بالأدلة.. السعودية تواجه مخططاً إعلامياً يقوده اللوبي الأميركي الإيراني
الثلاثاء 29 نوفمبر 2016

 

 نيويورك: جوزيف براودي – مجلة المجلة 20/11/2016

 

في عام 2016، كشف موقفان يتعلقان بالضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على السعودية عن مدى التوتر الذي وصلت إليه العلاقات بين البلدين، وعمق التحدي الكامن في عملية إصلاحها. الموقف الأول يخص ردود الفعل السياسية والشعبية الأميركية على إعدام الإرهابي نمر النمر في شهر يناير (كانون الثاني)، والثاني يتعلق بتصويت مجلس الشيوخ الأميركي على رفض فيتو الرئيس أوباما على مشروع قانون (جاستا) في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

عندما وصلت أنباء إعدام نمر النمر إلى واشنطن، أعد البيت الأبيض مادة صحافية ونشرها بين المراسلين المتعاطفين قبل أن تتوفر الفرصة لمؤيدي السعودية بجمع الحقائق للرد. وفي واحد من عشرات الأمثلة، ذكر مقال منشور في «نيويورك تايمز» في الثالث من يناير أن «الكثير من كبار مسؤولي الإدارة أعربوا سرا عن غضبهم من السعوديين، وبسبب «الاستخفاف المتهاون» بكيفية تأثير ذلك في إشعال المنطقة، تكون رأي في الولايات المتحدة بأن الرياض أعدمت «رجل دين»، وتم اعتبار الأصوات الضئيلة نسبيا التي عارضت تلك الرؤية السائدة بأدلة على تورط نمر النمر في أعمال إرهاب كأصحاب أجندات دعائية.

أسئلة كثيرة بلا أجوبة تتعلق بجاستا

في 28 سبتمبر الماضي، صوَّت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية واضحة على إلغاء فيتو الرئيس أوباما على مشروع قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» (أو ما يُعرف بجاستا)، والذي يسمح للمحاكم الفيدرالية الأميركية بممارسة الاختصاص الشخصي على أي دولة أجنبية تقدم دعما لأي عمل إرهابي يستهدف مواطنا أميركيا أو ممتلكات أميركية.

لا تزال أسئلة كثيرة بلا أجوبة تتعلق بما إذا كان مشروع القانون يحمل بالفعل قوة القانون كاملة كما هو مخطط أم لا. ولكن يتضح أمر واحد: سوف يسمح القانون، كما يرغب واضعوه وكثير من مؤيديه، لضحايا هجمات 11 سبتمبر وغيرها من الاعتداءات بالمضي قدما في خطتهم لمقاضاة الحكومة السعودية بسبب مزاعم بضلوعها في الهجمات.

يعكس الموقفان معا حقيقتين صارختين عن المناخ الذي يتم فيه وضع السياسات واتخاذ الإجراءات الأميركية تجاه السعودية. أولا، لا يمكن تفسير العناصر التي تتحدى المصالح السعودية في الولايات المتحدة وفقا لخلاف سياسي حزبي بسيط. من جهة، على الرغم من تعليقات الرئيس أوباما الساخرة عن التحالف الأميركي السعودي، وعلى الرغم من عادة متحدثيه المعروفة بالتنديد بالسعودية في تصريحات لصحافيين أميركيين مع عدم ذكر أسمائهم، كان الرئيس أوباما هو من تحرك لإصدار فيتو ضد مشروع قانون جاستا. في الوقت ذاته، مع الموقف الصارم الذي يتخذه كثير من مشرعي الحزب الجمهوري تجاه إيران وانتقاداتهم اللاذعة لأوباما بسبب تعريضه التحالف التقليدي الأميركي مع البلدان العربية ومنها السعودية للخطر، صوتوا بأغلبية كاسحة لرفض فيتو الرئيس.

النقطة الثانية التي يبرزها الموقفان هي أن مجموعة كبيرة من جماعات الضغط الأميركية وشركات العلاقات العامة، لا تكفي لمواجهة تلك الحملات الكبيرة ضد المملكة، سواء في دوائر الرأي العام أو أروقة صناعة القرار في واشنطن. بمعنى أن السعودية لا تواجه مشكلة خطيرة فحسب، بل إنها لا تملك حتى الآن الأدوات الكافية للتعامل مع المشكلة.

تمويل صندوق «بلوشيرز»

وسط تلك البيئة العدائية، كما هو معروف أيضا، يشهد أفراد أميركيون ومؤسسات أميركية ممن يرغبون في رؤية تطبيع العلاقات مع طهران «ربيعهم» الخاص. بتمويل من «صندوق بلوشيرز» وفي بعض الحالات الحكومة الإيرانية ذاتها، سواء عبر وسائل غير مباشرة أو مستترة، تُقيم جماعات الضغط الفعلية مثل المجلس الوطني الأميركي الإيراني والمجلس الأميركي الإيراني علاقات قوية مع إدارة أوباما والنخب السياسية ووسائل الإعلام وبدرجة ما الأميركيين على مستوى شعبي. كما أسس نشطاء موالون للنظام «المونيتور» المجلة الإلكترونية ذات الشعبية الهائلة المتحيزة بقوة تجاه إيران والتي أصبحت أشهر مصدر للمعلومات والتحليلات المتعلقة بالشرق الأوسط في واشنطن. في الوقت ذاته، سمح تزامن وسائل التواصل الاجتماعي لنشطاء المعارضة السعودية والبحرينية بتقديم معلومات مغلوطة بشأن الحقائق في السعودية لمنظمات حقوق الإنسان، التي استغلوها كوسائل أخرى للضغط.

إذا كان هناك أمر واضح، فهو أن الأنماط التقليدية لإدارة العلاقات في واشنطن تحتاج إلى المراجعة وإعادة التقييم. تحدث الراحل جيه كراوفورد كوك، الخبير في قيادة اللوبيات، في إيجاز عن كيفية إدارة السعودية لأنشطتها في الولايات المتحدة قائلا: «سعت السعودية للتأثير على القِلة التي تؤثر على الكثرة، بدلا من التأثير على الكثرة التي يجب أن تستجيب لها القِلة». باعتمادها على إقامة علاقات مع عدد ضئيل من رموز النخبة في دوائر صناعة القرار، أصبحت المملكة معتمدة عليهم. وعندما كان هؤلاء الأشخاص يملكون السلطة والنفوذ، كانت المملكة تحظى بالنجاح في واشنطن. ولكن عندما فقدوا السلطة والنفوذ أو قطعوا علاقاتهم مع المملكة، أصبحت السعودية تملك وسائل أقل للدفاع عن ذاتها في أوساط الرأي العام الأميركي أو لدى الإدارة الأميركية. يأتي ذلك في تناقض مع ما حققته جماعات المصالح الأكثر نجاحا في الولايات المتحدة، التي أقامت علاقات بين كل من النخب والجماهير مع الدولة ومؤسساتها وشعبها.

في هذا التقرير الخاص، تسعى «المجلة» عبر لقاءات مع متخصصين في الإعلام والسياسة الخارجية في الولايات المتحدة، مع دراسة مدعمة للخطاب العام الأميركي، إلى استخلاص بعض الحقائق بشأن الإعلام الأميركي والرأي العام وآلية صناعة القرار في الوقت الحالي، بالإضافة إلى تحليل أهميتها للموقف الذي يجد السعوديون أنفسهم فيه في الولايات المتحدة اليوم.

الدجاجة أم البيضة؟

المعضلة الأساسية بشأن العلاقة بين الإعلام وصناعة القرار السياسي في أي مجتمع ديمقراطي هي: هل يؤثر الإعلام في صناعة القرار السياسي أم يستخدم صُناع القرار السياسي الإعلام لتكوين تأييد شعبي للقرارات التي يخططون بالفعل لاتخاذها؟ الأمر أقرب إلى السؤال القديم: «أيهما يأتي أولاً الدجاجة أم البيضة؟».

تأكيدا على الأمر، توجد أدلة كثيرة في الأعوام الأخيرة على أن البيت الأبيض، في عزمه على الترويج للاتفاق النووي مع إيران، عمل عبر الإعلام لاستدراج الشعب الأميركي بالإضافة إلى تقويض الأصوات التي تعارض الاتفاق. ظهرت حقيقة بذل جهد من ذلك النوع بجرأة أمام الجمهور في مقال نشرته «نيويورك تايمز» عن مسؤول الإعلام في البيت الأبيض بن رودس، الذي كان مسؤولا أكثر من أي شخص إلى جانب الرئيس ذاته عن الترويج الناجح للاتفاق الإيراني أمام الشعب. وصف المقال ببراعة بن رودس كما يلي:

«إنه راوٍ يستخدم أدوات الكاتب لتقديم أجندة مغلفة بغطاء سياسي ولكنها أحيانا ما تكون شخصية. وهو بارع في بناء حبكات عامة بها أبطال وأشرار، ويقدم صراعاتهم ودوافعهم بمجموعة منتقاة بعناية من الصفات والأحاديث والتسريبات على لسان مسؤولين رفيعي المستوى مع ذكر أسمائهم أو من دون ذكرها. وهو الصانع والراوي الأول لخطاب السياسة الخارجية لأوباما، في وقت اجتاحت فيه أمواج وسائل التواصل الاجتماعي الهائلة القلاع الرملية التي كانت تبنيها الصحافة التقليدية… ويظل من المدهش عدم تملكه خبرة واقعية تقليدية من النوع الذي يسبق عادة تحمل مسؤولية مصير الأمم – مثل الخدمة العسكرية أو الدبلوماسية، أو حتى درجة الماجستير في العلاقات الدولية، بدلا من الكتابة الإبداعية».

قدم رودس، الذي تحدث بصراحة مذهلة عن عمله، رؤية ذات صلة بمسألة «الدجاجة أم البيضة». بعد تأكيده بثقة عفوية على أنه من وضع إطار خطاب الإعلام الأميركي عن الاتفاق الإيراني – وبالتالي ما يدركه الشعب الأميركي عن الاتفاق – صرح موضحا نقطة الضعف الجوهرية في الإعلام الحالي والتي جعلت سيطرته ممكنة: «كانت كل تلك الصحف تملك مكاتب في الخارج. والآن لم يعد لديها مكاتب، بل يتصلون بنا لنشرح لهم ما يحدث في موسكو والقاهرة. أغلب وسائل الإعلام تقدم تقاريرها عن الأحداث العالمية من واشنطن. ويبلغ متوسط عمر المراسل الذي نتحدث معه 27 عاما، وخبرته في العمل الصحافي تشمل حضور الحملات السياسية فقط. وذلك تغيير تام. فهم لا يعرفون شيئا حرفيا». بمعنى أنه في ظل ضعف المؤسسات الإخبارية الأميركية جراء تخفيضات الميزانية وتحول المحتوى الإخباري إلى سلعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الإدارة الأميركية – بسلطتها ومكانتها ومصادرها المعلوماتية الشاملة – مدخلا مسيطرا على دورة وسائل الإعلام لا سيما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.

في حين أن هناك بعض الحقيقة في تصور رودس عن أهميته المدهشة، هناك صورة أخرى تشير إلى أنه بغض النظر عن حجم ضعف الإعلام، فهو يظل قويا في التأثير على قرارات صُناع السياسات داخل الحكومة. ذلك ما يقوله آدم غارفنكل، مؤسس مجلة «ذا أميركان إنترست»، الذي يملك أيضا خبرة كبيرة في الإعلام الحكومي، بصفته كاتب خطابات سابق لوزيري الخارجية كولن باول وكوندوليزا رايس. يقول غارفنكل: «اذهب إلى أي مبنى حكومي وستجد أن التلفزيون دائما مفتوح وهؤلاء الأشخاص لا يقرأون شيئا. إنهم يفعلون فقط ما يفعله الجميع: يشاهدون التلفزيون ويتصفحون الإنترنت وذلك هو إطار معلوماتهم.

كيف يؤثر الإعلام في السياسة؟

لقد أنشأ إطارا معلوماتيا، بموجبه يتم اتخاذ كل قرار. تلفزيون. إذاعة. إنترنت. تواصل اجتماعي. إنها كل تلك المصادر السطحية التي تقودها الصورة أو التعهيد الجماعي. ونظرا لانهيار النموذج التجاري لوسائل الإعلام المطبوعة الجادة، هذا ما تبقى قائما».

وهكذا ربما يكون الإعلام أكثر سطحية من الماضي، وأصبح أقل إمكانية من الماضي على التزود الجيد بأدوات جمع معلوماته الخاصة بمهنية ونزاهة. ولكن من وجهة نظر غارفنكل، لم تقِل قدرة الإعلام على التأثير – ومن المرجح أن يكون كبار صُناع القرار في الحكومة عرضة للتأثر بتغطية المراسل الذي يبلغ من العمر 27 عاما، تماما مثلما هم قادرون على السيطرة عليها. يضيف غارفنكل أن انتشار الأخبار الآنية عبر القنوات الإخبارية التي تعمل على مدار 24 ساعة ووسائل التواصل الاجتماعي يعني أنه حتى وكالات الأنباء التي لا تزال تملك مكاتب خارجية في جميع أنحاء العالم أصبحت ضعيفة: «كان من المعتاد منذ 25 عاما أن جميع الصحف تضع جدول البرامج التلفزيونية. الآن تغير الوضع. تحول التقارير الإلكترونية السريعة التي يذيعها التلفزيون والإنترنت أخبار أي صحيفة إلى قديمة في الوقت الذي يمكن نشرها فيه. عندما نقرأ عنوانا في (واشنطن بوست) نقول: (أعلم ذلك. شاهدته منذ ساعات)».

يقول غارفنكل إنه حقا لا يستبعد ادعاء رودس بأنه استطاع استخدام دورة الأخبار والهيمنة عليها، موضحا أن ذلك دائما ما تحاول الشخصيات السياسية الكبيرة فعله، غير أنهم أحيانا ما ينجحون وأحيانا أخرى يخفقون: «الأشخاص الموجودون في قمة الحياة السياسية في الوقت الحالي لأنهم يعيشون في هذا العالم طوال الوقت يعرفون كل ذلك. والأشخاص في الإدارة يعملون في الحملات – أي التأثير على الإعلام واستغلاله، والأشخاص الذين يستعينون بهم من داخل وخارج وسائل الإعلام». ولكنه يؤكد على وجود تحول في أسلوب وإيقاع وطبيعة السياسة الخارجية الأميركية، والإعلام يجلس في مقعد القيادة: «من الضروري أن تستخدم المشاعر لجذب انتباه الناس. يمثل ذلك 90 في المائة من اللعبة. بمجرد أن تلفت انتباههم يمكنك أن تقول أي شيء لمدة 30 ثانية. ولكن الأمر كله يتعلق بالترفيه، واستخدام لغة إعلانية قوية مختصرة، ويعد استخدام المجاز مهارة: من فاز ومن خسر، لا وقت لمناقشة قضية لأنها سوف تتطلب تفكيرا، وسوف تحتاج إلى استمرار جذب انتباه المشاهد أو المستمع لمدة تزيد عن 15 أو 20 ثانية. لذلك تعتمد جهود التسويق على المشاعر، ولهذا السبب التلفزيون خاضع للصورة بالأساس وليس للكلام. والنتيجة هي إغراقه كلية بفن الأداء، ولا يمكن استحضار القدرات النقدية للمشاهدين عندما يصبح ذلك هو أسلوب العرض. والخلاصة أن وسائل الإعلام في الأساس تستعمر خطابنا السياسي».

تحمل تلك الملاحظات نتيجة ذات مغزى لمحاولات من هم خارج الولايات المتحدة –ومنهم السعودية – للتعبير عن آرائهم في النقاش حول الإعلام والسياسات الأميركية: في مجتمع ديمقراطي، يستطيع المراسل ذاته الذي يبلغ من العمر 27 عاما، والذي يسعى رودس إلى السيطرة عليه، الوصول إلى آخرين خارج الحكومة ربما يملكون مادة يقدمونها لا تقل تأثيرا وربما تكون أكثر صدقا وجدارة بالثقة. ولكن من يكون ناقل المعلومات المناسب للمراسل؟ ومن هو أنسب من يقيم مثل تلك العلاقات؟

 معروف أن الإعلام في أي بيئة، والموجه بالضرورة نحو التكافؤ العاطفي لجمهوره على وجه التحديد، يمكن أن يخوض فيه بكفاءة الأشخاص الذين يألفون عن قرب لغة الجمهور وثقافتهم. وإن لم يكونوا من أبناء البلد، فيجب أن يكونوا قد خصصوا وقتا وجهدا كافيين للانغماس في ذلك البلد والحياة بين أبنائه من أجل التواصل بفاعلية معهم – أو بدلا من ذلك لا بد أن يجدوا وسيلة للتشارك بسلاسة مع أبناء البلد في تطوير المحتوى الإعلامي. في الوقت ذاته، هناك بالطبع قيمة متأصلة في المعرفة التي يملكها، على سبيل المثال، المواطنون السعوديون عن السعودية والتي لا يمكن أن تضاهيها معرفة الغرباء عن الدولة. وبالتالي من البدهي أن أكثر حملة إعلامية فعّالة يمكن أن تشنها قوى أجنبية في الولايات المتحدة هي تلك التي تعتمد على شراكة قوية مع مجموعة من الأميركيين ذات دوافع قوية.

أحد الأمثلة الواضحة التي تطرأ على الذهن هي دولة إسرائيل، التي تنسق عن قرب منذ عقود مع أعضاء مؤيدين من الجالية اليهودية الأميركية، وكثير منهم يعملون في الإعلام، للتعبير عن الموقف السياسي للدولة في المناقشات السياسية الأميركية والتقارير الإخبارية والثقافة الشعبية. ولكن هناك أمثلة أخرى جديرة بالملاحظة، وإيران واحدة منها. يقدم كل من إصدار «المونيتور» وجماعات الضغط الإيرانية (مثل المجلس الوطني الأميركي الإيراني) المذكورين آنفا نماذج موضحة للبراعة الإيرانية مزدوجة الجنسية والثقافة بفضل أبنائها وبناتها الذين رسخوا جذورا لهم في الولايات المتحدة.

مليون أميركي من أصل إيراني يعيشون في الولايات المتحدة

هناك نحو مليون أميركي من أصل إيراني يعيشون في الولايات المتحدة في الوقت الحالي. في الماضي، كان ذلك المجتمع مكونا في الغالب من لاجئين إثر الثورة الإيرانية عام 1979. وكانوا ينظرون إلى نظام الملالي في طهران بكراهية شديدة. على النقيض من العمل لمصلحة طهران في أميركا، شكلوا معقلا جديرا بالثقة لتأييد الموقف الأميركي الذي يجابه ذلك النظام. بيد أن الأوضاع تغيرت على مدار الجيل الماضي وفقا لاتجاه ثقافي يمكن رؤيته أيضا بين الأميركيين من أصل كوبي، والذين كان آباؤهم وأجدادهم من أشد المعارضين لنظام كاسترو. يتشوق الجيل الشاب الذي نشأ وهو يسمع عن بلاده الأصلية فقط عن طريق الحكايات والذكريات وصور آبائه وأجداده القديمة إلى الشعور بالاتصال بتلك البلد التي جاء منها أجداده – والشعور بالأصالة يأتي فقط من خلال إقامة علاقات مباشرة عميقة. والنتيجة هي أن الكثير من هؤلاء الشباب يميلون لتأييد سياسات تسمح سريعا بتطبيع العلاقات مع حكومة بلادهم الأصلية الحالية قدر الإمكان. كما أنهم أكثر انفتاحا للغاية على المبادرات السياسية التي يبديها رموز السلطة في إيران – أو الوكلاء لينو الحديث الذين استعان بهم النظام وأعدهم للعمل على تجنيد حلفاء داخل المجتمع الأميركي الإيراني.

نتيجة لذلك، تتمتع جماعات مثل المجلس الوطني الأميركي الإيراني إلى حد ما بنوع من العمق الاستراتيجي الذي تتمتع به جماعات الضغط التي تضم مواطنين أصليين بالكامل – بالإضافة إلى قدرات تتعلق بازدواج اللغة والثقافة للتنسيق بين الحكومة الإيرانية ومؤيديها في الولايات المتحدة. إضافة إلى الأنشطة التي يطلقها المجلس بمفرده، يمكنه أيضا أن يستفيد من شبكة من الأميركيين المتعاطفين في شتى المجالات – ومن بينها الحكومة والإعلام والقطاع الخاص والمهن المختلفة – والذين قد يكون من بينهم أميركيون من أصل إيراني بالإضافة إلى أميركيين من أصول عرقية أخرى يقيمون معهم صلات شخصية عميقة على مدار فترات طويلة.

تظهر قوة ذلك التحالف متعدد اللغات والثقافات أيضا في إصدار «المونيتور» الذي حقق نجاحا هائلا. إنه إصدار إلكتروني فقط – ينتهج استراتيجية شابة ماهرة في الترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعي – يتكون فريقه إلى حد كبير من مجموعة من الصحافيين والمحررين الأميركيين وزملائهم في دول تملك فيها إيران ميليشيات وكيلة وأبرزها سوريا ولبنان بالإضافة إلى إيران ذاتها. يعمل الفريق المتنوع على ملء الفراغات لدى بعضهم البعض: فالمراسلون الأميركيون يغطون أخبار واشنطن بمهارة، بينما يعمل المحررون والكُتاب من أبناء البلد مع صحافيين من الشرق الأوسط على إعادة صياغة أعمالهم لتجذب القراء الأميركيين، ثم يسوقونها وينشرونها على أساس يومي.

ربما يوصف عامل آخر في نجاح «المونيتور» بـ«مدرسة الـ85 في المائة». تعلم قيادة المؤسسة أنه في أي دولة ديمقراطية، يتحسس الجمهور من المحتوى الإعلامي الذي ينقل رسالة واحدة موحدة. بمعنى أنك عندما تنشأ على الاعتقاد بتنوع الآراء ومبدأ أنه لا يوجد طرف يحتكر الحقيقة، سوف تشعر تلقائيا بالارتياب تجاه أي مصدر معلومات ينكر صدق أي آراء معارضة. وبالتالي، حاول «المونيتور» جاهدا نشر مقالات قليلة متناثرة تنتقد إيران ونظام الأسد وما يسمى «حزب الله» (لنقل مثلا نحو 15 في المائة من المحتوى أو أقل)، لتخدم بكفاءة غرض الترويج لمصداقية 85 في المائة من المحتوى الذي يقدم رسالة طهران إلى الشعب الأميركي. تجب الإشارة إلى أن بين أقلية الآراء التي تنشر في «المونيتور» لإضفاء تلك القشرة الموضوعية عددا قليلا من المواطنين السعوديين الذين يحملون آراء تدافع عن السعودية بين صفحات الموقع. ويبدو أنهم تحت تأثير المبدأ الأميركي: «إذا لم تستطع هزيمتهم، انضم إليهم» – بمعنى أنه في ضوء الشعبية الهائلة التي يتمتع بها «المونيتور»، ربما يستفيدون أيضا من فرصة استخدامه كمنصة للوصول إلى الجمهور الأميركي. ولكنهم بذلك يمنحون الموقع أداة قوية للغاية لنفي الادعاء بأنه إصدار «معادٍ للسعودية».

يلاحظ آدم غارفنكل، الذي ينتقد نظام طهران باستمرار، أن الإيرانيين يملكون «كفاءة عالية» في التعامل مع الإعلام الأميركي، بأسلوب لا يملكه العرب المؤيدون للموقف السعودي في الشؤون الإقليمية. ويقول: «كثير مما يصلني (من مؤسسات ضغط وشركات علاقات عامة) باسم الدول العربية مريع. إنه ثنائي الأبعاد. يمكنك أن ترى بوضوح من يخاطبك ولماذا. وهو أقل تعقيدا من المادة الإيرانية، ومن المؤسف أن من يقدمه أشخاص لا يملكون وعيا إعلاميا بالطريقة التي تناسب الجمهور الغربي. ربما يرجع ذلك لأسباب كثيرة، يعاني فن الخطاب السياسي في العالم العربي في العقود السابقة من الضعف، ويوجد عدد كبير من الأشخاص الذين لم يشهدوا تطور عناصر النقاش المعقدة، بل يخرجون ويلقون ببضاعة زهيدة على الناس».

قوة الترفيه

في الوقت ذاته، يوجد مستوى آخر من الإعلام العام الذي يؤدي دورا أيضا في توجيه تصورات الشعب الأميركي عن أي دولة أجنبية: الإعلام الترفيهي. تُشكل القصص التي ترويها الأفلام والمسلسلات التلفزيونية معرفة الشعوب بـ«الآخر» البعيد، وتمهد الساحة بدرجة ما للتقارير الإخبارية التي تعتمد على الحقائق بشأن الأراضي البعيدة والتي يقدمها الإعلام الإخباري. في مرحلة مبكرة من تاريخ السينما الأميركية، كانت هناك درجة كبيرة من التفاهم المتبادل بين واشنطن وهوليوود يتعلق بجهود تشكيل الإدراك الشعبي للترويج لأجندة سياسية حماسية. على سبيل المثال، في أثناء الحرب العالمية الثانية، تم إنتاج الكثير من الأفلام الكبيرة التي تصور أشرارا من النازيين الألمان أو اليابانيين ضد البطل الأميركي، وبذلك يدعمون المناخ المعلوماتي الذي يستعد فيه الشباب الأميركي للذهاب إلى القتال خارج البلاد. في أعوام الحرب الباردة التالية، أثار عدد كبير من الأفلام المنفصلة غضب رواد السينما تجاه العدو السوفياتي، مثل فيلم «الفجر الأحمر» إنتاج عام 1984 الشهير الذي يقوم على تصور افتراضي بأن الاتحاد السوفياتي يغزو الولايات المتحدة ويحتلها.

في الوقت الحالي، يعتقد كثير من المراقبين، خارج الولايات المتحدة، أن صناعة السينما لا تزال مرتبطة سياسيا بواشنطن في تنسيق المحتوى الذي تنتجه وفقا لأولويات السياسة الخارجية الأميركية. ولكن الأمر لم يعد كذلك كما تقول مارثا بايلز، أستاذ الدراسات الإنسانية في كلية بوسطن ومؤلفة كتاب «عبر شاشة في الظلام: الثقافة الشعبية والدبلوماسية العامة وصورة أميركا في الخارج». توضح بايلز: «هوليوود مشروع تجاري تماما. ومن الواضح أن المنتجين توصلوا إلى فكرة أنه من الخطأ تقديم قوالب جاهزة، ومن ثم أصبحت هناك حساسية تجاه الأمر. ولكن لا يوجد قيادات سياسية في واشنطن تسيطر على الرسائل السياسية التي تقدمها أفلام هوليوود بأي درجة».

في الوقت ذاته، في مفارقة، اكتشفت بعض العناصر خارج الولايات المتحدة أنه من الممكن استغلال دافع الربح في هوليوود لكي تنتج صناعة السينما الأميركية أفلاما تروج لمصالح سياسية أجنبية – وليس أميركية، وحتى تلك التي تختلف مع السياسة الخارجية الأميركية. أبرز الأمثلة على ذلك الصين، التي تعد سوقا استهلاكية كبيرة للأفلام الأميركية – ويبدو أن القيادة السياسية تدرك أهمية التعاون طويل الأجل مع هوليوود من أجل تشكيل الأفكار عن الصين بما يصب في مصلحة بكين.

في مثال على هذه الظاهرة، تشير مارثا بايلز إلى أغنى رجل في الصين ونصير بكين القوي وانغ جيان لين، الذي تملك مجموعته الإعلامية (داليان واندا غروب) ثاني أكبر سلسلة مسارح في أميركا. في الخريف الحالي، وقعت شركة (سوني بيكتشرز) إحدى أهم شركات إنتاج الأفلام الأميركية صفقة للاستفادة من رأسمال وانغ الاستثماري. كما يُجري مباحثات أيضا بشأن صفقة محتملة بقيمة مليار دولار للاستحواذ على شركة الإنتاج المسؤولة عن جوائز (غولدن غلوب). يؤكد وانغ على أن كل تلك الجهود جزء من محاولته «لتغيير العالم الذي يضع قواعده الأجانب».

من وجهة نظر بايلز، ساهمت نتائج مساعي وانغ، إضافة إلى تلك التي حققها مستثمرون صينيون آخرون وجذب سوق المشاهد الصيني لأفلام هوليوود، مناخا في هوليوود تبدي فيه شركات الإنتاج «تملقا مذهلا للصين – مع عجز كامل عن عرض أي شيء سلبي عن الصين». في مثال على هذه الظاهرة، تذكر بايلز الجدل الذي ثار حول إعادة إنتاج فيلم عام 1984 «الفجر الأحمر» في عام 2011. عن طريق شركة (إم جي إم) في هوليوود. كانت إعادة الإنتاج في البداية ستتناول قيام القوات الصينية بدلا من السوفياتية بغزو واحتلال الولايات المتحدة. ولكن لأسباب لا يمكن فصلها عن المصالح التجارية لشركة الإنتاج، تم اتخاذ قرار في اللحظة الأخيرة بتحويل «الأشرار» من صينيين إلى كوريين شماليين. والآن يخضع فيلم جديد من فئة الخيال العلمي بعنوان «الجدار» The Wall لمرحلة ما بعد الإنتاج، تدور أحداثه حول صراع عالمي للدفاع عن الأرض ضد كائنات من الفضاء الخارجي، ولا يوجد حائط صد للدفاع عن البشر سوى سور الصين العظيم. ومن المتوقع أن تظهر الحكومة الصينية في صورة جذابة كحامية قديرة تدافع عن الإنسانية في مواجهة بربرية غير بشرية. وبذلك تبدد النظرة المنتشرة بأن الصين عدو، وتشجع الأميركيين على التطلع إلى بكين من منظور الشراكة.

تبذل بعض الدول في العالم العربي جهودا متواضعة بالمقارنة للاشتراك في عمليات إنتاج مع هوليوود، أملا في تعزيز مهنية صناعة السينما لديها أو لتشجيع منتجي الأفلام الأميركيين على تقديم بلادهم في صورة محببة، أو لكلا الهدفين معا. أحد الأمثلة على ذلك المغرب عبر ورززات عاصمة السينما بها. كذلك توجد مشروعات طموحة في إمارتي دبي وأبوظبي. ومنذ عدة أعوام، تواصلت معي مخرجة الأفلام الأميركية كاثرين بيغلو، أثناء إنتاج فيلم عن القوات الأميركية في العراق والذي فاز بجائزة الأكاديمية «خزانة الألم» (The Hurt Locker). طلبت مني مشورة بشأن مكان تصوير الفيلم، مشيرة إلى أن أفضل وأنسب خيار سيبدو في المغرب. وأضافت أن المملكة الواقعة في شمال أفريقيا ترتبط بشبكة علاقات جيدة في هوليوود، وأن هناك فريقا كاملا على استعداد لتسهيل جميع احتياجاتها في الدولة إذا اختارت العمل هناك. نصحتها بصفتي على دراية بالمنطقة بأن المملكة الأردنية بها أحياء وشوارع تشبه العراق أكثر من أي منطقة في المغرب، وأنه سيكون من الأسهل العثور على ممثلين عراقيين بين مجتمع اللاجئين العراقيين في عَمّان. وبعد بعض المجاملات والمقدمات الهاتفية بين الأطراف المعنية، اختارت بيغلو الأردن، وذهبوا لصناعة التاريخ. كان «خزانة الألم» أول فيلم تخرجه سيدة يفوز بإحدى جوائز الأكاديمية، كما أنه يمثل نصرا كبيرا للمملكة الأردنية في سعيها للشراكة مع الأميركيين لإنتاج عمل ترفيهي ذي جودة عالية. تقع عمليات «الإنتاج المشترك» المشابهة تحت تصنيف مختلف تماما عن القوة المالية التي تملكها الصين في إعادة تشكيل مؤسسات هوليوود لخدمة مصالحها. تسعى المغرب والإمارات ودول عربية أخرى إلى تحقيق أهدافها عن طريق الصداقة والاتفاق والتبادلية والموقف التجاري الذي يجعل مقترحاتهم مقبولة تجاريا إن لم تكن مسببة للتغيير. ولكن يمكن النظر إلى جهود المغرب في ذلك المجال، وربما يكون تاريخ تعاونه مع هوليوود هو الأقدم، بناء على اعتبارات الواقعية السياسية كحملة ناجحة طويلة الأجل لتشكيل تأييد شعبي للمغرب في الولايات المتحدة والحفاظ على تحالف مرن وطويل بين واشنطن والرباط.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق