السياسية المصرية.. هل فقدت البوصلة؟
السبت 28 يناير 2017

 

 أسامة الهتيمي­­–كاتب مصري

خاص بالراصد

من الطبيعي أو ربما من المشروع لدى البعض أن تطرأ تغيرات على السياسة الخارجية لأي بلد ما لكل مرحلة أو فترة زمنية إذ يتوقف هذا على طبيعة النظام الحاكم والتوجهات السياسية والأيدلوجية التي يتبناها هذا النظام بين الحين والآخر، والتي بها يحدد ما يرى له أنه يمثل ويحقق المصلحة العامة لهذا البلد، وهي الفلسفة التي ارتكزت عليها واتخذتها العديد من الأنظمة العالمية ومن ثم فإن المعيار الرئيس لتحديد هذه السياسيات الخارجية في عرف هذه الأنظمة يكون في الغالب هو المصلحة بمختلف أشكالها بعيدا عن الالتزام أو بالأحرى التقيد بأية معايير أخرى سواء كانت قيمية أو أخلاقية أو حقوقية أو ما شابه مما يمكن أن يكون - وفق تصورهم - عقبة أمام تحديد المواقف والسياسات، بل على العكس فإن هذه المعايير تكون أحيانا مجرد أدوات أو وسائل يتم توظيفها والتستر خلفها لتحقيق المصلحة، والمصلحة فقط.

وعلى الرغم من أن هذا المنهج البراجماتي ربما يحقق بعض المصالح بالفعل لبعض الوقت إلا أنه يصبح فخا كبيرا تقع فيه أية دولة من الدول فتفقد الكثير من مصداقيتها فيما تقتصر لغة خطاب الآخرين معها على المصلحة أيضا وهو ما يدفع هؤلاء إلى السعي لامتلاك "أوراق ضغط" بكل السبل المشروعة وغير المشروعة حتى لا يصبح الآخرون مجرد "مفعول بهم" فحسب حيث يؤمرون فينفذون فيتم استخدام تلك الأوراق بطريقة تختلف من بلد إلى بلد حسب قوته وحجمه وقدرته على التأثير فتكون بين الأقوياء محاولة لتحقيق التوازن في القوى وتكون من قبل الضعيف في مواجهة القوي كمحاولة لانتزاع بعض المكاسب التي تحفظ له ماء وجهه أو تضمن له البقاء حتى حين.

بين البراجماتية والتناقض

وبعيدا عن التطرق إلى الملاحظات والانتقادات التي وجهت إلى الفلسفة والسياسة البراجماتية إلا أنها أضحت واحدة من الأسس المتعارف عليها في السياسة الدولية، فضلا عن التحليل السياسي، حيث يقوم المحللون السياسيون بالاستناد إليها في تفسير الكثير من السلوك السياسي لبعض الأنظمة.

غير أن ثمة فارقا بين البراجماتية وبين التناقض في المواقف السياسية يدركه المتابعون والمراقبون فالبراجماتية التي يمكن أن تتعامى عن المبادئ والقيم وشعارات الحرية والديمقراطية وغيرها أو اتخاذ مواقف فردية وأنانية تصل إلى حد التدخل العسكري من أجل تحقيق المصلحة شيء فيما أن التناقض الذي يدفع صاحبه إلى قول أو فعل الشيء وعكسه في وقت واحد شيء آخر، وعليه فإن انتهاج سلوك "التناقض السياسي" لا يعكس إلا حالة من التخبط والعبث التي يمارسها أي نظام سياسي وبالتالي فإن أية محاولات لإدراج هذه التناقضات تحت لافتة البراجماتية ليست إلا مغالطات تستهدف التخفيف من وطأة رد الفعل الرافضة لهذا "التناقض السياسي".

فالولايات المتحدة الأمريكية مثلا يمكن أن تغضّ الطرف عن الممارسات الديكتاتورية وغير الحقوقية التي يرتكبها نظام من الأنظمة السياسية الحليفة لها بل ويمكنها أن تواصل دعمها لهذا النظام لكنها تظل وحتى اللحظة الأخيرة في حالة عمل دائم على أن تبدو وكأنها تدافع عن الديمقراطية والحريات بل وتحرص على أن تمارس صورا من صور الضغط، ولو ظاهريا، من أجل دفع هذا النظام للالتزام بقيم الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان.

كما أنه، وفضلا عن أن ممارسة "التناقض السياسي" تُفقد من يتبناه المصداقية، فإنه يعرضه أيضا لمخاطر شديدة أقلها انعكاس ذلك على علاقاته الخارجية التي يغيب عنها مع تراكم المواقف الاحترام المتبادل الذي من المفترض أن يظلل هذه العلاقات ليجد هذا الطرف نفسه بعد فترة في عزلة دولية فرضها هو نفسه على نفسه أو يصبح في الحد الأدنى مجرد أداة تتلاعب بها القوى الكبرى بعد أن فقد الحلفاء الداعمين له.

التناقضات والمشهد المصري

بذل المتابعون والمراقبون للمشهد السياسي في مصر جهدا مضنيا منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير في محاولة لتفكيك هذا المشهد وطرح السيناريوهات المستقبلية التي يمكن على أساسها أن تؤول إليه الأوضاع فانصبت أغلب الرؤى على توقعات بترجيح النظام السياسي ما بعد الثورة لانحيازات سياسية على حساب سياسات أخرى ربما كانت عنوانا بارزا لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، في حين رأى آخرون أن النظام الجديد سيكون أكثر انفتاحا ويحاول معالجة الأخطاء التي وقع فيها نظام المخلوع ويحاول في إطارها أن ينهض بالدور المصري إقليميا ودوليا بعد تلك الحالة التي أصابته حيث تراجع هذا الدور بشكل كبير خلال نحو ربع قرن من الزمان سواء كان على المستوى العربي أو الإفريقي أو حتى على مستوى المحيط الإسلامي.

والحقيقة أن ما ذهب إليه هؤلاء المراقبون مع تباينه كان يصادف في أحيان كثيرة واقع السياسة المصرية منذ تنحي مبارك وحتى الشهور الأولى من تولي عبد الفتاح السياسي لمقاليد الحكم في البلاد إذ حاولت السياسة الخارجية المصرية أن تمارس دورا يرقى بعض الشيء إلى تطلعات الجماهير المصرية حتى لو كان هذا الدور يثير حفيظة البعض، وهو أمر طبيعي في ظل الاختلافات والتباينات الأيدلوجية.

ونظرا لطبيعة الظرف السياسي الذي كانت تمر به البلاد بعد إزاحة الدكتور محمد مرسي في عام 2013 وحتى انتخاب السيسي في 2014 حيث تصاعد حالة الاستقطاب السياسي الحاد في هذا الوقت نتيجة الصراع بين مؤيدي السيسي ومعارضيه فقد كانت السياسية الخارجية المصرية في حالة انحياز شبه كامل لمواقف البلدان التي لم تتردد في دعم السيسي ماليا وسياسيا.

فلم يكن من اللباقة أو الكياسة أن تتباين وجهة النظر المصرية مع ما تتبناه هذه البلدان حول العديد من القضايا والملفات الرئيسة والبارزة في المنطقة، وكان من الطبيعي أن تتعاطى مصر مع هذا الواقع وفق ثلاثة مناهج، تمثل الأول في إعلانها مرارا عن متانة علاقاتها مع أغلب بلدان الخليج وبعض القوى الإقليمية التي دعمت وأيدت المسار السياسي في البلاد وأبرزها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة فيما تمثل الثاني في عدم ترددها في أن تتخذ مواقف مناوئة لبعض البلدان والقوى التي رفضت هذا المسار وعارضته وأبرزها تركيا وقطر، فيما تمثل المنهج الثالث في حرص النظام وحتى اللحظة الأخيرة على أن يخاطب ودّ بعض القوى التي آثرت أن تجلس في مقعد المراقب والمتابع ليكسب هؤلاء إلى صفه عبر مخاطبتهم بلغة المصالح وعقد الصفقات الاقتصادية والتجارية وأبرزهم فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا.

لا للسلة الواحدة

بشكل براجماتي كان كل ما مارسته السياسة الخارجية المصرية خلال تلك الفترة يلقى قبولا لدى البعض معتبرين أنه يسير وفق المنطق ذلك أن أكثر ما كان يشغل النظام آنذاك هو ترسيخ أقدامه في الحكم والتخفيف من وطأة الاستقطاب السياسي والعمل على منع التواصل بين القوى الإقليمية والدولية من ناحية، وبين دعم المعارضة المناوئة لهذا النظام من ناحية أخرى، وانتزاع الاعتراف الدولي به فلا يتعرض لعزلة تضعفه وتقوي من شوكة هذه المعارضة.

غير أنه لم تكن تمرّ شهور على استتباب الأمور للنظام المصري الجديد فضلا عن تراجع الحراك السياسي المناهض لهذا النظام حتى بدأت تطرأ على سياسته الخارجية حزمة من التغيرات الشديدة جدا والتي حملت تناقضات وتباينات بالجملة أوجدت حالة من الحيرة وعدم الفهم لدى الكثير من المراقبين الذين استشعروا إزاء هذا الوضع أنهم فقدوا الأدوات التي يمكن عبرها فهم وتحليل ما يدور، فضلا عن استقراء سيناريوهات المستقبل.

وبدا أن النظام السياسي لا يتردد في الإدلاء بتصريحات وفعل ما يناقضها في ذات الوقت بل واتخاذ مواقف تتباين أشد التباين مع ما كان قد أعلن عنه قبل فترة وجيزة وهو ما وسع الفجوة بينه وبين أطراف كانت بالأمس القريب أقرب ما تكون له لتتحول هذه العلاقة الوطيدة إلى حالة من العداء الخفي ثم وفي لحظة يتم رصد مواقف أخرى تندرج تحت بند محاولات التقارب وإزالة التوتر، وهكذا دواليك.

وبالطبع، وفي سياق محاولات البعض لتجميل الصورة والتخفيف من حدة هذه التناقضات فقد فسر هؤلاء هذا السلوك بأنه عمل بالمبدأ القائل "لا تضع البيض كله في سلة واحدة" وأن مصر وفي هذه المرحلة بالذات يجب أن تسعى إلى الانفتاح على كل القوى حتى يمكنها أن تقيم جسورا من التواصل الذي سيفرز بكل تأكيد تنسيقا وتعاونا يساهم في عملية إعادة البناء والتنمية على مختلف المستويات.

نماذج بارزة

ويأتي التقارب المصري مع كل من روسيا وإيران خاصة فيما يتعلق بطريقة التعاطي مع ملفي الأزمة السورية والحرب في اليمن كنموذج يكشف بجلاء عن حالة "التناقض السياسي" في مصر ذلك أن هذا التقارب جاء في الوقت الذي يفترض فيه أن القاهرة أعلنت قبل ذلك التقارب وبفترة وجيزة عن انحيازها وتبنيها لرؤية محددة عكستها تصريحات لا لبس فيها، كأن يجيب السيسي وبلغة حاسمة عندما سئل عن الذي يمكن أن تفعله مصر إذا تم تهديد أي دولة عربية؟ فقال: "مسافة السكة.. آه محدش يتهدد وإحنا موجودين ..لأ.. مش هيحصل.. أبدا"([1])، في إشارة إلى أنه لن يتردد في أن يقدم يد العون والمساعدة لأية دولة تتعرض للتهديد وهي التصريحات التي فهم الجميع وقتها أن المقصود بها دول الخليج التي كانت تتعرض لتهديدات إيرانية إذ لم يكن هناك أي دول أخرى تتعرض لتهديدات.

غير أنه ورغم هذه التصريحات لم تتحرك مصر بالشكل الذي كان ينتظره عرب الخليج يوم أن انطلقت عاصفة الحزم في مارس عام 2015 إذ يعلم الجميع أن مشاركتها كانت مجرد مشاركة شكلية وليست عملية فيما أجرت القاهرة وبشكل مباشر حوارات مع الحوثيين فضلا عن أنها سمحت لوسائل الإعلام الرسمي منها والخاص بأن تهاجم عاصفة الحزم بلا هوادة وهو ما أثار استياء الكثير من المتابعين والمراقبين السعوديين الذين اعتبروا أن هذه الهجوم يعكس الموقف الرسمي.

وعلى كلٍّ فقد جاء هذا الموقف بالطبع كاشفا إلى حد كبير عن حقيقية السياسة الخارجية المصرية فها هي دولة عربية هي المملكة العربية السعودية تتعرض لتهديد صريح من قبل المتمردين الحوثيين في اليمن الذين هددوا المملكة بصراحة بضرب أراضيها واحتلال مكة المكرمة قبيل عاصفة الحزم وبعدها إذ وفي 12 مارس 2015 قام مسلحو جماعة أنصار الله الحوثيين بإجراء مناورات عسكرية بمعدات عسكرية ثقيلة على الحدود السعودية فيما صرح القيادي الحوثي، محمد البخيتي، بأن الحوثيين سوف يحررون نجد والحجاز وأن قواتهم جاهزة لمواجهة أي هجوم سعودي وأنهم لن يتوقفوا إلا في الرياض في حين أعلنت قيادة قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن نهاية شهر أكتوبر 2016 اعتراضها لصاروخ باليستي أطلقته المليشيات الحوثية من محافظة صعدة باتجاه منطقة مكة المكرمة.

ولا يختلف الأمر كثيرا فيما يخص الأزمة السورية، فالموقف المصري وحتى انتخاب السيسي رئيسا للجمهورية كان قريبا إلى حد كبير من الموقف العربي الذي يرى أن بقاء بشار الأسد يشكل تهديدا لأمن واستقرار المنطقة ومن ثم فلا بد من إزاحته وعدم القبول بأن يكون طرفا في العملية السياسية في البلاد غير أن مصر وبدون تنسيق مع بقية القوى العربية الفاعلة في الملف السوري تبنّت خيارا جديدا يرى أن بقاء الأسد هو الضمانة لبقاء سوريا موحدة ومن ثم لم يتردد السيسي في أن يعلن عبر تصريحات متعددة دعمه لجيش بشار الأسد ومن ذلك ما جاء على لسانه خلال مقابلة مع تلفزيون البرتغال خلال زيارته لها في نوفمبر 2016 حيث قال ردا على سؤال حول إمكانية إشراك قوات مصرية في عمليات سلام بسوريا: "من المفضل أن القوات الوطنية للدول هي التي تقوم بالحفاظ على الأمن والاستقرار في مثل هذه الأحوال حتى لا يكون هناك حساسيات من وجود قوات أخرى تعمل لإنجاز هذه المهمة"، مضيفا: "الأَولى لدينا أن ندعم الجيش الوطني على سبيل المثال في ليبيا لفرض السيطرة على الأراضي الليبية والتعامل مع العناصر المتطرفة وإحداث الاستقرار المطلوب ونفس الكلام في سوريا حيث ندعم الجيش السوري وأيضا في العراق".

وبغضّ النظر عن صحة ما قيل بعد ذلك حول وجود أسلحة مصرية الصنع بيد قوات الجيش السوري أو وجود طيارين مصريين في بعض المدن السورية فإن تصريحات السيسي كانت واضحة وتؤكد أنه بالفعل أصبح هناك انحياز لبشار الأسد في معركته ضد الثورة السورية ومن ثم فإنه انحياز لوجهة النظر الروسية والإيرانية اللتي تتبنى الدفاع عن الأسد وتصرّ على بقائه رئيسا لسوريا مهما كانت الكلفة المالية والبشرية وهي وجهة نظر تبتعد كثيرا عن الرؤية العربية التي تبنتها جامعة الدول العربية من قبل وتجسدت في أن المعارضة السورية هي التي احتلت مقعد سوريا في الجامعة.

وهنا يجدر بنا الإشارة إلى مسألة في غاية الخطورة تتعلق بالأمن القومي العربي ففضلا عن أن إيران نجحت بالفعل في أن تحدث شرخا في العلاقات بين أهم القوى العربية فإنها أخضعت مفهوم الأمن القومي إلى التفكيكية والنسبية فلم يعد ثمة توافق عربي على هذا المفهوم فما تراه الرياض تهديدا للأمن القومي لم تعد تراه القاهرة تهديدا، والعكس بالعكس، ما يعكس إلى أي مدى غابت قنوات الحوار والتشاور والتنسيق المشترك سواء بشكل مباشر أو عبر جامعة الدول العربية التي ورغم ترهلها تمثل الإطار الجامع للدول العربية.

ماذا يجري؟

بلا شك فإن هذه التطورات الحادثة تطرح سؤالا مهما وهو "ماذا يجري وما تفسيره؟" والحقيقة أن الإجابة ليست سهلة فهي معقدة ومركبة لأقصى درجة فهي في جانب تحتاج إلى فهم الموقف المصري مما يجري في سوريا ومدى تغير وجهة النظر المصرية وإعادة تقييمها للربيع العربي الذي يبدو أنها باتت تراه وفق تصريحات عدد ليس بالقليل من المسئولين المصريين بأنه جزء من الفوضى الخلاقة التي كانت قد أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية رايس خلال زيارتها للقاهرة في العام 2005، ومن ثم فإن انتصار هذه الثورة على الأسد يعني أن تنسحب هذه الحالة على بلدان أخرى، وهو ما لا يجب أن يحدث.

كذلك فإن ثمة جانبا يتعلق بمساعي مصر إلى أن تفتح آفاقا من التعاون مع روسيا التي هي العدو اللدود للولايات المتحدة الأمريكية، فمن ناحية تمثل هذه العلاقات المصرية – الروسية ورقة ابتزاز للإدارة الأمريكية بقيادة باراك أوباما الذي لم يكن راضيا بشكل كامل عن الأوضاع في مصر ويمارس ضغوطا تتعلق بالحريات وحقوق الإنسان فيما كانت مرشحة حزبه الديمقراطي للرئاسة هيلاري كلينتون تنظر إلى جماعة الإخوان المسلمين المناوئة للنظام السياسي المصري نظرة تتعارض مع النظرة المصرية الرسمية.

ومن ناحية أخرى فإن التقارب مع روسيا يعني أن يكون متاحا أمام مصر مصدر آخر للسلاح غير التقليدي فضلا عن إقناع الجانب الروسي بإعادة تسيير الرحلات الجوية للسياحة الروسية في مصر حيث كان عدد السائحين الروس في مصر هو الأعلى بين كل الجنسيات الأخرى.

أما فيما يخص التقارب مع إيران فإن الجانب المصري ينظر إلى ذلك من عدة زوايا أيضا أبرزها أن التلويح بهذا التقارب مثّل وسيظل يمثل ورقة ضغط على البلدان الخليجية التي تخشى من هذا التقارب إذ يمنح ذلك إيران ضوءا أخضر بأن تصعد من تحركاتها في المنطقة وهي التحركات التي تأتي في إطار مشروع توسعي عدواني.

وعلى الرغم من أن التخوف المصري من المشروع الإيراني في المنطقة لا يقل عن التخوف الخليجي إلا أن القاهرة تستهدف من وراء التقارب مع طهران أن تؤكد أولا على استقلالية قرارها وأنها ليست تابعة لأي طرف كان حتى لو كان هذا الطرف من الداعمين لها، وثانيا أن تبعث برسالة للداعمين بأن هذا الدعم لا يجب أن يكون مشروطا، غير أنه فاتها أن مثل هذه الخطوات تمثل خطرا كبيرا لا يمكن تدارك تداعياته على المنطقة برمتها.

فالدولة الإيرانية ليست بالسذاجة التي تسمح فيها أن يتم توظيف علاقات معها دون أن يكون لهذا ثمنه الباهظ، فالمعروف أنها لا تضيع فرصة إلا واستغلتها لتحدث ثغرة يمكن من خلالها أن تنفذ لما تريد وهو ما حدث بالفعل مؤخرا فما أن قرأت توتر العلاقات المصرية السعودية حتى سارعت بشتى الطرق إلى أن تزيد من هذا التوتر وتعمل على الاستفادة منه لتحقيق أهدافها وهو ما أكدته الأنباء التي تواردت نهاية ديسمبر من العام الماضي عن استثمارات إيرانية جديدة في مصر فيما رحبت الحكومة العراقية القريبة الصلة بطهران بإمداد مصر بالاحتياجات النفطية وهو ما دفع وزير النفط المصري طارق الملا إلى زيارة العراق لتوقيع اتفاقية يتم بموجبها توريد كميات من النفط بديلا عن شحنة النفط الشهرية التي كانت تقدمها شركة النفط السعودية "أرامكو" وتوقفت منذ شهر أكتوبر 2016 ردا على موقف مصر المتناقض في مجلس الأمن الدولي حيث أيدت مصر مشروعين متعارضين بمجلس الأمن بخصوص حلب السورية أحدهما تقدمت به روسيا والآخر تقدمت به فرنسا إذ كانت السعودية تتوقع من مصر أن تعترض على المشروع الروسي وهو ما لم يحدث، الأمر الذي دفع ممثل المملكة إلى أن يعتبر ذلك أمرا مؤسفا ومؤلما.

كذلك فإن ثمة زاوية أخرى تدفع القاهرة إلى التلويح بالتقارب مع طهران تتعلق بتعاون اقتصادي بين البلدين خاصة وأن طهران لم تفتأ بين الحين والآخر تعرض هذا التعاون على القاهرة منذ نجحت ثورة يناير في الإطاحة بالرئيس مبارك وقد برز في هذا مثلا موضوع السياحة الإيرانية لمصر والذي أثير في عهد الدكتور محمد مرسي وفشل نتيجة الضغوط الشعبية الرافضة لهذا المشروع.

ولنا هنا أيضا أن نتساءل: هل يمكن أن تقدم إيران على المستوى الاقتصادي ما قدمته وتقدمه دول الخليج لمصر؟ الإحصائيات المتباينة تقول إن البلدان الخليجية قدمت لمصر خلال نحو ثلاثة سنوات من 23 إلى 40 مليار دولار ما بين منح وقروض وتسهيلات ائتمانية، وهو بالطبع رقم كبير جدا ما كان لإيران أن تقدمه، إذ المعلوم أن الناتج المحلي لإيران لا يتجاوز 364 مليار دولار سنويا في حين أن الناتج المحلي للملكة العربية السعودية لوحدها نحو 646 مليار دولار فيما أن إيران تعاني من مشكلات اقتصادية كبيرة لذلك ووفق خبراء اقتصاديين فإن أقصى ما يمكن أن تقدمه إيران لمصر سنويا لا يتجاوز 5 مليارات دولار كقروض أو تسهيلات ائتمانية فضلا عن أن هذا سيكون له مقابله الذي بلا شك سيمثل خطورة على الأمن القومي المصري.

الانعكاس على الداخل

الوضع في الداخل المصري لم يختلف كثيرا حيث العديد من القرارات والتحركات التي أثارت لغطا كبيرا في الشارع المصري وأفقدت المراقبين مرة أخرى البوصلة التي على أساسها يمكن تحليل هذا المشهد، فبعد أن وقّعت الحكومة المصرية اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية والتي بموجبها تسلم مصر جزيرتي تيران وصنافير تراجعت الحكومة نتيجة ضغط شعبي حيث رفض البعض الاتفاقية  فيما رفض البعض الآخر الطريقة التي اتبعتها الحكومة في توقيع اتفاقية على قدر من الأهمية وهو ما دفع البعض للتظاهر رفضا لهذه الاتفاقية ما كان سببا في احتجاز العشرات ثم جاء الحكم القضائي الذي ألغى العمل بالاتفاقية لتطعن الحكومة، فيما تم الإفراج عن المحتجزين على خلفية تظاهرات رفض الاتفاقية.

ثم يتصور الناس أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد حيث من المرجح أن يكون الحكم النهائي تأييدا للحكم الأول فضلا عن أن الفترة الأخيرة شهدت حملة إعلامية شديدة اللهجة ضد السعودية وهو ما أكد لدى البعض أن ثمة نية تتجه إلى التراجع عن الاتفاقية غير أن الحكومة وفي خطوة مفاجئة وقبيل أيام من صدور الحكم النهائي أحالت الاتفاقية إلى مجلس النواب للتصويت عليها وفي ذات الوقت تدفع بإبعاد بعض الإعلاميين المعروفين بانتقادهم الشديد للمملكة العربية السعودية وسياساتها وتعتقل عددا ممن شاركوا في تظاهرات رافضة للخطوة الحكومية فضلاً عن الإعلان عن تخصيص أرض لجامعة الملك سلمان في شبه جزيرة سيناء وتوقعات بزيارة قريبة لخادم الحرمين الشريفين لمصر وهو ما أثار من جديد العديد من التساؤلات في الشارع المصري حول دوافع ما يتم اتخاذه من سياسات أو قرارات.

وبعيدا عن مناقشة الاتفاقية وقضية الجزيرتين فإن دلالة ما حدث هو أن حالة من التناقض تتسم بها كل ممارسات هذه الحكومة وأن التخبط يظلل كل تحركاتها، الأمر الذي يعكس أمرين مهمين أولهما عدم امتلاك مشروع سياسي يمكن أن يمثل دليلا إرشاديا يرجع له لاستقراء واستشراف السياسات ويكون المشترك الجامع لكل القوى والشخصيات الداعمة للنظام السياسي، وثانيهما هو وجود حالة من التنازع داخل مؤسسات اتخاذ القرار حيث انتقلت حالة الاستقطاب السياسي وإن كان بشكل جزئي إلى هذه المؤسسات وهو التنازع الذي إن استمر فسيرجح معه أن تتواصل هذه الحالة من التخبط لفترة مقبلة.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق