هل تراجع خطر التطرف والغلو وداعش؟ حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (4) الأدب النسائي الإسلامي .. تحديات وآفاق الخميني في فرنسا ثورات الخوارج (10) الخوارج في بداية عهد عبيد الله بن زياد قالوا - العدد مائة وسبعون - ذو القعدة 1438 هـ العنف في التراث الديني الشيعي.. وحيِّ (المسورة) الإسلاميون العرب في الرؤية الإيرانية .. الثابت والمتغير إيران واستغلال الأزمات.. ولا عزاء للشعارات المشهد العراقي: مرحلة ما بعد داعش إمبراطورية إيران الإعلامية تأزم العلاقات الإيرانية التركية | الدوافع والآفاق تضامن القاعدة وإيران.. واقع ينفيه الطرفان تقية خسارة الأقصى من "التطبيع" "الشبراوي": الائتلافات الصوفية الجديدة تخدم السلفيين والمتشددين الحرب الدائرة بين الأقطاب والمريدين في البيت الصوفي سوق «الشأن الإيراني» طابور إيران الخامس «آيات الله» الصغار في مصر علاقة إيران بقيادات الإرهاب في ليبيا .. ومخطط طهران لنشر الفوضى في شمال أفريقيا فريغ القدس والأقصى لماذا اهتم نور الدين وصلاح الدين بإنشاء المدارس السُّنية؟ ماذا بقي من ثورتنا؟ مدينة الذهب الأسود على موعد مع المجهول معارك خطيرة منسية في حرب التغيير الديموغرافي هل سيستفيد "الروهينغيا" من تدويل قضيتهم ؟! هل يتحقق سلام مع إسرائيل ؟
 
خطواتك الخمس لبناء وعي سليم بالأحداث والوقائع
السبت 28 يناير 2017

 

 أسامة شحادة – كاتب أردني

خاص بالراصد

تختلف الآراء والتحليلات حول الكثير من الأخبار والأحداث والوقائع لدرجة التناقض التام، وبسبب كثير من التحليلات الخاطئة اتخذت الكثير من المواقف والقرارات التي تسببت بخسائر فادحة وكوارث ضخمة، ولذلك أصبح من الضروري إعادة النظر بطرق التفكير والتحليل والفهم، من أجل تلافي الأخطاء السابقة والوصول لحالة وعي صحيح تجاه الأحداث والوقائع.

وفي ما يلي خطوات خمس منهجية مقترحة للوصول إلى وعي ناضج وسليم لفهم وتحليل الأخبار والأحداث والوقائع.  

1- سلامة المنهج

كشفت دماء آلاف الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال والمسنين على يد الميلشيات الشيعية والإيرانية في عدد من دولنا كالعراق واليمن وسوريا والبحرين والسعودية وغيرها أن الانخداع بإيران والشيعة كان خطأ فادحا، وأنه تكرار لكوارث التاريخ الدامية.

علّق الإمام الذهبي على خطورة مسار أهل البدع حين لخص كارثة انخداع وتقريب أبي جعفر المنصور لمؤسس منهج المعتزلة عمرو بن عبيد، بقوله: "اغتر بزهده وإخلاصه، وغفل عن بدعته"، وبعد هذا التقريب للمعتزلة واختراقهم للدولة بسنوات، شهدت الأمة إرهاب المعتزلة بإلزام المسلمين كافة بعقيدتهم الباطلة (خلق القرآن) بالبطش والعدوان، وفي سبيل ذلك قتلوا العلماء وسجنوهم حتى سجنوا الإمام أحمد بعد ضربه وتعذيبه.

وفي هذا الوقت تتكرر الكارثة، فقد غفل البعض عن بدعة الخميني وبدعة البغدادي، واغتروا بشعاراتهما البراقة حول نصرة المستضعفين ومحاربة الكفار والمعتدين، ولكن الحقيقة أن بدعتيهما جلبتا الكوارث على بلاد الإسلام.

إن التبين والتفحص لسلامة المنهج هو الخطوة الأولى لسلامة المستقبل، وأن لا تضيع جهودنا هباء، وأن لا نكون ضحايا لفئات مجرمة قد نكون بسذاجتنا ساهمنا بنموها وانتشارها.

وهذا يلزم معرفة قادة العمل الإسلامي لحقيقة الأفكار المحركة للطوائف والتجمعات، وأبعاد آلياتها وأساليبها في التغلغل والتسرب بيننا لإيذائنا والسيطرة علينا، والسبيل لذلك اعتماد العلم والمعرفة ومطالعة التاريخ والواقع في بناء القناعات والمواقف والاعتماد على أهل التخصص الثقات، وعدم الاغترار بالقناعات العاطفية والشعارات الجذابة والتفرد بالقرارات.

لقد عانت أمتنا في السنوات الأخيرة من بروز وتلميع ودعم بعض الشخصيات بسبب طلاوة لسانها وبريق شعاراتها وجاذبية أطروحاتها، وبرغم تحذير بعض العلماء والعقلاء من هذه الشخصيات مبكراً إلا أن الغفلة وحسن الظن ونقص الحزم ساهمت في تصاعد شعبيتها، ولما تعرضت الأمة للمحنة وجدنا هذه الشخصيات في صفوف الأعداء! ومن هذه الأمثلة أبو القعقاع محمود قولا غاصي في حلب، وعلي الجفري في اليمن، وعلي جمعة وعمرو خالد في مصر، وعدنان إبراهيم، الفلسطيني الأصل، من المهجر، وغيرهم كثير.

أمتنا اليوم تُشن عليها حرب أفكار معلنة، ويجب على قادة العمل الإسلامي أن يكونوا على قدر المعركة بالوعي العلمي المعرفي وإسناد المهمة لأهلها من العلماء والمفكرين الحقيقيين، والاستعداد لمقارعة مختلف الأفكار والشبهات، والبدء بتحصين الأمة فكرياً، من خلال الاستثمار الأمثل لموارد وطاقات الدعوة الإسلامية، وهي موارد كبيرة جداً تحتاج إلى قيادة واعية وخطاب صحيح.

على عاتق نخب أهل السنة اليوم مسؤولية قيادة الأمة، فهل يكونون على قدر المسؤولية ويأخذوها بحقها، ويتبعوا فيها السنة النبوية بتوسيد الأمر لأهله، ولذلك كان سيف الله هو خالد، وليس الصديق.

 

2- دقة المعلومة وسلامة التحليل

سجل الملا عبد السلام ضعيف، أحد قادة طالبان، في كتابه "حياتي مع طالبان" أن عدم تقبل الملا عمر، زعيم طالبان، للمعلومات التي قدمها إليه بصفته سفير طالبان في باكستان وسوء تقديره لحقيقة نية أمريكا بالهجوم على أفغانستان عقب حادثة 11/9 في نيويورك كان سبباً في زوال إمارة طالبان، وهو تكرار لسوء تقدير صدام حسين بخطورة وحماقة غزو الكويت وردة فعل العالم، وأمريكا تحديداً.

ولا يزال كثير من العمل السياسي في عالمنا الإسلامي على مستوى الحكومات والمعارضات، ومنها التيار الإسلامي، يعاني من معضلة ضبابية وعدم دقة وموثوقية المعلومة من جهة، ومن سوء التعامل معها وتحليلها بشكل غير سليم من جهة أخرى، مما يتسبب بكوارث ضخمة ويلحق خسائر بالغة وفادحة لمسيرة النهضة والبناء على كافة الأصعدة.

ولذلك بعد سلامة المنهج لا بد من الحرص على دقة المعلومة باعتماد مصادر سليمة وموثوقة في أمانتها وفي وعيها، فبعض الناس هو محب للخير لكنه غير دقيق أو غير ذكي، لا يفرق بين الحقيقة والانطباع والزيف والتزوير، وكما عرفنا في علم الرجال التفريق بين الأمانة والضبط في الحفظ، ونحتاج اليوم إلى معيار في التفريق بين الأمانة والضبط في الوعي لسلامة المعلومة.

وبعد الحصول على المعلومة السليمة يجب التعامل معها بطريقة سليمة وموضوعية بحسب المناهج العلمية المختصة بها، وهذا هو السبيل لبناء قرار سليم.

في غزوة بدر، وهي الغزوة الأولى للمسلمين، كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بحاجة لمعرفة حجم جيش قريش ليخططوا للمعركة، وتمكن بعض الصحابة من الإمساك بغلام لقريش فحاولوا استنطاقه عن عدد قريش فقال لهم: هم كثير، فأخذ الصحابة يضربونه!

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم استطاع الوصول للمعلومة حين سأله: "كم ينحرون من الجزور"، فقال: عشرًا كل يوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القوم ألف، كل جزور لمائة".

بهذه المنهجية يمكن الوصول لبناء الخطط والقرارات والتصورات، لكن البقاء في مدارات الظنون والخيالات والمعلومات المشوشة والناقصة والمغلوطة، والتعامل معها بسطحية وسذاجة وطيبة في عالم السياسة المعقد والمركب اليوم هو انتحار سياسي، ولعل كتاب "الخيال السياسي للإسلاميين ما قبل الدولة وما بعدها" للدكتورة هبة رؤوف يقدم نموذجا واضحا لضعف المعلومة وتشوشها في قضية مركزية في خطاب الإسلاميين وهي قضية الدولة، وللأسف يتكرر هذا في قضايا أخرى دون تعلم أو اعتبار اللاحقين من السابقين، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

3- معرفة الخصوم ومكائدهم من علامات الوعي

بعد سلامة المنهج ودقة المعلومة وسلامة التحليل يلزم المؤمن العاقل النبيه معرفة خصومه ومكائدهم، وقد ذكر الله عز وجل ذلك فقال: "وكذلك نفصّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين" (الأنعام: 55)، وذلك أن أعداء الإسلام عبر العصور يكيدون للإسلام "وقد مكروا مكرَهم وعند الله مكرُهم وإن كان مكرُهم لتزول منه الجبال" (إبراهيم: 46).

ولذلك؛ من يتأمل واقعنا المعاصر على مستوى الدول أو الحركات والمعارضة يجد أن هناك فجوة كبيرة في وعي دولنا وحركاتنا ومعارضتنا تجاه خطط خصومنا ومكائدهم وصفقاتهم ومفاوضاتهم، ويمكن أن نرى هذا بوضوح في كلام د. كامل أبو جابر الذي يقول: "كنتُ في مؤتمر مدريد رئيساً للوفد الفلسطيني الأردني كوزير للخارجية، وسمعتُ كلاماً في ذلك المؤتمر من شامير، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، ورئيس الوفد في مؤتمر مدريد، حيث قال: "سندخل مفاوضات ولو استمرت لعشر سنوات، ... قبل أيام بدأت أراجع ما تم الحديث عنه في مؤتمر مدريد العام 1991، ولم أعِ ما قاله شامير تماماً، إلا الآن"!!

وتركيا اليوم تواجه وضعا صعبا بسبب أنها لم تدرك مبكراً –كما تصرح- أبعاد توريط إيران وأمريكا وروسيا لها في سوريا، مما عقّد وضعها الداخلي وأربك دورها المطلوب في سوريا.

وبسبب الغفلة والجهل عن مخططات واستراتيجيات نظام الملالي الشيعي انساقت جماعات إسلامية متعددة وشخصيات فكرية خلف شعارات التقارب والوحدة السنية الشيعية، فاخترق الشيعة أغلب الجماعات الإسلامية وكسبوا ولاء قادة وأفرادا فيها انشقوا عن إخوانهم، وأعلن بعضهم تشيعه، وبعضهم أسس تنظيمات شيعية، وعبر غفلة وغباء هذه الجماعات تنامى الحضور الإيراني في المجتمعات السنية، وباجتماع الغفلة الرسمية والشعبية تمكّن الحرس الثوري الإيراني من تكوين الخلايا الإرهابية النائمة في بلاد سنية متعددة وتكوين أحزاب شيعية تهدد السلم والأمن المجتمعي كما في العراق ولبنان واليمن والبحرين.

إن معرفة طرق وأساليب ومخططات الخصوم قضية ليست مستحيلة، ولكنها تحتاج إلى سلامة المنهج أولاً، ودقة المعلومة، وسلامة التحليل، وثقافة واسعة ومعرفة بالتاريخ وتبصر بمجرياته، ومتابعة للواقع وتطوراته، وعندها تتكشف المؤامرات وتسقط الفخاخ.

 

4- الرؤية الشاملة والواسعة ضرورة

نحن نعيش في عالم كبير من جهة، وصغير من جهة أخرى، بسبب تشابك وسهولة المواصلات والاتصالات حتى سمي القرية الكونية، ولذلك حتى تكتمل دائرة الفهم المتمثلة بسلامة المنهج ودقة المعلومة وحسن التحليل ومعرفة الخصوم ومكائدهم يلزم توسيع دائرة النظر في التاريخ والجغرافيا والعلاقات لأي أمر ندرسه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم وجّه أصحابه لخارج الجزيرة العربية نحو الحبشة حين ضاقت بهم بطاح مكة وبرر ذلك بقوله: "إن فيها ملكا لا يُظلم عنده أحد"، وفي هذا دلالة واضحة على مدى اتساع دائرة الرؤية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتلكها عن واقعه برغم صعوبة المواصلات والاتصالات في عصره.

واليوم كم سبّب ضيق الرؤية من مصائب وكوارث، حيث لا ينتبه أولو الأمر من العلماء والأمراء لما يجري في حدائقهم الخلفية من قبل الأعداء، وبرغم تكرار هذه المكائد إلا أن اليقظة والمعالجة دون المأمول في أفضل الأحوال! فقد سبق لدولة اليهود أن اخترقت دول أفريقيا، وحتى الإسلامية منها، عبر المساعدات التقنية وتبادل المعرفة لتكسب نفوذا سياسيا في الأمم المتحدة وتكسب من خيراتها الكثيرة.

 وعلى درب اليهود سار ملالي الشيعة في طهران، فتسللوا إلى أفريقيا وآسيا باسم المساعدات والاقتصاد، وتكررت زيارات رؤسائهم للقارة الأفريقية وتزايدت سفاراتهم فيها ومؤسساتهم الشيعية التبشيرية، بينما تقلصت السفارات والمؤسسات الدعوية السنية، وغابت القيادات السنية عن زيارة أفريقيا، مما زاد نفوذ اليهود والشيعة وإيران في أفريقيا على حساب المسلمين والسنة!

من مشاكل غياب الرؤية الواسعة والشاملة عدم الاستفادة من التجارب السابقة، والبقاء في دائرة تكرار تجارب الفشل دون التقدم لخطوة إضافية، أو تغيير طريقة التعاطي مع الأحداث، اليوم ومع توجع القلب لما حدث في حلب من فشل، يجعلنا نستذكر مآل ثورات سابقة في تونس والمغرب وليبيا والجزائر ضد الاستعمار، وكيف أن ما يحدث في سوريا اليوم يشبه كثيراً ما سبق أن حدث، من إطالة أمد الصراع وبثّ الفرقة في صفوف الشعب وتعارض مصالح الدول المتنفذة مع مصلحة الشعب، والعمل على صناعة بديل من الثورة يقبل بمراعاة مصالح الدول الخارجية وعند ذلك تنجح الثورة!

ولنا في تجربة د. توفيق الشاوي الطويلة، والتي دوّنها في كتابه الضخم "مذكرات نصف قرن من العمل الإسلامي 1945-1995" بيان عملي لكل تلك الخطوات في ثورات تحرر دول شمال أفريقيا.

كما فيها عبرة هامة لخطورة خلل الفكر السياسي الإسلامي الموروث لدى الحركات الإسلامية المعاصرة، كما ظهر في الربيع العربي والتي عبر عنها الشاوي بقوله: "إن التيار الإسلامي لا يطفو على السطح، ولم يستطع أن يحافظ على مركزه القيادي في مرحلة الكفاح الوطني بالأساليب السياسية، لأنه لا يتقنها، ولكن عندما يفتح باب المجابهة بالقوة وتلجأ الحركة الوطنية إلى اقتحام ميدان الفداء والاستشهاد ففي هذه الحالة يتقدم الإسلاميون الصفوف" صفحة 316.

 والدكتور الشاوي كان عضوا في قسم الاتصال بالعالم الإسلامي بجماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1937م وتولى متابعة ودعم الثورات التحررية لدول شمال أفريقيا، لكنه افتتح مذكراته بقوله: "أعتذر لكثير من إخواني الذين طالما عابوا عليّ التعاون مع مَن كانوا يعتبرونهم غير جديرين بالثقة التي أوليتها لهم... وكنت أقنع نفسي أن الوطنية تكفي لكي تجمعني بهم في ساحة الكفاح الوطني ... الآن اكتشفت أن هذا النقد الذي وجّه إليّ كان صحيحاً، وأن كثيراً من الوطنيين الذين وثقت فيهم ... لم يكونوا جديرين بهذه الثقة"، وللأسف لا يزال الكثير منا يكرر هذه الثقة في غير محلها من الشيعة وإيران والماركسيين واليساريين والعلمانيين الذين انقلبوا لشبيحة يؤيدون الطائفية والاستبداد والدموية، برغم علمانيتهم.

5- فهم القضايا المركبة والمتعددة الأبعاد علامة النضج الفكري

بعد خطوات سلامة المنهج، ودقة المعلومة، وصوابية التحليل، وإدراك حقيقة الخصوم ومكائدهم، وسعة النظرة، يلزم امتلاك الرؤية المعمقة التي لا تكتفي بالنظرة المسطحة الواسعة للأشياء بل تغوص في عمقها وتكشف عن طبقاتها وارتباطاتها وعواملها المتعددة ومآلاتها القادمة.

لقد استشرف النبي صلى الله عليه وسلم ضرر قتل رأس المنافقين ابن أبي سلول على مسيرة ومستقبل الدعوة الإسلامية، فقال: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه"، وهو مراعاة لمآلات الحدث ويقظة لأهمية الإعلام والرأي العام ووجوب أن نقطع أسباب التشويش الإعلامي على المصالح الإسلامية من قبل خصوم الإسلام، وهو ما تتفنن داعش في القيام به بإصداراتها المتقنة مما شوه صورة الإسلام بطريقة لا مثيل لها من قبل!

ولنا في قصة الفاروق ومعاوية رضي الله عنهما مثال على تعقد القضايا، فقد عاتب الفاروق معاوية على اتخاذه موكباً في تحركاته، فبرر معاوية ذلك بقوله: "يا أمير المؤمنين: إنّا بأرضٍ جواسيسُ العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام وأهله ويرهبهم به، فإن أمرتني فعلت، وإن نهيتني انتهيت. فقال الفاروق: لا آمرك ولا أنهاك".

وفي عالمنا اليوم تعقدت القضايا وتركبت بشكل أصبح يُشْكل على كثير من العقلاء والأذكياء وليس عامة الناس وبسطائهم فحسب، فمن تعقيدات وتركيبات الثورة السورية أن الإجرام الإيراني والشيعي في سوريا يهدف للاستيلاء على سوريا موحدة وليست مقسمة بحسب ما ترغب أطراف أخرى، لأن تقسيم سوريا وظهور دويلة كردية جديدة يهدد وحدة إيران ويعزز انفصال أكرادها ويفتح الطريق لبقية القوميات للمطالبة بالانفصال والعودة للاستقلال الذي فقدته على يد والد الشاه في عشرينيات القرن الماضي!

فالحرص الإيراني على وحدة سوريا ليس حباً بسوريا والسوريين والوحدة، بل حرصاً على أنفسهم وكيانهم، وهذا الحرص على وحدة سوريا ومنع قيام دويلة كردية تتقاطع فيه مصلحة إيران وتركيا برغم تناقض رؤيتهم حول مستقبل سوريا والأسد.

من تعقيدات الثورة السورية أيضا أن ما أنقذ بشار الأسد لليوم هو عدم توفر بديل عنه في الثورة يمكن أن يرضى به الفرقاء في الداخل والخارج، فمع الأسف قرار مستقبل سوريا ليس بيد السوريين!

إن فهم تعقيدات المشهد يحتاج إلى توظيف كل الخطوات السابقة التي أشرت لها لفصل طبقات المشكلة وتحديد تقاطعات أطرافها وموازنة أضرارها وفوائدها، ومن ثم تحديد أقل الخسائر في حالات الضعف، أو أعلى المكاسب في حالات القوة، وعندها نكون قد وصلنا إلى مرحلة النضج والبناء المتدرج وتجاوزنا حالة ردود الأفعال أو التهور والمغامرة.

خاتمة

أحسب أن توظيف هذه الخطوات الخمس من قبل المشتغل بالتحليل والفهم للأحداث والوقائع سيكون لها انعكاس إيجابي في تطوير دقة الرؤية وعمقها واقترابها من الصواب أكثر، وتجنب كثير من الأخطاء والكوارث، وسيكون للممارسة والوقت دور في التطوير والإضافة لها لتكون أفضل وأحسن.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق