إسلاميو ما بعد الحداثة وقضايا المرأة .. الهلالي نموذجا
الثلاثاء 29 نوفمبر 2016

 

 فاطمة عبد الرؤوف– كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

 

على الرغم من الأهمية الكبيرة لفكرة التجديد الديني التي شغلت كثيرا من المفكرين المسلمين وعقدت لها العديد من المؤتمرات، تلك الفكرة التي نبعت من قوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) رواه أبو داود، إلا أن بعضهم انزلق لمحاكاة المدارس الفلسفية الغربية بما تحمله من رؤية مغايرة فقط بعد إلباسها عباءة الدين وإسقاط أهم أفكارها على نصوصنا الإسلامية، ومن ذلك ما قام به الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، من تمثله وتبنيه لمقولات وأفكار مدرسة ما بعد الحداثة، خاصة المدرسة التفكيكية، وإسقاطه ذلك على التفسير القرآني والحديث النبوي ودعوته لمنهج فقهي جديد!

الراصد لمشروع الهلالي المرتكز على فلسفة ما بعد الحداثة نجد أنه يرتكز بصورة أساسية على الهجوم العنيف على الفقهاء والدعاة واعتبارهم أوصياء على الدين، واتهمهم بأنهم يتصورون أنفسهم أنبياء أو أنصاف آلهة، وله حلقات تلفزيونية مطولة خصصت فقط لأجل هذا الهدف، ونستطيع القول بلا مبالغة إن ما لا يقل عن 25 % من كل حلقة أو برنامج للهلالي يتم تخصيصها للانتقاص من الفقهاء وتحقيرهم وتصويرهم بصورة المتسلط الذي يريد فرض رأيه على العوام تماما كما (ترفض حركة ما بعد الحداثة كل عمليات التمثل كشكل الإنابة بمعنى أن شخصا يمثل الآخرين في البرلمان ...)([1]).

يرفض الهلالي دور الفقهاء والدعاة في توجيه الناس وإرشادهم لتعاليم الدين، ويرى في ذلك علوا وفسادا بينما يكون البديل الذي يطرحه الهلالي لدور الفقهاء والدعاة هو مجرد البيان والتوضيح، فعندما يَسأل أحدهم فقيها حول مسألة ما يقوم الفقيه بعرض جميع الآراء الواردة في هذه المسألة وينتهي دوره عند هذا الحد فلا يرجح رأيا على آخر، فليس للفقيه رأي وإنما ينقل فقط الآراء بينما يترك للسائل حرية الاختيار بناء على شعوره الشخصي مستدلا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ) رواه أحمد.

ولا يتورع الهلالي من ذكر أن هذا الشعور الشخصي يختلف بحسب ثقافة السائل وبيئته، بل ومصلحته، وبلفظه الحرفي اختيار التفسير يتوقف على بنيتك النفسية والذاتية، وهو نفس الموقف الذي اتخذته مدرسة ما بعد الحداثة عندما أعلنت موت المؤلف للنص الأدبي وتركت لكل قارئ حرية الفهم والتأويل والتحليل، المؤلف أو المفكر هو المعادل للمشرع الذي يقود الرأي العام هناك وهو ما تحاول ما بعد الحداثة تفكيكه والانقضاض عليه (في إطار مشروع الحداثة الغربي لعب المؤلف دور المشرع في المجتمع بمعنى طرح القيم والأفكار والمعايير التي على الناس أن يتبعوها، فنحن الآن نعيش عصر التنوع الذي لا ينبغي إلغاؤه باسم الوحدة)([2])، المدهش أن الهلالي يكاد ينقل المصطلحات الحداثية حرفيا، ففي برنامجه "فقهيات" يقول: (الدين متعدد. كل واحد يظهر بصمته الذاتية مع الله. في الدين كل واحد ريّس على نفسه)([3]).

ما بعد الحداثة كارثة فكرية يبدو أن الهلالي لا يدرك أبعادها النهائية، فالفكر النسوي المتطرف مثلا وهو يختلف تماما عن مدارس تحرير المرأة التقليدية والتي كانت تطالب بمنح المرأة المزيد من الحقوق أو حتى مساواتها الكاملة بالرجل، فالمدارس النسوية المتطرفة تلغي الرجل تماما وتتمركز حول الأنثى.

هذا الفكر النسوي المتطرف هو أحد إفرازات وتجليات ما بعد الحداثة (فكثير من الحركات التحررية في الغرب في عصر ما بعد الحداثة –عصر سيادة الأشياء وإنكار المركز والمقدرة على التجاوز وسقوط كل الثوابت والكليات في قبضة الصيرورة – تختلف عن الحركات التحررية القديمة التي تصدر عن الرؤية Humanist المتمركزة حول الإنسان في مراحل العلمنة الأولى التي انتقلت فيها القداسة واللمحة الغيبية من الله للإنسان، وكانت لا تزال تحمل آثار الولاء المسيحي الديني.

أما الحركات الجديدة فتؤكد فكرة الصراع بشكل متطرف، فكل شيء ما هو إلا تعبير عن موازين القوى وثمرة الصراع المستمر، والإنسان هو مجرد كائن طبيعي يمكن رده إلى الطبيعة المادية، ويمكن تسويته بالكائنات الطبيعية، وبالفعل يتم تسوية الإنسان بالحيوان والنباتات والأشياء إلى أن يتم تسوية كل شيء بكل شيء آخر، فتتعدد المراكز ويتهاوى اليقين ويسقط كل شيء في قبضة الصيرورة؛ ومن ثم تظهر حالة من عدم التحديد والسيولة والتعددية المفرطة، وفي هذا الإطار يمكن أن يخضع كل شيء للتجريب المستمر خارج أي حدود أو مفاهيم مسبقة (حتى لو كانت إنسانيتنا المشتركة التي تحققت تاريخيًّا) ويبدأ البحث عن أشكال جديدة للعلاقات بين البشر لا تهتدي بتجارب الإنسان التاريخية، وكأن عقل الإنسان بالفعل صفحة مادية بيضاء، وكأنه لا يحمل عبء وعيه الإنساني التاريخي، وكأنه آدم قبل لحظة الخلق، قبل أن ينفخ الله فيه من روحه، فهو قطعة من الطين التي يمكن أن تصاغ بأي شكل لا فارق بينها وبين أي عنصر طبيعي مادي آخر)([4])، هذا التعدد والتنوع الذي يبشر به الهلالي هو ما يطلق عليه الدكتور المسيري حالة السيولة المفرطة الناتجة عن تهاوي اليقين وهي النتيجة المنطقية واللازمة لفكر الهلالي، وتطبيق ذلك على الفكر الإسلامي كارثة محققة حيث سيتحول الإسلام لدين سائل لا قوام له ولا حدود، ومجرد مجموعة من القيم المجردة التي يتعامل معها كل إنسان بحسب ثقافته وحاجته.

القراءة التفكيكية

مدرسة ما بعد الحداثة تعد تفكيكا للمعرفة المتعالية في نظر أصحاب هذا الاتجاه ومن ثم من السلطة التي تمثلها هذه المعرفة، فهي تحرر من النموذج المعرفي الديني وتحرر من النموذج المعرفي العقلاني وهي خطاب لهدم السلطة والهيمنة أيّا كان مصدر هذه السلطة والهيمنة.

وتعد زعزعة الخطاب السائد هي المحور الأساسي الذي تقوم عليه فلسفة التفكيك، هذا التشكيك الذي يؤدي في المحصلة النهائية لتحطيم المرجعية مما يحتم النسبية ويشيع الفوضى أو كما يقول فيلسوف التفكيكية دريدا: (ما يهمني في القراءات التي أحاول إقامتها هو ليس النقد في الخارج، وإنما الاستقرار والتموضع في البنية غير المتجانسة للنصّ، والعثور على توترات، أو تناقضات داخلية، يقرأ النصّ من خلالها نفسه، ويفكك نفسه، أن يفكك النصّ نفسه فهذا يعني أنه يتبع حركة مرجعية ذاتية حركة نصّ لا يرجع إلاّ إلى نفسه، ولكن هناك في النّص قوى متنافرة تأتي لتقويضه وتجزئته)([5]).

وهو عين ما يقوم بتطبيقه عمليا وحرفياً الهلالي، ففي حواره مع عمرو أديب في حلقته الشهيرة عن الحجاب تلك الحلقة التي أثارت ضجيجا إعلاميا، نقل له أديب سؤال مشاهدة تسأل عن الحكم في خلع الحجاب من أجل الحصول على عمل تحتاجه ويشترطون عليها خلع الحجاب حتى يتم قبولها، رفض الهلالي الإجابة على السؤال وإنما استعرض آراء المفسرين في قوله تعالى: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور: 31)، ثم قال: "القرآن لم يوضح ما الذي ظهر منها هل هو ظهر بحكم الضرورة فيكون الثياب فقط أم بحكم الحاجة فيكون الوجه والكفين أم بحكم العادة وهي مسألة تختلف باختلاف المجتمعات"، تاركًا المشاهدة تختار ما يناسبها فكأن القرآن على هذا النحو كتاب مطلق النسبية تتعدد تفاسيره بتعدد الأفهام وكل إنسان يختار ما يحلو له، بل إن الهلالي يتعمد إثارة قلاقل وتوترات في النص كما أشار دريدا من خلال اصطناع فجوة ومحاولة ملء فراغها بمجموعة من الخيارات التي يراها متساوية، بحيث ينتهي هذا المنهج في نهاية المطاف بتفكيك المعنى المقصود وإبداله بالعديد والعديد من المعاني المطاطية التي ستصب في النهاية في صالح النفعية الفردية.

هذا المنهج هو الذي أوصله ليساوي بين الفقه الإسلامي والقانون الفرنسي، حيث قال: (فالفقه بجميع مذاهبه وضعي، لأنه استنباط عقلي بشري ويُنسب لصاحبه، والشافعي نفسه قال بذلك "قوْلي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب").

وأيضا قدم نفس التساؤل لهيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية: (كـلامكم شرعي أم وضعي؟ هل نمشي خلفكم أم مع الدستور!

 وأجيب بأن كل ما يصدر عن المجامع الفقهية في العالم وضعي، والقانون والدستور مرآة للفقه الإسلامي بآفاقه التعددية الفكرية الرحبة. والمجتمع حسم الخلافات الفقهية وجعلها في قائمة أو لائحة سماها الدستور أو القانون، فصارت هي الشرعية وهي "الإجماع" المعاصر حيث اتفق المصريون على قانونهم ودستورهم، وعلى أساتذة علم أصول الفقه أن يبينوا هذا للناس، لأن الإجماع هو اتفاق جيل من الأجيال أو أهل عصر من العصور على أمر معين.

هذا هو الخطاب الديني الذي يجب أن يسود، وليس الخطاب السائد الذي يقول للناس نحن سنحكمكم بالدين والشريعة وغيرنا سيحكمكم بالقانون الوضعي بتاع فرنسا وضد ربنا! هذه هي الجريمة التي نعيشها ولا أدري متى سيتم تصحيحها!)([6]).

نعم الأحكام الفقهية هي اجتهادات بشرية لكنها ذات مرجعية دينية بينما القانون الفرنسي مثلا لا يمتلك هذه المرجعية وهذا هو الفارق الذي تجاهله الهلالي تماما كما تجاهل المعنى الحقيقي لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (المائدة: 105) فاعتبر الآية مبررا لترك الدعوة والأمر بالمعروف واعتبرها نموذجا للحرية الشخصية المطلقة.

إنه المفهوم المشوه للحرية الدينية التي يدعو إليها الهلالي، الذي استعار كثيرا من الأفكار الفلسفية الغربية واستعار أيضا القيم الغربية وجعلها حاكمة على النصوص الشرعية، وبدلا من إنكار السنة النبوية كما فعل جمال البنا اعتمد كثيرا على التأويل المتعسف في قضايا المرأة كنموذج لهذا المنهج المتعسف في التأويل فجعل من قيم كالمساواة والعدل تطبيقا حرفيا لما تطالب به السيداو ووضع هذا الفكر كإطار مرجعي للأحاديث الخاصة بالمرأة([7]).

 

 



[1] - د. محمد يحيى فرج، إشكالية الحداثة وما بعد الحداثة.

[2] - المصدر السابق.

[3] - الحلقة رقم 53.

[4] - د. عبد الوهاب المسيري، التمركز حول الأنثى.

[5] - جاك دريدا: مقابلة أجراها كاظم جهاد، مجلة الكرمل.

[6] - د. سعد الهلالي، حوار مع مجلة نصف الدنيا.

[7] - الحلقة 53 من برنامجه فقهيات، حيث يعلن عن منهجه بصراحة ويطبقه على أحاديث تخص النساء.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق