سطور من الذاكرة\العدد مائة وستة وستون - رجب 1438 هـ
ثورات الخوارج (6) الخروج في عام الجماعة
الأربعاء 29 مارس 2017

 هيثم الكسواني – كاتب أردني

خاص بالراصد

يُثير تمرّد الخوارج على المسلمين في سنة 41هـ الكثيرَ من الأسى، ففي ذلك العام اجتمعت كلمة المسلمين بعد خمس سنوات من الخلاف والانقسام والحروب، وسُمّي بعام الجماعة، بعد أن تنازل الحسن بن علي، رضي الله عنهما، عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، رغبةً منه في حقن دماء المسلمين، وإعادة الوفاق إلى الأمة.

وحقّق ما أقدم عليه الحسنُ، رضي الله عنه، الخيرَ لهذه الأمة، وحقق بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، من أن حفيده الحسن سيدٌ، وسيُصلح الله به بين فئتين من المسلمين. يقول الإمام ابن كثير، رحمه الله: "وقد مدَحه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على صنيعه هذا، وهو ترْكه الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقْنه دماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة وجعل المُلك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد"([1]).

أما الخوارج –في القديم والحديث- فأصحاب مشروع عبثي تدميري، لا يَنظر لخير الأمة أو مصلحتها، فسرعان ما استأنفوا ثوراتهم وحركاتهم التخريبية، غيرَ آبهين بالصلح الذي تمّ بين المسلمين، ولا عودة الوئام إلى صفوفهم. بل العكس من ذلك، فالخوارج "لم يكونوا راضين عن معاهدة الصلح التي أُبرمت بين الحسن ومعاوية، فنيران الثورة التي كانت تتأجج في صدورهم لم تطفئها هذه المصالحة، بل وجدوا فيها تحطيما لطموحهم الذي كان يرمي لأخذ الحكم من كلا الطرفين. وربما شعروا أن هذه المعاهدة تشكل خطرا على كيانهم ووجودهم، فقد يكون تصالحُ الفريقين على حساب تصفيتهم"([2]).

وإذا كان مِن محاسن هذا الصلح أنه جمع كلمة الأمة تحت قيادة واحدة، وأدّى إلى أن يستأنف المسلمون فتوحاتهم في مشارق الأرض ومغاربها، فإن من محاسنه أيضًا أن الدولة بدأت تتفرغ للخوارج، وتضيّق عليهم([3]).

وقد مرّ بنا مِن قبل أن الخوارج رفضوا التحكيم الذي تم بين عليٍّ ومعاوية، رضي الله عنهما، في أعقاب معركة صفّين سنة 37هـ، فقد اعتبر الخوارجُ التحكيمَ شركًا بالله! وكفّروا الصحابة بذلك، معتبرين أنهم حكّموا الرجال في دين الله، في حين أن الله سبحانه وتعالى يقول "إن الحكم إلاّ لله". وقد نتج عن هذا الفهم السقيم لآيات القرآن الحكيم قتال الخوارج للصحابة، الذين رضي الله عنهم ورسولُه، واغتيال خليفة المسلمين، عليّ بن أبي طالب، ومحاولة اغتيال عددٍ من الصحابة، أمثال الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، رضي الله عنهم.

هي ذاتها الأفهام السقيمة، التي ترى الصلحَ انحرافا، ووحدة الأمة شِركا ينبغي مواجهته وإزالته، لذلك لم يكد الحسن يتنازل لمعاوية في ربيع الأول من سنة 41هـ، ويغادر الكوفة، حيث تم التنازل والبيعة، متوجها إلى الحجاز، حيث اختار الإقامة، حتى قام الخوارج بأولى ثوراتهم في العهد الجديد، وكانت البداية مِن قبل 500 شخص منهم، بقيادة فروة بن نوفل الأشجعي، كانوا قد اعتزلوا القتال أيام عليٍّ، رضي الله عنه، ولم يشاركوا إخوانهم الخوارج في محاربته في معركة النهروان، سنة 38هـ.

لكن ما إن تناهى إلى أسماعهم تولي معاوية الخلافة، حتى عزموا على الخروج من "قُمقمهم" ومحاربة الخليفة الجديد "معاوية"، فهذا الصحابي عندهم كافرٌ منذ حادثة التحكيم، وليس بينهم وبينه إلاّ السيف([4]).

وفور تولي معاوية الخلافة استلّ هؤلاء الخوارج سيوفَهم، وقالوا: "جاء ما لا يُشكّ فيه، فسِيروا إلى معاوية فجاهِدوه. فساروا حتى قربوا من الكوفة، وعليهم فروة بن نوفل، فبعث إليهم معاويةُ خيلاً من أهل الشام فطردوا الشاميين"([5])، وفي الوقت الذي كان معاوية حريصًا فيه على جمع شتات الأمة بعد الصلح مع الحسن، وتجنّب إراقة الدماء، والعمل على رأب الصدع، وجمع القلوب، وإبداء المرونة مع أنصار عليٍّ، حتى الذين لم يبايعوه منهم في البداية، إلاّ أنه أدرك عظم خطر الخوارج وكارثية ما قاموا به ضد الخليفتين عثمان وعلي، رضي الله عنهما، وأن التساهل معهم خطأ كبير، لذلك كان القرار استعمال القوة معهم([6]).

وإزاء الهزيمة التي تعرّض لها جند الشام التابعين لمعاوية على يد الخوارج، في بادئ الأمر، كان على معاوية مواصلة العمل للقضاء على هذه المشكلة الخطيرة، والتي ستتفاقم إذا تُركت، وهنا استعمل معاوية "تكتيكا" آخر، وهو إشراك أهل الكوفة على محاربة الخوارج، ليَحرمهم من الحاضنة الشعبية التي يتقوون بها ضد الدولة، قائلاً لهم: "لا أمان لكم عندي حتى تكفّوا بوائقكم‏.‏

فخرجوا إلى الخوارج، فقالت لهم الخوارج‏:‏ ويلَكم، ما تبغون‏؟‏ أليس معاوية عدوّكم وعدوّنا‏؟‏ فدعُونا حتى نقاتله، فإن أصبناه كنّا قد كفيناكموه، وإن أصابنا كنتم قد كُفيتمونا‏.‏

فقالوا‏:‏ لا والله حتى نقاتلكم‏.  ‏

فقالت الخوارج‏:‏ يرحمُ الله إخوانَنا من أهل النهر، كانوا أعلم بِكم يا أهل الكوفة، فاقتتلوا فهزمهم أهلُ الكوفة وطردوهم"([7]).

وإضافة إلى إشراك قبائل الكوفة بمقاتلة الخوارج، دفعها معاوية إلى إقناع أبنائها المتورطين في الخروج على الدولة وولي الأمر، مستعملاً أدوات متعددة، وليس القوة العسكرية فقط، حتى يتسنّى له تشتيت جمع الخوارج بإبعاد قادتهم، وبالفعل تمكنت قبيلتا طيء وبنو شيبان من إقناع بعض أبنائهما من قادة الخوارج، وقامت قبيلة أشجع بإرجاع ابنها فروة بن نوفل قهرا، بعد رفضه النصح والموعظة، غير أن انسحاب هذه العناصر البارزة لم يمنع الخوارج من اختيار قائد جديد، هو عبد الله بن أبي الحوساء، ومواصلة الخروج وبثّ الفوضي([8]).

نظّم ابن أبي الحوساء صفوف الخوارج، وخاض بهم معركة خاسرة انتهت بمقتله ومعظم أتباعه، في ربيع الأول، (وقيل: في ربيع الآخر) من ذلك العام، عُرفت بمعركة النخيلة، نسبةً إلى ذلك المكان القريب من الكوفة، وعُدّت تلك المعركة ثاني ضربة قويّة تلقّاها الخوارج بعد معركة النهروان، نظرًا لعدد الذين هلكوا فيها وقيمتهم([9]).

وبعد مقتل ابن أبي الحوساء، آلت قيادة الخوارج إلى حوثرة بن وداع الأسدي، وكان في 150 من أصحابه، اجتمعوا مجددًا في النخيلة، وانضمّ إليهم الناجون من المعركة السابقة، وقد كان حوثرة يرى صحّة قتال الخوارج لعليٍّ، إذ كان يعيب على فروة تركه القتال واعتزاله([10]).

ولم يكن حالُ الخوارج في هذه المرة بأحسن من حال أسلافهم، إذ قامت قبائل الكوفة مرّة أخرى لتحاربَهم، وهو ما دعا حوثرة إلى أن يخاطبهم بقوله: "يا أعداء الله: أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدّوا سلطانه، واليوم تقاتلون معه لتشدّوا سلطانه"([11])! في إشارةٍ منه إلى أن أهل الكوفة كانوا إلى وقت قريب في صفّ عليٍّ والحسن ضد معاوية.

وفي تفسيرها لتغيّر موقف أهل الكوفة من الخوارج، ترى د. البكاي أن القبائل أدركت قوة معاوية، إضافة إلى نفور بعضهم من الخوارج بسبب موقفهم من عليٍّ وخروجهم عليه ثم قتله، كما أنها لم تستبعد أن بعضَهم حارب الخوارج رغبةً منهم في إنهاء الحروب والانقسامات التي عاشتها الأمة، والعودة إلى الوحدة([12]).

نجح معاوية، رضي الله عنه، في الثبات على هدفه الاستراتيجي بمحاربة الخوارج والقضاء عليهم للحفاظ على وحدة الدولة الإسلامية مع ابتكار الأساليب المتعددة في محاربتهم، وهو ما جاء انعكاسا لشخصيته وحنكته ودهائه، فإضافة إلى سياسته بإشراك قبائل الكوفة في محاربة الخوارج، والطلب منها استرجاع أبنائها من أيدي الخوارج المتمردين، حاول معاوية التأثير على قائد الخوارج، حوثرة، من خلال إرسال والده إليه ليقنعه بالانسحاب، فلم يسمع حوثرة لنداء والده، ولم يزده ذلك إلاّ قساوة، فعرض أن يُرسل إليه ابنه لعلّه يثير فيه عاطفة الأبوّة، لكن حوثرة ظلّ على عناده وقسوته، كما هي عادة الخوارج، بل قال: "أنا إلى طعنةٍ من يد كافر، أتقلب فيه ساعة أشوق مني إلى ابني"([13]).

عند ذاك، يئس معاوية من حوثرة والخوارج، فأرسل إليهم عبدَ الله بن عوف، في جمادى الآخرة من العام نفسه، في ألفي مقاتل، فألحقوا بالخوارج هزيمة منكرة، وقُتل حوثرة وأكثرُ أصحابه، ومِن غريب ما يُذكر في هذه المعركة أن قاتلَ حوثرة (ابن عوف) ندم عندما رأى أثر السجود على جبهة حوثرة، ظنًّا منه أنه قَتل إنسانا صالحًا ورِعًا، وأنشد في ذلك يقول:

قتلتُ أخا بني أسدٍ سفاهاً                 لِعمر أبي فما لقيتُ رشدي

قتلتُ مصلياً محياء ليلٍ                   طويلَ الحزن ذا برٍّ وقصدِ

قتلت أخا تقىً لأنال دنيا                          وذاك لشقوتي وعثار جدي

فهب لي توبةً يا رب واغفر               لِما قارفت من خطأ وعمدِ([14])

 

والحقيقة أن تلك الأبيات من قائد الجيش الأموي المحارِب للخوارج تكشف عن سذاجةٍ وعاطفةٍ في غير محلّها، وجهلٍ بحال الخوارج الذي بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه الإمام مالك في الموطأ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرميّة تنظر في النصل فلا ترى شيئا، وتنظر في القدح فلا ترى شيئا، وتنظر في الريش فلا ترى شيئا"، ... وهو ما يتكرّر اليوم مِن قِبل كثير من الناس (بل وبعض العلماء والدّعاة) الذين أحسنوا الظنّ بالخوارج المعاصرين من أفراد القاعدة وداعش وجماعات التكفير، لِما رأوه منهم مِن شدّةٍ في القتال، أو التزامٍ ببعض السنن أو المظهر الإسلامي، أو رفعهم لشعارات الخلافة وتطبيق الشريعة، فلبّسوا على الناس، وحسّنوا لهم أفكار الخوارج وأعمالهم.

لم تنتهِ ثوراتُ الخوارج في عهد معاوية عند هذا الحدّ، بل أخذت تتوالى وتتكاثر، لكن ما ذكرناه آنفا كان يتعلق بالثورات وحركات التمرّد التي أعقبت الصلح الذي تمّ بين الحسن ومعاوية مباشرة، فالخوارج –كما أسلفنا- لم يُعطوا للمسلمين فرصة ليتجاوزوا آثار الحرب والخلاف، أو يلتقطوا أنفاسهم، فأولى الثورات لم يفصلها عن الصلح سوى أيام قليلة.

ولم يضع الخوارج الأقدمون في اعتبارهم وحدة المسلمين، وهو سلوك لا يختلف عند الخوارج المعاصرين، فقد رأينا تنظيمي "داعش" و"النصرة" وما تناسل منهما تشقّ صفّ المجاهدين في الشام كلّما أرادوا توحيد صفوفهم، وتطعنهم من الخلف، وتعتدي عليهم، وتستولي على بلادهم ومناطقهم، وأصبح المجاهدون -بدلاً من أن يُحاربوا النظام النصيري المعتدي وأعوانه ويريحوا البلاد والعباد من شرورهم- ينشغلون بردّ اعتداءات داعش عليهم، ما أدّى إلى تراجع المجاهدين وهزيمتهم على أكثر من جبهة.

أما ثورات الخوارج الأخرى التي شهدها عهد معاوية فنتحدث عنها في العدد القادم إن شاء الله.   

 

المراجع

1-  الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، طبعة مؤسسة المعارف ودار ابن حزم، بيروت، 1430هـ، 2009م.

2-  ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية.

3-  د. علي بن محمد الصلاّبي، الحسن بن علي بن أبي طالب شخصيته وعصره، دار الإيمان للطبع والنشر والتوزيع، الاسكندرية، 2004م.

4-  د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي: نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، أدبهم، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الخامسة، 1425هـ - 2004م.

5-  د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأمويّ خلال (37 – 132هـ)، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، أيار (مايو) 2007م.

 



[1] - الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1568.

[2] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 114 – 115.

[3] - د. علي بن محمد الصلاّبي، الحسن بن علي بن أبي طالب شخصيته وعصره، ص 374 – 375.

[4] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأمويّ، ص 58.

[5] - الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1572.

[6] -  د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأمويّ، ص 58.

[7] - الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1572.

[8] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 59، و د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 115.

[9] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 59.

[10] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، أحداث سنة 41هـ.

[11] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 116.

[12] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 60.

[13] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، أحداث سنة 41هـ.

[14] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، أحداث سنة 41هـ.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق