هل تراجع خطر التطرف والغلو وداعش؟ حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (4) الأدب النسائي الإسلامي .. تحديات وآفاق الخميني في فرنسا ثورات الخوارج (10) الخوارج في بداية عهد عبيد الله بن زياد قالوا - العدد مائة وسبعون - ذو القعدة 1438 هـ العنف في التراث الديني الشيعي.. وحيِّ (المسورة) الإسلاميون العرب في الرؤية الإيرانية .. الثابت والمتغير إيران واستغلال الأزمات.. ولا عزاء للشعارات المشهد العراقي: مرحلة ما بعد داعش إمبراطورية إيران الإعلامية تأزم العلاقات الإيرانية التركية | الدوافع والآفاق تضامن القاعدة وإيران.. واقع ينفيه الطرفان تقية خسارة الأقصى من "التطبيع" "الشبراوي": الائتلافات الصوفية الجديدة تخدم السلفيين والمتشددين الحرب الدائرة بين الأقطاب والمريدين في البيت الصوفي سوق «الشأن الإيراني» طابور إيران الخامس «آيات الله» الصغار في مصر علاقة إيران بقيادات الإرهاب في ليبيا .. ومخطط طهران لنشر الفوضى في شمال أفريقيا فريغ القدس والأقصى لماذا اهتم نور الدين وصلاح الدين بإنشاء المدارس السُّنية؟ ماذا بقي من ثورتنا؟ مدينة الذهب الأسود على موعد مع المجهول معارك خطيرة منسية في حرب التغيير الديموغرافي هل سيستفيد "الروهينغيا" من تدويل قضيتهم ؟! هل يتحقق سلام مع إسرائيل ؟
 
الوجود التركي بالعراق خدم المصالح العراقية والتركية الوطنية
السبت 28 يناير 2017

 سمير الصالحي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

لا يختلف اثنان على أن مصالح إيران مقدمة على مصالح العراق عند أغلب البرلمانيين الشيعة العراقيين، وأن النادر من ساسة الشيعة بالعراق مَن هو خارج أطر السيطرة الإيرانية، حتى أصبح كثير منهم بمثابة الناطق باسم مصالح إيران في العراق، ومما يثبت ذلك ويكشفه بوضوح طريقة تعامل هؤلاء الساسة الشيعة مع قضية تواجد قوات تركية في شمال العراق، والتي دار حولها جدل وخلاف علني بين الحكومة العراقية والحكومة التركية.

وكان الأتراك قد دخلوا إلى شمال العراق بطلب رسمي عراقي، من رئيس الوزراء حيدر العبادى، وموافقة رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري، ومسعود برزاني رئيس إقليم كردستان، ومحافظ نينوى أثيل النجيفي، لكن عند اقتراب موعد معركة الموصل طلبت الحكومة العراقية -بتحريض إيراني- من القوات التركية الخروج من الأراضي العراقية.

فهاجم البرلمان العراقي التدخل التركي ورئيس وزراء تركيا والرئيس التركي بفجاجة ووقاحة رغم أن الوجود التركي عبارة عن قوات محدودة العدد بالقياس للتدخلات الإيرانية وغيرها.

ولقد أدركت تركيا أبعاد هذا الهجوم فأدانت الخارجيةُ التركية قرار مجلس النواب العراقي الذي رفض تمديد بقاء القوات التركية داخل الأراضي العراقية، وأعربت عن احتجاجها بشدّة على ما ورد فيه من افتراءات واتهامات باطلة.

وقال بيان للوزارة التركية: ندين القرار الذي صدر عن مجلس النواب العراقي، ونحتج بشدّة على القسم الذي تضمّن افتراءات مشينة ضد رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، ونعتبره مسألة غير مقبولة بتاتا. وأضاف أن الخارجية تعتقد بأن القرار لا يعكس آراء شريحة كبيرة من الشعب العراقي الذي وقفت تركيا إلى جانبه لسنوات عديدة، وسعت لدعمه بكافة الوسائل المتاحة.

وعندما شعرت إيران بصلابة موقف الرفض التركي، حرّكت أذرعها المباشرة في العراق؛ فهدد القيادي في كتائب سيد الشهداء، رضا الساعدي، بضرب المصالح التركية في العراق قائلاً: إن كافة الفصائل المقاتلة المنضوية تحت منظومة الحشد الشعبي اتفقت على ضرب المصالح التركية في العراق، وإنها بصدد أن تعمم بيانات في الأسواق عامة وبين المواطنين تدعو إلى مقاطعة البضائع التركية.

أما هادي العامري، القائد الميداني لهذه الميليشيات، فسارع إلى تهديد الأتراك الموجودين في شمالي العراق بأن يدمر دباباتهم فوق رؤوسهم، إذا لم يغادروا المناطق العراقية التي دخلوها.

ودعا زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار يلزم تركيا بإخراج قواتها من العراق.

خلفيات تشدد تركيا ببقاء قواتها في العراق

إن تمسك تركيا بالبقاء في معسكر بعشيقة بالعراق ناتج من أن تركيا اليوم تشعر أن العراق والمكون السُّني فيه سيكون بالكامل تحت الهيمنة الإيرانية مما يهدد أمنها القومي، ولا تريد أن تكرر خطأها في سوريا بعدم المبادرة لحماية أمنها بنفسها، حيث تستشعر تركيا أن العراق -بتوجيه إيراني- أصبح حاضنة لإرهاب حزب العمال الكردستاني  Pkk ضد أمن تركيا، ويعد Pkk  منظمة إرهابية عند تركيا وأكثر دول العالم، حيث تمارس الاغتيالات والتفجيرات التي أودت بحياة 40 ألف تركي منذ تشكل الحزب بصورة سرية سنة 1978م، وهو يستند لأفكار ماركسية لينينية، وفي تاريخ عدائه لتركيا خدم وتعاون مع دول متعددة؛ منها إسرائيل والنظام السوري وإيران وروسيا.

وفي الآونة الأخيرة، وبعد الثورة السورية، أصبح هذا الحزب مدعوما من قبل أمريكا بحجّة محاربة داعش، في تقاطع بين سياسات نظام بشار وأمريكا، حيث أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن الأسد قد أودع المناطق الكردية السورية تحت عهدة حزب العمال الكردستاني، ويقوم النظام السوري بتدريب الحزب عسكريا.

ويبدو أن توظيف PKK  في العراق ضد تركيا هو جزء من منظومة أكبر لإضعاف تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية، وهذه المنظومة تتقاطع فيها مصالح جهات متعددة منها؛ أمريكا وأوربا من جهة وإيران وسوريا والعراق وروسيا من جهة أخرى، والانقلاب الفاشل الأخير في تركيا جزء من هذه المنظومة.

من هنا شعرت تركيا مؤخراً أن التمدد الإيراني في سوريا والعراق، والتعاون الأمريكي الإيراني في عهد أوباما يستهدف تركيا ليجعلها بلدا غير مستقر؛ ولذلك تكاثرت العمليات الإرهابية فيها في السنتين الأخيرتين، في تمهيد لتمزيق تركيا مستقبلا.

من أجل التصدي لهذا السيناريو قامت تركيا بعدم الانسحاب من العراق ومحاولة عرقلة المخطط الإيراني فيه قبل أن يصل إلى الأراضي التركية عبر موجة النازحين العراقيين، كما حدث مع النازحين السوريين.

صحيح أن التدخل التركي جاء متأخرا، شأنه شأن الدول العربية؛ لكنه خدم المنطقة والعراق، وهو وجود إيجابي وليس وجودا سلبيا كالوجود الإيراني، فتركيا والدول العربية لا تريد إقصاء الشيعة ولا تريد تغيير البنية الديمغرافية كما تفعل إيران وأحزابها في داخل العراق، وفي داخل إيران نفسها؛ وقد كشف منسق مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق مؤخراً عن إحصائية لسكان العراق تقول إنّ السُنّة أغلبية في العراق بواقع 16 مليون شخص، والشيعة تعدادهم 11 مليون مواطن، مما يبطل مزاعم الشيعة بأنهم الأكثرية المظلومة!

لماذا تدعم إيران حزب العمال الكردستاني في العراق:

مصلحة إيران الإستراتيجية أن لا تدعم انفصالا كرديا في أي بلد؛ لأن ذلك ينعكس عليها سلبا، لكن إيران تتلاعب بالمكونات الكردية الخارجية حتى لا تتحالف مع أكرادها، ومن جهة أخرى توظفهم في تحقيق مصالحها في الدول المجاورة؛ ولذلك دعمت حزب العمال الكردستاني ضد تركيا، حيث سيطرت إيران على حزب جلال طالباني في السليمانية "الاتحاد الوطني الكردستاني"، والذي يدعم حزب العمال، بينما تمتلك تركيا علاقات وثيقة مع مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان.

ولذلك يدعم قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، تواجد حزب العمال في شمال العراق، وطلب منه المشاركة في استعادة الموصل، ليكون ورقة ضغط ضد تركيا في سوريا والعراق، وورقة ضغط ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة بارزاني.

الحكومة العراقية وحزب العمال الكردستاني:

هل من المصلحة العراقية وجود حزب العمال الكردستاني؟

من المنطقي أن الجواب لا؛ لأن العراق في حرب مع داعش، ولايريد فتح جبهات ضده مثل تركيا، لكن الحكومة العراقية دائما تؤكد أنها تابعة غير مستقلة، تعمل لمصلحة غيرها وعلى الأخص إيران؛ لذا ساهمت بإدخال حزب العمال لمدينة سنجار (120 كم عن مدينة الموصل) للسيطرة عليها، لذا اتهم رئيس مجلس قضاء سنجار ويس نايف الحكومة بالتخطيط مع الحشد الشعبي لإدخال حزب العمال وتأسيس مقاطعة له على الحدود السورية العراقية.

وهذا الملف يقوده رئيس الوزراء السابق نوري المالكي؛ لأن من مهامه زعزعة منطقة كردستان، ودعم حزب العمال بأوامر إيرانية، ويساعده في ذلك فالح الفياض وبعض العملاء السنة من بقايا الصحوة.

لذلك كان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم واضحا عندما صرح من كردستان أن حزب  العمال لن يستطيع التخفي تحت عناوين مختلفة، هو ومنظمات مثل  PYD، وYPG، فهي تعتبر واحدا بالنسبة لتركيا، مؤكداً رفض بلاده تواجد "العمال الكردستاني" في سنجار شمال غرب العراق.

مدينة تلعفر صراع تركي إيراني (سني شيعي):

مدينة تلعفر تقع غرب الموصل بـ 60 كم، وأكثر أهلها من التركمان، يتراوح السنة فيها بين 70-80 % والبقية شيعة، ومخطط الشيعة منذ زمن هو فصل تلعفر كمحافظة مستقلة لخلق جيب شيعي في الشمال (السني)، وهذا كان واضحا من توجه قوات الحشد الشعبي تجاه مدينة تلعفر بعد أن أصرّت تركيا وغيرها بشكل قوي وعلني على أن الحشد الشيعي يجب أن لا يدخل مدينة الموصل؛ لذا كانت وجهة الحشد لتلعفر بعد أن عجزت إيران عن فرض رغبتها، ولما حاولت قوة من الحشد الشيعي مخالفة ذلك تعرضت لضربات أمريكية فتراجعت، كما كانت الطائرات التركية تحوم فوق سماء تلعفر لمنع الحشد الشيعي من التقدم داخل المدينة، التي يتواجد اليوم بها التركمان السنة فقط، أما الشيعة فقد هاجروا للمحافظات الشيعية بعد دخول داعش.

في تلعفر هدف إيراني آخر، وهو مطار تلعفر لأنه يؤمن لإيران خطًا لنقل الأسلحة إلى سوريا ونقل الجنود بصورة مباشرة، وإيران تريد ربط العراق بها وبسوريا كي يكون خطا مستمرا.

لذلك كانت عرقلة الأتراك وتهديداتهم ضد الممارسات الطائفية رسالة قوية لإيران برغم المصالح الاستراتيجية الحقيقية لتركيا مع إيران والتي لا تريد فقدانها كالغاز الإيراني والتعامل الاقتصادي الكبير.

هل الوجود التركي هو لمصلحة تركيا فقط أم لمصلحة العراق أيضًا؟:

ربما يقول القائل إن تركيا تفكر بنفسها من خلال تواجدها في العراق، نقول حتى لو كان ذلك صوابا؛ فالعراق اليوم بلاد مستباح لا سيادة لديه، وعبارة عن مجموعة قطع على رقعة الشطرنج تتلاعب بها إيران وأمريكا وغيرهما، فالكلام على السيادة له وقت آخر، والعراق كله وليس السنة فقط بحاجة لقوة تحدث التوازن به، وتركيا تساعد على ذلك.

إن تركيا والدول العربية لم يسبق لها أن طمعت في العراق، وفكرت في التدخل به كما تفعل إيران، لذلك العراق بحاجة لدول الأقليم كي توجد توازنا حقيقيا به أمام الهيمنة الإيرانية، فضلا عن صراع الدول الكبرى على أرض العراق.

لذا فإن الوجود التركي الداعم للسُنة مهم جداً لموازنة الوجود الإيراني؛ حيث تواصل إيران ألاعيبها الخبيثة بشراء قادة سنة جددا لتجذير نفوذها وهيمنتها عبر واجهات سنية عميلة وتابعة لها، لذا يحتاج العراقيون جميعا للدور التركي المتأخر، وللدور العربي الغائب لحد الآن.

وقد ساهمت تصريحات تركيا القوية والعلنية والمتكررة، خاصة تصريحات الرئيس التركي أردوغان، المحذرة من الممارسات الطائفية في تحرير الموصل في لجم المليشيات الشيعية والقوى الطائفية في الجيش العراقي عن كثير من جرائمها، والتي شهدتها مدن أخرى كالفلوجة وغيرها.

والتدخل التركي يلقي قبولا من قبل أهالي الموصل، وهم كلهم سُنّة، ومن قبل بقية سنة العراق، ومن قبل شرفاء العراق أجمعين، كرئيس إقليم كردستان الذي أحسّ بأن وقوف تركيا إيجابي حتى للكرد لفرض التوازن بين الصراع الكردي الكردي، ولفرض التوازن ضد رغبة إيران بالسيطرة على كردستان.

ولا يضر الوجود التركي رفض مجاميع تتصادم مصالحها الشخصية أو الطائفية أو الفئوية مع مصلحة العراق عموما، والسنة خصوصا، بتقليل وتحجيم النفوذ الإيراني الطائفي من أمثال:

* سُنة المالكي عموما، وبضعة نواب محافظة نينوى خصوصا؛ أمثال عبد الرحمن اللوزي، وعبد الرحيم الشمري، وأحمد الجبوري وأقربائه الذين شاركوا المالكي في مؤامرته بإدخال داعش للموصل، ووقفوا ضد الوجود التركي الرمزي والمحدود متجاهلين السيطرة الإيرانية التي تشمل كل العراق!؟

* مجموعة جلال طالباني التابعة لإيران، ومنهم رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، الذي يقبل بالهيمنة الإيرانية العسكرية والسياسية علنا حتى على  المنطقة الخضراء!

* ساسة الشيعة لأنهم تبع لإيران من جهة، ولأنهم يدركون أن التدخل التركي يقوي سُنّة العراق ويضعف هيمنتهم.

مطلوب تدخل عربي مساند للأتراك:

تحتاج تركيا إلى مساندة عربية وخاصة من المملكة العربية السعودية، القوة الإسلامية المعنوية والمادية، بعمقها الديني والاقتصادي، وكذا قطر وجميع دول الخليج، والأردن، فعلى الجميع أن يساندوا تركيا في موقفها تجاه العراق؛ لأن تركيا الأقدر على مساندة إيران داخل العراق، وليس مساندتها في العراق وحسب بل في أمور شتى منها الاقتصاد، وتشكيل حلف جديد سني عربي إسلامي يواجه التحديات الإيرانية.

إن مواقف دعم تركيا للعراق قوية جدا، فهي المحتضن لأكبر جالية عراقية، وأكثرهم من أهل السنة، كما أن تركيا لها مصالح قوية في العراق؛ لذا من الصعب على الأمن القومي التركي أن يترك العراق لأن مردود ذلك سلبيا على تركيا نفسها، والعراق من المفترض أن يستفيد من هذه المصلحة، فالوجود التركي وجود إيجابي، يحتاج إلى مساندة، وفي هذا مصلحة للجميع.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق