سطور من الذاكرة\العدد مائة وخمسة وستون - جمادى الآخرة 1438 هـ
ثورات الخوارج (5) - محاولة اغتيال الحسن بن علي
الثلاثاء 28 فبراير 2017

 هيثم الكسواني – كاتب أردني

 

 

خاص بالراصد

بويع الحسن بن علي، رضي الله عنهما، بالخلافة بعد مقتل والده على يد الخوارج في سنة 40هـ. وعليّ بن أبي طالب، هو الآخر، بويع بالخلافة بعد مقتل سلفه، ذي النورين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وعلى يد الخوارج السبئية أيضا، أواخر سنة 35هـ، وهكذا قتل الخوارج في صدر الإسلام خليفتين من خلفاء المسلمين الراشدين، واثنين من العشرة المبشرين بالجنة والسابقين في الإسلام، وصهري رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حاربوا جموع الصحابة الذين رضي الله عنهم ورسولُه بعد أن كفّروهم وأباحوا دماءهم.

    ولم يكن الحسن بعيدا عن سهام الخوارج وعن فهمهم السقيم، فخلال الأشهر القليلة التي قضاها في الحكم قبل تسليمه إلى معاوية، رضي الله عنه، تعرض الحسن إلى محاولتي اغتيال، كانت الأولى منهما في أعقاب الشائعة التي سرت بمقتل قائد جيشه، قيس بن سعد، إذ فور سماع الجند بذلك عمّت الفوضى بينهم، "وانتهب بعضهم بعضا، حتى انتهبوا سُرادِق([1]) الحسن، حتى نازعوه بساطا كان جالسا عليه، وطعنه بعضُهم"([2]).

    أمّا المحاولة الثانية لاغتياله فكانت على يد الخوارج، وتحديدا على يد شخص اسمه الجراح بن سنان، وتذكر لنا المصادر التاريخية أن الجراح هذا كان صاحب سيرة سيئة منذ زمن طويل، فهو أحد الذين افتروا على سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، عندما كان واليًا على الكوفة، أيام خلافة الفاروق عمر، رضي الله عنه، وسَعوا في عزله، في وقت عصيب جدا، ففي ذلك الوقت استطاع ملك الفرس يزدجرد أن يحشد جموعا كثيرة لقتال المسلمين، وسعدٌ، والي الكوفة وقائد معركة القادسية من قبل، والمسلمون هناك يبحثون أمر تشتيت جموع الفرس وقتالهم، فما كان من سعدٍ إلاّ أن دعا على هؤلاء المفترين، وكان مستجاب الدعوة، "فكان لهم من سوء الخاتمة نصيب"([3]).

    يقول ابن كثير في شأن هذه الشكوى: "وثار أهل الكوفة على سعد في غبون هذا الحال، فشكوه في كل شيء حتى قالوا: لا يُحسن يصلي!! وكان الذي نهض بهذه الشكوى رجل يقال له: الجراح بن سنان الأسدي، في نفر معه، فلما ذهبوا إلى عمر فشكوه إليه، قال لهم عمر: إن الدليل على شرّكم نهوضكم في هذا الحال عليه، وهو مستعد لقتال أعداء الله، وقد جمعوا لكم، ومع هذا لا يمنعني أن أنظر في أمركم.

    ... ثم دعا سعد على الجراح وأصحابه، فكلٌّ أصابته قارعة في جسده، ومصيبة في ماله بعد ذلك"([4]).

      وقبل الحديث عن محاولة الجراح بن سنان الآثمة لاغتيال حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحسن بن علي، نودّ التوقف عند أمرين هامّين أثارتهما الشكوى المقدمة ضد سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه:

    الأول: أن الخوارج –قديما وحديثا- لم يُعرف عنهم سابق صلاح، ولا سابقة في الإيمان والإسلام والالتزام بأحكامه، فهذا الخارجي (الجراح بن سنان) لا يتورع أن يفتري على أحد العشرة المبشرين بالجنة والسابقين في الإسلام، وقادته الكبار، بأنه لا يُحسن الصلاة!!

   وقد رأينا في العصر الحديث بأن معظم جماعاتهم عادة ما تتكوّن من أصحاب الانحراف، فكم من "داعشي" معاصر أُلقي القبض عليه أو عثر على جثته، وفيها آثار من شرب الخمور أو تعاطي المخدرات، وكيف انتقل بعضُهم من النقيض إلى النقيض، ليصبح بين يوم وليلة أسد السنة والمجاهد البطل والمغوار، ومفتيا مرموقا لا يُشقّ له غبار.

   الآخر: أن الخوارج لم يُعرف عنهم تقدير المصالح والمفاسد الشرعية، ولا وضع مصلحة الإسلام في المقدمة كما تجلى من إحداثهم الشرخ وخلخلة صفوف المسلمين المرابطين في مواجهة الفرس، فقدموا إلى المدينة يشتكون زورا وبهتانا على قائد المسلمين هناك، سعد بن أبي وقّاص، وفد أنّبهم الفاروق عمر، رضي الله عنهم لصنيعهم هذا: "إن الدليل على شرّكم نهوضكم في هذا الحال عليه، وهو مستعد لقتال أعداء الله، وقد جمعوا لكم...".      

   ولم يختلف سلوك الخوارج المعاصرين عن أسلافهم في هذا الأمر، ولنا في الثورة السورية خير دليل، فكم اغتال "الدواعش" من مجاهدين معارضين لنظام الأسد النصيري ولإيران وروسيا، بحجج واهية، فأضعفوا ساحة الجهاد ومنظماته الفاعلة، وتركوا المجال لأعداء الدين يسرحون ويمرحون ويحرزون التقدم تلو الآخر، ويعيثون في أرض المسلمين وأهل السنة الفساد.

   وما فعلوه في سوريا، فعلوه أيضا في العراق، وفعله قبلهم تنظيم القاعدة، فقد تفرغوا لقتال أهل السنة المقاومين للمشروعين الأمريكي والإيراني هناك، بحجّة أنهم عملاء وخونة، وتركوا الساحة السنية نهبا للطامعين والمحتلين.   

       محاولة الاغتيال

     وبالعودة إلى محاولة اغتيال الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، فإنها جاءت في أعقاب نجاح مفاوضات الصلح بينه وبين معاوية، رضي الله عنه([5])، فمَن كان على مذهب الخوارج في جيشه قالوا "قد كفر الحسن كما كفر أبوه من قبله، فشدّوا عليه فنهبوا متاعه، ثم لم يكتفوا بذلك، بل أرادوا أن يكون مصيرُه كمصير أبيه، فكمن له الجراح بن سنان الأسدي الخارجي، فطعنه بخنجر مسموم في فخذه، ولكنه لم يصب منه مقتلا، ونجا الحسن من مؤامرة خارجية لاغتياله"([6]).

      وقد ورد عند البعض أن الجراح قعد ينتظر الحسن، فلما مرّ ودنا من دابته أخذ بلجامها، ثم أخرج معولاً كان معه وقال: أشركتَ يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، وطعنه بالمعول في أصل فخذه، فشقّ في فخذه شقًا كاد يصل إلى العظم، وضرب الحسن وجهه، ثم اعتنقا وخرّا إلى الأرض، ووثب عبد الله بن الخضل الطائي، فنزع المعول من يد الجراح، وأخذ ظبيان بن عمارة التميمى بأنفه فقطعه، وضرب بيده إلى قطعة آجرة فشدخ بها وجهه ورأسه حتى مات، وحُمل الحسن إلى المدائن .. ثم إن سعد بن مسعود أتى الحسن بطبيب، وقام عليه حتى برئ([7]).

    تعطي محاولة الاغتيال هذه مثالا واضحا على حرص الخوارج على قتل الصالحين من هذه الأمة وتكفيرهم، أما اتهام الحسن وأبيه عليّ، رضي الله عنهما، بالشرك والكفر فهو مما يثير السخرية والأسى، فإذا كان عليٌّ، وهو أحد المبشرين بالجنة، والسابقين في الإسلام، وخليفة المسلمين، مشركا بالله، فمن هو الموحّد في نظر الخوارج؟؟

      ولقد رأينا الخوارج المعاصرين يكررون سيرة القدامى منهم، فيحكمون على من يخالفهم في الرأي من هذه الأمة أو ينتقد مسلكهم بالكفر والردّة، ويعتبرون قتلهم وقتالهم أولى من قتال الكافر الأصلي.

     ولعلّ آخر "تقليعة" قاموا بها في هذا الشأن، هي تلك القائمة التي أعلنها تنظيم الخوارج "داعش" مؤخرا لعدد من العلماء والدعاة، وبعضهم يعدّ من كبار علماء المسلمين وأهل السنة ودعاتهم، كيوسف القرضاوي ومحمد العريفي وعائض القرني وسعد البريك ونبيل العوضي ومحمد حسان وناصر العمر وعبد العزيز الفوزان ومحمد المنجد وعدنان العرعور، حيث نفى التنظيم في بيانه عنهم العلم، واعتبرهم "عملاء لا علماء" ووصفهم بأنهم "أئمة الكفر"، والأدهى والأمرّ أنه دعا لاغتيالهم، لأنهم -بزعمه- "شركاء في الحرب الصليبية" ضد التنظيم، و"حمير آذوا المجاهدين"(.([8]

                                                                                 

    المراجع

1-  الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، طبعة مؤسسة المعارف ودار ابن حزم، بيروت، 1430هـ، 2009م.

2-  د. علي بن محمد الصلاّبي، الحسن بن علي بن أبي طالب شخصيته وعصره، دار الإيمان للطبع والنشر والتوزيع، الاسكندرية، 2004م.

3-   د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي: نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، أدبهم، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الخامسة، 1425هـ - 2004م.

 



[1] - في المعاجم: هو الخيمة أو المنصّة أو المكان الذي يجتمع فيه الناس في المناسبات كالعرس والمأتم ونحوهما.   

[2] - الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 1568.

[3] - د. علي بن محمد الصلاّبي، الحسن بن علي بن أبي طالب شخصيته وعصره، ص 329 (الهامش).

[4] - الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 1402.

[5] - د. علي بن محمد الصلاّبي، الحسن بن علي بن أبي طالب شخصيته وعصره، ص 329.

[6] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي: نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، أدبهم، ص 111.

[7] - د. علي بن محمد الصلاّبي، الحسن بن علي بن أبي طالب شخصيته وعصره، ص 329 – 330.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق