أدوات المشروع الإيراني الشيعي العدواني من دعاة الفتنة والضلال في عصرنا -15- محمد شحرور الإعلام الشيعي الموجه للأطفال ..خطورة التحديات وسبل المواجهة نقد الليبرالية ثورات الخوارج (4) اغتيال الخليفة الرابع قالوا - العدد مائة وأربعة وستون - جمادى الأولى 1438 هـ الإسلاميون وآفة "السذاجة" السياسية المصرية.. هل فقدت البوصلة؟ الوجود التركي بالعراق خدم المصالح العراقية والتركية الوطنية خطواتك الخمس لبناء وعي سليم بالأحداث والوقائع مسيرة القاعدة وداعش في الصومال.. قراءة في المآلات والنتائج التهجير القسري في سوريا السياسات، الأدوات والتبعات الدعم الغربي للحركات الشيعية المعارضة في الخليج العربي الفوبيا المتقابلة.. من المستفيد؟ «الكفاح المسلح».. آلية إيرانية لتنفيذ مخطط إسقاط الملكية بالبحرين مجلس شورى أهل العلم في الشام حروب إيران: ألعاب الجاسوسية والمعارك المصرفية، والصفقات السرية التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط حوثنة التعليم وخطرة علي الأجيال الصاعدة في اليمن تركيا وإيران.. حليفتان أم متنافستان؟ روسيا و"الأسد" وإيران.. فصول في المواجهة و"الممانعة" المظلومية السنية في العراق وسوريا هكذا يحصل الحوثيون على 3.5 مليون دولار يومياً؟ يحدث في العراق الآن.. سليماني ومسجدي يحكمان
 
إعلام "داعش" .. الوسائل والأهداف وسبل المواجهة
الثلاثاء 27 ديسمبر 2016

 

 أسامة الهتيمي– كاتب مصري

خاص بالراصد

سببان رئيسان كانا وراء حالة الدعم والتأييد الجزئي التي حظي بها ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" سواء داخل محيط العالمين العربي والإسلامي، أو خارج هذا المحيط، وهو الدعم الذي اتخذ شكلين؛ أحدهما تمثل في قبول البعض لسلوك وتحركات هذا التنظيم، والآخر انعكس في قدرته على استقطاب أعداد ليست بالقليلة ممن يوصفون بالجهاديين حيث التحق به آلاف الشباب من بعض البلدان العربية والإسلامية فضلا عن الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربية فانخرطوا في صفوفه يقاتلون بين جنوده وأنصاره ويأتمرون بأمر قادته.

ويتمثل السبب الأول في طبيعة الظرف السياسي الذي تمر به المنطقة خاصة في العراق وسوريا وهو الظرف الذي كان بمثابة تربة خصبة تترعرع فيها مثل هذه التنظيمات التي لم تكن لتقوى وتتمدد إلا في حالات ضعف الحكومات المركزية واندلاع صراعات مذهبية أو عرقية نتيجة ممارسات الإقصاء والتهميش التي تمارس بحق فئات مذهبية أو عرقية كالذي حدث بحق السنة العراقيين على أيدي الحكومات العراقية المتعاقبة التي تشكلت بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، فمنذ ذلك الحين وهذه الحكومات التي يترأسها شيعة لم تترك شكلا من أشكال الاضطهاد أو التعسف إلا ومارسته، حتى وصل الأمر إلى ذروته في عهد نوري المالكي، وهو ما أسفر في نهاية الأمر عن تشكل مجموعات تسمت باسم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا قامت دعوتها الأولى على حماية أهل السنة في العراق والدفاع عنهم.

وتكرر نفس المشهد تقريبا في سوريا التي أجبر فيها بشار الأسد المعارضة السورية على أن ترفع السلاح حماية لنفسها ضد هذا التجبر الذي مارسه بحقها فكان الاعتقال والتعذيب والحصار والقتل دون هوادة بحق أهل السنة، الأمر الذي حوّل سوريا إلى جحيم مستعر لهؤلاء السنة على أيدي قوات الأسد بمساعدة وإشراف من ميلشيات المرتزقة الشيعة من إيران ولبنان والعراق وأفغانستان وباكستان والذين راح ضحية جرائمهم حتى الآن أكثر من نصف مليون قتيل و11 مليون لاجئ ومشرد فضلا عن المصابين والمعاقين.

لقد دفعت هذه المآسي التي وقعت في كل من العراق وسوريا الكثيرين إلى أن يتعاطفوا مع أية محاولات للثأر والانتقام حتى لو كان بعضها غير منضبط بالمعايير الشرعية، أو على أقل تقدير فإن هؤلاء المتعاطفين قد قبلوا أي تأويل يمنح مثل تنظيم "داعش" حق ما يمارسه إذ الاستسلام للرغبة في الثأر يحجب الرؤية عن العقل من أن يرى الكثير من ملامح المشهد ومعطيات الواقع وما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون خاصة وأن البلدان العربية والإسلامية المنوط بها الدفاع عن حقوق هذه الشعوب قد تخلت عنها تماما فلم تقدم ما يخفف عنها فضلا عن عجز الشعوب.

ويتمثل السبب الثاني، وهو ربما السبب الأهم، في الإعلام إذ يمكن أن نقول إن سلاح الإعلام الذي استخدمه تنظيم "داعش" كان له من الأثر ما يفوق بمراحل استخدام السلاح التقليدي وغير التقليدي، فقد استطاع التنظيم وعبر الاعتماد على عدد من الكوادر الإعلامية ذات الكفاءة الإعلامية العالية فضلا عن الأستديوهات والآلات الإعلامية التي امتلكها بعد الاستيلاء على العديد من المدن خلال معاركه من أن يقدم صورة شديدة الإبهار جذبت إليه أعين الشباب المتطلعين الذين رأوا فيما يقدم صورة ونموذجا لانتصار غاب عنهم طويلا، وهي صورة بلا شك تحدث أثرا كبيرا في نفوس هذا القطاع الذي ولد وعاش سنوات عمره لم يرَ فيها إلا الهزائم والانكسارات والصراعات الفكرية والسياسية وغياب الرؤية التي يمكن على أساسها رسم ملامح المستقبل، فأصبح التنظيم وشكل الدولة الإسلامية الذي يروجه حلما يراود هذا القطاع.

ودعم تلك الصورة المبهرة أن إعلام "داعش" نجح وباقتدار أيضا في أن يزيد ضبابية الصورة الخاصة به، وما يجري في تلك المناطق التي يسيطر عليها فبقي الكثير من المتابعين في حالة من عدم التيقن الكامل من تفاصيل المشهد إذ لم يتوان إعلام "داعش" عن أن يفند الكثير من الشبهات التي كانت تثار حوله سواء على لسان من يعتبرهم أعداءه أو من المشايخ والدعاة الذين رفضوا منهجه وسلوكه وحاولوا أن يثنوا الشباب عن الالتحاق بهذا التنظيم.

ولم يكتف التنظيم بالرد على الشبهات، بل إنه حرص على أن يثير المشاعر فقدم عبر وسائل إعلامه صور الدمار والخراب التي تسببت فيها أيدي أعدائه، الذين هم أعداء الإسلام والذين ما اجتمعوا إلا ليحاربوا دولة قررت أن ترفع راية الحق وتعلي كلمة الله محاولا في الوقت ذاته خلال كل هذا أن يقدم الأدلة والبراهين على صحة منهجه وسلوكه.

ويبقى أخيرا ذلك الاهتمام الكبير الذي أولاه التنظيم لمواقع التواصل الاجتماعي فكان أحد أهم أدواته للتواصل مع الشباب والفتيات في كل بقعة من بقاع الأرض فيتحاورون مع هؤلاء الشباب ويردّون على أسئلتهم واستفساراتهم ويقدمون لهم الوعود الوردية في حال قرّروا أن يتركوا بلادهم ويرحلوا متجهين إلى العراق أو سوريا.

في هذا السياق تأتي أهمية الدراسة التي قدمها الإعلامي والباحث حسين عبد الظاهر لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وذلك ضمن أوراق مؤتمر "الإرهاب وسبل معالجته" والذي نظمته الكلية وجاءت تحت عنوان "قراءة في الخطاب الإعلامي لتنظيم الدولة الإسلامية" إذ وفي مقدمة دراسته أكد الباحث أن تنظيم الدولة الإسلامية بات واحدا من أكبر التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية التي وظفت الإعلام على نطاق واسع لخدمة أهدافها فتفوقت في المجال على كثير من التنظيمات، بل والدول، مضيفا أن الخبراء والمراقبين يكادون يجمعون على أن سيطرة التنظيم على مساحات شاسعة في سوريا والعراق واستقطابه عشرات الآلاف من المقاتلين يعودان إلى استخدامه آلة إعلامية ضخمة يواجه بها خصومه ويحشد أنصاره في حرب إعلامية يخوضها بدرجة عالية من التقنية والشمول والاحتراف مستعينا بجنود يصعب حصرهم من المؤيدين الإلكترونيين عبر العالم.

وتحت عنوان فرعي داخل الدراسة أشار الباحث إلى أن بناء قوة تنظيم الدولة الإسلامية لم يتوقف عند قوة السلاح وإعداد المقاتلين بل تخطى التنظيم ذلك إلى إعداد كتائب من الإعلاميين، فأولى اهتماما كبيرا ببناء منصاته الإعلامية، كما أولى اهتماما كبيرا بإعداد كوادره الإعلامية المدربة بل إن اهتمام التنظيم بإعلامييه لا يقل عن اهتمامه بمقاتليه.

ونقل الباحث عن تقرير أعدته منظمة "مراسلون بلا حدود" يؤكد ما ذهب إليه إذ أفاد تقرير المنظمة أن تنظيم "داعش" عامل الصحافيين المنضوين تحت رايته معاملة الأمراء لضمان بقائهم من جهة وولائهم اللامتناهي من جهة أخرى.

ولفت الباحث إلى أن التنظيم حرص على تأسيس جهازه الإعلامي الخاص في وقت مبكر حيث تعود بداية نشأة الجهاز الإعلامي للتنظيم إلى أيام تسميته "دولة العراق الإسلامية" عام 2006 حين أقام "مؤسسة الفرقان" وبعض المؤسسات الإعلامية الأخرى التي كان لها دور كبير في العديد من المعارك العسكرية والفكرية التي خاضها التنظيم فيما بعد.

وأورد الباحث أسماء بعض المؤسسات الإعلامية التابعة للتنظيم والتي يعتمد عليها في بث مواده الإعلامية ومنها -فضلا عن مؤسسة الفرقان- مؤسسة الاعتصام التي تم الإعلان عنها مع تمدد التنظيم في سورية، ومؤسسة الحياة التي تبث إصدارات مرئية باللغة الإنجليزية كما تصدر مجلة دابق الإلكترونية ومؤسسات أعماق والبتار والخلافة وأجناد للإنتاج الإعلامي والغرباء للإعلام والإسراء للإنتاج الإعلامي والصقيل والوفاء ووكالة أنباء "البركة" ووكالة أنباء "الخير" وإذاعة البيان التي تبث بأمواج قصيرة من مدينة الموصل، ولها أبراج بث في مدينة الرقة، كما تبث نشراتها عبر الإنترنت من خلال موقع يوتيوب فضلا عن مكاتب إنتاج إعلامي في الولايات الخاضعة للتنظيم وجيش "إلكتروني" فاعل على شبكة الإنترنت يتكون من أكثر من 12 ألف مناصر تشكل من أكثر من 80 دولة، ويعد أحد أهم التشكيلات التي تناصر التنظيم.

وفي إطار محاولة التعرف على منهجية إعلام التنظيم استند الباحث إلى عدد من النماذج الإعلامية لـ "داعش" وكان من بين هذه النماذج نشرات إذاعة البيان حيث رصدت الدراسة أن هذه الإذاعة تقدم نشرة يومية في حدود 8 إلى 10 دقائق تقريبا وتحتوي كل نشرة على أخبار "الولايات" المختلفة التي يسيطر عليها التنظيم وأخبار معاركه العسكرية سواء داخل الولايات التي تقع تحت سيطرته أو خارجها.

وفي الدراسة تناول الباحث 51 خبرا - تم بثها خلال 5 نشرات - وخلص إلى النتائج التالية:

1- تتسم النشرة بقدر كبير من الاحترافية الإعلامية وفق المتعارف عليه داخل غرف الأخبار.

2- تتم قراءة النشرة بأصوات إذاعية يبدو أنها مدربة وتتوفر لديها الملَكات الفنية المطلوبة في قارئي النشرات.

3- تمثل الأخبار الإيجابية بالنسبة للتنظيم في النشرات نسبة 100 % فجميع الأخبار تتحدث عن تسجيل انتصارات لتنظيم الدولة ولا يوجد خبر واحد سلبي يرصد هزيمة أو تراجعا عسكريا أو سياسيا للتنظيم أو يتحدث عن أي ملامح فشلٍ أمني أو اقتصادي للتنظيم أو يرصد مظهرا من مظاهر الاحتجاجات الشعبية في المناطق التي يسيطر عليها.

4- يبث محررو النشرة ألفاظا وعبارات تحط من شأن أعداء الدولة، مثل: "الملاحدة، المرتدون، أولياء الطاغوت، نسأل الله النكاية فيهم .." وقد وردت هذه الألفاظ وتلك العبارات 197 مرة خلال 51 خبرا.

5- في المقابل تحتوى النشرة على ألفاظ وعبارات ترفع من شأن وقدر التنظيم وجنوده مثل: "جنود الله، أولياء الله، تمكنوا بحول الله من كذا..، يسر الله لهم ..." وقد وردت هذه الألفاظ والعبارات 109 مرات خلال العينة.

6- يعمد محررو النشرة إلى الخلط بين "الخبر" الذي يحتمل الصدق أو الكذب و"الرأي" الذي يعبر عن موقف فكري أو سياسي محدد وهو أمر مستهجن ومرفوض مهنيا.

7- صك مصطلحات إعلامية خاصة تبدو غير مألوفة لِمستمعي الإذاعات والنشرات الإخبارية على وجه الخصوص وترويجها على نطاق واسع، مثل عبارات : "صال صباح اليوم ... " بدلا من "شن هجوما" أو "هاجم .." ومصطلح مثل "الفرازة" ويقصد به سلاح "القناصة" أو مصطلح "عملية انغماسية" ويقصد به "الانغماس" في صفوف الأعداء لتفجير النفس فيهم أو إحداث أضرار بالغة بهم.

ويرى الباحث أن الهدف من مثل هذه المصطلحات هو فرض ثقافة وأدبيات التنظيم وإيهام المستمع أن المعركة دينية عقائدية حيث إن معظم هذه الألفاظ وغيرها تتم استعارتها من النصوص الدينية ومن التراث الإسلامي.

8- لاحظ الباحث خلال دراسة العينة عدم الالتزام بتسلسل جغرافي أثناء بث أخبار الولايات المختلفة الخاضعة للتنظيم أو التي يحاول السيطرة عليها، فمن المتعارف عليه في نشرات الأخبار أن يكون هناك ترتيب نوعي أو جغرافي في قراءة أخبار النشرة كأن يتم عرض الأخبار المتعلقة بحدث واحد ثم الانتقال لأخبار متعلقة بحدث آخر أو أن يتم عرض أخبار المدن والولايات المتقاربة جغرافية ثم الانتقال إلى بقعة جغرافية أخرى أو البدء بعرض أخبار العاصمة والمدن ذات الأهمية السياسية والاقتصادية ثم الانتقال إلى المدن والأقاليم الأقل أهمية وهكذا.

ثم تطرق الباحث إلى نماذج أخرى تناولها بالبحث والتحليل ومنها مثلا الخطاب الإعلامي للمتحدث باسم التنظيم "أبو محمد العدناني" والذي رأى الباحث أن خطابه الإعلامي في مجمله يتمحور حول النقاط التالية:

1- تبني الخطاب الديني "التقليدي" بما يؤكد أصالة الفكرة الإسلامية لدى التنظيم "من وجهة نظرهم بالطبع".

2- تذكير أفراد التنظيم بالقيم الإسلامية المتعلقة بإخلاص النية لله تعالى والسمع والطاعة للقيادة وغيرها من الأمور التنظيمية التي لا يجد التنظيم حرجا أمنيا أو فكريا في بثها إعلاميا.

3- الرد على خصوم التنظيم وتفنيد آرائهم.

4- الدعاية لأمير التنظيم "أبي بكر البغدادي" وللتنظيم وأفكاره ولـ "الدولة الإسلامية" والعمل على استقطاب أفراد جدد لا سيما ممن ينتمون لتيارات وحركات إسلامية أخرى.

واستدل الباحث على ما ذهب إليه بإيراد عدد من رسائله ومنها رسالته "ويحيى من حيّ عن بينة" ورسالة " السلمية دين من؟!" ورسالته لـ "جنود الدولة" ورسالته "رد العدناني على أحد العلماء".

ولم يفت الباحث أن يتناول خطبة قائد التنظيم "أبو بكر البغدادي" يوم الجمعة في الجامع الكبير بالموصل خلال شهر رمضان الموافق 31 يوليو عام 2014 حيث أشار إلى عدة ملاحظات منها:

1- أنها خطبة قصيرة زمنيا فلم يشأ أن يطيل على المصلين ولا المستمعين، وربما أراد أن يغير الصورة السلبية التي يأخذها كثير من المصلين عن خطباء الجماعات الإسلامية الذين يطيلون في خطبهم ويرهقون المصلين.

2- استخدم أسلوبا دينيا بسيطا إلى حد كبير يمكن أن يستوعبه عموم المصلين.

3- يمكن تقسم الخطبة التي لم تزد عن 13 دقيقة و5 ثوان إلى ثلاثة أجزاء على النحو التالي:

الجزء الأول: وهو حديث ديني عن فضائل شهر رمضان يحث خلاله المصلين وعموم المسلمين على الإكثار من عمل الصالحات خلال الشهر الفضيل. وقد استغرق هذا الجزء من الخطبة 4 دقائق و30 ثانية.

الجزء الثاني: وقد تحدث عن فريضة الجهاد -بصفة عامة- لإقامة الدين وتطبيق شرع الله وقال: "قوام الدين كتاب يهدي وسيف ينصر" وقد لا يختلف على هذا الحديث – على الأقل من الناحية النظرية – الكثير من علماء الإسلام والمتدينين من عموم المسلمين. وقد استغرق هذا الجزء من الخطبة دقيقة و22 ثانية.

أما الجزء الثالث: فقد خصصه للحديث بشكل مباشر عن "الدولة الإسلامية" متحدثا باعتباره خليفة المسلمين وأميرهم داعيا الناس للانضواء تحت لواء "دولة الإسلام" التي أقامها "إخوانهم" وأشار إلى وجوب إقامة "الخلافة الإسلامية" دون أن يرهق المستمع أيضا – ولا أن يرهق نفسه – بالإتيان بأدلة شرعية عن وجوب إقامة الخلافة أو ما يدلل به على أن دولة "تنظيم الدولة" هذه هي الدولة الإسلامية التي يريدها الله ورسوله.

وقد استوقف الباحث تعبير "البغدادي" عن تقصير المسلمين في إقامة الخلافة وتنصيب إمام حيث قال في خطبته: "وهذا واجب على المسلمين. واجب قد ضيع لقرون وغيب عن واقع الأرض"، الأمر الذي يعني عدم اعتبار البغدادي الدولة العثمانية دولة "خلافة إسلامية" حيث أن سقوط الدولة العثمانية وقع في عام 1924م، أي خلال أقل من قرن من الزمان مضيفا: "ولا ندري هل تكون هذه أيضا نظرته للخلافة العباسية وكذلك الأموية؟".

4- لم يقدم أي وعود لـ "مواطني دولته" بل على العكس ذكرها صراحة "لا أعدكم بما يعد به الحكام والملوك من رفاهية.. إنما أعدكم بما وعد الله تعالى به عباده المؤمنين"، ودعاهم للجهاد في سبيل الله.

ثم تطرق الباحث إلى تحليل مقطعين مصورين من عمليات تنظيم "داعش" أثارا ضجة كبيرة وجدلا واسعا، وهما فيديو حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة وفيديو ذبح 21 قبطيا مصريا في ليبيا.

وحول فيلم الكساسبة قال الباحث إن الجهاز الإعلامي لتنظيم الدولة حشد جميع إمكانياته لتحقيق رسالته الإعلامية على مستويات مختلفة وهو ما يمكن ملاحظته في النقاط التالية:

1- بداية من اسم الفيلم "شفاء الصدور" الذي تمت استعارته من النص القرآني "قاتلوهم يعذبهم اللهُ بأيديكم ويخزهم وينصرْكم عليهم ويَشفِ صدورَ قومٍ مؤمنين" مع تلاوة قرآنية بصوت القارئ الشيخ محمود خليل الحصري، وهو من القراء الذين يتمتعون بشعبية واسعة في العالم الإسلامي.

2- حاول الفيلم أن يقدم كل المبررات التي تسوغ عملية قتل "الكساسبة" بهذه الطريقة البشعة بهدف إرهاب الآخرين واستقطاب أنصار وأتباع جدد.

3- يبدأ الفيلم بما يسمى في الدراما بـ "آفان تتر" حيث يتم بث عدة لقطات سريعة لعمليات إطلاق نار كثيفة ومتلاحقة واشتعال نيران لا يستطيع المشاهد التفرقة بين ما هو حقيقي وما هو من إنتاج برامج الـ "جرافيك".

4- يستخدم الفيلم ما يعرف في بناء السيناريو بـ "فلاش باك" مرتين وذلك لإطلاع المشاهد على أحداث تبدو غير حاضرة في أذهان الكثيرين، وهذا التنويع في بناء السيناريو يعطي الفيلم قدرا من الحيوية والتشويق.

المرة الأولى التي استخدم فيها صناع الفيلم "فلاش باك" عندما يعود للماضي بلقطات من عملية أسر الكساسبة بعد سقوط طائرته ويظهر في الصورة مقبوضا عليه من قبل عسكريين يعتقد أنهم تابعون لتنظيم الدولة.

أما المرة الثانية جاءت بالعودة إلى لقطات بثها الفيلم يقول صناعه إنها لآثار الدمار الذي ألحقته غارات الكساسبة ورفاقه على المدن السكنية حيث يظهر في الصور مصابون وقتلى من رجال ونساء وأطفال وبعض الأبنية المهدمة إلا أن اللقطات لم تظهر أيا من الخسائر التي لحقت بتنظيم الدولة الإسلامية.

ويلفت الباحث إلى أن صناع الفيلم حرصوا على أن ينقلوا خلاله لقاءً مع الكساسبة يدلي خلاله باعترافات، مضيفا أنه لا شك أنه مجبر على الإدلاء بها – فتبدو أن المعلومات التي يقدمها الفيلم يتم توثيقها باعترافات الكساسبة نفسه وهنا يظهر دور فن الجرافيك حيث تظهر على الشاشة الإحصاءات والأرقام وخرائط جرافيك للأماكن التي قصفها طيران قوات التحالف أو التي يخطط لقصفها خلال الأيام القادمة.

ويرى الباحث أن مثل هذه الرسومات الجرافيكية تحقق هدفين مهمين:

الأول: إثراء الشاشة وجعل المشاهد أكثر ارتباطا بها حيث تظهر معلومات تبدو أنها مهمة.

الآخر: يعطي إيحاء للمشاهد أن خطط قوات التحالف سقطت جميعها في أيدي تنظيم الدولة الأمر الذي يكسب التنظيم مزيدا من الإعجاب من قبل المشاهد.

ثم يحلل الباحث الجزء الخاص بالإعدام في الفيلم حيث يرى أن ساحة الإعدام تم اختيارها بعناية فائقة فتم التصوير في ساحة واسعة، في جنباتها مباني مهدمة يعتقد أنها من جراء عمليات عسكرية سابقة قامت بها قوات التحالف ضد "الدولة الْإسلامية"، في حين يبدو من حركة الجنود والكساسبة أن هناك سيناريو احترافيا محبكا تمت كتابته بمهارة وتم توزيع وتحديد أدوار من سيظهرون في الفيلم بمن في ذلك الكساسبة نفسه حيث نراه يدخل إلى ساحة تنفيذ حكم الإعدام مرتديا زي الإعدام فيسير بضع خطوات يتلفت حوله وينظر إلى المباني المهدمة وتبدو على وجهه علامات الندم والحسرة، الأمر الذي يؤكد أن هناك سيناريو مسبقا تمت كتابته وأن هناك عملية تصوير تتم بأكثر من كاميرا أو وقف التصوير وإعادة التصوير مرة أخرى. CUT ومن أكثر من زاوية تصوير.

ويوضح الباحث أنه يظهر في الخلفية جنود التنظيم بأجسام فتية وثياب عسكرية مهندمة بعدها يظهر الكساسبة داخل قفص حديدي ثم يظهر أحد القادة الملثمين والذي يعرفه الفيلم بأنه أمير إحدى المناطق التي قصفتها طائرات التحالف، ثم وقبل تنفيذ عملية الإعدام يعرض الفيلم لقطات جرافيك سريعة ومتلاحقة تتحول إلى نيران تملأ الشاشة، الأمر الذي يحدث قدرا من الإثارة، ثم يمسك هذا القائد الملثم شعلة من النار في مواجهة القفص الحديدي وبداخله الكساسبة ثم يشعل النيران في حبل مشبع بمادة تساعد على الاشتعال موصول هذا الحبل بالقفص الحديدي ليتم استعراض حركة النيران المشتعلة في الحبل من أكثر من زاوية، الأمر الذي يكشف عن وجود عملية  CUTأو توقف التصوير أكثر من مرة وإعادة التصوير من زوايا مختلفة.

ثم يستعرض الباحث بقية تفاصيل تنفيذ العملية حيث تصل النيران إلى القفص الحديدي وتشتعل في الكساسبة مشيرا إلى أن صناع الفيلم يدركون أن مشاهد إحراق إنسان حي قد تثير تعاطف الكثيرين لذلك يسارعون بكتابة فتوى للإمام ابن تيمية -تم التلاعب بها- تظهر على الشاشة أثناء مشاهد الحرق، ويرى الباحث أن لكتابة هذه الفتوى أثناء هذه اللقطات عدة أهداف من بينها:

1- محاولة التأصيل الديني للجريمة التي يراها المشاهد فيحولون "الجريمة البشعة" إلى "قصاص عادل مبرر بالدليل الشرعي.

2- شغل ذهن المشاهد الذي لا يطيق رؤية "المشهد البشع" بقراءة الفتوى والتفكير فيها وفي صاحبها.

3- شغل ذهن المتلقي بمناقشة هل قَتل الكساسبة بهذه الطريقة حلال أم حرام؟ ولم يتحدث عن عملية القتل نفسها أي أنه تجاوز فكرة "حرمة دم الكساسبة".

ثم ينتقل الباحث إلى تحليل نهاية الفيلم فيشير إلى أن اختتام الفيلم يتم بنشر قائمة عريضة بأسماء طيارين آخرين على قوائم المطلوبين من قبل تنظيم الدولة مع الإعلان عن مكافأة بقيمة مائة دينار ذهبي لمن يقتل طيارا "صليبيا" وهو ما يعد إرهابا للقوات المشاركة في التحالف الدولي ليس لهم وحدهم بل ولأسرهم وذويهم.

ولاحظ الباحث أن الفيلم عرض ثلاث شخصيات درامية وهي: شخصية الضحية ممثلة في عموم المسلمين الذين قصفتهم قوات التحالف، وشخصية الجاني ممثلة في الكساسبة وقوات التحالف، وشخصية البطل المخلص أو المنقذ وهو تنظيم الدولة ورجاله، غير أن الفيلم لم يستعرض أيّا من خسائر تنظيم الدولة من جراء الطلعات الجوية لقوات التحالف وذلك لأن إعلام تنظيم الدولة لا يظهر التنظيم إلا في صورة البطل المخلص للأمة المستضعفة.

ويرى الباحث أنه تم توظيف عنصر الأزياء بطريقة تخدم أهداف الفيلم فالكساسبة لم يظهر في الفيلم إلا بزي الإعدام باستثناء لقطات أرشيفية أثناء أسره، الأمر الذي يريد من خلاله صناع الفيلم إلقاء الرعب في نفوس أعدائهم فأي جندي أو ضابط يقع في أيدي التنظيم فهو في حكم الميت، في المقابل نجد حرصا من إظهار جنود الدولة بزي مهندم لا تظهر عليه آثار قصف أو أثار معارك أو حتى آثار المبيت في العراء والهدف من ذلك هو الحفاظ على الصورة الذهنية للبطل.

ولاحظ الباحث أن من المفارقات العجيبة الجديرة بالتوقف عندها توظيف الكساسبة بشكل احترافي في إنتاج الفيلم في حركاته ونظراته مضيفا أنه قد يتساءل البعض: ما الذي دفع الكساسبة بالإذعان للتنظيم والموافقة على تنفيذ السيناريو المكتوب لا سيما وأنه مقتول لا محالة؟

ويرجح الباحث أن يكون الكساسبة قد تعرض لعملية خداع من قبل عناصر التنظيم حيث أقنعوه بالتعاون معهم في إنتاج الفيلم وتم إيهامه بأن الفيلم مجرد عملية إرهاب وتخويف للسلطات الأردنية ولقوات التحالف ولن يتم حرقه، فتعاون معهم في الإدلاء بالاعترافات التي أرادوها وفي مناشدته زملاءه الطيارين وأهاليهم بعدم المشاركة في هذه الحرب، وتعاونه في حركته أمام الكاميرا من أكثر من زاوية، مع إعادة المشهد أكثر من مرة، وفي النهاية تمت عملية الحرق.

ويخلص الباحث من تحليل الفيلم إلى أنه أحدث صدمة ورعبا كبيرين لدى الكثيرين وأنه تتجلى به بوضوح إمكانيات وقدرات التنظيم من الناحية الفنية والإعلامية بهدف إحداث حالة من الرعب، وهذا هو جوهر الخطاب الإعلامي للتنظيم.

وكانت هذه النتيجة هي نفس ما توصل له الباحث بعد تحليل تفصيلي لفيلم التنظيم الخاص بعملية ذبح الواحد والعشرين مصريا على البحر الأبيض المتوسط على أحد الشواطئ الليبية.

وفي ختام الدراسة خلص الباحث إلى عدة نقاط اعتبرها "دلالات الخطاب الإعلامي لتنظيم الدولة" ولخصها في الآتي:

1- استغلال حالة الضعف التي تعاني منها كثير من الأقطار العربية والإسلامية وتقديم الأمة الإسلامية في صورة الضحية.

2- تقديم أعداء التنظيم في صورة الجاني سواء كان هذا العدو هو "الصليبي الكافر" أو الأنظمة "العميلة المرتدة" أو عموم "المرتدين" من المسلمين أو من الذين كانوا مسلمين.

3- تقديم أفراد وقيادات تنظيم الدولة في صورة البطل المنقذ الذي يخلص الأمة من العدو المعتدي.

4- رفض فكرة السلمية في التعامل مع "الأعداء" والحرص على بث الرعب في نفوسهم وتصوير من يقع في أيديهم بشكل مهين.

5- التقليل من شأن الأعداء وتصويرهم في أسوأ صورة للتأكيد على أنهم "غير معصومي الدم" ويستحقون ما ينزل بهم من عقاب جزاء ما يقترفون بحق المسلمين.

6- الحرص على إبراز أصالة الفكرة الإسلامية لدى التنظيم من خلال الإكثار من الاستشهاد بالنصوص الدينية، سواء القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف، وأحيانا بأقوال العلماء السابقين بهدف التأثير على المتلقي لاسيما لو كان هذا المتلقي ممن يتمتعون بقدر من الثقافة الدينية.

7- مخاطبة أفراد التنظيم والمتعاطفين معه خطابا عاطفيا يحاول توظيف الدين لخدمة التنظيم وأهدافه.

8- الحرص على أن تكون جميع أخبار التنظيم إيجابية وعدم نشر أي خبر سلبي.

9- التنويع في الخطاب الإعلامي بما يتناسب مع طبيعة الموضوع وثقافة المتلقي، الأمر الذي يضطر الآلة الإعلامية للتنظيم إلى أن تتبنى خطابا تقليديا في بعض الأحيان.

10- استغلال جميع الإمكانيات والتقنيات الحديثة في خلق صورة مبهرة للمشاهد تجعله أكثر إعجابا وانبهارا بالتنظيم ورجاله.

11- فرض وتمرير مصطلحات تعبر عن الفكر الأيدلوجي للتنظيم والإلحاح في استخدامها.

وإزاء هذه الحالة الإعلامية لتنظيم داعش والتي استطاعت أن تساهم في تعقيد المشهد السياسي في المنطقة برمتها فإن الباحث وضع عددا من التوصيات لطريقة التعامل مع هذا الخطاب، ومن هذه التوصيات:

1- عدم حجب المواد الإعلامية التي ينتجها التنظيم لأن الحجب قد يأتي بنتائج عكسية تدفع الشباب للبحث عن التنظيم ومنتجاته الإعلامية في وقت بات من المتعذر فيه حجب المعلومة عن المتلقي.

2- التوصية بضرورة تغطية أو حذف المقاطع البشعة مراعاة لقيم حقوق الإنسان وقبلها القيم الدينية.

3- كما يوصي البحث ببث مواد توعوية في ذات الوقت لتوعية الشباب تشرح لهم صحيح الدين وفق رؤية واضحة لا تعمد إلى مجرد الرد على فيديو أو رسالة للتنظيم ولكن تكون هناك منهجية واضحة مستمدة من صحيح الدين.

4- ضرورة العمل على مواجهة فكر تنظيم الدولة بكافة الوسائل بما في ذلك الوسائل التقليدية.

5- نحتاج إلى مواجهة هذا الفكر بطرق غير تقليدية وغير مباشرة لمخاطبة شرائح أخرى من الشباب من خلال إنتاج درامي – مثلا- يسعى للتأثير في الشباب بطرق هادئة تؤتي ثمارها على المدى البعيد.

6- يوصي البحث بعقد جلسات ولقاءات موسعة لشباب نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي من مختلف دول العالم الإسلامي ويتم خلال هذه اللقاءات طرح قضية للنقاش من القضايا التي يتبناها التنظيم ويفكر الشباب أنفسهم في القضية ويضعون حلولا عملية ينهضون هم وزملاؤهم بإنجازها.

7- من الأهمية بمكان أن نحدد موقفنا من بعض علماء السلف ولا نترك تراثهم نهبا للجماعات المتطرفة وأخص بالذكر هنا الإمام ابن تيمية - رحمه الله - فمن الأهمية بمكان أن نعيد قراءة تراثه وشرحه للشباب وتوضيح أن ما تستند إليه بعض التنظيمات المتطرفة من آراء منسوبة لابن تيمية يتم تحريفها وانتزاعها من سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي الذي صدرت فيه.

8- إتاحة مساحات أكبر أمام الشباب في عالمنا العربي للتعبير عن قضاياه السياسية والاجتماعية والقضايا العامة، بل وإشراك الشباب في دوائر صنع القرار، فالملاحظ أن التنظيم استغل ما يمكن أن نسميه "انتكاسة ثورات الربيع العربي" ليقول للشباب إن الحل ليس في "الديمقراطية" و"الحريات الزائفة"؛ إنما الحل في التنظيم من خلال المواجهة المسلحة، وإزالة "الطواغيت".

9- نحتاج المزيد من الدراسات والأبحاث التي تغوص في أعماق هذا التنظيم وتكشف نقاط قواه ونقاط ضعفه وكيفية مواجهته على مستويات مختلفة ولا نكتفي بتبني خطاب إعلامي مفاده أن هؤلاء أشرار إرهابيون، لا تسمعوا لهم وفقط، بل يجب أن نكشف زيف وخلل وضلال هذه التنظيمات بدراسات علمية مقنعة.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق