فاتحة القول\العدد مائة وخمسة وستون - جمادى الآخرة 1438 هـ
أمتنا وعدوان الداخل والخارج
الثلاثاء 28 فبراير 2017

 تعيش أمتنا في هذه المرحلة الصعبة منعطفا كبيراً، فالقوى العالمية في حالة تخبط؛ فهذه أمريكا لا ندري هل اقترب موعد أفول نجمها مع تولي ترامب القيادة، أم أن ما يحدث هو تجديد لشبابها وقوّتها؟ وهذا الاتحاد الأوربي يعاني المشاكل والتفكك بانسحاب بريطانيا منه، ويعاني من صعود القوى اليمينية المتطرفة عبر الانتخابات الديمقراطية كما حدث مع هتلر وموسيليني من قبل!

أما روسيا بوتين فهي تستعيد عدوان الدب الروسي الشيوعي على جيرانه مطلع القرن الماضي ولكن باسم القومية الروسية هذه المرة!

والصين تزال تزحف وتتمدد اقتصاديا على المنهج الرأسمالي بينما تدار سياسيا بالطريقة الشيوعية الديكتاتورية!

والجامع المشترك بين هذه القوى العالمية المتخبطة والمتصارعة فيما بينها أننا نحن المسلمين الضحية لصراعهم وتخبطهم، فالمسلمون في هذه الدول الكبرى يعانون من الاحتلال والاضطهاد والظلم خاصة في روسيا والصين، أما في أمريكا وأوربا فهم يعانون تفشي حالات العدوان والعنصرية عليهم، ففي أوربا وقعت سنة 2015 وحدها 7000 حالة اعتداء على المسلمين! وبالمقابل دشن ترامب عهده بقرارات مجحفة بحق المسلمين.

ولم يسلم المسلمون في خارج هذه الدول من تخبط وصراع هذه القوى، فالطائرات الروسية لا تزال تقصف في درعا وحماة برغم تعهداتها وضماناتها في مؤتمر الأستانة لرعاية وقف إطلاق النار، ولا يزال التراخي الأمريكي والأوربي يمنح الطاغية بشار الأسد قبلة الحياة والبقاء والمشاركة في مفاوضات السلام الرابعة في جنيف.

ولم يقف الأمر عند ذلك بل شهدنا تواطؤ إدارة أوباما الأمريكية مع إيران لعقد صفقة ذهبية على حساب المسلمين في المنطقة، سمح من خلالها لإيران بالتغول والعدوان والإجرام، وساهم الروس مع الإيرانيين بتنفيذ المجازر البشعة والإبادات الجماعية والقصف الأعمى المجنون ضد الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال.

وكعادة اليهود المجرمين فقد استغلوا ما يجري لجني أكبر قدر من المكاسب، فزادوا من وتيرة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وتمادوا في الاعتداء على المسجد الأقصى والقدس، ونشر الأكاذيب بأنهم يواجهون الإرهاب والتطرف، ولذلك فهم مضطرون لترسيخ يهودية الدولة وإجبار الفلسطينيين من عرب الـ 48 على التماهي مع الهوية اليهودية وإلا فمصيرهم الطرد من أرضهم برغم جنسيتهم الإسرائيلية، فقد انتهى زمن الدولة العلمانية والليبرالية والحرية، وجاء زمن الدولة اليهودية!

وفي ظل هذه الحالة من التخبط والفوضى تجرأت دول تافهة كبورما البوذية لشن حرب تطهير وإبادة دينية وطائفية بحق المسلمين الأركان فيها، فقتلوا مئات الآلاف وشردوا الملايين، وأيضا شنت دولة أفريقيا الوسطى حربا ظالمة مجرمة على المسلمين فيها، ولم تلقَ هذه الجرائم حسابا وعقابا حقيقيا مما زاد في طغيانهم وإجرامهم ضد المسلمين الضعفاء. 

وحالة التخبط والصراع هذه بين هذه القوى الكبرى لا يعرف أحد ما قد تمتد إليه من زمان أو ما قد تتطور إليه من صراع مفتوح أو محدود، وهل ستكون فيما بينهم أم ستجري على أرضنا وتسير بسببها دماء أهلنا؟

وهذا كله يستوجب من الأمة العودة لربها ودينها وتجعلهما القدوة والبوصلة التي تسير من خلفها، فإن هؤلاء ما تسلطوا على أمتنا إلا بسبب انتشار المعاصي والمنكرات والمفاسد من العامة والخاصة والساسة، وتركنا الأخذ بالأسباب الشرعية والكونية، وهذا الضعف والهوان الذي تعيشه الأمة من أسبابه تقصير أهل العلم والدعوة عن القيام بواجبهم الصحيح، لأنهم كما قال الشاعر:

يا علماء الدين يا ملح البلد        من يصلح الملح إذا الملح فسد

والمنكرات والمعاصي التي عوقبنا عليها وقصّر العلماء في دفعها لا تقتصر على الفواحش الأخلاقية والمظالم السياسية والمفاسد الاقتصادية بل أيضا انتشار البدع والفرق الضالة وأهمها الشيعة والخوارج، ومنها الأحباش والبهائية والقاديانية وغيرها، ولعل أثر هذه الفرق فى إضعاف الأمة وهوانها أكبر من أثر المنكرات الأخرى، كما يلى:

1- هذه الفرق الضالة تنخر في جسد الأمة من داخلها فتحرف دينها وتضعف صلتها بربها حيث تضع الوسائط بين الأمة وبين الله عز وجل باسم الإمامة وباسم الأولياء وباسم الشهداء.

2- هذه الفرق تحارب البقية من العلماء الصادقين فتسجنهم أو تقتلهم مما يزيد في جهالة الأمة وضياعها.

3- هذه الفرق تتحالف مع أعداء الأمة الخارجيين عبر التاريخ، وتحالف الشيعة والروس اليوم ضد أهل سوريا أكبر دليل.

4- هذه الفرق تقتل المسلمين أكثر مما تقتل من أعداء الأمة، فهل توجد مقارنة أصلا بين قتلى إيران وداعش من الكفار وكم قتلا من المسلمين؟

وبجانب عداوة هذه الفرق الضالة للأمة الإسلامية من داخلها هناك التيار العلماني المتطرف الذي يشمل أفرادا وقوى من أصول مسلمة، وأفرادا وقوى من أقليات غير مسلمة، والتي تجد في حالة التخبط العالمية والتهديد الإرهابي الداعشي فرصة ثمينة للمجاهرة بعداوة الإسلام والطعن فيه والمطالبة بالعلمانية الفجة والصريحة، وبعضهم أقل وقاحة فيغلّفها باسم المدنية والتعايش.

 

هذه هي حالة الأمة اليوم: عدوان من خارجها ومكر وخيانة من داخلها، وقوى الخارج تَدعم بشكل مباشر وغير مباشر قوى العدوان الداخلية ولو تعارضت مع أيدلوجيتها، لأن في دعمها إضعافا واستنزافا لقوة الأمة وإشغالها عن بناء قوتها واستعادة مجدها.

منذد أن انطلقت "الراصد" كانت الرؤية واضحة بأن الخارج يوظّف الفرق الضالة لمصلحته ضد الأمة، واليوم نجد أن هذا التوظيف يتم تكثيفه ومضاعفته، وإذا كان قبل عقد ونصف التركيز على الشيعة فإنه في هذه المرحلة تم إضافة الخوارج لهذا التوظيف وذلك من قبل الشيعة ومن قبل الخارج الغرب والشرق، لإبقاء الساحة الإسلامية مشتعلة.

وهذا تذكير لما كتبناه في افتتاحية العدد الأول قبل 14 عاما:

"أيها القارئ الكريم يسعدنا أن نضع بين يديك جهداً نراه ضرورياً في رصد حركة الفرق والطوائف المخالفة لمنهج أهل السنة والمسلمين، والداعي لهذا ما تشهده أوضاع المسلمين اليوم في كافة أرجاء الأرض من انبعاث لفكر هذه الطوائف أولاً، وتشكيل هذه الفرق والطوائف دولاً وقوى سياسية فاعلة، وأهم من هذا أنها بدأت بالتسرب إلى أهل السنة والمسلمين وافتراس الكثيرين من أبنائهم وقادتهم.

إن الصراع في عالمنا اليوم هو بين القوى المتدينة، سواء قلنا بصراع الحضارات أم لم نقل، فإن سيطرة القوى المتدينة ظاهرة لكل مراقب، وتعمل هذه العقائد على فرض المواقف والسياسات على العديد من الدول والقوى بصرف النظر عن صحة وصواب هذه الأفكار.

وإن أعداءنا، واليهود تحديداً منهم، ومن القديم حاربونا من خلال إنشاء ورعاية وتوجيه الفرق الضالة والمبتدعة والتحالف معها، واليوم الساحة مهيأة أكثر من أي وقت مضى لرعاية وإنشاء ودعم العديد من القوى البدعية والطائفية لتكون سلاحًا بيد أعداء الإسلام لكن باسم الإسلام!

وإن نظرة على خارطة العالم الإسلامي مع وضع أسماء القوى الطائفية والفرقية المؤثرة فيها ليوضح بشكل لا نقاش فيه هذا الخطر الزاحف من داخلنا دون أن يعيره الكثير من المسلمين الانتباه الكافي.

ومن أجل هذا كانت هذه المجلة التي تهدف إلى تبصير أهل الإسلام بخطر الفرق والطوائف على مستقبل الدعوة الإسلامية وبلادهم، وتوضح لهم حقيقة الأدوار التي يقومون بها مع التحذير من الخطط القادمة وكيفية العمل على مقاومتها" . أ.هـ

 

وللأسف لم تجد تحذيراتنا القديمة من الخطر الشيعي ما كنا نرجوه من يقظة مبكرة، وأن نتمكن من منع وقوع الكوارث التي نعيشها اليوم بسبب تمدد الفكر الشيعي الطائفي التكفيري والإرهابي في غالب الدول الإسلامية ونجاحه بإنشاء ميلشيات شيعية إرهابية طائفية من مختلف الدول والأقطار ساهمت في الحرب الطائفية على المسلمين في سوريا.

ونرجو اليوم أن تجد تحذيراتنا من استمرار الخطر الشيعي الإرهابي الطائفي آذانا واعية، فالخطر الشيعي حتى لو هُزم في سوريا واليمن والعراق فإنه لن يزول حتى يزول نظام الملالي أولا، ثم تفكيك شبكاته في مختلف التجمعات الشيعية في العالم، ثم وجود وعي مقاوم حقيقي يجتث بقايا الأفكار الطائفية والإرهابية بمختلف صورها العسكرية والسياسية والمدنية.

إن إيران اليوم إذا صدقت إدارة ترامب في تحجيمها ستنتقل للسيناريو الآخر وهو سيناريو التعايش والتفاهم على طريقة إسرائيل في مسيرة السلام، "ما استوليتُ عليه فهو لي، ونتفاوض على ما عندك"! ثم لا شيء كما يعلن ويصرح سادة السلطة الفلسطينية! وقد سبق أن انخدع البعض بانفتاح خاتمي واعتدال روحاني والتي كانت فرصة للملالي من زرع الخلايا النائمة وتجييش الشيعة في العالم خلفهم.

ونرجو أن تجد تحذيراتنا بخطر فكر الغلو والخوارج المتمثل في داعش والقاعدة وأخواتها آذانا صاغية، فإنهم اليوم أداة في يد الشيعة وفي يد الروس والغرب، من أجل المزيد من إضعاف أمتنا وتشتيتها وتنفيذ ما يعجزون عن تنفيذه بأنفسهم.

ولفهم خطر هذه الجماعات المتطرفة والخارجية يكفي أن نتأمل هذين المثالين: تكرار هجمات داعش على تركيا دون إيران، برغم أن داعش تزعم أنها تقاتل إيران وتركيا في سوريا! وتوعد داعش حركة حماس بالقتال قبل قتال اليهود وإسرائيل حين يصلون غزة!

إن ظاهرة الغلو المعاصر هي استمرار لظاهرة الخوارج الأولين في خطوطها العامة، والتنبه لها ولخطورتها من أول درجات الوعي اليوم، والعمل على مقاومتها بكل وضوح وقوة واجب شرعي من جهة، وسيجنب الأمة أكلافا باهظة في المستقبل، قد لا تقل عما دفعته الأمة اليوم من دماء وأعراض وأموال بسبب التهاون تجاه الخطر الشيعي الإرهابي الطائفي، لسذاجة بعض العلماء والمثقفين والجماعات الإسلامية وانخداعهم بشعارات التقريب والوحدة مع الشيعة!

والشباب الغاضب اليوم لِهوان أمته وعدوان الفجار عليها إذا كرر الخطأ الجسيم بالتهاون في شأن الخوارج والغلاة بالتحالف معهم ضد الطغيان والظلم، فلن ينفع الأمة بشيء بل سيمكن للأعداء من رقاب الأبرياء، ومن بقي مخلصا سيكون ضحية لسذاجته وغيرته الجاهلة!

فالحذر الحذر.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق