التهجير القسري في سوريا السياسات، الأدوات والتبعات
السبت 28 يناير 2017

 د.ياسر سعد الدين - مركز أمية للبحوث 20/1/2017

 

التهجير القسري – تعريف وتوصيف

التهجير القسري هو سلوك وممارسة تنفذها قوى حكومية أو شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية، بهدف إخلاء مدن وقرى وأقاليم لإحلال مجاميع ومجموعات سكانية مختلفة عرقيا أو مذهبيا أو طائفيا بديلا عنها، ليصار إلى تغيير سكاني – ديمغرافي.

التهجير القسري يعرّفه القانون الدولي الإنساني بأنه “الإخلاء القسري وغير القانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها”، وهو ممارسة مرتبطة بالتطهير وإجراء تقوم به الحكومات أو المجموعات المتعصبة تجاه مجموعة عرقية أو دينية معينة، وأحيانا ضد مجموعات عديدة بهدف إخلاء أراضٍ معينة لنخبة بديلة أو فئة معينة، وتعتبر المواد (2)، (7)، (8) من نظام روما الأساسي، التهجير القسري جريمة حرب.

عمليات التهجير القسري، تُعدّ وفق المادة (49) من اتفاقيات جنيف الأربع، المؤرخة في 12 أغسطس 1949، والبروتوكولان الملحقان بها لعام 1977، جرائم حرب دامغة. وتشكل عمليات التهجير القسري انتهاكًا فاضحًا “لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية” التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1948، والتي تعدّ -في مادتها الثانية- أن كل ما يؤدي إلى  التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بمنزلة إبادة جماعية.

تغيير البنية الاجتماعية في سوريا ما بين التشيع والتهجير

بعد الهيمنة الإيرانية على العراق إثر الاحتلال الأمريكي عام 2003، اندفع الإيرانيون باتجاه تشكيل مشروع الهلال الشيعي، لتكون العراق وسوريا ولبنان مناطق نفوذ للسياسة الإيرانية وتابعة لها وتدور في فلكها. النفوذ الإيراني في لبنان من خلال حزب الله كان وما زال جليا وصارخا، من هنا عمد الإيرانيون وخصوصا في مرحلة حكم بشار الأسد إلى محاولات للهيمنة على سوريا من خلال تغيير البنية الاجتماعية المذهبية لها عن طريق نشر التشيع في صفوف أبنائها. وقد رصد معارضون وسياسيون نشاطا إيرانيا محموما في هذا الإطار (ما بين عامي 2006-2007) وصدرت عن “جبهة الخلاص الوطني” المعارضة بقيادة عبد الحليم خدام نائب الرئيس الأسبق بيانات تحذر من خطر التشيع على البنية الاجتماعية والديموغرافية السورية.

تعددت أدوات التشيع وأساليبه في سوريا منها على سبيل المثال: إنشاء عدد كبير جدا من المزارات الشيعيّة في أنحاء مختلفة من البلاد، الإغراءات الماليّة والاقتصاديّة والتعليمية للفقراء، الإعلام الموجه، ونفوذ حزب الله السياسي والعسكري خاصّة بعد حرب لبنان عام 2006، ونشوء الحلف الثلاثي (حزب الله –الأسد –إيران) والذي دفع بعمليات التشيّع والنفوذ الإيراني ليصل إلى أوجه في سوريا.

وكمثال للتغلغل الشيعي فقد أنشئ في منطقة السيدة زينب وحدها أكثر من 122 حوزة شيعية وثلاثة كليات للتعليم الديني الشيعي، ما بين العام 2001 و2006، كما حصلت أول جامعة إسلامية شيعية على ترخيص أمني للعمل في سوريا في عام 2003. وقد كانت عملية التشيع صارخة وفاقعة الأمر الذي حدا بأكثر من 200 من كبار علماء الشام وسوريا لإصدار بيانا في تموز2006،  موجّها بشكل مباشر وخاص إلى بشّار الأسد، يعبرون فيه عن غضبهم وحنقهم من المد الشيعي الحاصل في البلاد مع إشارات واضحة إلى أنّه يتم برعاية رسمية وبخلاف كل القوانين المعمول بها في البلاد بما في ذلك القوانين والقرارات الحكوميّة والرسميّة والتي تسري حتى على الشأن السنيّ (مجلة المجلة 18-8-2016، علي حسين باكيير).

وقد صدرت دراسات وكتب عديدة ترصد نشاطات التشيع في سوريا في تلك الفترة وتوثقه منها دراسة نشرت عام 2009 للبروفيسور خالد سنداوي، وهو متخصص في الدراسات الشيعيّة بعنوان  “التحوّل الشيعي في سوريا”، ودراسة للمعهد الدولي للدراسات السوريّة في فترة متقاربة بعنوان “البعث الشيعي في سوريا 1919- 2007”.

وفي مرحلة ما بعد اندلاع الثورة السورية ووقوف إيران وحزب الله وميلشيات شيعية عسكريا مع نظام الأسد، تبدلت استراتيجية التشيع والتي تحتاج إلى وقت وجهود لتحل محلها عمليات متسارعة من التهجير القسري والتغيير الديموغرافي. ولم تكن سوريا استثناء فقد سبقتها وما تزال تسابقها عمليات تهجير وتغيير ديموغرافي في العراق تستهدف العرب السنة تحديدا وبشكل واضح وفاضح.

رأس النظام والتهجير القسري

صدرت عن بشار الأسد مواقف وتصريحات مباشرة وغير مباشرة تتناول مسألة التهجير القسري والتغير السكاني، منها: في كلمة مطولة إلى رجال دين تابعين لنظامه خلال لقاء جمعه بهم في نيسان 2014، قال بشار الأسد أنه يوجد عشرات الآلاف من الإرهابيين السوريين (الثوار) وأن خلفهم حاضنة اجتماعية تقدر بملايين السوريين معتبرا أن ذلك يعني أن البلاد أمام حالة فشل أخلاقي واجتماعي.

خلال كلمة ألقاها الأسد 26/7/2015 أمام وفود رسمية ونقابية، قال إن “الوطن ليس لمن يسكن فيه أو يحمل جنسيته وجواز سفره، بل لمن يدافع عنه ويحميه”، مشيدًا بدعم إيران العسكري والاقتصادي والسياسي والمشاركة الفعلية لحزب الله بالقول “إخوتنا الأوفياء بالمقاومة اللبنانية امتزجت دماؤهم بدماء إخوانهم في الجيش وكان لهم دورهم المهم وأداؤهم الفعال والنوعي”.

بعيد إتمام عملية التهجير القسري في داريا وعقب أداءه صلاة عيد الأضحى يوم 12/9/2016 في المدينة الخاوية على عروشها والمفرغة تماما من أهلها وأبنائها، رد الأسد على سؤال مندوب وكالة سانا عما يتردد عن قضية التغير السكاني في داريا وأمثالها بقوله إن التغيير الديمغرافي يتغير عبر الأجيال لافتا إلى أن ذلك يستند إلى مصالح المواطنين في تلك المناطق. وقال الأسد: عمليا سوريا كأي بلد متنوع، الحالة الديمغرافية تتبدل عبر الأجيال بسبب مصالح الناس الاقتصادية، والحالة الاجتماعية والظروف السياسية تتنوع لذلك لا تستطيع أن ترى مدينة كبرى ولا صغرى طبعا لا أتحدث عن الريف فالقرى وضع مختلف لكن المدن دائما تكون متنوعة وخاصة داريا والمدن التي تكون قريبة من المدن الكبرى كدمشق وحلب فهي مدن متنوعة لا يمكن أن تكون من لون واحد وشكل واحد.

في لقائه مع صحفيين أجانب في 1/11/2016 منهم مديرة مكتب نيويورك تايمز في بيروت آن برنارد قال الأسد: النسيج الاجتماعي في سوريا هو اليوم أفضل بكثير من ذي قبل.

أساليب ووسائل التهجير القسري والتغيير الديموغرافي

إعادة التنظيم العمراني وإطلاق مشاريع كبرى: بدأت هذه المشاريع فيما مرحلة ما قبل اندلاع الثورة السورية وكانت البداية بمشروع “حلم حمص” بإشراف محمد اياد غزال محافظ حمص السابق والمقرب من الأسد عام 2010 وكان المشروع أحد أسباب الاحتقان في حمص والتي أدت لتأجج الاحتجاجات الشعبية. كان المخطط يرمي لتهديم حمص القديمة وبناء مراكز تجارية بقلب المدينة التاريخي وإنشاء أبراج سكنية لمضاعفة الاستيعاب السكاني من مليون إلى ثلاثة ملايين لتغيير التركيبة الديمغرافية لأحياء حمص بجلب سكان من الريف والقرى واسكانهم بالمدينة. تكرر المشهد والمخطط في محيط دمشق وتحديدا في بساتين المزة من خلال المرسوم التشريعي رقم /66/ بتاريخ 18/9/2012 والقاضي بإحداث منطقتين تنظيميتين في مدينة دمشق الأولى في منطقة جنوب شرق المزة من منطقتين عقاريتين، الأولى مزة – كفرسوسة والثانية جنوب المتحلق الجنوبي وتضم المناطق العقارية مزة – كفرسوسة – قنوات -بساتين داريا – القدم. تدخل إيران بشكل سافر في موضوع تلك المناطق وإعلانها عزمها على بناء مشروع أبراج سكنية تدعى الأبراج الإيرانية كون تلك المنطقة ملاصقة للسفارة الإيرانية بشكل مباشر، يدخل ضمن إطار المحاولات المحمومة للتغيير الديموغرافي للمنطقة.

شراء العقارات: قام تجار ومقاولون إيرانيين بشراء عقارات وأراض سكنية في مدن السورية بتشجيع ودعم من الحكومة الإيرانية وبتعاون من نظام الأسد. وجندت إيران شبكة من العملاء في المخابرات والأمن ومن تجار العقارات ومجموعات السماسرة وأصحاب المكاتب العقارية في سوريا، عبر ضخها ملايين الدولارات في محاولات محمومة منها لشراء عقارات وأملاك السوريين المنهكين من الحرب والراغبين بالفرار من الموت، لصالح أفرادها وعناصرها في كل منطقة حيوية (الشرق الأوسط 26-3-2016). في نفس السياق نشر موقع السورية نت تقريرا 28-7- 2015 وردت فيه شهادة لاحد سكان دمشق قال فيها أن تجار يتبعون لإيران اشتروا منازل في قلب دمشق بمبالغ كبيرة، وأنه “قد باع منزله في حي المزرعة بـ 40 مليون ليرة لرجل أعمال خليجي، تبين فيما بعد أنه يعمل لصالح شركات إيرانية تعمل على السيطرة على أكبر قدر ممكن من المنازل في دمشق”. ويضيف الدمشقي في شهادته “بعتُ منزلي وسافرت إلى تركيا متيقناً أني لن أعود إلى هذه المدينة يوماً لأني لم أكن الأول ممن باعوا بيوتهم لإيرانيين فهناك الكثير من الأمثلة لأشخاص باعوا بيوتهم في العدوي والمزرعة وشارع بغداد”.

اقتراف المجازر ونشر الرعب في صفوف المدنيين: اقترفت قوات الأسد العديد من المجازر بحق المدنيين إضافة لإعمال الاعتقال والتعذيب الوحشي والذي كان النظام بتقديري يسرب متعمدا أفلام وصور لها لبث الرعب والخوف في قلوب السكان ودفعهم للنزوح والهروب. ومن أبرز هذه المجازر والتي شكلت علامات فارقة في تتابع الأحداث وما آلت إليه (ساسة بوست 26-1-2016):

مجزرة الحولة: وقعت يوم 25 مايو 2012م في قرية الحولة بريف حمص، ضحاياها 108 قتيل بينهم 34 امرأة و49 طفلًا. اقتحمت قوات الأمن والشبيحة القرية تحت غطاء من قذائف الدبابات حيث قام الشبيحة باقتحام البيوت وذبح من فيها.

مجزرة القبير: وقعت يوم 6 يونيو 2012م في قرية القبير قرب مدينة حماة، ضحاياها 100 قتيل بينهم 20 طفلًا و20 امرأة. اقتحمت قوات الأمن والشبيحة القرية وقتلت من سكانها تحت وابل من قصف صاروخي لجيش النظام.

مجزرة داريا: وقعت ما بين 20 – 25 أغسطس 2012م في مدينة داريا بريف دمشق، ضحاياها ما بين 400 – 500 قتيل. قامت قوات النظام بشن قصف مدفعي عنيف على المدينة مما أوقع عددًا من القتلى. اضطر السكان على وقع القصف العنيف للهرب منه باتجاه مسجد سليمان الديراني لكن قوات النظام حاصرت المسجد وقامت بتصفية السكان داخله، كما أوقعت العديد من عمليات الإعدام الجماعية.

مجزرة نهر حلب: وقعت في الفترة بين 29 يناير و14 مارس 2013م في حوض نهر حلب. في نهاية شهر يناير 2013م تم العثور على ما يقارب 110 جثة لرجال وصبية تم تقييد أيديهم من الخلف وتكميم أفواههم بشريط لاصق مع وجود عمليات تعذيب واضحة وآثار طلقات نارية في الرأس. تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش أشار إلى أن هؤلاء القتلى لم ينخرطوا مع قوات المعارضة، وأنهم مجرد سكان في المدينة تم إلقاء القبض عليهم خلال نقاط التفتيش الخاصة بجيش النظام السوري. وفي الفترة بين فبراير ومنتصف شهر مارس تم العثور على ما بين 80 إلى 120 جثة إضافية بنفس الوصف السابق حيث كان يتم العثور على عدة جثث بشكل شبه يومي.

مجزرة البيضاء: وقعت في يومي 2 و3 مايو 2013م في قرية البيضاء بمحافظة طرطوس. ضحاياها أكثر من 72 قتيلًا. فقد قتلت قوات الجيش والشبيحة المرافقة عددا كبيرا من المدنيين في القرية بعد اقتحامها للقرية أعقاب حدوث اشتباكات بين الجيش والمعارضة قرب البيضاء.

مجزرة جديدة الفضل: اقترفت بين يومي 16 – 21 أبريل 2013م في منطقة جديدة الفضل في ريف دمشق، ضحاياها أكثر من 500 قتيل. فبعد حصار محكم، قامت قوات النظام السوري بعمليات قصف صاروخي وعمليات إعدام ميدانية بحق سكان المنطقة، بالإضافة لعمليات مداهمة للسكان خلال محاولة دفن جثث ذويهم. بعيد ذلك تم العثور على مئات الجثث بينها العشرات لأطفال ونساء في صورة هياكل عظمية محروقة.

مجزرة الغوطة–الكيماوي-: وقعت يوم 21 أغسطس 2013م في الغوطة شرق دمشق. تمت المجزرة باستخدام الأسلحة الكيماوية المحظورة دوليا، حيث راح ضحيتها المئات من سكان المنطقة نتيجة استنشاقهم لغاز الأعصاب القاتل بعد قيام قوات اللواء 155 المتمركز بمنطقة القلمون بإطلاق 16 صاروخًا بدءًا من الساعة الثانية والنصف فجرًا باتجاه منطقة الغوطة الشرقية، ثم أطلقت صواريخ أخرى باتجاه مدينة زملكا وبلدة عين ترما ومدينة المعضمية بمنطقة الغوطة الغربي.

العبث بالسـجلات العقارية والشؤون المدنية: تم حرق السـجلات والعقارية والمدنية لطمس حقوق الأهالي (السـنة غالبا) للعقارات، واستبدالها بملكيات للشيعة والعلويين كما فعل النظام في حمص 2013- وميلشيات الحماية الكردية لصالح الأكراد في منبج 2016 (دراسة عن التهجير القسري –مركز جسور – سبتمبر 2016). في نفس السياق، نقل تقرير لمارتان شيلوف في الجارديان البريطانية (14-1-2017) عن مسؤولين كبار في لبنان يراقبون ما يعتقدون بأنه إحراق منهجي لمكاتب السجل العقاري في المناطق السورية التي استعاد النظام السيطرة عليها، فعدم وجود سجلات يجعل من الصعب بالنسبة للمقيمين إثبات ملكية المنزل. والمكاتب التي تم تأكيد حرقها هي في الزبداني، وداريا، وحمص والقصير على الحدود اللبنانية، التي استولى عليها حزب الله في أوائل عام 2013.

كما قامت إيران بالتعاون مع أجهزة النظام بتزوير بيانات وقيود السجلات العقارية وتزوير وكالات ووثائق الكتّاب بالعدل وغيرها مما يتعلق بنقل الملكيات العقارية، ومن ثم نقلت الملكيات، إما مباشرة عن طريق دوائر السجل العقاري في المناطق، أو عن طريق استصدار أحكام قضائية لدى المحاكم المدنية. كما عمدت إيران من خلال نظام الأسد إلى تجنيس لشخصيات من مكونات غير سورية جلبتهم من الخارج وطلبت من النظام تجنيسهم مقابل الدفاع عنه، فهناك مجموعة كبيرة تقدرا بالآلاف من الشخصيات والعناصر والميليشيات تم تجنيسها، لتصبح مستوطنات إيرانية في سوريا، حسب المعلومات التي يتم تناقلها (الشرق الأوسط 26-3-2016).

سياسة الحصار والتدمير والتخيير بين التهجير والإبادة: محاصرة المدن والقرى وتجويعها وحرمان أهلها من مقومات الحياة. وإجبـار السكان المحاصرين علـى توقيـع هـدن مقابـل وقـف القصـف السجادي والبراميلي عليهـا تمهيـدا لتهجيرهم من مدنهـم وقراهـم، تحـت ضغـط الجـوع والحصـار والتهديد بالإبادة. سياسة بـدأت عـام 2013، وأصبحت سياسة معلنة ومطبقة بعدها.

في الفقرة التالية نستعرض بعضا من النماذج الصارخة لهذه الممارسات التي ترقى إلى جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية.

مناطق ونماذج صارخة من التهجير القسري

بدأ النظام وداعمه الإيراني ومن بعد الروسي بتطبيق سياسة تخيير المحاصرين من أهل المدن والقرى المستهدفة ما بين التجويع والإبادة أو التسفير والتهجير، بشكل علني عام 2013 وتصاعد الأمر ليصل إلى مدينة حلب نهاية العام الماضي. ضمن هذا الإطار، نشر مراسل صحيفة الغارديان البريطانية في بيروت مارتن شيلوف والحائز على جائزة اورال للصحافة تقريرا في الصحيفة 14-1-2017، كشف فيه قيام إيران بتنفيذ عمليات تغيير ديموغرافي، عبر طرد سوريين من دمشق ومحيطها وتأمين الطريق الرابط بين العاصمة السورية والحدود اللبنانية من خلال إحلال عائلات من العراق ولبنان محل العائلات السنية التي يتم طردها، الأمر الذي سينعكس مستقبلاً ليس على سوريا وحدها، وإنما أيضاً على النفوذ الإيراني في المنطقة، بحسب التقرير. ونقل التقرير عن مسؤول لبناني كبير قوله إن إيران والنظام لا يريدون أياً من السنة بين دمشق وحمص والحدود اللبنانية، مضيفا بأن هذا يمثل تحولا تاريخيا في التركيبة السكانية.

فيما يلي بعض من المناطق التي تعرضت للتهجير القسري والتطهير المذهبي:

القصيـر: اجتاحتهـا مليشـيات حـزب الله، عـام 2013، وهجرت أهلهـا ودمـرت مسـاجدها، ومنعـت أهلهـا مـن العـودة إليهـا، ووطنـت مكانهـم شـيعة مـن مليشـيات طائفيـة وأهمهـم لـواء الرضـا مع عائلاتهم، ولم يخف الحـزب نيتـه تحويلهـا ملاذا آمـن للشـيعة، حيـث يؤكـد النائـب اللبنانـي معيـن المرعبـي تواجـد مطلوبيـن للحكومـة اللبنانيـة مـن حـزب الله، مقيميـن فيهـا، متمتعيـن بحمايـة مليشـيات الحـزب (التهجير القسري – الجسور للدراسات – سبتمبر 2016). المدينة التي تحولت إلى ثكنات عسكرية ومراكز لتدريب الميليشيات الشيعية شهدت عرضا عسكريا كبيرا لحزب الله بمناسبة ما يسمى بيوم الشهيد 13-11-2016 شارك فيه المئات من مقاتلي الحزب، بالإضافة إلى فوج المدرعات الذي استعرض عشرات الدبابات والآليات الثقلية والمدافع.

مدينة حمص: المدينة التي شهدت كما ذكر سالفا محاولات من النظام لتبديل تركيبتها السكانية في مرحلة ما قبل الثورة، بدأ منها تطبيق سياسة التهجير القسري والتغيير السكاني. فقد تعرضت أحياء المدينة القديمة والتي تسكنها أغلبية سنية إلى قصف واسع وتدمير شبه كامل دفع معظم أهلها للجوء والنزوح. وبعد حصار دام لعامين، انتهى بعقد اتفاق بين النظام ومعارضيه برعاية روسية في 4 أبريل 2014، يقضي بإخراج المقاتلين البالغ عددهم 2250 مقاتلاً، إضافة إلى المدنيين الذين كانوا محاصرين معهم في المدينة إلى الريف الشمالي. هذا الاتفاق أدى، بحسب الناشط الإعلامي في مدينة حمص يعرب الدالي إلى تفريغ المدينة من معارضي النظام، واستقطاب موالين بدلاً عنهم، حيث انخفض عدد سكان حمص من مليون ونصف نسمة قبل بداية أحداث الثورة السورية إلى قرابة 400 ألف نسمة حالياً، بعد أن تم تهجير قرابة 65% من سكان المدينة الأصليين نحو دول الجوار ومحافظة إدلب (حسام الجبلاوي – مركز رفيق الحريري للدراسات الشرق الأوسط).

داريا: أربع سنوات من الحصار والجوع والقصف أجبرت من بقي من سكان داريا على التفاوض مع النظام في أغسطس 2016، والقبول بالتهجير القسري الذي فرضه عليهم أو إبادتهم، لتتحول المدينة التي كانت تضم 250 ألف نسمة قبل الثورة إلى مدينة فارغة من سكانها وخاوية على عروشها. بقيت داريا محاصرة أربع سنين محرومة من قوافل المساعدات الطبية والغذائية لتدخلها في 10 يونيو 2016 أولى قوافل الأمم المتحدة وفد غاب عنها المساعدات الضرورية وحضرت حبوب موانع الحمل وخيم مقاومة البعوض. كانت شروط النظام بعد قصف عنيف وبشكل متواصل استخدم فيه كل أنواع الأسلحة: إما إخلاء المدينة بشكل كامل وتام وإلا إفنائها وإبادة من بقي فيها بالقذائف والحمم، ولم يكن أمام المحاصرين المنهكين وفي ظلال صمت دولي ولا مبالاة عالمية إلا القبول بشروط النظام القاسية والرضوخ لها. وبحسب تقرير نشرته الغارديان البريطانية على موقعها (14-1-2017) فقد تم استقدام 300 عائلة شيعية عراقية للاستيطان في داريا التي هجر منها أهلها.

معضمية الشام: بعد سنوات من الحصار القاس وبعد عمليات القصف المستمر دخلت معضمية الشام في ريف دمشق الغربي في مسار التهجير والتغيير الديموغرافي ليكتمل بالتهجير ما بدأه النظام باستهداف الحياة حصارا وقصفا. ففي يوم 19-10-2016 تم إخراج مئات المقاتلين مع عائلاتهم نحو إدلب شمال سوريا.

الزبداني: منطقة الزبداني من المناطق المستهدفة بالتهجير والتغيير السكاني، ففي مفاوضات جرت أغسطس 2015 بين وفد إيراني وحركة أحرار الشام بالنيابة عن جيش الفتح، طالب الإيرانيون بمبادلة السكان الشيعة في كفريا والفوعة الواقعتين في إدلب بسكان الزبداني الواقعة في ريف دمشق وبشكل متعاكس. وهو ما رفضته المعارضة وأدى إلى انهيار تلك المفاوضات. غير أن محاولات التهجير السكاني المحمومة استمرت بوتيرة متسارعة. ففي تقرير نشره موقع الجزيرة نت 31-7-2016 أكد الأهالي وناشطون أن حزب الله اللبناني ينفذ تهجيرا طائفيا ممنهجا للسكان بمنطقة الزبداني المحاذية للحدود مع لبنان، حيث أجبر الحزب أكثر من خمسين عائلة على مغادرة منازلهم بمنطقة العقبة، ثم نهب مقاتلو الحزب المنازل وأحرقوها. وروت إحدى السكان أن مقاتلي الحزب اقتحموا المنطقة وطلبوا من الأهالي إحصاءً دقيقا لسكان كل منزل، مبررين ذلك بجلب مساعدات من الأمم المتحدة، وبعدها مباشرة بدأت عملية التهجير على مراحل، حيث أبلغوا ساكني كل حارة بوجوب المغادرة خلال خمسة أيام. ووفق المجلس المحلي في بلدتي مضايا وبقين، فإن هذه الواقعة تعد حلقة في “مسلسل التهجير الممنهج” الذي ينفذه حزب الله في منطقة سهل الزبداني بتسهيل من قوات النظام، حيث أجبر الحزب نحو مئتين وخمسين عائلة على مغادرة منازلهم خلال عامين، كما أجبروا قرابة خمسين ألف مدني على النزوح من الزبداني. ويقول رئيس المجلس المحلي محمد عيسى “أدركنا منذ بداية المعارك في المنطقة أن الهدف هو تغيير التركيبة السكانية على أساس طائفي، عبر تهجير الأهالي بغض النظر عن توجههم السياسي، فحتى المؤيدون للنظام تم تهجيرهم”. ويضيف أن الجامع الكبير في بلدة الحوش حوله حزب الله إلى حسينية شيعية “ما يؤكد الدافع الطائفي وراء عمليات التهجير”، معربا عن مخاوفه من تغيير التركيبة السكانية بالمنطقة وتحويل كل المساجد إلى حسينيات.

مدينة حلـب: تـم تهجيـر أغلـب سـكانها تحـت القصـف المتواصل والبراميـل والصواريخ، فتناقـص عـدد سـكانها فـي المناطـق الشـرقية التي كانت تحت سيطرة المعارضة منذ عام 2012، مـن نحو ثلاث ملاييـن إلـى 300 ألـف نسـمة. ومع اشتداد الحصار القاتل والقصف الروسي بأسلحة وصواريخ متطورة وفراغية رضخ المعارضون وتم توقيع اتفاق في ديسمبر 2016 والذي نص على تهجير ونقل المقاتلين وعشرات الآلاف من المدنيين نحو ريف حلب أو محافظة إدلب. نفذت قوات النظام والميلشيات التي تقاتل معها حملات إعدام ميدانية فور بسط سيطرتها على أحياء حلب الشرقية ، منها إعدام الكادر الطبي لمشفى الحياة في حي الكلاسة، بعد اقتحامها للمستشفى أثناء تمشيطها للمنطقة. كما أعدمت 34 شخصا وأحرقت حتى الموت تسعة اطفال في حي الفردوس، كما نفذت مجموعة من الإعدامات الميدانية في أحياء الكلاسة، الفردوس، الصالحين وبستان القصر. ويبدو أن أحد أهداف نلك الحملات بالإضافة إلى الانتقام، دفع عموم المدنيين إلى النزوح والهجرة والفرار والتخلي عن بيوتهم وممتلكاتهم.

التهجير الداخلي في أرقام

تتباين التقديرات في أعداد النازحين واللاجئين في سوريا وهو أمر طبيعي نظرا لطبيعة الصراع القاسية واساليب الدمار العنيفة والسياسة الوحشية التي يستخدمها النظام وداعموه. ومع التباين بين التقديرات إلا إنها جميعها تجمع على ضخامة الكارثة وعظم المصاب السوري والذي أصبح من أعظم المآسي الإنسانية في عصرنا الحالي وربما على مر الدهور والعصور. ففي تقرير صدر عن “مركز رصد النزوح الداخلي” والذي يتبع للمجلس النرويجي للاجئين في 13-5-2014 تصدرت سوريا قائمة البلدان التي تشهد نزوحا داخليا في العالم خلال عام 2013، مع وصول عدد الهاربين من هول الأحداث المتواصلة إلى 9500 شخص يوميا؛ إذ سجل نزوح عائلة واحدة على الأقل كل دقيقة. وذكر التقرير أن سوريا تشهد أكبر أزمات النزوح في العالم وأسرعها تفاقما، لافتا إلى أن نسبة النازحين السوريين داخل بلادهم تبلغ 43 في المائة. وبحلول نهاية عام 2013، كان 8.2 مليون شخص قد نزحوا على مدار العام، بزيادة قدرها 1.6 مليون نازح جديد عن العام السابق. وهذا الأمر يمثل زيادة مذهلة تبلغ 4.5 مليون نازح على الرقم المسجل في عام 2012، مما يشير إلى ارتفاع قياسي للعام الثاني على التوالي. في حين نشر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية إحصائية قبيل إصدار التقرير النرويجي، قدرت أعداد النازحين داخل سوريا 8.8 مليون، مقابل 3.2 مليون لاجئ خارج سوريا. ولفتت إحصائية الائتلاف إلى أن خمسة ملايين ونصف المليون طفل بحاجة إلى مساعدة، منهم أربعة ملايين و300 ألف داخل سوريا، و2.8 مليون طفل سوري خارج التعليم، و8 آلاف حالة اغتصاب.

في مؤتمر صحفي عقد في العاصمة الأردنية عمان يوم 24 أكتوبر 2016 ونشر تفاصيله موقع المفوضية، قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين  فيليبو غراندي بأنه منذ بداية الصراع في عام 2011، نزح أكثر من 6.5 مليون شخص داخل سوريا بينما لجأ حوالي خمسة ملايين شخص إلى الخارج، لا سيما إلى البلدان المجاورة. وقال غراندي: “إن حدود سوريا مغلقة تقريباً أو يصعب جداً عبورها، وتشعر البلدان المجاورة بأن قدراتها استُنفدت مع استقبال حوالي خمسة ملايين لاجئ سوري. وهذا يعني أن السوريين عالقون داخل سوريا في هذا الوضع المستحيل”. وأضاف غراندي: “هذا يعني أن النزوح داخل سوريا سيزداد أكثر فأكثر. ونحن نقدر بأن يكون 6.57 مليون شخص خارج منازلهم اليوم، وأنا متأكد من هذا العدد سيرتفع إذا لم يتوقف القتال”.

في مقال نشره موقع سي إن إن العربي بتاريخ 26-12-2016 بقلم فادي الجردلي (بروفيسور في السياسات والأنظمة الصحية في الجامعة الأمريكية في بيروت وعضو مجلس إدارة منتدى الأنظمة الصحية العالمية) ورشا فضل الله (باحثة في شؤون الأنظمة الصحية وعضو في منتدى الأنظمة الصحية العالمية)، جاء فيه أن المعنيون بالشأن الإنساني يصفون الأزمة السورية بأنها أسوأ أزمة إنسانية في تاريخنا المعاصرة، فيما تشير التقديرات إلى أن عدد النازحين داخل سوريا يقارب 7.5 مليون نازح، في حين يتجاوز عدد من نزحوا إلى الدول المجاورة 4.8 مليون.

التهجير القسري والمواقف الدولية

ترواحت المواقف الدولية مما يحدث في سوريا من تهجير قسري وجرائم حرب من مواقف سلبية تحاول التستر والتهرب من مسؤولياتها بتصريحات وتنديدات لفظية جوفاء إلى تواطؤ وتورط بأشكال عدة في التهجير القسري إن كان بأساليب مباشرة أو غير مباشرة.

فيما يلي استعراض مختصر لمواقف الأمم المتحدة والولايات المتحدة وروسيا:                      

الأمم المتحدة: لعبت الأمم المتحدة دورا سلبيا للغاية منذ بدايات حملات التهجير القسري 2013 وترواح دورها بين الوساطة غير الأخلاقية في اتفاقيات التهجير القسري أو الإشراف عليها. وعلى الرغم من صدور قرارات من مجلس الأمن ومنها القرار 2254 والذي تضمن إدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة، فإن مجلس الأمن والأمم المتحدة عجزت أو تظاهرت بالعجز أمام قصف الطائرات الروسية 19-9- 2016 رتلاً لشاحنات إغاثة كانت متوجهة إلى بلدة أورم الكبرى بريف حلب الغربي، مما أدى إلى إحراق شاحنات الإغاثة ومقتل العديد من عناصر الهلال الأحمر المرافقة لتلك الحملة.

في عددها الصادر في 29-8-2016 نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تحقيقا استقصائيا يكشف عما يمكن اعتباره تواطؤ من الأمم المتحدة في دعم نظام الأسد. وأماط التقرير اللثام عن تقديم الأمم المتحدة مساعدات بملايين الدولارات لنظام بشار الأسد في سوريا من خلال برامج المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمة لمتضرري الحرب في سوريا. وأشارت الغارديان إلى أن النظام استغل هذا البرنامج لمصلحته من خلال شركات محددة سمح لها بالتعاون مع الأمم المتحدة، اتضح لاحقاً بأنها شركات عائلية تابعة للأسد وعائلته، الأمر الذي أتاح للنظام الاستفادة من ملايين الدولارات. وبحسب تحقيق الصحيفة، فإن غالبية الشركات التي تتعامل معها الأمم المتحدة في سوريا هي شركات يفترض أنها خاضعة لعقوبات اقتصادية من طرف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومن بينها شركة لأسماء قرينة بشار وأخرى لابن خاله رامي مخلوف. وهكذا تتحول المعونات الأممية التي يفترض أنها لمساعدة السكان المحاصرين إلى أدوات ووسائل لتشديد الحصار عليهم ودفعهم لقبول النزوح والتهجير القسري.

وتحت عنوان “مساعدات الأمم المتحدة لا تصل إلى معظم المناطق السورية المحاصرة”، نشرت الغارديان البريطانية في عددها الصادر يوم 12-9-2016 تقريرا صادما. فقد عرضت الصحيفة بيانات تُظهر أن حوالي 96% من المساعدات تذهب إلى مناطق النظام، في الوقت الذي لا تصل فيه سوى 4% من المساعدات إلى مناطق المعارضة، ونتيجة لذلك، فإن كل الوفيات بسبب الجوع في سوريا حدثت في مناطق المعارضة. وأكدت معدتا التقرير الصحافيتان إيما بيلز ونك هوبكنز على أن: استراتيجية الجوع حتى الركوع، التي يعترف بها النظام، عادة ما تتوج بهدنة محلية، تتوسط فيها الأمم المتحدة وتدعمها، ويؤكد على ذلك مشهد خروج المدنيين المجوعين من بلدات تم تحويلها إلى أكوام من الركام، تصاحبهم سيارات الأمم المتحدة البيضاء اللامعة، مشهد أصبح مألوفًا. كما ذكر التقرير أنّ عدم وصول المساعدات الى البلدات المحاصرة كان سببا رئيسيا لإخلاء بلدات من سكانها.

وفي مؤتمر صحفي عقب انهيار المفاوضات في جنيف 19-4-2016، انتقد رياض حجاب عدم التزام الأمم المتحدة بتطبيق تعهداتها في البنود الإنسانية، كاشفاً أن المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي مستورا لم يستطع انقاذ شاب مريض في بلدة مضايا التي تحاصرها ميليشيا حزب الله اللبناني، رغم المناشدات العديدة التي وجهتها المعارضة إلى الأمم المتحدة لإخراجه، كما عجزت الأمم المتحدة عن إدخال علبة حليب للأطفال المحاصرين. وذكر حجاب أن أكثر من 60% من المساعدات الأخيرة التي وصلت شملت مواد تنظيف.

عقب بدء عملية الترحيل من حلب الشرقية صرح المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا في 22 ديسمبر 2016: “ذهب الكثيرون منهم إلى إدلب التي يمكن أن تصبح حلب التالية”، موجهاً بذلك رسالتين، أولاها: اعتبار المرحّلين من حلب مطاردين لا ضحايا، وهذا وصف يجيز لمشهد الحصار والتشريد تعقب أثرهم أينما حلوا، دون التطرق مباشرة لوصفهم بأنهم إرهابيون أو حتى معارضون غير مرحب بهم، وثانيها: اعتبار الترحيل من حلب خطوة منجزة نحو مخرج سياسي تسمح بالعودة لمسلسل جنيف، وليس جريمة حرب في بشاعتها -كالتي وقعت في سربرنيتشا أو أشد خزياً- تستوجب الانتقال بالمشهد نحو لاهاي. وعلى اعتبار مكانة صاحب التصريح في الأمم المتحدة؛ لنا أن نفهم في موقف هذه الأمم مباركة لسياسة الحصار والتهجير، وسرورا لدرجة تسمح بتجاوز مواثيق حقوق الإنسان، لا سيما أن الأمم متحدة تعاطت بشكل مختلف مع تقدم المعارضة في حلب بينما سارعت إلى توجيه نداء للمعارضة لإبرام هدنة 72 ساعة عقب تمكن الأخيرة من كسر الحصار في يوليو الماضي، أي في وقت ظهر فيه وكأن رؤية موسكو للحل من خلال “نموذج غروزني” مهددة بالفشل (طارق أحمد بلال – الجزيرة نت، 29-12-2016).

الولايات المتحدة الأمريكية: في خطاب الاتحاد لباراك أوباما يوم 12-1-2016وصف مقاربته للأزمة السورية بأنها النهج الأكثر ذكاءً. ويبدو أن المقصود أن واشنطن تترك الآخرين ليتورطوا عمليا وأخلاقيا وعسكريا في سياسات تخدم أهدافها ومصالحها مع التنديد اللفظي والإعلامي بتلك السياسات. السياسة الأمريكية في المنطقة والتي بدأت في العراق قامت على التأجيج الطائفي وإعادة رسم خريطة المنطقة ابتداء من تصريحات لمسؤولين أمريكيين عقب احتلال العراق 2003 عن شرق أوسط جديد. مرورا بحديث صحفي لواشنطن بوست مطلع 2005 لوزيرة الخارجية الأميركية حينها كونداليزا رايس، كشفت فيه عن نية الولايات المتحدة بتشكيل الشرق الأوسط الجديد عبر نشر ما أسمته الفوضى الخلاقة في المنطقة. أما مدير الاستخبارات الأميركية جون برينان فقد قال في أكتوبر 2015: عندما انظر إلى الدمار في سوريا وليبيا والعراق واليمن يصعب على أن اتخيل وجود حكومة مركزية في هذه الدول قادرة على ممارسة سيطرة أو سلطة على هذه الحدود التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية. أما مدير المخابرات الأمريكية السابق مايكل هايدن فصرح لصحيفه لو فيجارو الفرنسية في حزيران 2016 بأن هناك دولتين ستختفيان من الشرق الأوسط قريبا، وذلك علي ضوء اتفاقية سايكس بيكو، لنواجه الحقيقة لم يعد هناك وجود للعراق ولا سوريا ولبنان، مضيفا: اصبح كل هذا تحت مسميات عديده فهناك الدولة الإسلامية والقاعدة والاكراد والسنه والشيعة تحت مسمي سابقا سوريا والعراق.

سياسات الولايات المتحدة في سوريا شجعت –إن لم نقل تورطت- وبطريقة غير مباشرة في جريمة التهجير القسري والتطهير العرقي من خلال سياساتها القائمة على تأجيج الطائفية والعرقية في سوريا أيضا. فواشنطن تدخلت بشكل مباشر وجيشت العالم من أجل مدينة عين العرب-كوباني في حين لم تحرك ساكنا وهي تشهد تدميرا شاملا وممنهجا لقرى ومدن سورية تسكنها غالبية عربية سنية. في تقرير بعنوان “لم يكن لنا مكان آخر نذهب إليه” لمنظمة العفو الدولية صدر أكتوبر 2015، كشف النقاب عن موجة من عمليات التهجير القسري وتدمير المنازل والتي تُعد بمثابة جرائم حرب نفذتها الإدارة الذاتية بقيادة “حزب الاتحاد الديمقراطي” الحزب الكردي السوري والذي سيطر على المنطقة. ويفضح التقرير التهجير القسري وعمليات هدم المنازل في شمال سوريا موثقا أدلةً على وقوع انتهاكات مفزعة، من بينها روايات شهود عيان وصور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية، موردا تفاصيل عن عمليات تهجير متعمدة لآلاف المدنيين فضلاً عن تدمير قرى بأكملها في مناطق تخضع لسيطرة “الإدارة الذاتية”،  وتُعتبر الإدارة الذاتية حليفاً أساسياً على الأرض للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في قتالها ضد “داعش”. وبطبيعة الحال لم تندد واشنطن بسلوك حلفائها الذين دربتهم وسلحتهم ناهيك عن محاسبتهم ومساءلتهم!

ولعل تصريحات مندوبي أمريكا وبريطانيا وفرنسا، خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي بشأن حلب يوم 13-12-2016، تختصر الموقف الأمريكي والدولي من التهجير القسري. فقد دعت المندوبة الأميركية لمجلس الأمن، سامنثا باور، إلى إجلاء آمن للمدنيين، وخاطبت مليشيات النظام وإيران بقولها: عار عليكم ما فعلتموه في حلب. فيما طالب مندوب فرنسا بالعمل على وقف إراقة الدماء، وإجلاء السكان بشكل آمن، وتقديم المساعدة لمن هم بحاجة إلى ذلك، أما المندوب البريطاني لدى الأمم المتحدة، ماثيو رايكروفت فقد قال، إن على النظام وأتباعه تسهيل إجلاء المدنيين من حلب. تصريحات المسؤولين الثلاثة تختزل جريمة التهجير القسري بالمطالبة بتنفيذها بشكل آمن دون الحديث عن وجوب معاقبة مقترفيها وجلبهم للعدالة الدولية، وفي الأمر تشريع خطير لجريمة كبرى تمس شعب بريء.

روسيا الاتحادية: الدور الروسي في جريمة التهجير القسري في سوريا كان صريحا وواضحا ومن غير مواربة ولا مداهنة. بدا التحريض الطائفي –والذي يشكل بذرة السوء للتهجير القسري- الروسي مبكرا حين صرح لافروف في مارس 2012 بأن روسيا لن تسمح بقيام حكم سني في سوريا. لافروف أطلق تصريحه المستهجن في وقت كانت الثورة السورية ترفع شعارات وطنية جامعية بعيدة كل البعد عن التهميش والإقصاء. ثم جاء التدخل العسكري الروسي السافر والعنيف في سبتمبر 2015 ليعيد ويجدد تطبيق سيناريو غروزني في القصف السجادي واستخدام أسلحة فتاكة وصواريخ مدمرة وفراغية ومن بعد قنابل النابالم الحارقة لتخير المحاصرين في البلدات السورية بين الإفناء أو التهجير.

كما شكل ابرام اتفاقيات تحت مسمى المصالحة الوطنية، أشرفت عليها روسيا عبر قاعدتها في مطار حميميم فصلا مؤلما في ملف جرائم التهجير القسري،  والتي أدارها بعض الأشخاص في المناطق التي تعرضت للحصار والتجويع والقصف والتهديد المباشر بالإبادة. وتوسعت اتفاقيات المصالحات وتسارعت وتيرتها تحت وطأة تراجع القضية السورية سياسيا في المحافل الدولية، وشعور السوريين بالخذلان وبأن المجتمع الدولي غير معني بالجرائم التي ترتكب ضدهم، إن لم يكن شريكا فعالا فيها.

وبعيد جريمة إتمام إفراغ داريا المحاصرة من أهلها وتهجيرهم دعت الخارجية الروسية إلى استخدام ما أسمته بالتجربة الناجحة لإخراج المسلحين من داريا بريف دمشق في مناطق سورية أخرى، منتقدةً تصريحات مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ساماتنا بور بخصوص ما جرى في داريا، والتي اعتبرت أن النظام مستمر بالحل العسكري، وأشارت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إلى أن داريا تشير إلى استمرار الجهود من أجل التسوية السلمية.

وفي نفس السياق كانت موسكو وبعد نجاح النظام في إطباق الحصار على أحياء حلب الشرقية في 17 يوليو الماضي تدعو عبر شعارات إنسانية زائفة ومخادعة لإفراغ المدينة من سكانها. ففي 28 يوليو أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويجر، إن روسيا بالتعاون مع النظام، ستطلق عملية “إنسانية” واسعة النطاق في حلب، لمساعدة السكّان الذين وصفهم بأنهم “رهائن للإرهابيين” للخروج من المدينة، مشيراً إلى فتح 4 ممرات، ثلاثة منها للمدنيين وواحد للمقاتلين.

بعد استعراض المواقف اللاعبين الرئيسيين واشنطن وموسكو، ربما من المفيد النظر في قراءة تحليلية لطرف بعيد نسبيا عن الصراع المباشر في سوريا حول حقيقة تلك المواقف. ففي مقال كتبه البروفيسور إيال زيسر، المحاضر في جامعة تل أبيب وأبرز المستشرقين الإسرائيليين في صحيفة “يسرائيل هيوم” يوم 25-10-2016 وترجمه موقع عربي 21، تحدث الكاتب عما أسماه خفايا المخطط القذر الذي تنفذه الولايات المتحدة وشريكتها روسيا وبالتعاون والتنسيق مع إيران في كلاً من سوريا والعراق، عبر تطبيق مشرع طائفي ممنهج يهدف إلى “اقتلاع السُنة” من المنطقة، وتوطين المكون الشيعي، وذلك في غفلة وتخاذل وعجز من العالم الإسلامي والعربي.

وأشار زيسر إلى أن العمليات العسكرية التي يخطط لها المحور الشيعي في كل من سوريا والعراق تهدف إلى طرد السنّة أو أكبر عدد منهم من منطقة الهلال الخصيب، لا سيما المناطق التي تقع على ضفاف نهري الفرات ودجلة والمناطق الساحلية من سوريا. وأوضح البروفيسور أن الأهالي “السُنة” الذين يفرون حالياً من مدينة الموصل ويتحولون إلى لاجئين في الخارج يكملون مشهد الطرد الجماعي الذي يتعرض له السنة حالياً في سوريا، منوهاً إلى أن ملايين السنة قد فروا من العراق وسوريا حتى الآن، لافتا إلى أن الهلال الخصيب الذي كان يقطنه قبل عقد من الزمان 20 مليون سني، لم يتبق منهم الآن إلا أربعة ملايين نسمة.

وأكد الكاتب أن نظام الأسد هجر حتى الآن ثمانية ملايين سني، مشيراً إلى أن عددهم قد يصل إلى 11 مليون.

وشدد زيسر على أن الولايات المتحدة وروسيا تلعب دوراً مباشراً في مساعدة إيران على تنفيذ المخطط، وقال “إن الغطاء الذي تمنحه روسيا للمليشيات الشيعية لتنفيذ جرائم حرب في سوريا، والغطاء الذي تمنحه الولايات المتحدة للمليشيات نفسها في العراق يدلل على أن طرد السنّة من المنطقة يحظى بدعم القوتين العالميتين”. وأكد زيسر بأن ما يتم في العراق وسوريا هو “تطهير عرقي بكل ما في الكلمة من معنى، لكن العالم يرفض تسمية الأمور بمسمياتها”، وإلى أن استكمال الحرب على الموصل يعني أن المزيد من ملايين السنّة سيتحولون إلى لاجئين في الأردن ولبنان وتركيا وبقية أصقاع العالم، معتبراً وجود داعش بمثابة مثل “هدية” لأولئك الذين يرون أن مصالحهم تتحقق في إعادة صياغة حدود الشرق من جديد.

تبعات وتداعيات التهجير القسري على سوريا ودول الجوار

يعبد التهجير القسري الطريق ويمهده لتقسيم سوريا ربما كبداية لإعادة رسم خريطة المنطقة وتفكيكها وتشكيل الشرق الأوسط الجديد والذي ما فتىء يبشر به كثير من المسؤولين الدوليين وعلى الأخص الأمريكيين منهم. فبالإضافة إلى اشارات وتصريحات كثيرة، تحدث بشار الأسد في مرحلة ما قبل التدخل الروسي العسكري عن مصطلح سوريا المفيدة والتي تستحوذ على المناطق الاستراتيجية ويغلب على سكانها الطابع العلوي خصوصا مع حملات التهجير القسري. وما بعد التدخل الروسي وفي مطلع مارس 2016 تحدث سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي  بأن “روسيا لا ترى مانعا أمام إمكانية إنشاء جمهورية فدرالية، في حال توافقت الأطراف المشاركة في المفاوضات بشأن سوريا على ذلك !!”.

ما حدث ويحدث في سوريا ضمن تواطؤ دولي يحول التهجير القسري من جريمة حرب وإبادة إلى أداة سياسية مقبولة بحكم الأمر الواقع وتحت شعارات إنسانية زائفة بذريعة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. تشريع وتقنين التهجير القسري وإشراف الأمم المتحدة على تنفيذه سيجعل من تكراره أمرا مقبولا ومألوفا. ومع كثرة ترداد الحديث عن يهودية الدولة العبرية من أوباما وغيره ومن سنوات وفرض نتنياهو الاعتراف الفلسطيني بذلك كشرط للتفاوض معهم، أمر يثير التخوف والريبة من تهجير جديد للفلسطينيين ضمن إعادة تشكيل المنطقة جغرافيا وديموغرافيا.

التهجير وتمزيق الكتلة البشرية الأكثر تماسكا والتي تشكل العمود الفقري في المنطقة والتي تتقاطع مع المكونات الأخرى بالدين والقومية والمذهب -العرب السنة- سيؤدي لاستمرار هيمنة الدولة العبرية في المنطقة بل وتعزيزها بشكل ساحق ومطلق ولعقود. ولا يستبعد أن تستفيد إسرائيل من الصراعات العنيفة والحروب المدمرة مع الفراغ السكاني الناتج عن النزوح واللجوء الكبيرين في إقامة حلمها المنشود في إسرائيل الكبرى.

تدمير قطاع عريض وواسع من السوريين وتعريض إنسانيتهم لظروف قاسية واختبارات مريعة، وحرمان جيل كامل من التعليم وتمزيق الأسر وتحويل العمود الفقري للمنطقة –العرب السنة- إلى قضية إنسانية وإغاثية من الدرجة الأولى.

اهتزاز الاستقرار السياسي والاجتماعي في المنطقة وتحويلها إلى بؤر صراع داخلية متقدة ومتواصلة تفتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات الأجنبية والحروب الداخلية والتي تحول بين المنطقة والتنمية والتقدم العلمي والتقني وتبقيها مختبرات تجارب وسوقا استهلاكية تستنزف مقدراتها الاقتصادية بشراء السلاح والحماية الخارجية ولو كانت وهما أو سرابا.

التأثير سلبا على شرعية الأنظمة السنية في المنطقة في عيون شعوبها والتي تلمس عجزها عن وقف جرائم الإبادة والحرب على السوريين ممن يتعرضون لعقوبات جماعية شديدة القسوة لمجرد انتماءاتهم المذهبية والقومية. ازدياد تقبل وقبول الفكر المتطرف بين صفوف الشباب والذي يشعر بالعجز والمهانة، وكأننا نحاول إطفاء الحرائق بسكب الوقود والبنزين عليها مما يدخل المنطقة في دوامات مفتوحة من التيه والعنف وضياع البوصلة قد تمتد لعقود.

ازدياد التهديدات الإيرانية لدول المنطقة مع سقوط الساتر الغربي والشمالي وتحول العراق وسوريا لدول تابعة لإيران ومعادية للجوار.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق