هل تراجع خطر التطرف والغلو وداعش؟ حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (4) الأدب النسائي الإسلامي .. تحديات وآفاق الخميني في فرنسا ثورات الخوارج (10) الخوارج في بداية عهد عبيد الله بن زياد قالوا - العدد مائة وسبعون - ذو القعدة 1438 هـ العنف في التراث الديني الشيعي.. وحيِّ (المسورة) الإسلاميون العرب في الرؤية الإيرانية .. الثابت والمتغير إيران واستغلال الأزمات.. ولا عزاء للشعارات المشهد العراقي: مرحلة ما بعد داعش إمبراطورية إيران الإعلامية تأزم العلاقات الإيرانية التركية | الدوافع والآفاق تضامن القاعدة وإيران.. واقع ينفيه الطرفان تقية خسارة الأقصى من "التطبيع" "الشبراوي": الائتلافات الصوفية الجديدة تخدم السلفيين والمتشددين الحرب الدائرة بين الأقطاب والمريدين في البيت الصوفي سوق «الشأن الإيراني» طابور إيران الخامس «آيات الله» الصغار في مصر علاقة إيران بقيادات الإرهاب في ليبيا .. ومخطط طهران لنشر الفوضى في شمال أفريقيا فريغ القدس والأقصى لماذا اهتم نور الدين وصلاح الدين بإنشاء المدارس السُّنية؟ ماذا بقي من ثورتنا؟ مدينة الذهب الأسود على موعد مع المجهول معارك خطيرة منسية في حرب التغيير الديموغرافي هل سيستفيد "الروهينغيا" من تدويل قضيتهم ؟! هل يتحقق سلام مع إسرائيل ؟
 
حروب إيران: ألعاب الجاسوسية والمعارك المصرفية، والصفقات السرية التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط
السبت 28 يناير 2017

 

 ياسر جزائرلي – مجلة سياسات عربية عدد (23) 11/2016

 

 

مؤلف الكتاب([1]) جاي هو صحافي يعمل في صحيفة وول ستريت جورنال، بدأ بالكتابة عن الشرق الأوسط في 2006 مع اندلاع الحرب بين إسرائيل وحزب الله. وكان أول من كشف عن المحادثات السرية التي جرت بين الولات المتحدة وإيران في سلطنة عمان، ومهدت لاتفاق فيينا حول برنامج إيران النووي. كذلك كان سولومون الصحافي الذي اختاره الرئيس السوري بشار الأسد لإجراء أول مقابلة معه بعد اندلاع الثورات العربية. وفي هذا الكتاب يعرض المؤلف للظروف التي تمت فيها المقابلة.

تكمن أهمية الكتاب في أنه يقدم سرداً مفصلاً للمحادثات السرية والعلنية بين إيران والولايات المتحدة، والمواجهات التي حدثت بين الطرفين، كما أنه الكتاب الأول الذي تناول العلاقات الأميركية – الإيرانية عقب توقيع اتفاق فيينا. ويغطي الكتاب خمس عشرة سنة من العلاقات بين البلدين، أي منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لأن هذه الهجمات مثّلت نقلة نوعية في سياسة البلدين، إذ استغلتها إيران للتعاون مع الولايات المتحدة للتخلص من أعدائها على حدودها الشرقية والغربية. واتفاقية ففينا هي تكريس لهذا التحول الذي بدأ في عام 2001. يشير المؤلف إلى أن أنصار الاتفاق يقارنونه بالانفراج détente  الذي حدث بين الصين والولايات المتحدة في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1972.

في الفصل الثاني «الفرصة الضائعة»، يروي سولومون كيف بدأت نظرة البلدين إلى بعضهما تتغير. فبعد أن عرضت إيران التعاون مع الولايات المتحدة في حربها أفغانستان، استغل وزير خارجية أميركا كولن بأول المؤتمر السنوي للأمم المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2001، لكي يصافح وزير خارجية إيران آنذاك كمال خرازي (ص42). إلا أن الاتصالات لم تؤد إلى تقارب وتعاون أكبر بسبب عدم ثقة الولايات المتحدة بإيران.

فبينما عرفت محادثات بون (ألمانيا) من أجل مستقبل أفغانستان تعاونا، كان يعقد اجتماع بين خبراء أميركيين وعناصر من المعارضة الإيرانية في روما في كانون الأول/ ديسمبر 2001 من أجل إسقاط النظام الحاكم في إيران. فقد كان المحافظون الجدد يعتقدون أن غزو العراق سيؤدي إلى إسقاط النظام في إيران (ص19)، وهو الفكر الذي عبر عنه ديفيد ورمزير David Wrnser في كتابه حليف الطغيان: فشل أميركا في هزيمة صدام حسين (1999).

في الفصل الثالث «الهلال الشيعي»، يتناول المؤلف استعداد أميركا لغزو العراق واتصالاتها بالمعارضة العراقية المقيمة بالخارج، بما فيها تلك المقيمة في إيران، قبل بداية الحرب، سافر فرانسيس بروك Francis Brroke مع أحمد جلبي إلى إيران التي أبلغتهما عدم معارضتها لإسقاط صدام حسين شرط ألا تحتل أميركا العراق لفترة طويل (ص61). كانت الولايات المتحدة تعرف منذ البداية وجود «غزو إيراني سري» (ص64) للعراق، وهذا ما أكده محافظ الديوانية خليل جليل حمزة (قتل بعبوة ناسفة في 2007) في مقابلة جرت مع مايكل روبن – وهو خبير بالشؤون الإيرانية أرسلته وزارة الدفاع الأميركية ليساعد في بناء الحكومة الانتقالية في العراق في كانون الثاني/ يناير 2004، قائلا إن المخابرات الإيرانية بدأت في أيار/مايو 2003 تعبر الحدود العراقية – الإيرانية مع العراقيين الذين كانوا مقيمين في إيران خلال حكم صدام حسين، إذ لم تعد الحدود بين البلدين مراقبة بعد سقوط صدام (ص66). واشتكى حمزة إلي روبن أنه بينما كانت إيران تغدق الأموال على أنصارها في العراق، لم تكن الولايات المتحدة تدعم العراقيين غير المناصرين لإيران بمشاريع تنموية (ص67). وكان مايكل روبن قد حذر وزارة الدفاع الأميركية في تقرير أرسله في تموز/ يوليو 2003 أي بعد ثلاثة أشهر من إعلان جورج بوش نهاية العمليات العسكرية، من تصاعد النفوذ الإيراني.

على الرغم من تحذير روبن، فإن وزارة الدفاع الأميركية اختارت عدم مواجهة الإيرانيين في العراق لتفادي اندلاع صدام معهم، «لذلك سُمح لطهران وحلفائها بالعمل تقريبا دون مضايقات» (ص63).

هنا لا يوضح المؤلف لماذا احتلت أميركا العراق إذا كانت غير مستعدة لمواجهة النفوذ الإيراني في العراق؟ ألم يكن تبرير احتلال العراق هو إحداث تغير في المنطقة كان سيؤدي إلى سقوط نظام الحكم في إيران، كما ادعى ديفيد ورمزير؟ بعد تأسيس نفوذ في العراق انتقلت إيران إلى مرحلة إخراج الولايات المتحدة من العراق من خلال إرسال أسلحة وتكنولوجيا العبوات الناسفة المزروعة في الطرقات، والتي قتلت 20 في المئة من جنود الاحتلال في الربع الأخير من 2006 (ص73).

أجبرت هذه الهجمات الجيش الأميركي على تأسس وحدة خاصة لمواجهة إيران وحلفائها في العراق (ص76)، وقامت بأول عملية ضد قوات القدس الإيرانية في كانون الأول/ ديسمبر 2006، عندما ألقت القبض على الجنرال محسن شيرازي – أحد أعوان قائد قوات القدس قاسم سليماني – وحققت معه لعشرة أيام (ص77). وبعد ذلك بأسبوعين هاجم الجنود الأميركيون البعثة الإيرانية في أربيل واحتجزوا خمسة إيرانيين. من بين المقرات التي هاجمتها والشخصيات التي ألقت القبض عليها بسبب عمليات معادية للجيش الأميركي كان الأخوان قيس وليث الخزعلي، اللذان انشقا عن جيش المهدي وأسسا عصائب أهل الحق في 2006.

بعد تعيين بترايس قائدا للقواعد الأميركية في العراق، تبادل رسائل التهديد مع قاسم سليماني مرتين، الأولى عبر جلال طالباني والثاني عبر هادي العامري، أحد قادة حركة بدر (ص80-81).

في الفصل الرابع «محور الممانعة»، ينتقل المؤلف إلى سورية ليناقش تعاونها مع إيران من أجل إفشال الخطط الأميركية للهيمنة على العراق من جهة، ومواجهة تحرك رئيس وزراء لبنان الحريري الذي حاول إنهاء تحكم النظام السوري في لبنان أو تقليصه من جهة أخرى.

يشير المؤلف إلى الملفات التي استولت عليها وزارة الدفاع الأميركية في سنجار في نهاية 2007، وتعود إلى فروع القاعدة في العراق. وضمت هذه الملفات معلومات جمعتها الدولة الإسلامية في العراق بين آب / أغسطس 2006 والشهر نفسه من 2007، عن حركة نحو 700 جهادي أجنبي سافر أغلبهم إلى مطار دمشق الدولي قبل العبور إلى العراق (ص92- 93).

كذلك يتناول هذا الفصل دور جون كيري في العلاقات السورية – الأميركية، قائلاً إن كيري أصبح ممثل «الدكتاتور السوري» في واشنطن (ص99). كان للسناتور كيري اهتمام بسياسة الشرق الأوسط، وقد كون علاقات مع العديد من قادة المنطقة من خلال زياراته المتكررة لها، وكانت إحدى هذه الزيارات لدمشق في 2006 على الرغم من معارضة الرئيس بوش لها. وتوطدت العلاقة بين الأسد وكيري بعد عشاء استمر أربع ساعات في دمشق جمع كيري وزوجته مع الأسد وزوجته في آذار/ مارس 2009. وفي العام نفسه، أصبح كيري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وأخذ يسافر إلى دمشق وتل أبيب لمحاولة إحياء عملية السلام بين البلدين.

بعد سرد اغتيال بعض علماء الطاقة النووية الإيرانيين في الفصل الخامس وتفاصيل الحصار المصرفي الذي فرضته أميركا على إيران في الفصل السادس، ينتقل المؤلف ليتناول في الفصل السابع محاولة أوباما الفاشلة في فترته الرئاسية الأولى للتوصل إلى اتفاق مع إيران.

وفي الفصل الثامن «الذهب الأسود»، يصف المؤلف تحرك الولايات المتحدة في المجال الأكثر انعكاسا على الاقتصاد الإيراني، قائلا إن فرض حصار نفطي على إيران كانت أولوية السياسة الخارجية لأوباما.

في هذا المجال كان للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت الدور الرئيس في إنجاح هذا الحصار، إذ إن فرض حصار نفطي، يكمل الحصار المصرفي، تطلب تعويض نفط إيران بزيادة إنتاج نفط دول أخرى غنية به. لذلك أرسل أوباما في 2009 دنيس روس في جولة ليقنع هذه الدول برفع إنتاجها بصفقة كبيرة لكيلا يرتفع سعر النفط عند بدء الحصار النفطي على إيران.

فسيناريو كهذا كان سيضعف مساعي أوباما لإخراج الاقتصاد الأميركي من أكبر أزمة اقتصادية حلت به منذ الركود الكبير في 1929. وبالفعل بدأت السعودية والإمارات برفع إنتاجهما للنفط بعد زيارة روس. كذلك سافر روس إلى الصين لإقناعها بشراء النفط العربي بدل الإيراني. تلا ذلك، بحسب سولومون، قيام ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد بزيارة سرية إلى الصين في 2010 ليبلغتها استعداد بلاده لرفع إنتاجها للنفط بأربعة أضعاف لتأمين حاجات الصين من دون أن يرتفع سعر النفط (ص196-197).

وفي مقابلة خاصة، صرح رئيس مخابرات السعودية السابق تركي الفيصل، في ربيع 2011 في قاعدة عسكرية قريبة من لندن بحضور جنود أميركيين وبريطانيين، أن السعودية بإمكانها أن تعوض عن النفط الإيراني بكل سهوية (ص197). بعد إطباق الحصار على النفط الإيراني في النصف الثاني من 2012 هبط تصدير إيران للنفط من أكبر من 205 مليوني برميل يوميا إلى 750 ألف برميل يوميا (ص201).

في الفصل العاشر «الطريق إلى فيينا»، يصف سولومون دور سلطنة عمان في الاتفاق النووي. بعد انتخاب أوباما لفترة ثانية، وحصول السلطان قابوس على موافقة إيران، أرسل السلطان رجل الأعمال العماني سالم بن ناصر الإسماعيلي لعرض وساطة مسقط بين إيران والولايات المتحدة. ولم تعترض الولايات المتحدة على محاولة الإسماعيلي إقامة علاقات تجارية مع إيران، على الرغم من حصارها المصرفي على الأخيرة (ص273).

اضطلع سالم والسلطنة بدور رئيس في إطلاق سراح ثلاثة سجناء أميركيين، كانت إيران قد اتهمتهم بدخول أراضياه بطريقة غير شرعية بينما كانوا يتجولون في جبال كردستان. نجح سالم في وساطته، إذ أطلق سراح الثلاثة مقابل نصف مليون دولار عن كل واحد منهم، إضافة إلى إطلاق الولايات المتحدة وبريطانيا سراح أربعة سجناء إيرانيين. هذه الصفقة غير المتوازنة (ثلاثة أميركيين مقابل أربعة إيرانيين ونصف مليون دولار عن كل أميركي) هي أحد دلائل المؤلف على أن الولايات المتحدة كانت تريد الوصول إلى اتفاق مع إيران مهما كان الثمن، وتبرير الحكومة الأميركية هذا السلوك على أن الخيار الآخر هو تطوير إيران لقنبلة ذرية. إلا أن سلومون يشكك في هذا التبرير مشيرا إلى أن الولايات المتحدة خففت الضغط على إيران تماما في الوقت الذي بدأ الحصار الاقتصادي يؤدي ثماره. لكن سلومون لا يسأل لماذا فعلت المتحدة ذلك.

بعد نهاية هذه الوساطة في أيلول / سبتمبر 2011، سافر كيري إلى مسقط في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2011، ليناقش مع السلطان قابوس بدء المحادثات بخصوص برنامج إيران النووي. بعد ستة أشهر (في تموز / يوليو 2012)، حدث أول لقاء بين المتفاوضين الأميركيين والإيرانيين، عقب انتخاب روحاني في حزيران / يونيو 2012، حاول الطرفان عقد لقاء بين روحاني وأوباما في نيويوك على هامش الدورة السنوية للأمم المتحدة، إلا أن روحاني غير رأيه في آخر لحظة، خوفا من أن تضعه هذه المقابلة في موقف محرج مع المتشددين في إيران. بعد فشل هذا اللقاء، أجرى أوباما مكالمة استمرت نحو 15 دقيقة مع روحاني عندما كان الأخير في طريقه إلى مطار نيويورك (ص264). وهذا دليل ثان على أن أوباما كان يسعى وراء الاتفاق أكثر من إيران.

في الفصل الحادي عشر «ظل خامئني»، يبين سولومون أن الولايات المتحدة هي التي قدمت التنازل تلو الآخر للتوصل إلى اتفاق. وأهم هذه التنازلات كان حول التخصيب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من موقف رفضه إلى قبول حد معين منه. يقول سلومون إن إيران أدركت أن الولايات المتحدة تريد الاتفاق أكثر منها بقدر التوصل إلى الاتفاق المؤقت في 2013، والذي سمح لإيران بالحصول على 700 مليون دولار شهريا (ص263). يضيف الكاتب «البيت الأبيض كان يدعم الإيرانيين لكي يبقوا في المفاوضات مما قلل من قدرة الولايات المتحدة على الضط ماليا» (ص263). في تشرين الثاني /نوفمبر 2014، أرسل أوباما رسالته الرابعة إلى خامئني عارضا عليه التعاون ضد تنظيم الدولة في العراق في حال التوصل إلى اتفاق حول برنامج إيران النووي.

في خاتمة الكتاب، يشير المؤلف إلى أن قاسم سليماني زار موسكو بعد عشرة أيام من توقيع اتفاق فيينا في 14 تموز/ يوليو 2015، وبحث مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو خطط إنقاذ النظام في سورية بعد تقدم المعارضة في ربيع 2015 (ص283- 285). مهد هذا الاجتماع لتدخل روسيا في سورية الذي بدأ في نهاية أيلول/ سبتمبر 2015، يقول سولومون إن أمل كيري والبيت الأبيض بأن يؤدي اتفاق فيينا إلى اتفاق لإنهاء الحروب في سورية واليمن يدل على أنهم مصابون «بالطرش» (ص285)، لأن إيران أكدت عدة مرات بأن الاتفاق لن يكون له أي انعكاس على سياستها في المنطقة. لم ينعكس الاتفاق حتى على سلوك إيران مع الولايات المتحدة، إذ استمرت إيران بإلقاء القبض على أميركيين واتهامهم بالتجسس كما فعلت مع مراسل صحيفة واشنطن بوست جايسون ريزايان. وكما حدث سابقا، قامت الإدارة الأميركية بإطلاق سراح سبعة إيرانيين متهمين بتهريب الأسلحة مقابل إطلاق سراح أربعة أميركيين سجناء في إيران. قبل يوم من إطلاق سرحهم، أرسلت الولايات المتحدة ملياراً وسبعمئة مليون دولار إلى إيران، قائلة إنه جزء من أموال إيران منذ فترة الشاه (ص294).

انعكس ارتياب المؤلف من الاتفاق على علاقاته مع الإدارة الأميركية التي منعته من أن يكون بين الإعلاميين على متن الطائرة التي كانت تقل وزير الخارجية جون كيري خلال مباحثات برنامج إيران النووي. وكان سبب منعه من الطائرة هو ادعاء الإدارة بأنه انتهك قاعدة عدم التكلم عن أمور يتم الحديث عنها في الطائرة. يؤكد سولومون بأنه لم يكن يدري بوجود برتوكول كهذا. السبب الحقيقي لمنح سولومون هو أنه سأل سؤالا محرجا فيما إذا كانت الولايات المتحدة قد «خوّفت» فرنسا وأجبرتها على قبول الاتفاق، إذ كان موقف فرنسا من التخصيب أكثر تشددا من أميركا (ص291). وفي هذا الكتاب ينتقم الصحافي من كيري من خلال توجيه نقد قاس لم يخص به أي سياسي آخر، إذ يقول إن تعامل كيري مع بشار الأسد «أظهر بصفة مقلقة ضعف قدرة في الحكم على الأشياء، ما يثير تساؤلات حول قدرته على فهم أهداف قادة العالم» (ص101).

في كتاب سلومون نقطتا ضعف يجب التنويه إليهما. الأولى هي أن سلومون يقدم العديد من الادعاءات التي تتناقض مع معلومات وردت في مصادر أخرى، أو معلومات لا يمكن دعمها أو التأكد من صحتها. مثلا، يقول المؤلف إن أميركا أجبرت على إعطاء إيران أسلحة خلال الحرب العراقية الإيرانية من أجل إطلاق سراح المختطفين الأميركيين في لبنان، وهذه رواية يكررها الصحافيون والمؤرخون. لكن روبرت غيتس، وزير دفاع أميركا السابق (2006- 2011)، يقول في كتابه الواجب (2014) إن سياسة الولايات المتحدة خلال الحرب بين العراق وغيران كانت «واقعية بلا رحمة، فنحن لم نكن نريد لأي من الطرفين أن ينتصر، وفي بعض الأوقات كنا نعطي مساعدات سرية متواضعة لكل الطرفين»([2]). أي إن إعطاء الأسلحة لإيران لم يكن فقط مقابل إطلاق سراح رهائن أميركيين، بل من أجل إطالة الحرب. شهادة غيتس هذه لها وزنها، لأنه كان في خضم الأحداث في تلك الفترة. فقد انضم غيتس إلى وكالة الاستخبارات الأميركية في 1986، وأصبح نائب مديريها بين عامي 1986 و1989. وكان الرئيس ريغان قد رشحه في 1987 ليصبح رئيس الوكالة المركزية، إلا أن علاقته بفضيحة «إيران – كونترا» أدت إلى سحبه هذا الترشيح. ولكنه اصبح مدير الوكالة المركزية في 1991، في عهد بوش الأب.

يدعي المؤلف كذلك أن الاتفاق النووي قيّد أيدي أميركا في سورية (ص11)، لذلك لم يمض أوباما في تهديده بخصوص استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية، إلا أن سفير إسرائيل الأسبق في الولايات المتحدة (2009- 2013) مايكل أورن كشف في كتابه حليف (2015) أن الوزير الإسرائيلي وعضو حزب الليكود يوفال ستاينيتز Yuval Steinitz هو صاحب الفكرة. يضيف أورن بأن إسرائيل قامت بعرض الفكرة على روسيا، وعرضها نتنياهو على أوباما الذي قبلها. لا يربط أورن بين عدم الرد على استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية ومسار المحادثات الأميركية – الإيرانية حول برنامج إيران النووي([3]). ومن المغالطات التي يرتكبها المؤلف الادعاء في بداية الكتاب (ص10) وفي نهايته (ص299) بأن مواجهة دور إيران في المنطقة دفع بالسعودية وتركيا وقطر إلى دعم الجماعات الجهادية، ما أدى إلى ظهور تنظيم الدولة، وهي محاولة لرمي مسؤولية ظهور تنظيم الدولة على الدول التي دعمت الثورة السورية، وإغفال دور السياسة الأميركية في المنطقة التي أوجدت أوضاعا ساهمت في ظهور هذا التنظيم.

إحدى النقاط التي يجب نقاشها هي الادعاء الأميركي بأن هذا الاتفاق تم من أجل تفادي حرب بين إسرائيل وإيران أو إيران والولايات المتحدة. ولكن هل كانت حرب كهذه ممكنة؟ فإيران دولة كبيرة ذات قدرة على القتال أثبتتها خلال حرب طويلة مع العراق. إذا كانت الولايات المتحدة لم تستطع إخضاع العراق، وهي بثلث حجم إيران مساحة ونصفها سكانا، إضافة إلى أنها كانت منهكة بسبب الحروب والحصار الاقتصادي، فكيف كانت الولايات المتحدة ستفعل ذلك مع إيران؟ أي إن الحرب لم تكن خيارا أصلا.

ولو كانت إسرائيل قادرة على تدمير برنامج إيران النووي لفعلت ذلك من دون انتظار الولايات المتحدة، كما كانت قد فعلت مع برنامجي العراق وسورية. قد يكون هناك عامل آخر في الاتفاق مع إيران وهو رغبة أميركا في إشراك إيران في الحرب على تنظيم الدولة. ولكن لماذا لم تتجه أميركا إلى حلفائها العرب: دول الخليج والأردن ومصر؟ ولماذا تحالفت مع الكرد بدل التحالف مع تركيا؟ هذه أسئلة لا يطرحها المؤلف، ولكن يجب نقاشها لفهم استراتيجية العلاقة بين إيران والولايات المتحدة.

نقطة الضعف الثانية في الكتاب هي أنه على الرغم من تميزه بعمق التفاصيل حول تطور العلاقات بين البلدين منذ 2001، فإنه يتجاهل كل الكتب التي نشرت في الولايات المتحدة منذ 2001 عن إيران ودورها الإقليمي وعلاقتها بالولايات المتحدة، وهي عديدة، كتبها أميركيون وإيرانيون – أميركيون، مثل حميد دباشي وراي تقية. وأهم هذه التكب وأكثرها تأثيرا هو صحوة الشيعة (2006) لولي نصر([4])، أستاذ  العلاقات الدولية الذي أصبح لفترة سنتين أحد مستشاري البيت الأبض، قبل أن يستقيل ويهاجم سياسة أوباما في كتابه الأمة التي يمكن الاستغناء عنها (2013) ([5]). غياب هذه الأبحاث يجعل فهم سولومون لديناميكية العلاقات الإيرانية – الأميركية سطحيا، ما يؤدي إلى سوء فهم البعد الاستراتيجي لهذه العلاقات.

يدعو خبير الشرق الأوسط روبرت بير، والذي كان يعمل سابقا في وكالة الاستخبارات المركزية، في كتابه عن إيران، الشيطان الذي نعرفه (2008) ([6])، إلى حلف بين إيران والولايات المتحدة، فمثل هذا الحلف سيقوي نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. إن إعادة قراءة كتاب بير بعد ثماني سنوات من رئاسة براك أوباما يسلط الضوء على نقاط التشابه بين ما دعا إليه بير وسياسة أوباما في الشرق الأوسط. ما قاله بير هو تأكيد لما كان والي نصر قد قاله في صحوة الشيعة إذ ادعى نصر بأن إيران هي حليفة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في مواجهة التطرف السني. أي إن كتاب بير يكمل كتاب نصر، فهو لم يأت من رجل ولد في إيران قد يشكك بعض الأميركيين في ولائه، ولكن من خبير كان قد عمل في وكالة الاستخبارات الأميركية، أي إن بير يضفي المزيد من الشرعية الأميركية، أي إن بير يضفي المزيد من الشرعية على ما كان نصر قد خطه.

على الرغم من تجاهل كتاب سولومون لهذه الكتب، فإنه غني بالتفاصيل، وهو إضافة قيمة إلى الكتب التي تناولت العلاقات الإيرانية – الأميركية. يحتاج فهم البعد الاستراتيجي لهذه العلاقات إلى دراسة تحلل كل هذه الأعمال، إضافة إلى الأخذ في الحسبان تاريخ العلاقات الإيرانية – الأميركية قبل هجمات سبتمبر 2001، وقبل اندلاع الثورة الإسلامية في إيران. وقد سلط أندرو سكوت كوبر الضوء على هذه الفترة من حكم الشاه وأورد تفاصيل لم تكن معروفة من قبل في كتابه، ملوك النفط: كيف غيرت الولايات المتحدة وإيران والسعودية ميزان القوى في الشرق الأوسط (2011) ([7]). وكان تريتا بارسي قد كشف في كتابه، التحالف الغادر: المحادثات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة (2008) ([8])، عن العلاقات السرية بين إيران وإسرائيل بعد الثورة الإسلامية. تعطي كل هذه الكتب الباحث الفرصة لفهم أعمق للعلاقات بين إيران والولايات المتحدة.

 

 

 

 



([1])  Jay solomon, The Iran Wars Spy Games, Bank Battles and the Secret Deals that Roshoped the Middle East (New York: Random House, 2016)

([2]) Robert M. Gates, Duty; Memoirs of Secretary at War (New York: AlFrend A. Knopf, 2014), pp.178- 179.

([3])  Michael B. Oren, Ally: My Journey across the American – Israel Divide (New York: Random House, 2015), pp.344- 345.

([4])  Vali Nar, The Shia Revival: How Conflicts within Islam will shape the future (New York: W. W. Norton, 2007).

([5])  Vali Nasr, The Dispensable Nation: American Foreign Policy in Retreat (New York: Doubleday, 2013).

([6])  Robert Baer, The Devil We Know: Dealing with the New Iranian Superpower (New York: Crown Publishers, 2008), p.239.

([7])  Andrew Scoot Cooper, Oil Kings; How the U.S, Iran, and Saudi Arabia Changed the Balance of Power in the Middle East (New York: Simon & Schuster, 2011).

([8])  Trita Parsi, Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States (Yale: Yale University Press, 2008).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق