فرق ومذاهب\العدد مائة وستة وستون - رجب 1438 هـ
أقطاب العلمانية (2) طارق منينة
الأربعاء 29 مارس 2017

 تباشر الراصد نشر الطبعة الجديدة من كتاب الأستاذ الباحث طارق منينة "أقطاب العلمانية" على حلقات، وهو الكتاب الذي سدّ ثغرة كبيرة في المكتبة العربية قديمًا، وتحوي هذه الطبعة مزيدًا من الإضافات والفوائد.

 

الفصل الأول

الإسلام وحضارته والعلمانية ومدى مشروعيتها

قام المجتمع الإسلامي على مشروعية إسلامية ومقومات ربّانية، وقامت حضارة المسلمين على ثوابت الإسلام ومبادئ القرآن، وعلى هدي السنة النبوية التي أرساها وأحياها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

انطلق المسلمون يقيمون مجتمعاتهم، التي نشأت أصلاً تحت ظلال القرآن وقيَمه، ويبنون حضارتهم التي كوّن أساساتها الوحيُ، ويطوّرونها داخل هذه الأطر المجيدة، انطلقوا غير مخالِفين ولا معارضين ولا معترضين على الشريعة الإلهية القرآنية والقائمة على العدل والتوازن، والهادفة إلى تحقيق سعادة الإنسان في الدّارين، فلم يتبعوا سنن اليونان الأسطورية الوثنية في النظر للكون، ولا تبنوا فلسفاتهم الخرافية، بل قاموا بإصلاح ما ورد من أخطاء في تلك النظريات اليونانية، وما ارتبط بها من خرافات عن الكون ونشأته والمرأة والكواكب.

فكانوا إذا مدّوا أبصارهم إلى السماء –وكان القرآن قد وجّههم إلى دراسة الكون وتعقّل آياته وتسخيرها-، وأيديهم إلى باطن الأرض وكنوزها وخُضرها وطعامها ومائها، ومشوا في مناكبها، يرسمون الخريطة ويدرسون الجغرافيا، ويكتبون عن تاريخ الشعوب والفِرق والأعراق والأفكار، وينظرون ويلاحظون ويقارنون ويكتشفون ويُنجزون، ويبحثون ويقيسون ويجرّبون ويخترعون مناهج العلم والنظر، ويصنعون ويبدعون ويبتكرون ويطبّبون ويعالجون، وكانوا يمشون على هدي الدعوة الربانية للنظر والتدبر والتفكر.

وكانت تعاليم  القرآن وإشاراته إلهامًا على سلوك هذا السبيل لإقامة العمران البشري على جناحي المعرفة الحقّة: معرفة إله هذا الكون البديع، ومعرفة طريقة الحياة على الأرض بما يحفظ للإنسان حياته وأمنه، ويمنحه السكينة والاطمئنان فيما هو يثوِّر الأرض ويطوِّر الحياة عليها!

وكانت فتوحاتهم هائلة في عالم الأرواح وتزكية النفوس، وعالم الأبدان وصحة الأجساد، أي في علوم الدنيا والدين معًا.

لقد حوى القرآن منهجاً كاملاً للحياة، يشمل جزئيات الحياة جميعها، بما فيها العلم، ولقد وضع كل جزئية في مكانها الصحيح، وهذا الأمر بالذات هو أهم ما قدّمته الحركة العلمية الإسلامية التي لم يكن نشاطها في ظل الوحي الإلهي مضاداً ولا معاكساً لبقية احتياجات الفطرة وبقية الحاجات النفسية والحيوية([1]).

ولقد تطور المسلمون انطلاقاً من هذا "الوحي الرباني" الذي حثهم على النظر في الكون، وأوجب عليهم تدبر آيات الله والتعرف عليها، في عبودية تامة من الإنسان الخليفة والمكرَّم تكريما إلهيا: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: الآية 164[.

وهو سبحانه هنا، لا يتكلم عن عالم السحر والخرافة  كما زعم  العلماني الجزائري- الفرنسي، محمد أركون في بحوثه([2])، ثم يدعو القلب للتعامل معه!، وإنما يدعو قوماً عقلاء إلى تدبر الآيات، آيات السماوات والأرض﴿ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾!!!

ولنترك هذا الكلام الفارغ لأركون -ومثله كثير لتلاميذه ومَن سبقه إليه، لنتركه قليلاً ولنسِر في طريقنا مهملين –مؤقتاً- تلك النظرة الاستشراقية، والعلمانية العبثية، لماهية العقل في الإسلام، وستره وحجبه، وتشويهه، وتغطية إنجازاته وفضله على الغرب، فما كلّم القرآن الناس بالآيات الكونية والعلاقات السببية، وما وجّه إلى النظر إلى المدارات الكونية والسنن الطبيعية والأسباب السماوية والأرضية والأفلاك إلاّ  لحث العقل على عملية تفكير عميقة وطويلة الأمد ودائمة.

"إن هذه الحضارة تجاوزت في تموجاتها الكبيرة مساحة الأرض إلى السماء، ولحظات الفناء إلى عالم الخلود. . . فلقد مضى النشاط الحضاري ينقّب في الأرض.. يكشف عن السنن والنواميس والطاقات المذخورة. . يتابع حاجات الإنسان وأشواقه.. يتفحص دوافعه وغرائزه"([3]).

فما كان واقعاً محسوسا، تاريخيا ووقائعياً، وعلميا وإبداعياً في تاريخ حضارتنا، طويلة المدة، يؤكد كلامنا، ويثبت أن كلام القرآن أنتج علماً واسعاً وحضارة زاهرة محسوسة ومُشارا إليها في التاريخ.

لقد أودع الله "الفطرة البشرية": طاقة المعرفة ﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾]البقرة الآية: 31 [، فلم تكن "المعرفة" بكل أبعادها غريبة عن هذه الفطرة ولا غير متلائمة مع طبيعتها، وطبيعة هذا الكون، وإنما الفطرة الإنسانية تشكل جزءاً من هذا الكون، مهيأة للتعرف عليه مستعدة للاحتكاك به، وتطوير ما وصلت إليه منه على هدي السنن الربانية إن أرادت الأمان والسلام معه، وابتغت الرحمة والسكينة والرشاد. 

فلم يكن العلم  القرآني عدواً للعقيدة، ولا العقيدة الربانية عدوة للعلم، فالعقيدة الإسلامية حرّرت العقل من التقليد، ونقلته نقلة عجيبة من الصحراء إلى الآفاق، ومن الأرض إلى السماء، ولهذا أقبل المسلم على المعرفة والتفاعل مع الكون المادي بلا صراع أو عداء بين  "الإنسان" وبين "الله" ، كما حدث في التاريخ الغربي، بل حب وإقبال ورغبة من العبد في المعرفة وتقصّي العلوم وإجراء التجارب واختراع المناهج وصناعة الآلات والمبتكرات، والاستفادة من ثمارها المتكاملة مع بقية علوم المنهج القرآني الشامل للحياة كلها.

ففى مجال علوم العمران البشري نجد القرآن قد حرّض المسلمين على النظر في الكون  والربط بين الآيات والأسباب، وتسخير السنن وإعمال العقل في الماديات والروحانيات.

كما أمر بالمشي في الأرض، مشي الباحث الراصد المستكشف المستفيد، الآخذ للعبر والدروس والقائم على التجربة والمحاولة، وذلك باستعمال العقل وإعمال التفكير. أمم تفكر وتؤسس للعلم والنظر، وأفراد يسيحون في الأرض ويربطون بين الأسباب، ويفيدون الإنسان ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ] الملك، الآية: 15[﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] الجاثية، الآية: 13] وكل ما في السماوات وما في الأرض من آيات إنما هي ليتدبرها عقل الإنسان ﴿... لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ وما دام الكلّ من الله سبحانه وتعالى، الخلق والتسخير، الوجوب والتوجيه، فما على الإنسان إلا أن يمضي في هذا السبيل على «علم» وفي حالة  «تواضع لا غرور فيه» غير مخالفٍ للسنن ولا متكبرٍ على ربّه وخالقه ومبدعه ورازقه!

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)]العلق الآيات: 1-5[

انطلق المسلمون في المسار الذي رسمه الله لهم، وانطلقت حضارتهم بهذه التوجيهات والإرشادات، والتعليمات والتشريعات، في عبودية تامة لله عز وجل، فاحتكوا بالكون المادي واستنبطوا طاقته بحسب ما فتح الله عليهم في أزمانهم في الطب والحساب والفلك والهندسة والتاريخ والاجتماع([4])وغير ذلك مما فتح الله به عليهم في مجالات الحياة الإنسانية والروحية والمادية.

وخطا إنسان هذه الحضارة أشواطاً بعيدة في طريق البحث العلمي وعالم الاكتشاف والتجريب، وكانت فتوحاته منطلق العلوم وقواعدها في أوروبا كما اعترف بذلك كثير من العلماء الغربيين.

بيْد أن حضارة المسلمين لم تعمر «الآلة»  على حساب  «البيئة» و«الإنسان» على حساب «الطبيعة» ولا «المادة» على حساب «الروح» ولكنها انطلقت تعمّر على سُنَّة التوازن ومادة الاتفاق والاتساق، فعمّرت الأرض والإنسان والمجتمع - بحسب ما وصلت إليه من علوم - وحافظت على النفس والروح والجسد ولم تمزق شيئا من ذلك لحساب استقلال مزعوم للإنسان أو لصالح كيان على كيان!

فلم تفسد الإنسان لصالح الإنتاج أو التقدم!، ولم تُفسد الفرد لصالح المجتمع، أو تُغلّب مصالح الفرد على مصالح المجتمع والتطور. لم تنطلق في عالم الروح مهملةً الجسد، ولا بنوازع الجسد ممزقةً الروح البشرية التي هي جوهر الطبيعة الإنسانية، إنما أخذت بيد الإنسان، كل الإنسان، عقله وحسّه، روحه وفكره، مشاعره وخياله، أخذت به إلى الأمان، وتعرّف فيها على حقيقته وطبيعته وحدوده ومكانته في الكون ومدى تكريم الله له كإنسان وكسيّد الأرض وخليفة.

وكما يقول د. عماد الدين خليل  فالإسلام رسم للعلاقة بين الإسلام والعالم خطاً جديداً "خطًا يقوم على الوئام والانسجام، والتكامل والتوافق، والتجانس والالتحام بين الإنسان والطبيعة، بين الجماعة المؤمنة والعالم"([5]).

ولقد أخطأ العلماني عبد الله القصيمي إذ راح يوجّه الإهانة للإسلام والمسلمين عندما دافع عن مفهوم السببية في الكون، وراح يجعل التديّن ضد التطور والتحضّر، وذلك عندما قال في كتابه (هذي هي الأغلال): "فطبيعة المتدين-غالبا- طبيعة فاترة، فاقدة للحرارة المولدة للحركة، المولّدة للإبداع"، وقال: "فإنه لا يكاد المرء أن يجد متديناً حرفياً استطاع أن يكون في الحياة شيئاً مذكورا"([6]).

كذلك فإنه راح يتّهم ثقافتنا الإسلامية بما هي بريئة منه قطعاً، فقد قال: "وإطلاق القوى المختلفة من الحدود والقيود لا يكون –في رأي هذه الثقافة- إلا للخالق وحده"، وأنها ثقافة ترضي الله بتخصيصه وحده بالعلم، وهي تقنع أهلها "أن العجز عن العلم علم"، ويقصد أن يبقى الإنسان جاهلاً بالأسباب والعلل في الكون، وأن ذمّ علم الإنسان هو نفسه ثناء على الله مع أن العلم الإسلامي في عالم الكون والطبيعة، والأجساد والمواد هو بتقييم الإسلام ثناء من المسلم على الله وتحميد وتكبير وتهليل وتعظيم وتسبيح لله!، كذلك فإنه يزعم أن المسلمين: "ما فتئوا يضعون الأهاجي المريرة الواصفة للإنسان بجميع أوصاف الانحطاط الذهني وغير الذهني"([7]).

ولو كان ذلك ما ظهرت حضارة الإسلام العلمية المؤمنة في التاريخ، ولا أقامها علماء حمدوا الله وسبّحوه في مقدمات كتبهم العلمية في عالم الطبيعة والكون والمادة والإنسان.

إن أي اختبار لتاريخ المدة الطويلة لحضارة الإسلام سيكشف زيف مقولة القصيمي التي يحتفي بها العلمانيون من بعده، يقول لوبون: "إن العرب بلغوا درجة رفيعة من الثقافة بعد أن أتموا فتوحهم بزمن قصير... وكان حب العرب للعلم عظيماً... وكان العلماء ورجال الفن والأدباء من جميع الملل والنحل، من يونان وفرس وأقباط وكلدان يتقاطرون إلى بغداد ويجعلون منها مركزاً للثقافة في الدنيا"([8]).

فالتوحيد يضع المسلم قبالة الله سبحانه وهو مسؤول عن العالم من حوله: "مسؤولا عن قدراته التي أودعه الله إياها ... في التوحيد يغدو الكون والعالم والطبيعة من صنع الله القادر المهيمن المبدئ المعيد، ويتحرر المسلم من سائر الخرافات والصنميات التي تلبّستها الطبيعة والعالم في المذاهب والأديان الأخرى. فعرقلت انطلاقه الحر للكشف عن السنن والطاقات والنواميس"([9]).

وتقول كارين آرمسترونج، وهي الراهبة التي تركت الرهبنة، وانغمست في  فلسفات الفكر المادي الغربي: "يشدّد القرآن على استخدام العقل في فك رموز آيات أو رسالة الله. يجب على المسلمين ألاّ يتخلوا عن عقولهم، بل عليهم أن ينظروا إلى العالم بتمعّن وفضول. فهذا الموقف بالذات هو الذي مكّن المسلمين لاحقاً من بناء تراث جميل للعالم الطبيعي الذي لم يعُد خطراً على الدين كما عدّته المسيحية"([10]).

وقد ذكرت كارين هذا الكلام بعد أن عرضت الآية القرآنية المجيدة:﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: الآية 164[، وأضافت: "خلال القرن التاسع احتكّ العرب بالعلم والفلسفة الإغريقيين... وكان العرب المسلمون آنذاك يدرسون الفلك والكيمياء والطب والرياضيات بنجاح كبير لدرجة أن معظم الاكتشافات العلمية خلال القرنين التاسع والعاشر قد تحققت في الإمبراطورية العباسية، وكانت أكبر مما تحقق في أية فترة سابقة من التاريخ"([11]).

فلقد بث القرآن روحَ الملاحظة، ووضع أصول التفكر في الكون، وأشار إلى مبدأ التسخير، وحرّض على العلم والدراسة واستخدام القلم واكتشاف الأدوات للتقدم في العلوم التي كان مبدأ فيضانها من القرآن: "أرشد المؤمنين به إلى هذه العلوم في الآيات الكثيرة التي بيّن بها آياته تعالى في خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، فإن دلالة الشمس والقمر والكواكب والسحاب والمطر والبحار والأنهار والجبال وأنواع النبات والثمار على قدرته تعالى ومشيئته وحكمته ورحمته ودلالة ما في مجموعها من وحدة النظام على وحدانيته، كل ذلك لا يكمل للناظر فيها إلا بقدر علمه بما فيها من الخواص العجيبة والنظام الدقيق"([12]). عمل الإسلام على إطلاق العقل من قيوده وتسريحه في عوالم الطبيعة علويّها وسفليها؛ ليبحث عن حقائقها وينتفع بها، فإن الله قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ]الجاثية الآية: 13]([13]).

فبالوحي القرآني، –كما يقول عماد الدين خليل- وُضعت "الجماعة البشرية المؤمنة في قلب العالم والطبيعة، ودفعتها إلى أن تبذل جهدها من أجل التنقيب عن السنن والنواميس في أعماق التربة، وفي صميم العلاقات المادية بين الجزئيات والذرات.. إننا بإزاء حركة حضارية شاملة تربط، وهي تطلب من الإنسان أن ينظر إلى السماوات والأرض، بين مسألة الإيمان ومسألة الإبداع، بين التلقي عن الله والتوغل قدما في مسالك الطبيعة ومنحنياتها وغوامضها، بين تحقيق مستوى روحي عال للإنسان على الأرض وبين تسخير قوانين الكيمياء والفيزياء والرياضيات لتحقيق الدرجة نفسها من التقدم والعلو الحضاري على المستوى المادي (المدني) ولم يفصل الإسلام بين هذا وذاك"([14]).

 اقرأ قوله تعالى: "أولَم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء" (الأعراف: 185)، وقوله: "قل سِيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق" (العنكبوت: 20)، وقوله: "فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها"(الروم: 50)، وقوله: "انظروا إلى ثمره اذا أثمر وينْعِه" (الأنعام: 99)، وقوله: "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرةً وذكرى لكل عبد منيب. ونزّلنا من السماء ماءً مباركا فأنبتنا به جناتٍ وحبَّ الحصيد. والنخلَ باسقاتٍ لها طلع نضيد" (ق: 6-10)، وقوله: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض" (لقمان: 20)، وقوله: "إنّي جاعل في الأرض خليفة" (البقرة: 30)، وقوله: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" (هود: 61)، وقوله: "وعلّم آدم الأسماء كلها" (البقرة: 31).

فالآيات ترسم صورة تجعل من العلاقة بين الإنسان والكون علاقة سيد أرضي وخليفة إنساني سُخّرت له وأُخضعت له "كتلة العالم" لا ليفسد فيها، لا، فالقرآن يقول "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" (الأعراف: 56)، ويقول: "وأصلِح ولا تتبع سبيل المفسدين" (الأعراف: 142)، وإنما لتلبية متطلبات خلافته على الأرض وإعماره للعالم على عين الله"، وهكذا فالعالم والطبيعة، وفق المنظور الإسلامي –يقول عماد الدين خليل - قد سُخّرا للإنسان تسخيرا، وإن الله سبحانه قد حدد أبعادهما وقوانينهما ونظمهما وأحجامهما بما يتلاءم والمهمة الأساسية لخلافة الإنسان في العالم وقدرته على التعامل معه تعاملا إيجابيا فاعلا([15]).

ومعنى هذا أن القرآن وضع مستقبل المسلم للأحسن وليس للأسوأ، مستقبله مع الطبيعة والعمران، والعقل، مستقبله مع الاكتشافات والإنجازات، مستقبله مع البحث والنظر ودراسة الكون والحياة، وقد سعى إلى أن يغير التوحش القبائلي أو السطوة الإمبراطورية الجاهلية بالطبيعة إلى ماهو أفضل للبشرية كلها، وقد كان، وكانت آيات القرآن تفعل فعلها في العلماء.

لقد وضع البيروني الآية الكريمة "سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (فصلت: 53) نصب عينيه وفي ثنايا كتابه عن الجواهر، فهل كان يضع اندهاشا خرافيا بين يدي بحثه العلمي؟([16]). يقول جون فريلي: "وقد كان أبرز شخصيات النهضة الإسلامية من العلماء الجامعيين الذين تفننوا في شتى ضروب العلم وتناولوها في كتاباتهم، ومن بينها علم الفلك... بلغ عدد الأعمال التي تنسب إلى أبي ريحان البيروني (973-1050م) 146 عملا، تتضمن رسائل في علم الفلك، والتنجيم، وعلم تأريخ الأحداث، وقياس الزمن والجغرافيا، والجيوديسيا، والخرائط، والرياضيات (وتشمل الحساب والهندسة والمثلثات) والميكانيكا والطب والأدوية والأرصاد الجوية والمعادن (ومن ضمنها الأحجار الكريمة)... إضافة إلى شروح مفصلة لأدوات رصده واختراعاته"([17]).

أما الشريف الإدريسي فيقول في مقدمة كتابه الجغرافي المشهور "نزهة الآفاق": "الحمد لله ذي العظمة والسلطان والطول والامتنان والفضل والإنعام والآلاء الجسام، الذي قدّر فحكم، ورزق فأنعم، وقضى فأبرم، ودبّر فأتقن، وذرأ وبرأ فأحسن ما صور، فاتصلت بالعقول معرفته، وقامت في النفوس حجّته، ووضح للعيون برهانه، وقهر الألباب قدرته وسلطانه، الهادي إلى سبيل عزه تفضلاً وإرشاداً، والدال على ارتباط النعم به قولاً واعتقاداً، جاعل عجائب مخلوقاته وبدائع مصنوعاته سبيلا إلى معرفته، وسلما إلى علم قدمه وأزليته، وإن في بعض ما خلق لعبرة لأولي الأبصار، وذكرى لذوي الخواطر الصقيلة والأفكار، فمن آياته خلق السموات والأرض، فأما السماء فرفع سمكها، ونظم سلكها، وزيّنها بالنجوم، وجعل فيها الشمس والقمر آيتين يُستضاء بهما في الليل والنهار، ويستعلم بمجاريهما تعاقب الدهور والأعصار، فأما الأرض فبسط مهادَها وأرسى أطوادها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، وأسكنها خلقه فبوأهم أملاكها، وأجرى لهم أفلاكها، وعرّفهم مسالكها، وعلّمهم منافعها ومضارها، وهداهم إلى السير فيها برا وبحرا وسهلا ووعرا، كل ذلك منه جلّت قدرته بحكمة وتدبير ومشيئة وتقدير، فتعالى من هذا ملكه وسلطانه وصنعه وبرهانه".   

كما بدأ محمد بن جابر البتاني (858-929م) كتابه "زيج الصابي" بالاستشهاد بآية من القرآن الكريم في مدح علم الفلك هي: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"(يونس: 5)([18]). قال جون فريلي: "لتبدأ نهضة إسلامية انتقلت ثمراتها في نهاية المطاف إلى أوروبا الغربية، وقد حدد العلماء المسلمون بداية عصر التنوير هذا بعهد هارون الرشيد" وأضاف: "وذكر البتاني في مقدمة كتابه "الزيج" أن الأخطاء التي وجدها في الرسائل الفلكية المتقدمة قادته إلى تطوير النموذج البطليموسي (القائل بأن الأرض كرة ثابتة في وسط الكون، وأن الشمس والقمر والكواكب السيارة تدور حولها في مدارات دائرية)، وذلك بإضافة نظريات وملاحظات جديدة، تماما مثلما تعامل بطليموس مع عمل هيبارخوس وغيره من سابقيه، ... ترجمت كتابات البتاني الفلكية إلى اللاتينية وبقيت في قيد الاستعمال حتى القرن السابع عشر"([19]).

أما ابن الشاطر (1305-1375م) الذي أنجبته دمشق، فقد تأثر بأعمال أبي علي المراكشي، الذي ألّف في سنة 1280م تقريبا خلاصة وافية في علمي الفلك الرياضي والأدوات الرياضية، فقد طوّر نموذجا كوكبيا أصليا يختلف اختلافا جوهريا عن نموذج بطليموس، كما قال جون فريلي: "ثم استعمله لإخراج مجموعة جديدة من الجداول في كتاب سمي "الزيج الجديد"، ذكر في مقدمته كيف أنه أنشأ هذا العمل بعد قراءة كتب علماء الفلك المسلمين المتقدمين، الذين مافتئوا يعبّرون عن شكوكهم حيال نموذج بطليموس الكوكبي، لكنهم لم يتمكنوا من صوغ نظرية جديدة، وقد قال: "لذا فإني سألتُ الله العلي القدير أن يُلهمني ويوفقني لابتداع نماذج تُبرز ما كان مطلوبا، فمكنني–تعالى جدّه وله الفضل والمنة- من ابتكار نماذج جامعة للنماذج الكوكبية لمعرفة درجات خط الطول وخط العرض وجميع المعالم الأخرى التي يمكن رؤيتها، إضافة إلى حركاتها، نماذج لا تتطرق إليها -بحمد الله- الشكوك التي أحاطت بالنماذج السابقة... ظلّ كتاب الزيج الجديد لابن الشاطر المرجع في دمشق لعدة قرون... وكانت دراسات مؤرخي العلوم قد أظهرت في سنة 1957 أن نموذج القمر الذي استعمله ابن الشاطر كان مماثلا في جوهره للنموذج الذي استعمله كوبرنيكس في سنة 1543، علمًا بأن البحث لم يُظهر بالتفصيل كيف شقّت النظرية الفلكية الجديدة طريقها من دمشق إلى إيرلندا في غضون قرنين"([20]).

هذه هي الحقيقة التي يُراد حجبها علمانياً، أو يراد تخطيها وتجاوزها والتخلص منها إلى المعرفة العلمانية بفرضياتها وتخرصاتها الفاشلة، والتي يثبت العلمانيون أنفسهم كل مرة فشل قديمهم أو ضيق أفقه وعفنه (الداروينية، الماركسية، البنيوية، النظريات العرقية، وهلمّ جرا)، احتفاء بالجديد أو القديم المُعدل والمتحلل من أشد قواعده رسوخًا!

 

الزحف على حواضر الإسلام

بيّنا أن حضارة «المسلم» في الأندلس والشرق الإسلامي قامت على أسس العلم الإسلامي المفارق لمعارف البيئة الجاهلية وأساطيرها، التي بُعث لإزالة آثارها في النفوس والعقول والعلم، وتلك الأسس لم تكن –في الأصل والفصل-  منفصلة عن السماء، ولا متكبّرة  أو مُعرضة أو مستغنية على «الله»، ولا عن إشارات الوحي وتوجيهاته الأصيلة، ولا كانت مستقلة عن شريعته –ومنها وجوب العمل بالأسباب- وتعاليمه التي أبدعت فكراً رائعاً على مساحة واسعة لعدة قرون، فكراً رائعاً في علوم القرآن وعلوم الحديث والفقه والأصول وعلوم اللغة والفيزياء والفلك والجغرافيا وغيرها كثير، والحقيقة أن أوروبا لم تشعر بما في مفاهيمها الدينية مِن خَلل إلا حين احتكت بالإسلام والمسلمين عن طريق المعابر الثلاثة الكبرى التي عبّر عنها التأثير الإسلامي في أوروبا، وهي الحروب الصليبية والعلاقات التجارية التي أنشأتها (جنوة) و(البندقية) مع العالم الإسلامي والعلاقات العلمية والثقافية التي انتشرت من الأندلس وصقلية الإسلامية([21]).

فبينما كانت الحياة في أوروبا في العصور الوسطى المظلمة كئيبة يمخر فيها الجهل وتعشش فيها الخرافة، ويتحالف في عالمها الإقطاع المذل مع انحراف الكنيسة العقدي والعلمي! كانت الأندلس (إسبانيا والبرتغال) منارة في قلب أوروبا، فيها التوحيد، وفيها الحرية والعلم، وفيها المدنية والنظافة، وفيها الإسلام صاحب التعاليم الراقية والتطوير النافع!([22]).

وما أن سمع الشباب الأوربي بعالَم الأندلس حتى توافدوا عليه ينهلون من علومه، ولم يمنع المسلمون أحدا ًمن هذا العلم الذي توصلوا إليه بفضل الله ومفاتيح قرآنه الكريم، -فلا إله إلا الله مفتاح العلوم، ومنها علوم الكون والطبيعة- وهم لم يُقبلوا على العلوم والمعارف والبحوث والتطبيقات لصالح المسلمين فقط، وإنما لصالح «الإنسان» ككل.

تعلم أبناء أوروبا علوم المسلمين، وبدأوا محاولة التعبير ونفي الجمود الطاغي على حركة العلم في المسيحية، فثارت عليهم الكنيسة المنحرفة عن حقائق الإنسان والطبيعة والكون والكتاب المنزل، فأُحرق من أُحرق، وقُتل من قُتل، حتى انطلقت أوروبا بفضل ثورة المسلمين المعرفية والتجريبية، فثاروا على المسيحية وظلمات عصورهم المتخلفة المظلمة، ومع التقدم البطيء والصراع المستمر بين الكنيسة المنحرفة والذين ثاروا عليها، بدأ الدين يخبو في النفوس، وبدأت الفلسفة -بخيرها وشرها- تحتل مكانة الكنيسة.. والدين!

فهذا أسقف قرطبة (ألفارو) الذي راح يجأر بشكواه بكلمات مؤثرة تصور بلواه كما عرضتها المستشرقة الألمانية زيغرد هونكه في كتابها المسمى "الله ليس كذلك"، قال أسقف قرطبة: "إن كثيرين من أبناء ديني يقرؤون أساطير العرب(!) ويتدارسون كتابات المسلمين من الفلاسفة وعلماء الدين، ليس ليدحضوها وإنما ليتقنوا اللغة العربية ويحسنوا التوسل بها حسب التعبير القويم والذوق السليم. وأين نقع اليوم على النصراني – من غير المتخصصين- الذي يقرأ التفاسير اللاتينية للإنجيل، بل من ذا الذي يدرس الأناجيل الأربعة، والأنبياء ورسائل الرسل؟.. وا حسرتاه! إن الشباب النصارى جميعهم اليوم، الذين لمعوا وبزوا أقرانهم بمواهبهم لا يعرفون سوى لغة العرب والأدب العربي! إنهم يتعمّقون دراسة المراجع العربية باذلين في قراءتها ودراستها كل ما وسعهم من طاقة، منفقين المبالغ الطائلة في اقتناء الكتب العربية(!) وإنشاء مكتبات خاصة، ويذيعون جهرا في كل مكان أن ذلك الأدب العربي جدير بالإكبار والإعجاب!

ولئن حاول أحد إقناعهم بالاحتجاج بكتب النصارى فإنهم يردّون عليه باستخفاف، ذاكرين أن تلك الكتب لا تحظى باهتمامهم!.. وا مصيبتاه! إن النصارى قد نسوا حتى لغتهم الأم، فلا يكاد اليوم واحدا في الألف يستطيع أن يدبج رسالة بسيطة باللاتينية السليمة، بينما العكس من ذلك، لا تستطيع إحصاء عدد من يحسن منهم العربية، حتى لقد حذقوه وبزوا في ذلك العرب أنفسهم".

إن سحر أسلوب المعيشة العربي قد اجتذب إلى فلكه الصليبيين إبان وقت قصير، كما تؤكد شهادة الفارس الفرنسي "فولشير الشارتي" وها نحن الذين كنا أبناء الغرب قد صرنا شرقيين!، ثم راح يصوّر أحاسيسه وقد تملّكه الإعجاب بالسحر الغريب لذلك العالم العجيب بما يعبق به من عطر وألوان، تبعث النشوة في الوجدان، ثم يتساءل بعد ذلك مستنكرا: "أفبعد كل هذا ننقلب إلى الغرب الكئيب؟!، بعد ما أفاء الله علينا وبدّل الغرب إلى الشرق"([23]).

وقد أوردت كارين آرمسترونج نص "ألفارو" الذي أوردناه عن هونكه، منذ هنيهة، وذلك في كتابها "الإسلام في مرآة الغرب محاولة جديدة في فهم الإسلام"([24])، وقالت قبل عرضها له: "كانت العلاقات المسيحية الإسلامية جيدة عادة، كان المسيحيون –مثل اليهود- ينعمون بحرية دينية كاملة ضمن الإمبراطورية الإسلامية، وكان معظم الإسبان يشعرون بالاعتزاز لانتسابهم إلى الثقافة العربية الإسلامية الرفيعة التي كانت متقدمة على غيرها بسنوات مشرقة كثيرة".

كما أورده ويل ديورانت في موسوعته (قصة الحضارة)([25]) فقال: "وكان المسيحيون من رجال الدين وغير رجال الدين يفدون بكامل حريّتهم وهم آمنون من جميع أنحاء أوربا المسيحية إلى قرطبة، أو طليطلة، أو إشبيلية طلاباً للعلم، أو زائرين، أو مسافرين. وقد شكا أحد المسيحيين من نتيجة هذا التسامح بعبارات –يقصد ألفارو- تذكرنا بشكاية العبرانيين القدماء من اصطباغ اليهود بالصبغة اليونانية فيقول: "إن إخواني المسيحيين يُعجبون بقصائد العرب وقصصهم، وهم لا يدرسون مؤلفات فقهاء المسلمين وفلاسفتهم ليردّوا عليها ويكذبوها، بل ليتعلموا الأساليب العربية الصحيحة الأنيقة... وا حسرتاه! إن الشبان المسيحيين الذين اشتهروا بمواهبهم العقلية لا يعرفون علماً ولا أدباً ولا لغة غير علوم العرب وآدابهم ولغتهم؛ فهم يُقبلون في نهمٍ على دراسة كتب العرب، ويملؤون بها مكتباتهم، وينفقون في سبيل جمعها أموالاً طائلة، وهم أينما كانوا يتغنّون بمديح علوم العرب".

والغريب أن ألفارو هذا هو من اشتكى من قومه، يقول ديورانت تحت عنوان: "الكنيسة في الحضيض" (1307-1417) وقد رفع الأسقف الأسباني ألفارو بلايو عقيرته بقوله: "إن الذئاب تسيطر على الكنيسة وتمتص دماء الشعب المسيحي".

إن ذلك كله يؤدي عند العقلاء إلى ربط الوحي والقرآن بنتائج  فاعلية علمه المنشئ  للعلم العقلي والتجريبي، المادي والسببي، الروحي والوجداني والشعوري، ولكن عملية الحجب والعزل، الكتمان والستر، كانت وما زالت تتم لتغييب الحقائق العليا، والمحسوسة في التاريخ، فمِن زرْع الوحي نبتت علوم الحياة، التي استفادت أوروبا والغرب منها أيّما استفادة.

«ولقد كان النموذج الإسلامي قائماً حول أوروبا من الشرق والغرب والجنوب، بل إنَّ أوروبا لم تعرف العلم الحقيقي إلا حين أرسلت أبناءها يتعلّمون في مدارس المسلمين في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية الإسلامية؛ فلئن كانت الكنيسة قد ارتكبت حماقاتها بمعاداة العلم والعلماء، فلقد كان الحلّ هو نبذ دين الكنيسة الفاسد، لا نبذ الدين كله، وقد رأوا نموذجاً مفلحاً منه في العالم الإسلامي... ولئن كانت «المكايدة» هي العملة المتبادلة بين الكنيسة من جهة والعلماء من جهة، فلقد كان المقتضى السليم لذلك هو أن يرد العلماء للكنيسة إلهَها المزيف الذي تعذب العلماء باسمه وتطاردهم، ويفروا إلى الله الحق الذي وجدوه معبوداً عند أولئك العلماء الأفذاذ الذين تتلمذوا عليهم وتعلموا العلم على أيديهم، والذي وجدوا العبادة الصحيحة له تخرج مثل هؤلاء الأفذاذ، وتتيح لهم حرية البحث العلمي بلا قيود»([26])، لكن مجرى الأحداث والتاريخ سار بسيناريو مختلف تماماً.

 

الطريق إلى العلمانية الصلبة ثم السائلة

أما الانقلابات الكبرى، والتبدلات الضخمة  فقد بدأت مع بداية القرن التاسع عشر، وجاء «دارون» ([27] ) فكتب كتابه «أصل الأنواع» سنة 1859م، ثم في سنة 1871م نشر كتابه في «أصل الإنسان» وادّعى أن أصله حيوان! وهكذا بدَل أن تترفع الحضارة الغربية إلى مستوى الحضارة الإسلامية والكرامة الإنسانية التي حرصت عليها، نزلت إلى مستوى «الحيوان»([28]).

في البداية وقفت الجماهير في جانب الكنيسة ضد نظرية دارون: فقد عزَّ عليها بطبيعة الحال أن يصمها دارون بالحيوانية، وينزع عنها «قداستها» وتميزها ورفعتها، حين ينزع عنها كرامة الإنسان ويردّها إلى أصل حيواني. ولكنها -رويداً رويداً- في المعركة الحادة التي قامت بين دارون وبين الكنيسة غيّرت موقفها! فقد وجدت أن هذه فرصة سانحة للإجهاز على ذلك الغول البشع الذي يضطهد الناس بسلطان الدين. ونسيت الجماهير بعد فترة كرامتها الإنسانية، وفرحت بالانطلاق والتحرير، ولو في إهاب الحيوان!([29]).

ثم جاء «فرويد» ([30]) فاستخدم نظرية «دارون» في أصل الإنسان، وقال بأن هذا الإنسان هو ذو نفسية جنسية تسيطر على كل تصرفاته، حتى الدين، فهو نتيجة لعملية كبت جنسي قديم تجاه (الأم)!! التي قام الأولاد من أجل الحصول عليها بقتل أبيهم.. ثم أظهروا الندم فعبدوا (الوالد) ثم «الطوطم» ([31]) ثم ظهرت الأديان تباعاً نتيجة هذه العقدة المرضية التي حدثت للأولاد من كبت الجنس وقتل الأب! ويطالب «فرويد» بإطلاق الغرائز والتحرر من الدين للخروج من الكبت الموروث!([32]).

يقول «يونح» أحد تلاميذ فرويد المقربين: «لقد قال لي فرويد إننا ينبغي أن نحطم كل العقائد الدينية» وقال لي: ينبغي لنا أن نجعل من الجنس عقيدة!!!([33]).

ويقول المسيري إن فرويد وأمثاله من اليهود الذين يقومون بتقويض الذات الإنسانية يقومون بعملية تقويض جذرية: "وهم أيضاً يغوصون في ظلمات النفس البشرية، ويصلون إلى عناصر الهرطقة المكبوتة التي تتحدى المعيارية القائمة، فيقومون باكتشافها وبلورتها ودغمها نحو المركز... يقومون بإحلال النص المهرطق مكان النص المقدس، وهم بذلك يحوّلون الخارجي إلى داخلي، والعكس بالعكس، ففرويد يتولى تعرية الرغبات المهرطقة في الذات الإنسانية، ودريدا سيد التقويضيين... فهناك في كل أنحاء العالم (مثقفون يهود)- بالمعنى المجازي أو الوظيفي- جعلوا همهم فتح النصوص المقدسة عن طريق إعلان أن النص المقدس صامت يمكن أن يحمل أي معنى يريده المفسّر، ثم قاموا بإعادة تفسيرها وتحميلها معنى مهرطقاً حتى يسود الظلام وتهيمن العدمية"([34]) وهنا تؤول العلمانية إلى دورها الأخير، دور السيولة وفقدان المرجعية!

فالمرجعية النهائية هي -في الحقيقة- إنكار المرجعية، والمطلق الثابت الوحيد هو النسبي المتغير، وهذا هو ما يُعبر عنه الفكر المادي بالقول "لا ثبات إلا لقوانين التغير". ومع هذا تظل هناك الداروينية وفكرة البقاء للأقوى باعتبارها المرجعية الوحيدة الثابتة في عالم الواحدية السائلة وما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد"([35]).

ومن المعلوم أن العلمانية ليست مجرد تعريف، كما قال المسيري، وإنما ظاهرة لها تاريخ، وتظهر من خلال حلقات متتابعة...إنه في المراحل الأولى من هذه المتتالية تسود العلمانية الجزئية، حينما يكون مجالها مقصوراً على المجالين الاقتصادي والسياسي، وحين تكون هناك بقايا مطلقات مسيحية وإنسانية، وحين تتسم الدولة ووسائل الإعلام وقطاع اللذة بالضعف والعجز عن اقتحام (أو استعمار) كل مجالات الحياة، وحين تكون هناك معيارية إنسانية أو طبيعية / مادية. ولكن.. في المراحل الأخيرة، ومع تزايد قوة الدولة ووسائل الإعلام وقطاع اللذة، وتمكنها من الوصول إلى الفرد وإحكام القبضة عليه من الداخل والخارج، ومع اتساع مجال عمليات العلمنة وضمور المطلقات واختفائها، وتهميش الإنسان، وسيادة النسبية الأخلاقية، ثم النسبية المعرفية (باهتزاز الكليات) تظهر العلمانية الشاملة في مرحلتيها: الصلبة والسائلة.. "([36]).

ثم جاء «دوركايم»([37]) فجعل الإنسان مميع الشخصية، فلا شيء ثابتا في حياته، لا القِيم، ولا الفطرة، ولا الدّين، فكلّها تخضع للتطوير والتبديل «فهو يريد أن يلغي شخصية الفرد إلغاءً تاماً ويلغي إرادته»([38]) ليخضع لقهر خارجي.

وقال -كغيره من فلاسفة أوروبا- بأن الدّين والأسرة والزواج أشياء ليست فطرية، فهي ظواهر اجتماعية تخضع لتطور المجتمعات! والآن.. يوجد تطور.. –ويعلّق الأستاذ محمد قطب على كلامه: فلتكن الهمجية.. وأهلاً بالجريمة فهي ليست ظاهرة اجتماعية معتلة! (هكذا تؤدي نتائج النظرية  وتفسير نتائجها عند الأستاذ محمد قطب)، وإنما هي ظاهرة اجتماعية طبيعية ومفيدة للجميع!!: «ومن ثم تكون الجريمة الظاهرة الوحيدة التي تنطوي بصفة لا تقبل الشك على جميع أعراض الظاهرة السلبية»([39]): «ولكن معنى ذلك أيضا أننا نؤكد من جهة أخرى أن الجريمة عامل لا بد منه لسلامة المجتمع، وأنها جزء لا يتجزأ من كل مجتمع سليم»!([40]).

وبعد دوركاييم  بدأت المذاهب المنحرفة الأخرى في الظهور، وأصبحت تظهر بسرعة التطور والتحول في مناحي الحياة التي تحتل العلمانية مواقعها ومجالاتها، وكما يقول العلماني القمعي جابر عصفور: "ومِن ثم ظهور نظريات واتجاهات جديدة تحل محل نظريات واتجاهات تنسحب من بؤرة المشهد... حتى إن الفيلسوف الواحد ينتقل من نظريته إلى غيرها"، ويضيف عصفور:" لانسحاب الأضواء عن النزعة البنيوية التي عرف بها تودوروف... انصراف تودوروف نفسه عن البنيوية التي هجرها إلى نظريات الخطات الأحدث"([41]). حتى ظهرت أعراض الخلل في النفس البشرية في هذه الحضارة التي أخذت من المسلمين نصف حضارتهم وتركت النصف الأهم وهو عقيدة الإسلام الشاملة أو شريعة الإسلام الكاملة، التي فيها سعادة الإنسان مدنياً واجتماعيا، دنيوياً وأخروياً.

إعلانات الموت العبثية المؤدية للانهيار والسيولة

أعلنت المذاهب الجديدة «الغربية» انــفصالها عن السمـاء، وتحللها من القيم الربانية ثم الإنسانية القديمة، أعـلـن نيتـشـة - مثلاً- «أن الله قد مات»!، فأعلنت استغناءها عن الله سبحانه، تعالى عمّا يقولون، وهي تأكل وتشرب من كونه وأسباب الحياة الطبيعية التي أبدعها أحسن إبداع وسخّرها لهم أعظم تسخير، وبالتالي استغنوا عن الشريعة والدين والأخلاق والأسرة، بل وأخيرا بإعلان موت الإنسان عن "الإنسان"!، وقد عبّر ميشيل فوكو عن نهاية الإنسان، بل موته في الغرب، وفلسفاته الأخيرة في آخر صفحات كتابه "الكلمات والأشياء"، قال فيها:" موت الله والإنسان الأخير متلازمان"! وقال: "الإنسان سوف يندثر مثل وجه من الرمل مرسوم على حد البحر"، و"الإنسان مشرف على الموت"([42])، ومن المعلوم أن فوكو شرعن الخروج عن الأسرة والعلاقة الطبيعية ودافع عن الأسر الجديدة، وله كتب معروفة في فلسفة ذلك وفلسفة المثلية، والشذوذ باعتباره صحة وقوة في المجتمع.

إن الدكتور المسيري يبين لنا –تبعاً لهايدجر- أن تضمينات كلمة نيتشه المشهورة لا تشمل الإله وحسب، بل تشمل الإنسان والكون، بحسب هجوم نيتشه طبعا! (وكان النموذج الذي  هاجمه نيتشه هو النموذج المسيحي)، يقول: "ويُلقي الفيلسوف الألماني هايدجر الضوء على عبارة نيتشه بقوله: "إن الإله بالنسبة لنيتشه هو العالم المتسامي .. العالم الذي يتجاوز عالمنا، عالم الحواس.. الإله هو اسم عالم الأفكار والمثاليات والمطلقات والكليات والثوابت والقيم الأخلاقية، ومن ثم يمكننا أن نقول إن العبارة تعني في واقع الأمر: نهاية فكرة المركز الكائن خارج المادة. بل وفكرة الكل ذاتها، باعتبارها كيانا متماسكاً يعلو الأشياء. ومن ثم يسقط المركز بسقوط فكرة الكل المتجاوز، فيصبح العالم أجزاء لا تشكل كلاً ولا مركز لها"([43]).

فنيتشه -بمقولته هذه- حاول تحطيم كل "مقدس" و"خير" و"جميل" و"مطلق": وذلك – كما يقول المسيري- "حتى يتم القضاء تماماً، لا على اليقين المعرفي والأساس الديني للأخلاق وحسب، وإنما يتم القضاء أيضاً على أي يقين معرفي، بل وعلى مفهوم أو فكرة الأخلاق ذاتها"([44])، وبدأ الانهيار مع التطور المادي للحضارة الغربية، وسيطرت الفلسفة العلمانية عليها! تطوَّرت الحضارة لكنها أفسدت الإنسان، تقدَّمت لكنها حطمت إنسانية الإنسان، وأهملت حاجاته الكلية، يكفي أنها جعلته حيوانياً وفسرته جنسياً وسلَّمت زمامه للمجتمع والتطور المُنْحلّ الذي لا يلبّي حاجات الإنسان الإنسانية والاجتماعية، ولا أشواقه الفطرية أو رعايته المتكاملة في الشباب والشيخوخة.

تحررت من الكنيسة والإقطاع البغيض لكنها لم تقبل ديناً بديلاً كانت قد احتكت به في الأندلس والحروب الصليبية، فأخذت علومه واستفادت من منجزاته وعقوله، وأقبلت تحاربه على منوال حروب الكنيسة! فلم تعطِ الفضل لأهل الفضل ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ]الرحمن: 60[، بل أقبلت تحاربه بالاستعمار العسكري تارة، وبالاستعمار السياسي والاقتصادي تارة أخرى، والثقافي على الدوام، وكلنا يعرف تاريخ الاستعمار!

 

محاولة نقل «العلمانية» إلى العالم الإسلامي:

أثناء ذلك كانت السيطرة على بلاد المسلمين قائمة على قدم وساق فغيّرت تشريعاتها واستوردت قوانين أوروبا لحكم بلاد المسلمين وانطلقت البعثات إلى بلاد أوروبا في القرن الثامن عشر لتتعلم في جامعاتها، وحمل معظم العائدين، فوق العلوم النافعة، مذاهب الفلسفة الغربية التي تعلن استقلال الإنسان عن الله والوحي الإلهي!

ودافع بعضهم عن نظرية «دارون» باعتبارها نظرية راقية! ودافع آخرون عن النظريات الأخرى، والتي يهشم بعضها بعضاً.

وأراد بعضهم تحرير المرأة المسلمة من واقعها الذي تعيشه في ظل الأنظمة ذات الصبغة «غير الإسلامية»، بل أراد تحريرها من الإسلام، وكأن الإسلام يستعبدها ويقهرها - كما زعموا - حتى ظهر في القرن العشرين من يدعوها إلى التحرر من الأسرة والزواج و«الرجل» إلى غير الأسرة وغير الزواج وغير«الرجل»!([45]).

علّمتهُم «أوروبا» كيف يمكن أن يتحرروا من الأسرة والعلاقات الثابتة بين الجنسين، وأن يلفظوا مبادئهم في تربية الإنسان وصنع المجتمعات، وأن يدفعوا بالمرأة في طريق شائك مهلك للجسد وممزق للروح ومؤدٍّ إلى عدم الاستقرار والأمن والسكينة، علّموهم ذلك كله، حتى ظهر منهم أخيرا من نادى بانتهاك كل  محرّم، وأن القيام بذلك هو «الفضيلة الكبرى»!([46]).

وعيّنوا - حديثا – د. محمد أركون في جامعة السوربون بفرنسا، ليقول للمسلمين: يجب أن تُنتهك كل المحرمات الدينية والفكرية!([47]).

واخترع د. حسن حنفي([48]) ما يسمى باليسار الإسلامي، واعتبر «أن الإنسان هو القادر على كل شيء» ([49]) وأنه قادر قدرة مطلقة([50]) وأن الإنسان خضع في حال العجز لله!

و نادى د. نصر حامد أبو زيد([51])، بإخضاع القرآن لنظرية غربية / مادية تنكر الخالق وتؤول الوحي الإلهي على أنه إفراز بيئوي أسطوري، ناتج عن المعرفي التاريخي الغارق في الأسطورة([52]).

وحتى صنعوا طائفة «العلمانيين» العرب، وغيرهم من أبناء الأقطار الإسلامية من غير العرب ليدّعوا بكافة الطرق، المباشرة والملتوية، إلى نبذ الدين وطرد الشريعة وتحقير الأسرة وتمجيد النمط الغربي في الحياة، وبحجة «الحداثة» دعوا إلى القطيعة مع ثوابت الإسلام وشريعته ومبادئه، وقال أساطينهم إنه لا سبيل لتحديث البلاد العربية والإسلامية إلا بتخلّيها عن الإسلام! البعض قال هذا تصريحاً والبعض الآخر قاله تلميحاً!  

يقول أحد كبرائهم، د. محمد أركون: "إن الخط التحديثي الواجب احتذاؤه هو خط العلمانية والعقلانية في مواجهة «الشريعة»([53])، ويقول: «خط الغرب العقلاني والعلماني والليبرالي»، لذلك فإنه يدعو إلى هذه «الحداثة العقلية والفكرية»([54]) مقلداً للفكر الفلسفي الغربي!

هذه «الحداثة» التي دمّرت الغرب ومزقت ببطء «الثابت» و«النهائي» «بلفظ محمد أركون» ولذلك فهي لا تستمد مشروعيتها إلا من الفلسفة الإلحادية والعقل المستقل عن «الوحي»، ولذلك فإن العلمانيين العرب يرفضون «المشروعية الإسلامية» و«المرجعية الدينية» تقليدا للفكر والحداثة الغربيين وسيراً على خط الحداثة في مواجهة الوحي والشرعية تأصيلاً للمشروعية العلمانية في مواجهة «المرجعية الإسلامية». يقول د. علي حرب: «هناك معيار يمكن استخدامه للفصل بين العلماني وغير العلماني، هو أصل المشروعية التي يرتكز إليها مجتمعٌ ما في تصوره لهويّته، وفي إرساء نظامه وإدارة وحدته وتسيير شؤونه، ففي المجتمع الديني، تستمد المشروعية، بل المعنى والنظام والوحدة، من خارج المجتمع، من مصدر فوقي، عُلْوي... هذا في حين أن المشروعية، في المجتمع العلماني، هي على الضد من ذلك، تنبع من داخله لا من خارجه(!)... فلا مصدر إذن، لشرعيته غيره"!([55]).

فالمرجعية في العلمانية هي الإنسان المستقل عن الله، وعن الوحي، وعن الشريعة، وقول د. علي حرب هنا لا يخالف مفهوم العلمانية الغربي، إنه هو هو! لا مكان للدين كمرجعية في العلمانية، ولا شرعية للشريعة، ولا سلطان للوحي.

والمنهجان -بناءً على ذلك- مختلفان، إنهما يشكلان -كما يقول الدكتور العلماني محمد أركون-: «طريقتين مختلفتين في الإدراك والوعي والتفكير والعمل والخلق والمعرفة» ([56]إذن ليست العلمانية هي فصل الدين عن السياسة فقط!!!

لذلك ينتصر العلمانيون، لا للإسلام كوعي ومعرفة وإدراك وتفكير وعمل، وإنما للعلمانية كمصدر وحيد للمشروعية، كمرجعية شاملة للحياة كلّها، وكما يقول د. أركون: «بصفتها فكراً وطريقة محددة لتشكيل مفهوم جديد عن السيادة والمشروعية»([57]).

فالسيادة والمشروعية العليا، في العلمانية ليست للقرآن ومنهجه في الحياة، يقول أركون «إن القرآن يؤسس وعياً خاصاً بالعلم والتاريخ والدولة»([58])، وهو ينادي، ويطالب بالاقتداء بتاريخانية القرن التاسع عشر (العلمانية): «التي توصلت إلى تهميش العامل الديني والروحي المتعالي وحتى طردته نهائياً من المجتمع»([59]).

إنه يطالب - كالعلمانيين- بتعبئة كل الجهود للقيام بعملية طرد للإسلام وسيادة ومشروعية القرآن من المجتمع مهما ادّعى أنه لا يريد طرد الدين، وإنما ترك الحرية له حرية الأشواق الدينية المرفرفة!، فالحرية هذه إنما هي فقط في إقامة الشعائر، وهو يطالب بتغيير مفهوم الدين في عقول المسلمين، وإبعاده عن مجالات الحياة السيادية والقانونية والتشريعية والقيمية، ومعنى ذلك من جهة طرد الإسلام من أهم مناحي الحياة التي جاء لها، وقصدها في أولوياته العليا لتحقيق التوازن في النفس والحياة والمجتمع، ومن جهة أخرى قصر هذا الأركون حدود الإسلام عند حدود الشعائر، بل إن الرجل مع التضييق عليها بالتغيير الفكري.

يقول أركون إنه مع أن الدولة الديمقراطية العلمانية تحمي كل الأديان، إلا أنها تتسامح زيادة عن اللزوم!، وهو يرفض الحياد العلماني تجاه موضوعٍ كالحجاب، أي أنه يحرّض ضد الحجاب، ويضرب مثلا على ذلك بأن الباحثين العلميين الذين يرفضون التدخل في الأمر يتحجّجون إما بواجب التحفظ المفروض(!) عليهم من قبل وظائفهم في الدولة العلمانية، وإما بعدم تهيئتهم نفسيا وفكريا لهذا النوع من العمل ... "منذ زمن طويل وأنا أدين من دون نجاح هذا الفراغ الفكري والعلمي واللاهوتي والفلسفي في الدولة العلمانية الديمقراطية الحديثة. وينكشف هذا الفراغ أكثر فأكثر كل يوم عن طريق المناقشات التلفزيونية المنظمة باستمرار حول مواضيع متكررة كالحجاب والبرقع والشريعة والمآذن والمساجد... نلاحظ أن المسؤولين السياسيين يفضلون الاحتماء خلف الحياد العلماني الذي يشكل قدس الأقداس"([60]).

ويقول أركون إن الكنيسة قبلت أخيرا بمبدأ فصل الدين عن الدولة وهو المبدأ الذي سواه قانون 1905: "لقد أصبح هذا القانون العلماني ضروريا منذ الآن فصاعدا- يقول أركون- من أجل احتواء تطرفات الإسلام الشعائري الطقوسي الدوغمائي الأصولي المسيس في آن معاً"([61])، يقصد كما تقدم من كلامه مواضيع كالحجاب والنقاب والمآذن والمساجد!

إن ما يغيظ أركون أو كان يغيظه، هو أن الدولة العلمانية تراعي رجال الدين التقليديين "ويراعونهم أكثر من اللزوم"! فيقول: "إن مراعاة الدولة العلمانية الفرنسية أو الإنكليزية أو الألمانية أو الأوروبية عموماً لرجال الدين التقليديين تتم على حساب الاستنارة والفهم الجديد والمتسامح للدين الإسلامي"، فالدين الإسلامي: "يثير ردود فعل تساهلية أو تسيبية –يقصد من التسيب-، وحتى نوعا من الدعم الطائش وغير المتعقل لدى محبيه بشكل زائد عن الحد في الغرب نفسه"، ويضيف: "وهكذا نجد أنفسنا بين قطبين متضادين أو موقفين متطرفين ومتعاكسين: القطب الكاره للإسلام بشكل هوسي لا معقول، والقطب المجذوب إليه بشكل متهور ومن دون أي تروٍّ. وهكذا ننتقل من تطرف إلى تطرف بدلا من أن نفهم مشكلة الإسلام بشكل عقلاني هادىء"، ولكن ما هو هذا الموقف الثالث لأركون؟

وهو يحرّض الغرب على القيام بمزيد من تغيير حقيقة الإسلام: "ولكن إذا كانت سياسة التسوية الوسطية ضرورية من أجل إيقاف العنف في المجتمع –يقصد الغربي- وحمايته منه، فإنه لا ينبغي الاكتفاء بها، بل ينبغي تجاوزها من أجل التوصل إلى حلول تأسيسية وتدشينية لفهمٍ جديد للدين"([62]).

وقال أركون: "ينبغي العلم أن الإسلام أصبح منخورا من الداخل (يقول أركون ذلك مع أنه هو نفسه سخِر ممّن قال من العلمانيين إن الإسلام سينتهي قريبا)، ومضعفا ومتجاهلا ومستخدما كمجرد أداة داخل كل نظام من الأنظمة السياسية القائمة في العالم العربي أو الإسلامي. لكنه في الوقت نفسه دين مجهول في العالم الغربي أو غير العربي، ومشنّع به، أو على العكس، مقرظ ومتقرب منه ومُتلاعب به من قبل هذا الغرب بالذات. كل المواقف المتناقضة تجاهه نجدها في الغرب. لكي أشرح  وضع الإسلام أضرب المثل التالي: نلاحظ أن أغلبية المسلمين نزلوا إلى الشارع بعنف من أجل التظاهر ضد ظاهرة كره الإسلام في الغرب أو "الإسلاموفوبيا". كما نزلوا للتظاهر ضد العنصرية، والصور الكاريكاتورية، ورواية الآيات الشيطانية، ومحاضرة البابا في جامعة راتسبونغ، إلخ. لكن القليل جدا منهم هرعوا إلى المكتبات للاستعلام عن المسار التاريخي الحقيقي لهذا الدين... فالعقلية الدوغمائية الانغلاقية لا تزال مسيطرة في الإسلام، ولا أحد يريد أن يفتح عقله على تساؤلات جديدة بالرغم من كل ما حصل ويحصل!"([63]).

ويحاول أركون أن يبرّر بعض التصرفات السياسية تجاه التأفف من المظاهر الإسلامية بقوله إنه في عام 1995 تجرأ الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك على التحدث والتعبير عن تضايقه "من الانتشار الزائد عن الحدّ لبعض الروائح والألوان والأصوات والألبسة في الفضاء العام للمجتمع. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل. ومع ذلك فقد ثارت ضده عاصفة من الانتقادات متهمةً إياه بالعنصرية"، وعن الروائح قال: "روائح المطبخ التي تنتشر في أروقة مباني المدن الفرنسية وسلالمها"، إن أركون لا يحاول التبرير فقط وإنما يقدم تفسيرا ساذجا لذلك مع أننا لا نتهم شيراك بالعنصرية التامة، ولكن تفسير أركون للأمر إنما هو تفسير ساذج جدا، يقول: "ينبغي العلم أننا أحيانا نفرح أمام منظر ما، وأحيانا نحبّ شيئا ما، وأحيانا نرغب فيه، وأحيانا نختنق، أو نشعر بالدوخان أو بالرغبة بالتقيؤ، أو قد نشعر بتوعك صحي إذا ما رأينا جسدا مدمى.. إلخ. لا ينبغي أن نفسر كل شيء في الاتجاه السيئ. إن منظر امرأة  مغطاة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها بالرقعة الأفغانية السوداء أو النقاب شيء  يثير ردود فعل سلبية كبيرة لدى الأوروبيين، بل حتى لدى المسلمين الذين تربوا في بيئات منفتحة تختلط فيها النساء بالرجال"([64]).

في مقابل ذلك فإن موقف الفيلسوف العلماني ذي الأصل المسيحي بول ريكور في موضوع الحجاب يناقض موقف أركون التحريضي ضد الحجاب، لكنه يتخذ موقفه هذا ليس من أجل الحرية، لكن من أجل مواجهته بمكر!

يقول بول ريكور: "وأعترف بأني مصدوم فيما يتصل بقضية الحجاب، لأننا لم نقترح على هؤلاء الفتيات المسلمات حلولا أخرى. فيما يتعلق باليهودية والمسيحية نعتبر أنه يجوز الحديث عن علامات لا تثير الانتباه وأخرى تفاخرية؛ فنمنح فرصة للاختيار. فأين هو البديل بالنسبة للحجاب؟ ومن جهة أخرى، ما هو الشكل التفاخري لعلامة كاثوليكية؟ هل هو الشخص الذي يصل إلى المدرسة حاملا صليبا على ظهره؟

لا يمكن أن أمنع نفسي من التفكير بأن هناك شيئا مضحكا في إعطائنا الحق لفتاة مسيحية في أن تظهر مؤخرتها في حين تُحرم فتاة مسلمة من الحق في تغطية رأسها. لنبدأ هنا أيضا في تتبع ما يصنعه الآخرون؟ كيف يتصرف الإنجليز في مثل هذه الحالة؟

إنهم يتقبلون الأمر، وينصحون بارتداء حجاب لا يثير الانتباه.. أما نحن، في فرنسا، فلم نتعلم بعد كيف نعالج هذه المشاكل بطريقة وديّة. بصورة تلقائية سأكون مؤيدا لقبول الحجاب. لأنه لو قبلنا ربما ما كان ليتضاعف ويتكاثر؛ فالرفض سيشجع انتشاره على أبواب المدارس. وسنصل إلى هذه المفارقة التي تؤدي إلى حرمان فتيات من المدرسة التي قد تشكل بحق فرصتهن للارتقاء الاجتماعي وحتى للتحرر من ضغط الأسرة. إنه المفعول المنحرف لقرار المنع. أو أننا سندفع بهؤلاء التلاميذ إلى التوجه صوب تعليم خاص.. حاليا الدول الغربية في علاقة صراعية مع أصولية الإسلام،... يَنصح هؤلاء الأئمة الفتيات بالصمود وعدم التراجع!، فإننا لن نعرف حينئذ كيف نتدبر الأمر سوى أن القضية انحرفت عن مسارها: فمن جهة نحن أمام دولة علمانية متشددة في معاييرها، وأمام مد إسلامي، من جهة ثانية، يضع قدرات المقاومة لدى ما نسميه دولة موضع اختبار، ويدفعها إلى الخطأ.."([65]).

ومع ذلك يعترف بول ريكور أنه لا يعرف شيئاً كثيراً عن الإسلام إلا أنه  اندهش لقوته الروحية، كما أنه أشاد ببعض نتائجه في الحياة والمجتمع!!

قال ريكور: "وماذا عن الإسلام؟ إني أنظر إليه من زاوية ثقافية خالصة، وتاريخية، بيد أني لا أعرفه بما فيه الكفاية، ولا أرى ماذا سيضيف حقا إلى ما أجده في التنوع الأقصى لليهودية والمسيحية. غير أن هذا قد يعود ربما إلى جهلي، ويجب الاعتقاد بأنه يتوفر على قوة روحية، لأنه ليس بالعنف فقط، ولا بالغزو اعتنقه ملايين البشر. إنه جهل يتعين تبديده، لأنه يجاورنا منذ زمن بعيد، ويقيم بين ظهرانينا"([66]).

وعموما فريكور هو عمود من أعمدة نصر حامد أبو زيد في هرمنيوطيقا نقد القرآن وقلب مفاهيمه، وهو من قال عن الإسلام: "ثم كونه لم ينتج ما أنتجته المسيحية، بالرضى أو بالقوة، أقصد أنه لم يدمج البعد النقدي في اعتقاداته الخاصة. من الخصائص المميزة لليهودية والمسيحية نجاحهما في النهاية في تحقيق زواج صعب بين الاعتقاد والانتقاد"، وأضاف: "فعلمانيتنا لا يمكن أن يَنظر إليها المسلمون إلا بوصفها فكرة مجنونة صادرة عن دين محرف؛ فحين يسمع إمام أن قوانين الجمهورية أعلى من قوانين الدين، فإنه يسمع شيئا يقع خارج خارطته الإدراكية"([67]).

وعلى كلّ حال، فأركون الأشد عداوة وحقداً، لا يفتأ يُحرّض في محاضراته على الإسلام، فيما يخص القرآن والسيرة، والشعائر والملابس، وقانون الإسلام وشريعته، والتفاسير وكتب السيرة وعلماء الأمة،  فالرجل ببساطة يدعو للمواجهة الفكرية وإن قال بحرية التدين الطليق باعتبار أن التدين الداخلي من الخيال الرطب ومن كشوفات العلم الأخير ومن ثم احترامه للأساطير، فالتدين عنده خيال رطب لا مانع من الإبقاء عليه؟!

وقد خابت علمانيته القديمة في تحقيق وعودها بإفناء الدين والتدين، فيقول: "...الحداثة التي قد وعدتنا منذ القرن الثامن عشر عبر الثورات الفرنسية والأمريكية بأنها ستحقق التحرير الحاسم للوضع البشري، كانت قد وعدَتنا به عن طريق تحقيق الانتقال النهائي الذي لا مرجوع عنه من المرحلة اللاهوتية للعقل، إلى المرحلة الوضعية ... فإذا بنا نفاجأ بعكس ما تنبأوا به وقالوه. فالواقع أن الذي يحصل الآن هو أننا أُخذنا على حين غرّة بعودة الدين إلى الساحة بمثل هذه القوة. ولهذا السبب يصعب علينا أن نتحكم بهذه العودة المزعومة(!) للدين بطريقة ملائمة أو أن نديرها بشكل خصب ومفيد. ولكن في ما يخص المجتمعات الأوروبية المتقدمة، فإن هذه ليست عودة إلى الدين بقدر ما هي عودة إلى تركيبات جديدة للدين والتدين. فقد أصبح الإنسان الغربي ينتقي أجزاء متفرقة من مختلف الأديان ويُركب منها دينا جديدا يتلاءم مع نفسيته وحاجياته الروحية. وبالتالي إنه يعود إلى تركيبات تلفيقية واستملاكات للدين تعسفية كما هي فاسدة روحانيا ومدمّرة سياسيا"([68]).

وعلى الرغم من أن الرجل لا يترك للقارئ مجالا لتفسير كلامه، فكلامه واضح لا يحتاج لكثير تفسير، إلا أن أُناسا ينتسبون للإسلام يدافعون عن الرجل، ونحن سنخصص في كتابنا هذا فصلاً كاملاً لعرض ما يمكن عرضه من مواقف الرجل، إلا أننا قدمنا هنا بعض ما له رابط بموضوع فصلنا، وإنك لتراه ينقد الغرب لدفعه لتطبيق المزيد من نظرياته الإلحادية على الإسلام والمسلمين، وينقد الاستشراق للّحوق به لاستعمال أحدث مناهج العلمانية في هدم الإسلام، وفي نفس الوقت، تراه يدعو لترك مساحة للتدين، بينما هو يثمن المواجهة القديمة مع الدين، ما دام الأمر يتعلق بذكاء المواجهة لا سذاجة الموقف!

يقول: "وقد تهوّر بعض الكتاب وتسرع في إدخال نظريات علمية شديدة الجدة، حتى بالنسبة للغرب الذي اكتشفها كنظرية دارون فيما يخص تطور الأنواع. يمكن أن يقال نفس الشيء فيما يخص طه حسين وعلي عبد الرازق اللذين برهنا على سذاجتهما الفكرية عندما اعتقدا بإمكانية التعرض لموضوعين مشحونين بالتصورات الميتولوجية والدينية والتقديسية في الوقت الذي كانت فيه المسلّمات الوضعية والمنهج الفللوجي تحتقر هذه التصورات بالذات وترميها في الدائرة المظلمة للخزعبلات الخيالية. وقد حاول أصحاب النهضة من العرب والمسلمين-تماماً كما حدث في الغرب- افتتاح التاريخية عن طريق إنكار مكانة الأسطورة ووظائفها"([69]).

 

 



[1]- انظر: واقعنا المعاصر، للأستاذ محمد قطب، ص 84. في دراسة البيروني عن الهند وما فيها من عادات ومعتقدات، بدأها بقوله:" إنما صدق قول القائل "ليس الخبر كالمعاينة" لأن العيان هو إدراك عين الناظر عين المنظور إليه في زمان وجوده وفي مكان حصوله"، انظر: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، للبيروني، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثانية 1983م، ص 13.

[2]- يقول هاشم صالح العلماني الراديكالي عن التفسير العلماني لأركون لكلمة "يعقلون" الواردة في الآية السابقة: "كان أركون قد خصص دراسة كاملة لشرح كلمة (يعقلون) في القرآن. وبيّن عن طريق التحليل الألسني والسيميائي أن معناها هناك ليس هو المعنى الذي نستخدمه اليوم، وليس هو المعنى الذي أسقطه على هذه الكلمة المتكلمون والمفسّرون في القرنين الثالث والرابع الهجري ... إن معناها التزامني والأيتمولوجي مرتبط بالبيئة البدوية للجزيرة العربية، وهي تعني حرفياً: الربط. كأن نقول مثلاً: عقل الدابة أي ربطها لكيلا تفلت"، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص 42.

([3]) مدخل إلى الحضارة الإسلامية، الدكتور عماد الدين خليل، الدار العربية للعلوم، الطبعة الأولى 2005م، ص 76.

[4] - أكدت الأستاذة الألمانية زيجيريد هونكة: أن المسلمين أبدعوا في علوم البصريات والفيزياء والكيمياء القائمة على التجربة، وعلم حساب المثلثات، وعلم الاجتماع، وفضلاً عمّا لا يحصى عدده من المكتشفات والمبتكرات الثمينة في مجال العلوم التجريبية، فإن أثمن هدية قدّمها المسلمون للغرب هي منهجهم في البحث العلمي، كذلك عرض الأستاذ محمد كرد علي في الجزء الأول من كتابه «الإسلام والحضارة العربية» ما حققه المسلمون بالتفصيل في مختلف العلوم: الكيمياء والطب والبصريات والدواء والفلك، وللأستاذ عمر فروخ والدكتور عبد الحليم منتصر كتابات أخرى في الموضوع نفسه، وتحفل المكتبات العربية بدراسات حول التفوق العربي والإسلامي، بل إن جامعة كمبردج بدأت منذ عام 1991م في إصدار دورية متخصصة كل ستة أشهر تحت عنوان «العلوم والفلسفة عند العرب»، وهناك موسوعة من ثلاثة أجزاء حول العلوم عند العرب صدرت في لندن ونيويورك لاثنين من العلماء هما رشيد راشد وورجيس مورلون، نقلاً عن مقالة للأستاذ فهمي هويدي في جريدة الأهرام، 25 أغسطس 1998 «السنة 123 – العدد 40804» بعنوان «الذين يكرهون أمّتهم وتاريخهم» وقد نقلت منها هنا بتصرف.

[5]- مدخل إلى الحضارة الإسلامية، ص 49.

[6]- هذي هي الأغلال، عبد الله القصيمي، منشورات الجمل، عام 2000م، ص 18.

[7]- انظر: هذي هي الأغلال، ص 34، 35، 36، 40.

[8]- حضارة العرب، ص 174.

[9]- مدخل إلى الحضارة الإسلامية، ص 69.

[10]- الله والإنسان، على امتداد 4000 سنة من ابراهيم الخليل حتى العصر الحاضر، كارين آرمسترونج، ترجمة محمد الجورا، دار الحصاد، دمشق، الطبعة الأولى 1996م، ص 153.

[11]- المصدر السابق، ص 177.

[12]- مجلة المنار، الفقه والعلوم العصرية في القرآن، عددنوفمبر 1928م، جمادى الأولى - 1347هـ، المجلد29، ص525.

[13]- مقاله بعنوان "الشريعة والطبيعة والحق والباطل" مجلة المنار: 20 شعبان - 1317هـ، 24 ديسمبر - 1899م.

[14]- مدخل إلى الحضارة الإسلامية ص 33، 45.

([15]) مدخل إلى التاريخ الإسلامي، ص 39.

([16]) انظر: مصباح علاء الدين: كيف وصلت العلوم الإغريقية إلى أوروبا عبر العالم الإسلامي، دار الكتاب العربي –بيروت عام 2010م، جون فريلي، ص 122.

[17]- المرجع السابق، ص 127، 128.

[18]- المرجع السابق، ص 122.

[19]- المرجع السابق، ص 122.

[20]- المرجع السابق، ص 148.

[21]- قضية التنوير في العالم الإسلامي، لمحمد قطب، ص 38. وقال العلماني عبد الله العروي: "ما يهمّنا في كتاب باسكال هو أنه... لا يذكر بالاسم نبي الإسلام إلا في أربع مناسبات، غير أن سير الاستدلال يوضح أن مشكل الإسلام يشغله كثيراً كما لو كان يرى أنه الدين الذي يدين به خفية حملة العلم التجريبي من أنصار الحرية والعدل. وهذا يشير إلى أن اعتراضات الإسلام على المسيحية كانت منتشرة جداً في تلك الأوساط، وأنها كانت تفضل على البروتستانتية بعد أن تحولت النحلة الجديدة إلى مؤسسة كنسية لا تقل استبدادية عن كنيسة روما في كل من جنيف وألمانيا وإنجلترا"، (مفهوم العقل، العروي، ص 57).

 -[22]في بحث حول الفلك والرياضيات عند المسلمين لأحد كبار مستشرقي المعهد الكاثوليكي الفرنسي في باريس، البارون "كارادي فو" (نشر في كتاب تراث الإسلام الذي أشرف عليه السيد توماس أرنولد) قرر مؤلفه بوضوح: "إن العرب ارتقوا بالحياة العقلية والدراسة العلمية إلى المقام الأسمى، في الوقت الذي كان العالم المسيحي يناضل نضال المستميت للانعتاق من أحاييل البربرية وأغلالها. ووصل الأمر إلى ذروة ازدهارهم العلمي في القرنين التاسع والعاشر (الميلاديين). واستمر ذلك الازدهار إلى القرن الخامس عشر، ومن القرن الثاني عشر فصاعدا كانت حواضر العرب محط أنظار كل غربي يميل إلى العلم ويتذوقه". انظر مقالة الأستاذ فهمي هويدي "الذين يكرهون أمّتهم وتاريخهم"، في جريدة الأهرام العدد (40804).

[23]- الله ليس كذلك، ص 42-43.

[24]- ص 22.

[25]- ج 13، ص 19.

[26]- مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، ص 480.

[27]- تشارلز روبرت دارون العالم البريطاني الطبيعي الشهير، (1809-1882م)، نال وسام الاستحقاق الروسي سنة 1871 وفي عام 1878 صار عضوا في الأكاديمية الفرنسية. عمل سكرتيراً للجمعية للجيولوجية من سنة 1838 إلى 1841 - بتصرف من «الإسلام ونظرية دارون»  لمحمد أحمد بشميل ص 19، 20. 

[28]- في بداية شهر أغسطس 1998م أعلنت نشرات الأخبار الهولندية أنهم اكتشفوا بعض فصائل الحيوانات يمارس بعض الذكور منها الجنس مع الذكور فقالوا بأن هذا دليل على أن هذه الممارسة في عالم الإنسان -الذي زعموا أنه من أصل حيواني!- ممارسة مشروعة بدليل وجودها في عالم الحيوان!!

وفي هولندا تعتبر إهانة المثليين مخالفة للقانون وفعلا عنصريا وتعرّض صاحبها للمحاكمة!

[29]- التطور والثبات في حياة البشرية، محمد قطب ص 19، 20.

[30]- هو عالم نفس «يهودي نمساوي!» ولد عام 1856 وعمّر طويلاً حتى مات في عام .1938 ألّف نحو ثلاثين كتاباً في الدراسات النفسية.

[31]- الطوطم هو حيوان أو نبات أو أي ظاهرة طبيعية أو أي شيء آخر مقدس لدى جماعة أو قبيلة أو جنس من الشعوب الوثنية، ويرمز للجماعة ويحميها، وأول طوطم عند فرويد هو السلف المتحد وبعد ذلك يمثل الإله الحيوان أو أنه يحمل صفات الحيوان، انظر: النبي موسى والتوحيد، لفرويد، ص 105.

[32]- وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه من هذا الفصل.

 - [33]في كتابه: ذكرياتي عن فرويد «Memorials of Freud» والذي صدر في الستينيات، انظر: مذاهب فكرية معاصرة ص 12، 115.

[34]- الحداثة وما بعد الحداثة، عبد الوهاب المسيري وفتحي التريكي، دار الفكر المعاصر، الطبعة الثالثة، 2010، ص 141، 142.

[35]- العلمانية الشاملة، عبد الوهاب المسيري، ج 1، ص 242.

[36]- المرجع السابق، ج 1، ص 221.

[37]- إميل دور كايم أو دورك هايم أو دور كحاييم، عالم اجتماع يهودي فرنسي (1858- 1917) له كتبٌ من أشهرها (مقدمة في علم الاجتماع)، انظر مذاهب فكرية معاصرة، ص 114.

 

[39]- انظر: قواعد المنهج في علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، ص 128.

[40]- نقلاً عن التطور والثبات في حياة البشرية، ص 224. 

[41]-  آفاق العصر، جابر عصفور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة 1997م، ص 131. 

[42]- انظر كتابه: الكلمات والأشياء، مركز الإنماء القومي، ترجمة مطاع صفدي وغيره، بيروت، 1990م، ص 312، 313، 314. يقول المسيري: "إن ماحدث - ويقصد في العلمانية- ليس موتاً للإله نتيجة حلوله في المادة وتوحده بها واستيعابه فيها (فهو متجاوز للطبيعة والمادة)، وإنما هو تعبير عن أن نسيان الإنسان للإله أدى إلى نسيان الإنسان لذاته المركبة الربانية (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (الحشر: 19).. بل هو تناسٍ لمقدرة الإنسان على تجاوز العالم المادي وعلى اكتشافه لجوهره الرباني الإنساني، ولكنه على أية حال، ليس نسياناً كاملا، إذ تظل ذاكرة النور الذي يبثه الإله في الصدور قائمة في أعماق وجدان الإنسان"، العلمانية الشاملة للمسيري، ج 1، ص 194. ومعنى جوهره الرباني الإنساني: قبس الروح المخلوق الذي أصله من الله، أي من عند الله، وقبضة الطين المخالفة بطبيعتها للروح غير المخلوق من قبضة الطين.

[43]- الحداثة وما بعد الحداثة للمسيري وفتحي التريكي، ص 27.

[44]- المرجع السابق، ص 29.

[45]- مشروع نوال السعداوي.

[46]- سيأتي نص كلام أدونيس في ذلك، في الفصل الذي خصّصناه عنه في هذا الكتاب، وأدونيس هو علي أحمد سعيد، شاعر سوري مشهور، غارق في الإلحاد والإباحية. وبحسب كتاب الثقافة العربية في المهجر فإن «أدونيس» هو ممثل جامعة الدول العربية لدى اليونسكو «بالإنابة»، وله كتاب «الثابت والمتحول، بحث في الاتباع والإبداع عند العرب»، وصدر له عن دار الأدب، ببيروت «النص القرآني وآفاق الكتابة» طبعة 1993م.

[47]- كتبتُ ذلك قبل عام 2000، وقد توفى أركون عام 2010، وهو مفكر علماني جزائري، ومدير معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة السوربون، له كتب وبحوث، أكثرها منشور بالفرنسية، مثل: الفكر الإسلامي، قراءة علمية وله بالعربية «تاريخ الفكر الإسلامي» و«المفكر الإسلامي» و«الفكر الإسلامي قراءة علمية» وغير ذلك مما ترجم حديثاً، وقد خصّصتُ له فصلا خاصا في كتابنا هذا.

[48] - د. حسن حنفي، مصري، وهو أستاذ في كلية الآداب بجامعة القاهرة.

[49] - من العقيدة إلى الثورة، حسن حنفي، ج 3، ص 180.

[50]- انظر: من العقيدة إلى الثورة، ج 4، ص 58، وانظر كتاب لسنج في تربية الجنس البشري، ص 149، نقلاً عن "المثقفون العرب والتراث"، لچورج طرابيشي، ص 143 و148.

[51]- كان أستاذا بقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة. تلقى في سنة 1975 منحة من مؤسسة فورد للدراسة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وفي سنة 1978 حصل على منحة من دراسات الشرق الأوسط، بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة، وفي عام 1995 أصبح أستاذا زائرا في جامعة ليدن بهولندا، حتى سنة 2010م. ومدينة لاهاي تبعد عني بالقطار مدة عشر دقائق فقط، حيث كتبتُ هذا الكتاب.

[52] - اسم هذه النظرية «الهرمنيوطيقا»، وهو مصطلح قديم يعود إلى عام 1654م، بدأ استعماله في دوائر الاتصالات اللاهوتية، خاصة في الأوساط البروتستانتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني «الكتاب المقدس»، وقد اتسع مفهوم المصطلح – يقول نصر أبو زيد – في تطبيقاته الحديثة، وانتقل من مجال علم اللاهوت إلى دوائر أكثر اتساعا لتشمل كافة العلوم الإنسانية كالتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوچي وفلسفة الجمال والنقد الأدبي والفولكلور، مِن علماء «الهرمنيوطيقا» المفكر الألماني شلير ماخر وويلهلم ديلثي ومارتن هيدجر وجادامر، يقول  نصر أبو زيد: «وتعد الهرمنيوطيقا الجدلية عند جادامر بعد تعديلها من خلال منظور جدلي مادي، نقطة بدء أصيلة للنظر إلى علاقة المفسر بالنصّ، لا في النصوص الأدبية ونظرية الأدب فحسب، بل في إعادة النظر في تراثنا الديني حول تفسير القرآن منذ أقدم عصوره وحتى الآن»، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، لنصر أبو زيد، ص 49، وما قبلها.

53-  تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص 227، 232.

[54]- الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص 181.

[55] - في كتابه نقد الحقيقة، ص 57.

 -[56]الفكر الاسلامي قراءة علمية، ص 181.

[57] - المرجع السابق، ص 182.

[58] - المرجع السابق، ص 72.

[59]- المرجع السابق، ص 68.

[60]- نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ترجمة وتقديم هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى 2011، ص 172.

[61]- المرجع السابق، ص 172.

[62]- المرجع السابق، ص 173.

[63]- المرجع السابق، ص 181.

[64]- المرجع السابق، ص 200.

[65]- الانتقاد والاعتقاد، ترجمة حسن العمراني، دار توبقال، المغرب، الطبعة الأولى، 2011، ص 51.

[66]- المرجع السابق، ص 93.

وهنا لا أستطيع أن أحجب عن القارئ أن أعظم فلاسفة فرنسا (ريكور)، الذي تسبب انتحار ابنه في أزمة نفسية وفلسفية له، دعا في مجال الأسرة للاستفادة من المسلمين. فردّا على سؤال: لقد عادت مشاكل العلمانية لتحتل مقدمة المشهد الفرنسي مع قضية الحجاب الإسلامي. أي موقف تتخذونه إزاء هذا الموضوع؟

أجاب ريكور: "علينا أن نؤكد ابتداءً أن الدين الإسلامي أصبح هو الدين الثاني في فرنسا، بعد الكاثوليكية، وأن علينا واجب الضيافة وعلينا واجب الفهم. إننا ننزع بشكل مفرط إلى رؤية المسلمين من زاوية التهديد الأصولي، وننسى بالمقابل التهديد الذي يتعرضون له، أقصد التفكك. هذا على الأقل ما يقوله لي أفضل أصدقائي المسلمين؛ فهم لا ينظرون إلينا بصفتنا الاستعمارية القديمة، أي في علاقة خضوع وقهر وإنما كتهديد بالتفكك. إنهم يحكمون على مجتمعاتنا بكونها سائرة نحو الانحلال ويرفضون أن يلقوا ذات المصير. هنا تظهر مسألة النزعة الإسلامية كنوع من الحماية، من نواحٍ مرعبة، إزاء خطر التفكك. بل إني أذهب إلى حدّ القول بأنه في ضواحينا، يمكن للقدرة المقاومة الخاصة بالأسرة المسلمة، ذات البنية الجماعية التي لا تزال حية بفضل الدين، أن تشكل فرصة أو حظا بالنسبة للمجموعة الصغيرة المُفككة من ثقافتنا الخاصة، من الممكن جدا، في القرب مما نسميه الإسلام، أن يمثل هذا الحضور المكثف فعلا فرصة سعيدة بالنسبة لمجتمعنا، ضد عناصر التفكك الذي تلغمة. إن ما يبقى سليما يمكن أن يشكل عنصرا واعدا بالنسبة لنا.

تعود صعوبة المشكل الذي تشيران إليه، وكل المشاكل التي تقترن به، إلى حداثة الوضع الذي نوجد فيه. نحن هنا مع الدخول المفاجئ للإسلام، إلى القضاء الفرنسي، أمام دين جديد لم يشارك في صنع تاريخنا(!!)، ولم يشكل جزءا من مصادرنا الدينية التي هي أصل بناء وطننا، سواء في العصر القديم، أو خلال القرون الوسطى، ولا حتى أثناء النهضة" (الانتقاد والاعتقاد، ص 50)، ورداً على عبارة ريكور: "إن الإسلام لم يشكل جزءا من تاريخنا"، أقول إن الإسلام  شارك في صنع تاريخ أوروبا من ناحية العلم والعقل والتسامح والحرية والنقد الإيجابي لا السلبي الفاسد.

ويقول ريكور: "صحيح أنه كانت للغرب في الماضي علاقات مع الإسلام؛ لكن حين تكون محكومة بالعداوة، فإنها تتموقع في مستوى فكري مرتفع، بين الأطباء، والمحامين والثيولوجيين أو الفلاسفة؛ إذ كان هناك عصر ذهبي يهودي-إسلامي- مسيحي، بيْد أن هذا حدث في القرون الوسطى"، (ص 51)، وهنا يعترف ريكور بفضل العصر الذهبي الإسلامي، وهذا يعني مدح الإسلام الذي وضع التعارف والتعايش والتسامح داخل أوروبا القديمة وأسس فيها تنظيرية تلك العلاقة الأصيلة.

[67]- المرجع السابق، ص 50.

[68]- نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ص 278.

[69]- تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص 32.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق