فرق ومذاهب\العدد مائة وخمسة وستون - جمادى الآخرة 1438 هـ
أقطاب العلمانية - طارق منينة
الثلاثاء 28 فبراير 2017

 تباشر الراصد على حلقات نشر الطبعة الجديدة من كتاب الأستاذ الباحث طارق منينة "أقطاب العلمانية"، وهو الكتاب الذي سدّ ثغرة كبيرة في المكتبة العربية قديمًا، وتحوي هذه الطبعة مزيدا من الإضافات والفوائد.

 

مقدمة الطبعة الجديدة

إن الحاجة لمثل هذا الكتاب، بعد الثورات العربية، أصبحت شديدة وملحّة، في وجه طغيان الخطاب العلماني الجامح والفاقد للعقل والذي اشتاط غضبا وامتلأ غيظا وحنقا، بمجرد شعورهم بقرب سيادة الوعي العلمي الإسلامي على مواقع السيادة! وقد ارتأينا من قبل أن نخوض المعركة الفكرية بواقعية وميدانية ولغة سهلة مفهومة، فلم نجعل لبحثنا طابعاً انعزالياً أو نخبويا بعيداً عن أوضاع الأمة وما يجري فيها، خصوصاً وقد رأينا –منذ عقود- كيف دعمت العلمانية القمعية، ورؤوسها الكبيرة، الاستبداد بكل صوره، لتمرير الأجندات التخريبية والتحريضية، وعلى الرغم من أن الجماهير المسلمة لم تلقِ  بالاً لأصحاب تلك العلمانية المتسللة، بل لم تعرفهم أصلا، غير أن أولئك العلمانيين  يتسللون من الحدائق الخلفية (الشاشة، الأفلام، الروايات، السياسة، التعليم، المؤتمرات، والكتب)، محاولين التأثير من ألطف الوسائل وأشدها تأثيرا.

ولقد ظهرت كتابات علمانية بعد الثورات، أي بعد صدور طبعتنا الأولى لهذا الكتاب بأكثر من عشر سنوات، راحت تفسر هذه الثورات المدهشة بتصورات مستغربة، وأقوال مستهجنة، ودعاوى باطلة غير واقعية، ولا يخفى على القارئ مقولة حلمي النمنم في المؤتمر المشهور عن مصر والعلمانية وأن مصر علمانية بالفطرة! وأنه لا توجد - بزعمه - ديمقراطية بدون دم!

وهي نفس منهجية هاشم صالح في كتابه الأخير "الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ"، وكان جابر عصفور قد دافع  من قبل عن النمنم  (الذي كان قد كتب عن البنا وسيد قطب) تحت عنوان (جمعية جبهة علماء الأزهر)([1]) قائلا إن :"جمعية جبهة علماء الأزهر التي أظنها تخرق كل القوانين... فضلا عن التحقير من مكانة أنصار الدولة المدنية، الذين توصف كتاباتهم بأنها قاذورات الأقلام الفاجرة ويوصف فيه الكاتب الكبير حلمي النمنم بكلمات بشعة مثل لو أن سفيها ذهب فأكل فخلط متضلعا من قمامات القاهرة التي ملأت فجاجها ثم نام مستقلا فحلم فهذي لم يأت بأقبح مما فاه به هذا النمنم علي رؤوس الأشهاد، وأمثال هذا كثير وأقبح في بيانات لا بد أن تخضع للقانون، فالفرق هائل بين حرية الرأي والسباب البذيء، ولا بد أن يأخذ القانون مجراه، ليوقف الذين صاغوا هذا البيان وأمثالهم عن تحقير الخصوم الفكريين ووصفهم بما يعاقب عليه القانون؛ إن الحرية مسؤولية أيها السادة".

وقد عين النمنم وزيراً للثقافة، بعد تعيين عصفور، وما زال وزيرا حتى لحظة كتابة هذه المقدمة في بدايات عام 2017، أي بعد 17 عاما من الطبعة الأولى لكتابنا هذا، وكان فيما قاله جابر عصفور في حوار له مع الإعلامي محمود الورواري مقدم برنامج "منارات" على فضائية "العربية"، أن مصر كانت في أشد الحاجة إلى رئيس مثل عبد الفتاح السيسي ليأخذ على عاتقه تجديد الخطاب الديني، كون تطوير الخطاب الديني قضية أمن قومي يهدد البلاد وتحتاج إلى شجاعة كبيرة من أجل إنجازها. وتابع: "إننا في حاجة لاستعادة روح تفكير ابن رشد عند الحديث عن فكرة تجديد الخطاب الديني، مؤكدا أن الخطاب الديني هو جزء من الخطاب الثقافي العام، لذلك فالتخلف الثقافي يعرقل التجديد، مطالبا بضرورة وجود مشروع عربي عقلاني موحّد لتطوير الحوار الديني والسياسي في مجتمعاتنا العربية".

وكل واحد يعلم أن جابر عصفور هو أكثر من تكلم عن القمع والحريات والمستقبل الواعد، وهو كما يقدمونه: رائد الحرية والدولة المدنية في مصر.

ولقد كان دأب هؤلاء قديما - منذ تغوّل الفكر الماركسي في بلادنا- وحديثا، أن يقيّموا الأحداث هزيمة أو نصرا، بالمعايير العلمانية الخاطئة، فسواء كان الأمر هزيمة للعرب، كما كان في عام 67، على يد نظام تغرب في الاشتراكية وتوغل في الدكتاتورية والقمع، أو كان بعد نصر وثورة على الأوضاع المشينة (بعد ثورات أمتنا لبداية الألفية الثالثة)، فإنهم ما يزالون يرمون الإسلام بالتخلف وأنه هو سبب الهزيمة: كما فعل صادق جلال العظم، في كتابه (نقد الفكر العربي)، بعد هزيمة 67م.

وأنه سبب انحراف أهداف الثورة، بزعم حازم صاغية في كتابه (الانهيار المديد).

وكذلك يقومون بتشويه صورة الدعاة إليه كما في  كتاب (سياسات الأديان) لنبيل عبد الفتاح، والذي صدر عن مكتبة الأسرة 2003م برعاية زوجة مبارك، التي مررت للعلمانيين كثيرا من أباطيلهم، كما أن لنبيل عبد الفتاح كتابه (الجديد) الآخر عن الثورة (النخبة والثورة، الدولة والإسلام السياسي والقومية والليبرالية) وهذا الأخير صدر عام 2013م.

ومن ذلك أيضا كتاب (ضد التعصب) لجابر عصفور، والذي ينتصر فيه لنصر حامد أبو زيد وقدحه في القرآن والرسول.

كذلك فقد أصدر المجلس الأعلى للثقافة عام 2012 كتاب (الهوية) لحسن حنفي، ولا شك أن هذا الكتاب خدم التوجه الدكتاتوري العلماني، وقد تكلم فيه حنفي عن الإخوان وحزب الحرية والعدالة، كما كرر نفس كلامه القديم عن الاغتراب (متأثراً بفيورباخ) والهوية الإلحادية كما بينت ذلك في كتابنا هذا في الفصل المخصص لحنفي.

كذلك لم يُرد يوسف زيدان أن يفوت الفرصة في التعقيب على الثورة لشدها علمانياً إلى أوهام العلمانية وأحلامها ورغباتها، وذلك بالزعم أن إقامة حكومة دينية في مصر معناه كارثي، ويقصد طبعا حكومة يحكمها إسلاميون فكتب (فقه الثورة) الصادر عن دار الشروق عام 2013 ([2]).

كذلك خرج علينا فهمي جدعان هو الآخر بكتاب صدر عام 2014م، بعنوان (تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات)، إصدار الشبكة العربية للأبحاث، زوّر فيه حقيقة الإسلام وحقيقة تيار النهضة الإسلامية الحديثة مساهماً في تشويه المشهد أكثر مما هو حاصل، متوسلاً  بمدح التجربة التاريخية الإسلامية لهدم فعل النهضة الإسلامية الحديثة ووأدها ودفن معالمها وتشويه صورتها وتمرير الأفكار العلمانية من خلال ذلك، وهو يخلص إلى فكرة: "تحرير الإسلام من جملة العقائد والتصورات والفهوم والمواقف... بردّ الأمور إلى نصابها وبذل الوسع من أجل صوت الإسلام"([3])، ويدعو إلى إبعاد الإسلام عن الحكم لأن الحكم طبيعته غير أخلاقية، فهو يدعونا لترك السياسة والفعل السياسي للتصور: "الذي رسمه ميكافيلي والديمقراطيات الليبرالية الحديثة"([4]).

أما نوال السعداوي فقد كتبت أيضاً كتاباً في الثورة، وذكرتنا بالثورة الجنسية التي أرادتها في الستينيات، فقالت في كتابها الجديد هذا (الثورات العربية): "في الستينات من القرن الماضي، صدر كتابي "المرأة والجنس"([5])، وذكرتنا بأنها اليوم ما تزال على ما كانت عليه في الماضي: "كانت كلمة ثورة تعني الكفر، ننشد في المدرسة هذه الكلمات الثلاث "الله، الوطن والملك" كانت الثورة تعني الكفر بالثلاثة معاً وفي وقت واحد، ودون فصل أحدهما عن الآخر"([6]).

وأما سمير أمين (المُنظر الاشتراكي الماركسي) فقد صدر كتابه (ثورة مصر) عن دار العين عام 2011م، وكعادة المتغربين يقول إنه من المشكوك فيه تحول الإخوان إلى منظمة ديمقراطية([7]) فالإخوان  تنظيم منغلق، أهله أثرياء (زعم!)! وأن لهم تأويلا متجمدا أخذوه من محمد رشيد رضا: "الذي يمثل الوهابية في التأويل المتجمد، والمتخلف الأقصى للإسلام"([8]) وعلى العكس فإنه يأمل في التحول "نحو الاشتراكية"([9])فللرجل باع : "في الطريق الطويل نحو الاشتراكية العالمية، فأحد الشروط المهمة الضرورية لجعل هذا الهدف ممكنا هو بالتأكيد تجديد الفكر الماركسي الخلاّق"([10]) للوصول للاشتراكية.

أما هاشم صالح فتجده دعا في  كتابه (الانتفاضات العربية في ضوء فلسفة التاريخ)، إلى مواجهة الإسلام بالدم، بعد أن أعجزه النقد، رافضاً أن تكون للإسلام أي سيادة عليا، فقال: "... تطبيق الشريعة مستحيل في العصور الحديثة لأنها مضادة في معظم بنودها لكل إعلانات حقوق الإنسان والمواطن"([11])، وعن المسلمين يقول إنهم: "لا يستطيعون أن يفهموا أن هناك عدة طرق تؤدي إلى الله لا طريقا واحدا أو دينا واحدا... أن تخرج من كل الأديان والمذاهب وتعتنق الفلسفة التنويرية الكونية دينا"([12])، ويقول عن نفسه وهو يتكلم عن التيارات العلمانية: "إن هذه الأحزاب والأيديولوجيات التقدمية استهانت أكثر مما ينبغي بأهمية التيار الديني ومدى تغلغله في أعماق الشعب.

منذ سنوات وسنوات كنت أرى بأم عيني مدى ثقل الماضي وتراكمات الماضي ومدى تأثيرها على العقول. ولهذا السبب انخرطت في ترجمة محمد أركون المفككة لتراكمات التراث الإسلامي الموروث من الداخل. هذا من جهة، كما انخرطت في نقل فكر التنوير الأوروبي المفكك للتراث المسيحي ... لقد اشتغلت على كلتا الجبهتين"([13])، وقال :"فإن الربيع  العربي مفيد جداً، لأنه سيجبرنا على خوض معركة المصارحة وتصفية الحسابات التاريخية مع أنفسنا... كنا نعتقد أننا  هضمنا الحداثة وتجاوزنا "القادمة" كلياً"([14]).

وقال من قبل: "وهذا يعني أن التغيير لا يمكن أن يحصل بدون عنف، خصوصاً في أوقات الاحتقانات المتراكبة، والمنعطفات التاريخية الكبرى، فبالعنف تنطلق الشحنة الهائلة للحرية. والعنف هو لغة من لا لغة لهم، من مُنعوا عن فتح أفواههم زمناً طويلاً، وبالتالي فإن التقليد الكهنوتي المهيمن الذي يكاد يخنق الأنفاس ويقضي على نسمة الحرية في جوانح الإنسان قد يدفع المفكرين الأوروبيين دفاعاً إلى الانفجار... والانفجار ضد الذات من أصعب أنواع الانفجارات لأنه يكاد يحرق الأخضر واليابس ويقضي على القريب قبل البعيد، ولكنه يبقى الحل الوحيد إذا ما زاد الكبت عن حدّه وأطبقت هيبة "الأب-التراث" على "الأرواح والعقول"([15])، إنه لا يدعو إلى حرق المراحل كما قال لكن إن حدث التغيير أو حان وقته فلا بد من الصدام([16]).

ومعلوم أن هاشم ومعه محمد أركون قاما معا بنقد القرآن، في كل كتاباتهم، بصورة تبين ضحالة ما هم عليه من أوحال الفكر الغربي. وهاشم صالح يعيش في فرنسا منذ عقود، وهو الذي كتب: "ينبغي أن يعلم القارئ العربي أن تعليم الدين ممنوع منعاً باتاً في المدارس العلمانية الفرنسية. بل الدين غائب كلياً تقريباً عن الحياة  العامة للمجتمع وعن الساحة الثقافية.

وحتى على مستوى الجامعات ما عادوا يدرسون علم  اللاهوت... باختصار فإن الدين أصبح قضية شخصية بحتة ولا وجود له في الحياة العامة. لقد فُرغت منه تفريغاً"، وقال: "كما يستهزئون بالأديان والعقائد والقديسين جملة وتفصيلاً  دون أن يخشوا على أنفسهم من الاغتيال".

وهو نفسه الذي يشرح لنا الوضع في الغرب كله فيقول: "يضاف إلى ذلك أن الحياة في الغرب أصبحت مادية استهلاكية قائمة على فلسفة المتعة والملذات، أما ما عدا ذلك من قيم ميتافيزيقية وروحانيات فلا وجود له أو لا معنى له في نظر أغلبية الناس. بل حتى الشعر اختفى تقريباً لأنه لا مردود إنتاجياً له في عصر التكنولوجيا والصناعة والمنفعة المادية المباشرة والمحسوسة، وبالتالي ففلسفة الحياة انقلبت رأساً على عقب"([17]).

من تونس كذلك صدر كتاب عبد المجيد الشرفي عام 2014م، قام فيه بالكلام عمّا أسموه بـ "الإسلام السياسي" ووضع بين السطور مواقفه العلمانية الكاذبة ضد الإسلام والقرآن والصحابة، فزيف الشرفي بلا شرف معالم الإسلام الأولى، وكذلك غرض الصحابة من الفتوحات، فردد في كتابه هذا (المكتوب بعد الثورات الأخيرة أو أثناء اشتعال بعضها) أقوال المستشرقين، وأرجع الأمر للغنيمة والعصبية، كما راح يرجع الشريعة إلى أصول بشرية، وزعم أن العصر الحديث وما أتت به علوم الإنسان والمجتمع أظهرت أنها شرائع بشرية نسبية([18]).

 والرجل يكذب كأنه يشرب الماء فيزعم أن قيمة الحرية وقيمة العدل قيمة حديثة لا توجد في القرآن، وكذلك العدالة الاجتماعية والدفاع عن المستضعفين الفقراء من الناحية المادية والمساكين وضحايا الاستغلال والجشع"([19])، كما أنه راح يقدح في الإسلاميين بأنهم كان أولى لهم أن لا يركبوا السيارات لأن عدم ركوبها يتماشى مع مبادئهم، فقال: فالمفروض أن اتباع السلف في كل شيء يقتضي ركوب الحمار والجمل، أو يستنكف عن استعمال الكهرباء، بينما المفروض أن يستعمل شمعة، وأن لا يستعمل كل وسائل الاتصال الحديثة، التي يشترك فيها أتباع الإسلام السياسي مشاركة قوية جدا، إذا أن حضورهم على الشبكة العنكبوتية كبير، فالمفروض أن لا يقعوا في أمثال هذه التناقضات، فإما أن يأخذوا بسلوك السلف أو أن لا يأخذوا به([20])، وقال بأن القدماء لم يولوا لـ" قيمة الابتكار والاختراع"، و"إنتاج المعرفة"، أية أهمية!! ([21])، فألغى من وراء ذلك، كل منجزات حضارتنا العلمية والتكنولوجية في أطول مدة حضارية علمية شاملة، عرفها العالم، في كافة مجالات علوم الطبيعة والفلك والطب والصيدلة وصناعة الأجهزة والمراصد والمختبرات والمكتبات، ودراسة الأرض وما فيها.

المدهش أنه يناقض نفسه بعد صفحات فيقول: "ويُنكر الإسلاميون، عن جهل بقواعد العمران البشري، أن الحضارة الحديثة استفادت من الحضارات السابقة، وآخرتها- هكذا كتبها - الحضارة الإسلامية، وتجاوزتها ..."، ثم يزعم في نفس الصفحة أننا لن نتعود حتى في فترات الازدهار على الوعي بمنطق التغيير، وأن الأمر "ثقافي بالأساس"([22])!

وقد زعم أيضاً، أن الإسلام السياسي يريد أن يولي حاكما لا يُسأل ولا يُحاسب أبدا([23])، وهذا من أشنع الكذب، والرجل رغم شهرته ووجود تلاميذ له إما لم يقرأ أي كتاب من كتب علمائنا المعاصرين، وإلا فهو مفترٍ، يعلم ويزوّر.

كذلك هاجم  الشرفي  ما يسمى بحجاب المرأة المسلمة بأنه تقليد للراهبات في الغرب، ويمنطق حجته بمزيد من السخف فيقول: "إن لبس الخمار بالطريقة التي تسمى عند الإسلامويين بـ" اللباس الشرعي"، إنما فيه تشبه غير واع بلباس الراهبات في الغرب، أي أن هؤلاء الذين يريدون مقاومة كل ما هو غربي، بدعوى أنه معاد للإسلام، هم في الآنِ نفسه واقعون تحت تأثير هذا الغرب ...، أو على الأقل بعض المظاهر التي كانت منتشرة فيه...الناحية الثانية هي أن اللاتي يلبسن الخمار واقعات في نوع من الاستلاب، متى كن هن الراغبات في لبسه، وليس مفروضاً عليهن، هذا الوقوع في الاستلاب معناه، أن المرأة تدافع عن ما يكرس دونيتها دون وعي"([24]).

اتهامات الشرفي لثورات الربيع العربي جمعها أيضاً كلها صاحب كتاب "ربيع زائف، نقد الثورات العربية لعام 2011"، وهو رجل ماركسي واسمه ناهض حتر، صدر كتابه عن دار التقدم الأردني عام 2013م.

وأخيرً أصدر تلميذ محمد أركون، وهو د. محمد الحداد، كتاباً بعنوان «التنوير والثورة، دمقرطة الحداثة أم أخونة المجتمع؟» سنة 2014، عن دار التنوير بيروت،  وهو مجموعة مقالات كان قد كتبها في صحيفة الحياة اللندنية. ويؤمن الحداد بعدم وجود ثوابت أو جواهر في رؤيته المادية للتاريخ: "وجهة النظر التاريخية لا تؤمن بوجود جواهر أو ثوابت... الإنسان ليس بالفطرة... متدينا"([25]).

وهو عندما يتكلم عن الدين فهو نسبي لا حقيقة له، وعندما يتكلم عن العدل واحترام كرامة الإنسان وحرية التعبير يضع في باله المشروع العلماني ما بعد الحداثي، الذي يفتح تلك الأمور على آخر ما عليه الغرب ليوم الناس هذا([26]) من إباحية وعلاقات خارج الزواج وبيع الأجساد وغيرها، حتى أنه يقول إنه يجب فهم موضوع الزنا لكن بصورة حداثية تدخل النظرة القديمة إليه في حيز "الظروف القديمة"، والآن اختلفت الظروف فيمكن للإنسان أن يفعل ما يشاء في حرية تامة، فالزنا- وتعدد صوره - لم يحرم إلا للضرر الذي استطاع الغرب الحديث - بزعمه- تجنبه!!!([27]).

وبما أن الضرر – بزعمه- زال اليوم، فليكن موقفنا من موضوع الزنا هو الموقف الحداثي!! فبعد أن نفى أي وجود للشريعة، فهي عنده "شيء لم يكن ولا وجود له" قال:" وكان الزنا يدخل اضطراباً في بنية الأسرة والقبيلة في عصور لم تعرف فيها وسائل التوقي ومنع الحمل"!!([28]).

كما أنه يقول اعتراضاً على مفهوم تعداد الرجل في الإسلام لما لا يكون التعدد للنساء أيضاً([29]) ونص كلامه هو: "فلماذا لا تقتضي أيضاً تعدد الأزواج في الحالات المقابلة".

زعم، أيضاً، في السياق، وكأنه مستشرق لم يعش في بلاد المسلمين، أن المسلمين يجبِرون بناتهم وزوجاتهم على ارتداء الحجاب "إجبار البنات على ارتداء الحجاب والتلويح بقطع يد السارق ورجم الزاني، أي الرجوع إلى مجموعة من الأحكام تضمنها النص المؤسس لكنه لم يكن مشرعها، بما أنها كانت موجودة قبله، فالنساء ارتدين الحجاب قبل الإسلام كي لا تلوث شعورهن وأجسادهن عواصف الصحراء ... وغبار المدن... وكان الزنا يدخل اضطراباً في بنية الأسرة والقبيلة في عصور لم تعرف فيها وسائل التوقي ومنع الحمل"([30]).

فهؤلاء العلمانيون نشروا أحقادهم العنيفة وما يزالون يفعلون إلى لحظتنا هذه ضد تيار النهضة الإسلامية، لأنه تيار أصيل ومتأصل في الأمة، إنهم يريدون أن يخرجوا الأمة من دينها إلى علمانية ولائكية ولا دينية ولا أخلاقية، مع أنهم يتكلمون عن أخلاق يجب أن تُستعاد، لكن من خلال (العلمانية الجديدة)!([31])، تجعل الدين شعائر لا شأن له بقيادة الدنيا وسيادة الدولة التي قيامها مجتمعات المسلمين، ولقد كتب عزمي بشارة([32]) كتابه (الدين والعلمانية) لهذا الهدف.

فالسيادة العليا، بالنسبة لهؤلاء الحمقى، يجب أن تكون للعلمانية (عقول الفلاسفة الغربيين وأصحاب المصالح والمال والقانون والفكر) بكل ما لها من طفرات وتحولات في عالم الإنسان والمجتمع، وعالم السياسة الكونية والاقتصاد، والأخلاق والثقافة، وغير ذلك من عوالم الإنسان المعاصر، من تعليمية وإعلامية، وقيمية وواقعية (إباحية وتجارية لا ضوابط فيها).

 

وأخيرا نقول إن هذه الطبعة الجديدة للكتاب فيها زيادات مفيدة، وقد تعمدنا منذ البداية أن نقرب مادة الموضوع للجماهير حتى يسهل عليها فهم القضية، وقد حاولت تفادي عائقين للذهن والقراءة السهلة هما: الرطانة الثقيلة وكذلك التعابير الشائكة والكلمات العويصة المحبكة التي ينفر منها جمهور واسع من القراء، كما أن اللغة الأكاديمية الصعبة تحول دون الوصول للنتيجة بطريق ميسور، فيجب أن يحظى التركيز على ما يقال بالنصيب الأكبر في موضوعنا، لا على ما يزركشه الكاتب غالبا أو يقوم عامدا بتعقيد كلماته وإغلاق الأذهان تجاهها، ونسأل الله أن يحمي أمتنا المصرية، وعالمنا الإسلامي كله، من أن تخوض كما خاضوا في العلمانية والدكتاتورية الفاشية.

وكنت قد ألّفت هذا الكتاب عام 2000م، وطبع مرتين وقد لقي قبولا طيباً فلله الحمد، إلا أني حذفت وأضفت ونقحت في الكتاب، وكان الفصل الذي حظي بزيادات كثيرة وتنقيحات هو الفصل عن محمد أركون.

 

أسأل الله أن ينفع القارئ به وأن ينفعني بدعائه.

والله من وراء القصد

 

 

طارق عبد الباقي منينة

٢٢ جمادى الأولى ١٤٣٨هـ الموافق ١٨ فبراير/ شباط ٢٠١٧م

لاهاي - هولندا

 

 

 

 

 

 

 

 


مقدمة الطبعة الأولى

«العلمانية» هي الترجمة العربية لكلمة «secularité،secularism» في اللغات الأوربية، وهى ترجمة مضلله لأنها توحي بأن لها صلة بالعلم، بينما هي في لغاتها الأصلية لا صلة لها بالعلم، بل المقصود بها  في تلك اللغات هو إقامة الحياة بعيداً عن الدين أو الفصل الكامل بين الدين والحياة ([33]).

تقول دائرة المعارف البريطانية في تعريف كلمة «secularism» (هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها، ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر... ومِن أجل مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ «secularism» تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النَّهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية البشرية، وبإمكانية تحقيق طموحاتها في هذه الحياة القريبة، وظل الاتجاه إلى «secularism» يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية) ([34]).

فما يسمى «secularism» والمترجمة في العربية بالعلمانية هي حركة مضادة للدين، وليس للمسيحية فقط، هذه الحركة سيطرت في الغرب على الحياة كلها فتمّ عزل الدين عن الحياة كلها وصبغت علومها بصبغتها، فصارت علوم الإنسان والاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة والفن مضادة للدين ومناقضة لمبادئه.

هذا حدث في الغرب... هيمنت الفلسفة العلمانية على الحياة كلها.

وكانت لها السيادة العليا وما تمنحه للدين بيد تأخذه باليد الأخرى! عن طريق التعليم والإعلام والقانون وكل أدوات ووسائل السلطة العليا للفلسفة والدولة الحديثة.

أما في العالم العربي والإسلامي، فالعلمانيون يتبنون «العلمانية»، لكن هل هي العلمانية التي يتبناها الغرب أم هي شيء آخر وضع له هذا المصطلح؟! نترك للعلمانيين العرب الإجابة!!

الأمر الذي نريد التأكيد عليه هنا هو أننا لن نستدعي من أقوال المفكرين والعلماء المسلمين في هذا الشأن إلا بعد أن يكون «العلمانيون» قد استعرضوا أقوالهم، وحكم بعضهم على بعض، وفسَّر بعضهم مذاهب بعض، ووضع بعضهم بعضاً موضع النقض.

بيد أننا فضَّلنا أن نضع في هذه المقدمة مجموعة مهمة من الأسئلة «المثارة» التي تخص موضوع كتابنا، بحيث يجد القارئ الإجابة عليها بين دفتي هذا الكتاب، وبالانتهاء من قراءة هذا الكتاب يكون القارئ الكريم قد تعرف على موقف «العلمانيين العرب» من «الدين» و«الوحي» و«النبوة» و«المرجعية الإسلامية» و«التراث» و«الشريعة».

وهذه هي الأسئلة التي تخص «العلمانية» التي يتبناها «العلمانيون العرب»:

1- هل مقاصد الإسلام الكلية هي مقاصد العلمانية الكلية؟

2- هل تُناقض المرجعية العلمانية - أو تنْقضُ! - المرجعية الإسلامية؟

3- هل تريد العلمانية إقامة مجتمع مدني داخل الأطر والثوابت الإسلامية، أم أنها تستعير أطرا وأيديولوجيات مغايرة ومناقضة وهادمة لهذه الأطر والثوابت؟

4- هل العلمانية هي انتهاج النهج العلمي بدون رفض العقيدة الإسلامية، وبدون نبذ الدين والوحي؟

5- هل ممثلو الاتجاه العلماني لا يستبعدون الدين ولا يعادونه وأنهم فقط يحرصون على الفهم، فهم التراث والدين معاً، كما في كتاب التفكير في زمن التكفير لنصر حامد أبو زيد ص 22؟

6- ما هو الغرض الرئيسي والحقيقي، والهدف الأعلى المنشود للحضور العلماني في العالم العربي والإسلامي؟

7- وهل قال العلمانيون شيئاً في هذا الشأن؟

8- وهل هم صُرحاء في مواقفهم من الإسلام والعقيدة؟

9- وهل احتلوا مواقع في عالم الفكر والتوجيه والتأثير في عالمنا العربي والإسلامي؟

10- هل يجب أن يتعامل المسلمون مع العلمانية على أنها ضد الدين وضد «الشريعة» وضد «المبادئ الإسلامية»؟

11- هل في «العلمانيين» «فقهاء مسلمون» و«علماء مجتهدون» أو «مفكرون مسلمون»؟

12- هل يطرح بعض العلمانيين أيديولوجياتهم من خلال الإسلام  بغية السيطرة علية من «الداخل» وتغيير معالمه ببطء؟

13- هل هناك خطر حقيقي على الإسلام والمسلمين من العلمانية؟

14- هل الدعوة إلى «المرجعية الإسلامية»  والحفاظ  على «الهوية الإسلامية» هدف «غربي» لتكريس التخلف والجمود في العالم العربي والإسلامي؟!!

15- هل هناك أهداف مشتركة بين الفصائل العلمانية تجاه الإسلام وعملية الإحياء الإسلامي؟

16- هل تسعى العلمانية، فعلاً، لفصل الدين عن الحياة في العالم العربي والإسلامي أم أنها علمانية تكتفي بفصله عن السياسة؟ وبمعنى آخر: هل العلمانية التي  يدعون إليها في عالمنا هي علمانية شمولية تقيم الحياة بعيداً عن الدين  أم أنها «علمانية جزئية»  تفصله عن السياسة فقط؟

17-  هل مفاهيم «العقل» و«الحرية» و«الإبداع»  في «العلمانية»، هي نفسها مفاهيم «العقل» و«الحرية» و«الإبداع» في الإسلام؟؟

18 - هل العلمانية هي «الدنيوية القائمة على ساق الشريعة» أم أنها «دنيوية تنبذ الدين وتطرد الشريعة» وإذا كانت الأولى فهل شوّه الإسلاميون صورتها لغرض استقطاب الجماهير؟ وإذا كانت الثانية فهل يجب إعلان الحرب عليها؟

19- هل خلَق سيد قطب التباسا ما بشأن العلمانية، مثل القول بأنها معادية للأديان أم أن هناك نصوصا ثابتة عن علمانيين تؤكد ما قاله سيد قطب وترفع عنه تهمة خلق الالتباس؟

20- هل يقوم الإسلاميون بعملية خلق دلالي للعلمانية عن طريق الانتقال من مسألة «فصل الدين عن الدولة» إلى «فصل الدين عن المجتمع»  بينما العلمانية بريئة من الفصل الأخير؟!

21- هل تعاطف الإسلاميون مع كنيسة العصور الوسطى المظلمة التي حاربت العلم والعلماء أم أنهم وقفوا في  وجه العلمانية ويدينون ما قامت به الكنيسة  في عصورها «المظلمة»؟

22- هل علوم الإنسان والمجتمع وغيرها من العلوم الاجتماعية والدينية والنفسية والفنية الغربية الحديثة جداً تلغي الدين وترفض الوحي؟

23- هل الحضارة الإسلامية مضادة للإنسان كما قال المستشرق «فون غروبناوم» في كتابه «الإسلام الحديث » ص 4، أم أنها حضارة الإنسان وكرامة الإنسان؟

24- هل بدأ العلم والتقدم والاكتشاف والتجريب في منهج متكامل وعلى قواعد آمنه مع الحضارة الإسلامية أم بدأ مع النهضة الأوربية؟

25- هل الاتهامات التي توجه للعلمانيين تضعهم في موضع الدفاع عن النفس بلا جريرة ولا ذنب وأنها على سبيل الافتراء؟ وهل الدافع المحرك للاتهامات هو الظن بالكاتب قبل الكتابة، والاسترابة في نوايا الفاعل قبل مقاربة الفعل، وأنه قائم على نوايا مظنونة وليس حكماً على نصوص الكتابة نفسها كما يقول الكاتب العلماني جابر عصفور([35])؟

26- هل هناك سبب قوي - مثل حضور الصحوة الجماهيرية الإسلامية مثلاً - يجعل العلماني في كتاباته اللاحقة - لو صحّ وجود هذا العلماني في عالمنا العربي!! - أن يتراجع عن بعض أقواله التي صوبها تجاه الإسلام مثل إنكار وجود العقل في الإسلام أو إنكار وجود علاقة الحب بين العبد وربه أو إنكار وجود مفهوم للعلم أو المساواة أو الحرية أو العدل في الإسلام أو إنكاره لبعض الثوابت القرآنية؟!

هذه مجموعة أسئلة تلحّ على المثقف العربي والمسلم، وتحتاج لإجابة شافية كافية عنها، ونأمل بهذا الكتاب أن نكون قد قمنا بذلك وعرّفنا القارئ العربي والمسلم بنشاط العلمانية وفكرها وأيديولوجياتها وخططها في العالم العربي والإسلامي. 

 

 

                                                        طارق عبد الباقي منينة

29 ربيع الآخر1421 الموافق 31 يـولــيــه  2000م

                                                        لاهاي – هولندا

 


[1] - الأهرام، 6 يوليو 2010م.

([2]) انظر: فقه الثورة، ص 61.

([3]) تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات، ص 17.

([4]) المصدر السابق، ص 27.

([5]) الثورات العربية، نوال السعداوي، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، الطبعة الأولى، 2013م، ص 147.

([6])المصدر السابق، ص149.

([7]) ثورة مصر، ص 27.

([8])المصدر السابق، ص 28.

([9])المصدر السابق، ص 47.

([10])المصدر السابق، ص 99.

([11]) الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ، ص 211.

([12])المصدر السابق، ص 264.

[13]  المصدر السابق، ص 19.

[14]  المصدر السابق، ص 20.

[15] - معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا، هاشم صالح، دار  الساقي، بيروت، لبنان، طبعة 1، عام 2010، ص 9.

[16] - المصدر السابق، ص 10.

[17] - المصدر السابق، ص 35، 36، 37.

([18]) مرجعيات الإسلام السياسي، عبد المجيد الشرفي، دار التنوير، تونس،عام 2014م، ص26.

([19])المصدر السابق، ص 36

([20])المصدر السابق، ص 8، 21.

([21])المصدر السابق، ص 36، وله مجموعة أكاذيب مجتمعة في صفحة 38.

([22])المصدر السابق، ص 41.

([23])المصدر السابق، ص 34.

([24])المصدر السابق، ص 34، 44.

([25]) كتابه الإسلام نزوات العنف، واستراتيجيات الإصلاح، لمحمد حداد، دار الطليعة، ط 1، 2006"، ص 6.

([26]) انظر مثلا كتابه "البركان"، ص 78.

[27] - بمناسبة هذا الكلام الفارغ أقول: أنا أعمل في دار للمسنين والعجزة في هولندا منذ 20 عاما، وكان فيها طابق كامل لمرضى الإيدز، وأغلبهم شباب، وسألت إحداهن وكانت صورتها على الحائط رائعة الجمال: هل هذه صورتك؟ فأجابت بإشارة من وجهها الشاحب: نعم!

وكان بعضهم قد تلقى المرض من شوارع الدعارة المنتشرة في المدن الغربية التي يقوم على رعايتها الأطباء!

([28]) البركان لمحمد الحداد، ص 50

([29]) المصدر السابق، ص 70 .

([30])المصدر السابق، ص 50

([31]) انظر العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية للمسيري، ص 76.

([32]) كتب أخيرا عن ثورة مصر كتابا من جزأين، وهو بالعموم أفضل من كتب من العلمانيين عن الثورة المصرية.

([33]) مذاهب فكرية معاصرة، أ. محمد قطب، ص 445.

([34]) المصدر السابق نفسه.

([35]) قال ذلك في جريدة الحياة: مقالة تحت عنوان  سجن كاتبتين – الأربعاء 16 فبراير 2000، وذكر فيمن ذكره سيد القمني وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد والكاتبة ليلى العثمان وعالية شعيب.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق