الظاهرة المقدسية في توسيع باب تكفير المسلمين
الأربعاء 29 مارس 2017

 

 

 د. سلطان العميري

من أعظم ما ابتليت به الأمة التساهل في تكفير المسلمين وإنزال أحكامه عليهم، فكم كانت لهذا المنهج من آثار! وكم ترتبت عليه من مفاسد! .

والتساهل في التكفير له صور متعددة، ومن أكثر صوره انتشارا في عصرنا: تقرير القواعد وتأسيس المبادئ وبناء الاستدلالات التي تؤدي بصورة مباشرة إلى تكفير المسلمين وإخراجهم من الملة من غير تصريح بذلك!!

ومن أشهر من يماس هذه المنهجية: أبو محمد المقدسي، فإنك تراه في كثير من المشاهد في الثورة السورية يكتب مقالات ويصدر فتاوى يقرر فيها أقوالا ويركب استدلالات واستنباطات تفتح الأبواب مشرعة لتكفير من يتحدث عنهم، ولا يبق بين كلامه وبين التصريح بالنتيجة إلا التلفظ الكلامي فقط، ولكنه لا يصرح بتكفير من يتحدث عنه ويسكت عن ذلك، ثم إذا أخذ بعض الناس أقواله وكفر أعيان المسلمين، قال: لم أصرح بالتكفير، وإنما بينت الحكم العام فقط!

ومن آخر ما قام به المقدسي: تعليقه على حوار المتحدث الرسمي لحركة أحرار الشام: أحمد قرة علي عن الموقف الديمقراطية، فإنه – أعني المقدسي- كتب مقالا في التعليق عليه تتجلى فيه صور التساهل في التكفير بأوضح معالمها، حيث يقول: "هل غادر (الأحرار) الأحرار !؟

يجب على كل مسلم أن يعلم أنّ من يُقاتل ليُسقطَ طاغوت الحاكم ؛ويُقيم طاغوت الشعب! فيَجعل الشعبَ هو من يُقرّر نوعَ الحكم والقانون والدستور!

فهذا لا يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ بل لتكون كلمة الشعب هي العليا! ومن فعل هذا فهو ليس مجاهدا في سبيل الله؛ بل هو مقاتل في سبيل الطاغوت.

قال الله تعالى:( الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوت)، وقد بَيّن النبي ﷺ أن ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله )، وكلمة الله هي توحيده في حكمه وتشريعه وألوهيته.

في لقاء صحفي مع المتحدث الرسمي باسم أحرار الشام (أحمد قرة علي)، وردّا على سؤال الجزيرة: (كيف ستكون سوريا ما بعد الأسد في نظرك؟) جاء في إجابته:

(الأمور السياسية الكبرى سيقررها الشعب ؛مثل شكل الحكومة التي ستمثل هويتهم، الدستور والقانون. كل هذا سيقرر عبر الاستفتاء الشعبي، من قبل مختصين في مجال القانون و الدستور. كل هذا سيتم بالتعاون مع كل الفصائل و الجهات الثورية.)اهـ

وعند سؤال الجزيرة له إذا ما اختار الشعب نظاما ديمقراطيا للحكم بدون أي مبادئ دينية، هل ستشارك فيها احرار الشام؟

قال: أحرار الشام لن تعارض أو تنتقد هذا !!! في هذه الحالة ان كانت احرار الشام ستكون معارضة سياسية، أو ستتغير نشاطها وتكون حركة دعوية، منهجية أو سياسية، شيء لا أعرفه. هذا سيقرره القيادة عندما يأتي وقتها.) اهـ

إذن فنحن بعد مغادرة الأحرار؛ للأحرار! صرنا أمام حركة وطنية ديمقراطية واضحة. ترضى بالخيار الديمقراطي! وتقبل بما ستختاره أغلبية الشعب! أيّاً كان هذا الخيار!"

إن من يقرأ كلام المقدسي الذي افتتح به تعليقه يشعر بأنه قادم على كفر صريح لا لبس فيه ولا غموض، وأنه سيقف على كلام محقق، يقيني في ثبوته ودلالته، وأن طائفة من المسلمين وقعت في كفر ظاهر يوجب دخولهم في جزب الطاغوت، ولكن القارئ يكتشف أن الأمر ليس كذلك !!

فالمقدسي يبني أحكام التكفير، ويفح أبوابه مشرعة على عبارات لم يتحقق منها، وعلى فهم خارج عن دلالات اللغة والعرف، فماذا يسمى هذا الصنيع عن العقلاء؟!

وتساهل المقدسي في التكفير في هذا الكلام يظهر من جهتين :

الجهة الأولى: لعل المقدسي يعلم أن الكلام الذي يعلق عليه كان بلغة أخرى، وأنه نقل إلى العربية، فهناك-كما هي العادة الغالبة- احتمال أن يقع غلط في الترجمة أو في فهم المعنى، ولكنه لم يراع ذلك، وجزم بأن الأستاذ أحمد قال الكلام المذكور في الترجمة بنصه.

وكان الواجب عليه، وهو يتحدث بجزم ويقين في مقام الحكم على الآخرين العاملين في الدفاع عن الإسلام، وفي مقام التكفير والتضليل أن يحتاط كثيرا في ثبوت الكلام الذي سيحكم عليه وفي دقته.

ويزداد وجوب ذلك ما نعلمه جميعا من أن الترجمات ونقل الأفكار من لغة إلى أخرى يقع فيه كثير من الغلط في الفهم أو في تعبير المترجم، ولكن المقدسي أعرض عن هذا كله، وطفق يبني أحكامه وتحليلاته على كلام لم يتحقق من دقته.

وقد ذكر عدد من المتابعين للحوار أنه وقع خطأ في ترجمته، وأن الجزيرة قامت بتعديل الخطأ، بل إن أحرار الشام نفسها نقلت النص الأصلي للحوار، وجاء فيه: أحرار الشام لن تواجه أو تقاوم خيار الشعب بالقوة. في هذه الحالة، سواء اتخذت أحرار الشام موقف المعارضة السياسية أو قررت تغير أنشطتها لتتحول إلى أنشطة متعلقة بالدعوة، ايدلوجية أو سياسية، هذا أمر لا أعرفه. هذا الأمر ستقرره القيادة عندما يحين وقته".

الجهة الثانية: على التسليم بأن ترجمة كلام الأستاذ أحمد كانت دقيقة وموافقة لما قاله، فإن المقدسي وقع في نوع آخر من الخطأ، وذلك أنه حمل كلام الأستاذ أحمد ما لا يحتمل لا في اللغة والعرف، فإنه حين سئل عن الموقف من الشعب إذا قبل بالديمقراطية قال بالنص الذي نقله المقدسي: "أحرار الشام لن تعارض أو تنتقد هذا"، وفهمها المقدسي على أنه يعلن الرضا بالديمقراطية! حيث يقول معلقا: "إذن فنحن أمام مغادرة الأحرار للأحرار، صرنا أمام حركة وطنية ديمقراطية واضحة، ترضى بالخيار الديمقراطية، وتقبل بما سيختاره أغلبية الشعب، أيا كان ذلك الخيار".

هكذا تحول كلام الأستاذ أحمد من (لن نعارض أو ننتقد) إلى (نرضى ونقبل ونسلم!!!)، وكل عاقل عربي يدرك الفرق بين معاني تلك الكلمات، فلا يلزم عقلا ولا شرعا من عدم المعارضة والنقد للمنكر القبول أو الرضا به، وهناك صور كثير لم يظهر فيها العلماء والصادقون المعارضة والنقد، ولا يعني ذلك أنهم قبلوا بالمنكر أو أنهم راضون به.

فأنت ترى أننا وقعنا في رحلة من التحريفات، تحول الكلام الأصلي فيها من (لن توجه الشعب) إلى (لن تعارض الشعب)، ثم تحول الكلام عند المقدسي من (لن تعارض الشعب) إلى (نرضى بما يختاره الشعب).

فهذه الشواهد الواقعة في هذا التعليق المختصر الذي كتبه المقدسي تثبت بوضوح أننا أمام ظاهرة جديدة من التساهل في تكفير المسلمين، تقوم على التساهل في إثبات وقوع المكفر وعلى المبالغة في التشويه وحمل الكلام على غير محامله القريبة، وتعتمد على تغليب سوء الظن بالمسلمين وعلى تقديم المعاني الباطلة على المعاني الصحيحة الممكنة.

إن هذا المشهد ليس الأول من المقدسي، وإنما هو ضمن سلسلة من المشاهد تتكرر على المتابع للشأن السوري، فهو ليس خطأ مجردا، وإنما هو مبني على خطإ في المنهج والتفكير.

فما يمارسه المقدسي في تعليقاته وفتاويه المتكررة تمثل نموذجا بارزا من نماذج التساهل في التكفير، وينبغي على المتابع للظاهرة المقدسية أن يتعامل معه على هذا النهج، فينظر في طريقة بنائه واستدلال للأحكام التي يصدرها ونوع التراكيب والعبارات التي يعتمد عليها في مخاطبة متابعيه، وسيجد أنه يعد من  أشد المؤسسين للتوسع في تكفير المسلمين في عصرنا الحاضر، وإن لم يكن يصرح هو بالنتيجة المباشرة.

والغريب بعد ذلك كله أن المقدسي نفسه نجده يحكم على من يطلق الأقوال في التكفير ويتساهل في بناء الأحكام العامة واعتماد البيانات الظنية بأنه واقع في انحراف يجب الرد عليه، حيث يقول في التقديم لكتاب أبي قتادة الفلسطيني: "جؤنة المطيبين": "فمثل هذه الإطلاقات الفضفاضة الغير منضبطة يجب أن تجتنب عند الكلام في مباحث الكفر والإيمان، فقد قلت لبعض من زعم أن مصنف كتاب "كشف شبهات المقاتلين تحت راية من أخل بأصل الدين" لم يصرح بكفر الطالبان، متهما أخانا أبا قتادة بالافتراء عليه، وتقويله ما لم يقل، نعم قد لاحظت عدم تصريحه بذلك على مدى الكتاب، ولكنه حشد ما حشد من الدلائل كي يدلل على إخلال الطالبان بأصل الدين، كما هو عنوان كتابه، وهو الشيء الذي أناط به بطلان القتال تحت رايتهم، وجعلهم من أولياء الشيطان، وجعل سبيلهم وسبيل أمثالهم -كما في إطلاقه في عباراته السابقة - هو عين سبيل الطاغوت، فأي شيء يعني الإخلال بأصل الدين والإيمان عند الكلام في أبواب الإيمان والدين، إلا الكفر ومناقضة الإسلام".

وهذا الكلام ينطبق تمام الانطباق على ما قرره المقدسي في التعليق على حوار أحمد قرة الأخير، وعلى كثير من المشاهد في الثورة السورية، فالمقدسي يحكم على المقدسي ويحذر منه.

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق