة الإسلامية في ميزان العقل.

([18]) آفاق الفلسفة ص 70.

[19] - مؤسس المدرسة الوضعية التقليدية (1798 – 1857) وهي المدرسة التي تؤمن بأن ما عدا قضايا العلم الواقعي المحسوس فإنه لا يعدوا أن يكون خيالاً أو كلاماً في كلام، ويعبرعن ذلك فيلسوف ألماني تأثر بـ «كونت» وهو «لودڨيج فورباخ» (1804 – 1872) فيقول: «الله كانت فكرتي الأولى.. والعقل فكرتي الثانية.. والإنسان بمحيطة الواقعي – هو فكرتي الثالثة والأخيرة»، الفكر الإسلامي الحديث، د. محمد البهي، ص 281. نقلاً عن بينات الحل الإسلامي وشبهات العلمانية ص 29.  وسنتكلم عن فيورباخ في فصل حسن حنفي بصورة أوسع.

([20]) انظر سقوط العلمانية، للجندي، في تعريف الوضعية ص 21.

([21]) الصحوة الإسلامية ص 39

 -[22] الصحوة الإسلامية، ص 39. الغريب أن فؤاد زكريا كان قد ذكر قبل صفحة واحدة من كلامه هذا أن أوروبا استفادت من تراث حضارتنا العلمية: "أما الذين انتفعوا حقا من هذا التراث فهم الأوروبيون، الذين أفادوا من جهود العرب في الميادين الفلسفية والفكرية والعلمية خلال الحقبة الأخيرة من العصور الوسطى... نتيجة لا مفر منها، هي أن الحضارة الأوروبية هي التي حفظت التراث العربي وصانته بالطريقة الصحيح"، في حين أنه قال عن الدين في الغرب: "وكان الدين يصارع الحقيقة العلمية بكل ما أوتي من قوة" ص 129.وقال: " فقد أتى العلم الأوروبي الحديث بعد فترة انقطاع زال فيها تماما أثر النهضة العلمية الإسلامية الشامخة في العصر الوسيط" ص 130. وعن معرفته بذلك التأثير واعتراف أوروبا به متأخرا انظر ص134. فقد اعترف بـ“ النهضة العلمية الإسلامية الشامخة في العصر الوسيط "، و" الامتداد الهائل للحضارة العربية الوليدة"(خطاب إلى العقل العربي ، فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010م،ص 33)،  وإن نادى بتجاوزها!!

[23] - يضع العلمانيون القرآن والسنة في التراث حتى يهدموهما مع التراث الإسلامي! ونحن لا نقبل أن نضع القرآن الكريم في خانة التراث لأن التراث فيه الحق والباطل، ثم هو كلام الله ووحياً إلى البشر وليس جزءاً من التراث صنعوه!

[24] - كانت الكنيسة تملك ثلثي أرض إنجلترا،  تاريخ أوروبا لفشر ص 262، وكانت أكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا وأكبر ملاك الأرض، قصة الحضارة، ويل ديورانت جـ14 ص 425. ولمزيد من التوسع انظر: مذاهب فكرية معاصرة، ص 42، 54، والتطور والثبات، ص 267.

([25]) انظر كيف نكتب التاريخ الإسلامي، ص 62.

([26]) انظر علل وأدوية، ص 99.

[27]) مقومات التصور الإسلامي، ص 44.

([28]) مقومات التصور الإسلامي، ص 44.

([29]) الفكر الإسلامي قراءة علمية ص 3، 2.

([30]) كما ذكر في كتاب الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص 187. ولي كتاب عن تلك المحاضرات التحريضية، لأركون  نرجو الله أن يصدر قريباً.

([31]) المرجع السابق، ص 189.

([32]) المرجع السابق، ص 197. من هذا النص تستطيع فهم موقفه من الدين والتدين والمتدين المسلم، بعيدا عن بقية ما نزل به القرآن من العقيدة والشريعة والحق والقيم والمبادئ.

[33] - ما بين القوسين من كلامه.

([34])  المرجع السابق، ص 202، والدكتور محمد أحمد خلف الله ولد في الشرقية سنة 1916، حصل على ليسانس الآداب لغة عربية سنة 1940، عضو الأمانة العامة لحزب التجمع اليساري، من أقواله: الإسلام دين العرب فقط، مخالفاً بذلك مفهوم الإسلام  ذاته بأنه دين عالمي، يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي بعد توبته العظيمة المهيبة: "أن محمداً صلى الله عليه وسلم كانت رسالته عالمية  لكل أمم العالم ولو كان نبياً مرسلاً فقط إلى الأمة العربية لما فكر في إرسال هذه الرسائل الأربع إلى حكام العالم المعروفين في ذلك الوقت  يدعوهم إلى اعتناق الإسلام هم وشعوبهم.. يؤكد القرآن بوضوح أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجنس البشري كله، قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (سبأ: 28).. إذن ليس ثمة ريب في أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسول من الله عز وجل إلى كل البشر دون تفرقة بسبب الجنس أو القومية أو الحدود أو اللغة أو اللون.. إن عالمية الرسالة المحمدية حقيقة ثابتة لا مراء فيها»، كتابه دفاع عن القرآن ضد منتقديه، ص 24، لكن د. محمد أحمد خلف الله كغيره من العلمانيين يردد أقوال المستشرقين، يقول الأستاذ فهمي هويدي: (الرأي السائد عند عديد من المستشرقين البارزين، الرواد مثل كيثاني وفلهاوزن وميبور والمحدثون مثل الإنجليزي  مونتجمبري وات والألماني رودي بارت، هو: "أن النبي لم يوجه  دعوته منذ بعث إلى أن مات إلا للعرب وحدهم " وهو نص عبارة السير وليم مور)، كتاب المفترون لفهمي هويدي، ص 185، ويقول خلف الله أيضا: «الله معبود عربي» وأول بيت له بني بأرض العرب، من قبل أن يكون الإسلام.. وهكذا  نستطيع أن نذهب إلى عروبة المرسل للرسالة (!)، التي تعرف باسم الإسلام (!) «ص 242 من كتاب الندوة» =                          = والمرسل للرسالة المدعي عروبته - يقول الأستاذ فهمي هويدي - ليس سوى الله سبحانه وتعالى «فالمقولة خطيرة وتفتح الباب لتجريح الاعتقاد». المفترون، ص 186.

[35]- خطاب إلى العقل العربي، ص 44. وهو في نسخة الهيئة العامة للكتاب الصادر عام2010م ، ص50.

[36]- الصحوة الإسلامية، ص 51، وفي هذا السياق تقول مني مكرم عبيد «نصرانية وعضوه في مجلس الشعب المصري وأستاذة في الجامعة المصرية»: «إن أخطر قرار أصدره عبد الناصر في مجرى صراعه مع الإخوان، كان تدريس الدين في مختلف مراحل التعليم»، من مقالة لها في جريدة الحياة اللندنية (11 يوليو 1997م العدد 12551).

3)) الصحوة الإسلامية، ص 156.

[38] -التطور والثبات في الحياة البشرية، ص 235.

[39] - يقصد الحضارة الإسلامية، وقال: "التاريخ لم يعرف للعرب حضارة متميزة إلا بالإسلام، كما أن الحضارة الإسلامية لم  تكن قط حضارة للعرب كجنس، إنما كانت نتاج الإسلام ذاته من جميع العناصر المسلمة التي دخلت في الإسلام، وهي تحمل طابع الإسلام لا طابع العرب، والعرب عنصر واحد من العناصر الكثيرة التي صنعت هذا الحضارة"، التطور والثبات، أ.محمد قطب ص 236.

[40]- كتاب «تجديد الفكر الديني» محمد إقبال، ص 250، نقلاً عن مذاهب فكرية معاصرة، ص 515.

[41]- مذاهب فكرية معاصرة، ص 516.

[42]- شبهات التغريب، أنور الجندي، ص 13.

[43]- سقوط العلمانية، أنور الجندي، ص 23.

[44] - حوارات الدكتور عبد الوهاب المسيري (2) العلمانية والحداثة والعولمة ، تحرير سوزان حرفي، دار الفكر، ص24.

[45]- نقد النص، ص 72.

[46]- جريدة الحياة، 16 مايو 1997 العدد (12495).

[47] - نقد النص، ص 72.

[48]- المرجع السابق، ص 44.

[49] - رئيس قسم الفلسفة (الإسلامية) – آداب القاهرة.

[50]- التراث والتجديد، ص 45، نقلاً عن المثقفون العرب والتراث، ص 217.

[51]- نقد النص، ص 43.

[52]- جريدة الحياة، 5/1/1998م.

[53] - الأستاذ منير شفيق، مفكر إسلامي فلسطيني، من مواليد القدس 1936، من عائلة مسيحية، عمل قبل انتقاله من أرض العلمانية إلى أرض الإسلام  في إطار الحزب الشيوعي الأردني حتى عام 1965 له كتابات قديمة ماركسية مثل «الماركسية اللينينية والثورة المسلحة»، «المركسية اللينينية ونظرية الحزب الثوري»، «في علم الحرب»، وبعد إيمانه بالإسلام وتركه للماركسية ألف «الإسلام في معركة  الحضارة»، «الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر»،«ردود على أطروحات علمانية»، "العلمانية والديمقراطية في التجربة الغربية"، "في الحداثة والخطاب الحداثي"، "تجارب ست ثورات عالمية"، "في نظريات التغيير"، "النظام الدولي الجديد وخيار المواجهة"،"تجربة محمد علي"، "الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات"، "الدولة والثورة رد على ماركس ، انجلز، لينين، ومقاربات مع الرؤية الإسلامية".

[54]- جريدة الحياة، 28/1/1998.

[55]- جريدة الحياة، 6/3/2000.

[56] - العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، للمسيري، ج2 ص 464.

[57]- تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص 181.

[58]- المرجع السابق، ص 115.

[59]- المرجع السابق، ص 118.

[60]- نقد النص، ص 30.

126- المرجع السابق، ص 30.

[62]- مذبحة التراث، ص 118.

[63] - الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، ص 156.

[64]- المرجع السابق، ص 157.

[65]- المرجع السابق، ص 155

[66]- المرجع السابق، ص 153.

[67]- المرجع السابق، ص 115. وضرب ص 157مثلا على اصحاب هذا الموقف بمحمد احمد خلف الله، ومحمد عمارة وخالد محمد خالد (طبعا قبل هدايتهما)، والمدهش أن عمارة واجه زكريا فيما بعد في مناظرات عديدة.

وفي هذا السياق نعرض كلاماً للمسيري عن جاك دريدا اليهودي واتجاهه التفكيكي: "وهذا يفعله أيضاً بعض مؤرخي الأفكار في الغرب، خاصة سوزان هاندلمان.. التى ترى أن المثقف اليهودي الذي يحاول تحطيم النص المقدس لجأ للخديعة بدلاً من المواجهة السافرة...فلم يعلن اليهودي رفضه للحضارة الغربية، بل زعم أنه سيحاول تفسير نصوصها الأساسية تفسيراً جديداً، ولكن تفسيره كان في واقع الأمر تفكيكاً لهذه النصوص وتقويضا لها، أي إنه ألبس هرطوقيته لبوس الهرمنيوطيقا واستخدام آلياتها...إنها فرض اللامعنى بوصفه المعنى، وفرض الظلام بوصفه النورالحداثة وما بعد الحداثة للمسيري وفتحي التريكي، دار الفكر، ص 140.

[68] - العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، للمسيري، دار الشروق، ج1 ص 178.

[69]- نيتشه، للدكتور فؤاد زكريا، ص 125،46، 133، 134. وذكر المسيري أن فوكو الفيلسوف الفرنسي كان شاذاً جنسياً: "فإذا كان المرء ذكراً فيمكنه أن يمارس الجنس مع ذكر مثله... مثل فوكو الفيلسوف الفرنسي مثلاً...ويقال إن فيلسوف النفعية جريمي بنتام كان يحب ملاعبة القرود بطريقة جنسية"، العلمانية الشاملة ج1 ص 257. وهناك في الغرب من: "يحاول أن تُجرى له عملية جراحية ليصبح من الجنس الآخر(والعكس بالعكس)... المساواة تحت رايات الحداثة تصل إلى درجة إنكار الأصل والمركز تماما!" العلمانية الشاملة ج1 ص 257. ويقول أيضاً: "وقد صرح فوكو وكان شاذاً جنسياً، يمارس السادية/المازوكية، ويتردد على عاصمة الشذوذ الجنسي في العالم (سان فرانسسكو)، أن لحظة الإنعتاق الوحيدة التي كان يشعر بها، هي لحظة ممارسته الجنس على الطريقة السادية المازوكية..إذ لا يبقى في العالم سوى جهازه العصبي وخلاياه وصيرورته الكاملة"، الحداثة ومابعد الحداثة، للمسيري وفتحي التريكي، ص91.

 

 

[70]- المرجع السابق، ص 157.

[71] - استقذر«الدين والأخلاق» وادعى أن التسامي نوع من الشذوذ! كما في كتابه « Three Contributions to the sexuel theory» ص 82. وفي كتابه « The ego & the id» ص 80 يقول «إنَّ الأخلاق تتسم بطابع القسوة حتى في درجاتها الطبيعية العادية»!! انظر التطور والثبات، ص 19، 20، ودراسات في النفس الإنسانية، ص 174، 200، 361.

[72] - قال تعالى ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ وتنطبق الآية على شياطين الإنس والجن.

[73] - يقول في كتابه Three Contribution  ص 85 "إن الحضارة تتعارض مع النمو الحر للطاقة الجنسية"!

[74] - وفي كتابه The ego & the id ص 80 يقوا "إن الأخلاق تتسم بطابع القسوة حتى في درجاتها الطبيعية العادية"، انظر التطور والثبات في حياة البشر، ص 51.

([75]) دراسات في النفس الإنسانية، ص 360، 361.

([76]) چون برنتون، منشأ الفكر الحديث، ترجمة عبد الرحمن مراد ص 27 نقلاً عن حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية ص 57، 58.

لقد درس المسلمون ما امتدت إليه عقولهم من الكون وتعرفوا على بعض أسراره في حضارتهم واكتشفوا، أن هناك سبباً لكل شيء يحدث في الكون من نور وظلام وكسوف وخوف، ورياح ومطر، وجدب وخصب وزيادة ونقص... إلخ، ولكن اكتشاف «السبب الظاهر» لم  يكن فتنة لهم كما كان بالنسبة لنيوتن ومن بعده العلماء! فلم يجعلوه بديلاً عن السبب الحقيقي (قلت: موجب الأسباب وخالقها وهو سببها كلها)، وهو الله سبحانه وتعالى، فلم يستغنوا به عن الله  ولم يتصوروا أن له حتمية تقيد مشيئة الله الطليقة بحيث يعجز سبحانه عن التصرف في الكون بما يشاء، كما توهم نيوتن وغيره»، مذاهب فكرية معاصرة، ص 251. 

[77]- الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، ص 157. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق