التسوية والمصالحة في المجتمع العراقي
الثلاثاء 29 نوفمبر 2016

 

 سمير الصالحي– كاتب عراقي

 

 

خاص بالراصد

في خضم المعارك الجارية بين الحكومة العراقية وتنظيم داعش في محافظة نينوى، عرض عمار الحكيم رئيس الائتلاف الوطني وبعض الشخصيات القيادية الشيعية في الائتلاف الوطني ومن هم في سدة الحكم اليوم، فكرة للتسوية والمصالحة في المجتمع العراقي.

أسس التسوية:

1-   المبادرة تمثّل رؤية وإرادة قوى التحالف الوطني لتسوية وطنية تنتج مصالحة تاريخية عراقية.

2-   الهدف من هذه المبادرة الحفاظ على العراق وتقويته كدولة مستقلة ذات سيادة وموحدة وفدرالية وديمقراطية تجمع كافة أبنائها ومكوناتها معا.

3-   تلتزم قوى التحالف الوطني ببنود المبادرة بعد الاتفاق والمصادقة عليها. 

4-   تعتمد المبادرة على مبدأ التسوية التي تعني الالتزامات المتبادلة بين الأطراف العراقية الملتزمة بالعملية السياسية أو الراغبة بالانخراط بها، وترفض مبدأ التنازل أحادي الجانب.

5-   مسار التسوية الوطنية غير مرتبط، بل هو مكمّل لمسارات المصالحات المجتمعية التي تُترجم على شكل أوامر وإجراءات وتشريعات تخدم المجتمع بكل طوائفه وقومياته، وهذا هو فعل الدولة بكل مؤسساتها التي قامت وستقوم به بغضّ النظر عن مسار التسوية الوطنية، فلا يعني تقديم الرؤى والشروع بالتفاوض للوصول إلى تسوية وطنية إيقاف عجلة الدولة، بأن مبادرة التسوية الوطنية مسار استراتيجي تستمر معه فاعليات ومسؤوليات ومهام وواجبات والتزامات الدولة، تحققت التسوية السياسية التاريخية أم لم تتحقق.

6-   مسار المبادرة إطار وطني يشمل جميع المكونات العراقية العرقية والدينية والمجتمعية، ويمكن المضي به على مراحل ضمن إطار التسوية الوطنية الشاملة.

7-   لا عودة ولا حوار ولا تسويات مع حزب البعث أو داعش أو أي كيان إرهابي أو تكفيري أو عنصري، وتمثيل المكونات والأطراف العراقية يجب أن يخضع للقبول بالثوابت الواردة بهذه المبادرة

8-   تتعهد بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق بتقديم مساعيها السياسية الحميدة بما في ذلك تحشيد الدعم لعملية المصالحة الوطنية من خلال التيسير وتقديم النصح والدعم والمساعدة في تعزيز والدفع بهذه المبادرة للأمام داخلياً وإقليمياً ودولياً

ويلزم التنبه هنا للبندين 5، 7، حيث يشكلان ألغاما في داخل المبادرة!

وهذه المصالحة التي طرح بنودها الائتلاف الوطني عليها الملاحظات الآتية:

1-  مصالحة تَفرض هيمنة الغالب والمسيطر من الأطراف السياسية في العراق على طرف ضعيف مشرد وأكثر أهله نازحون لا يمكنها أن تنجح.

2-  لم تأت المصالحة بمشروع جديد، بل هي تكرار للسابق بشكل مختلف. فقد سبق أن جعل المالكي وزارة للمصالحة بنفس هذا الكلام الذي لم يطبق لأنه، لا ثقة بين المكونات العراقية.

3-  المجتمع العراقي اليوم تفككت عراه وأصبح مجتمعا طائفيا بفعل سياسات التيار الديني الشيعي، فهل من الممكن أن يكون هو بذاته الدواء؟

4-  من الطبيعي أن من سيوافق على هذه التسوية لن يكون طرفا سنيا أو كرديا حقيقيا بل طرفا شكليا انتهازيا، فبدل سنة المالكي أو سنة إيران سيوافق على هذه المصالحة سنة الائتلاف الوطني!

5-  يريد الخصم تسويةً وهو يفكر بالطريقة نفسها تجاه السني أنه إما: (بعثي أو صدّامي أو داعشي أو تكفيري أو وهابي أو قومي أو شوفيني أو طائفي ..إلخ). وقادة الحكم والائتلاف يتكلمون علنا أو بين الكواليس أنه لا بد من المحافظة على الحكم الشيعي، فهل يريدون تسوية تثبّت لهم هذا الهيمنة؟!

إن من يروج لهذه التسوية هو التحالف الوطني الشيعي، وهو طرف يهيمن على العملية السياسة، لذا لا بد من طرح عدة استفسارات لفهم هذه المصالحة:

1- في ظل الانتصارات والهيمنة الشيعية الإيرانية على العراق لماذا يطرح هذا الخيار من قبل قيادة الأحزاب الشيعية؟

هناك عدة إجابات منها: أنّ ثمة مشروع تسوية دوليا كبيرا لمرحلة ما بعد داعش تسعى له بعض الدول الأوربية بإشراف دولي، ويريد الائتلاف الشيعي استباق ذلك وقطع الطريق عليه باتفاق شكلي مع بعض الأطراف السنية التابعة لهم!

ومنها: أن التوجهات الشيعية تخشى من ضياع مكتسباتها بإعلان الفيدرالية في العراق أو الكونفيدرالية. فتريد تقليل الضغط عليها.

ومنها: أن الشيعة يريدون شركاء جدد من السنة أو بعض السنة ممن يلهثون منذ زمن للحصول على حصة من الكعكة، لأنّ بقاء السنة معارضين أمر لا يريده الائتلاف الشيعي، وهذا طبيعي كأي نظام لا يريد بقاء معارضة قوية له بشكل مستمر.

2- هل هناك قراءة شيعية أو إيرانية سلبية لسياسة دونالد ترامب القادمة؟

نعم هناك قراءة مخيفة عند العالم أجمع، وعند الشيعة وإيران لسياسة ترامب المجهولة، والتي من الممكن أن تقرر أمرا كبيرا يضر بما توصلوا له مع إدارة أوباما، وأن إدارة أمريكا الجديدة قادرة على تغيير قواعد اللعبة في العراق والمنطقة، لذلك تهدف هذه التسوية لأن تخفف الاحتقان من جديد حتى لا تستغل كورقة أمريكية تضرب بها الأحزاب الشيعية أو إيران في العراق.

3- ما فائدة هذه المصالحة للائتلاف الشيعي؟

بقاء الحال على ما هو عليه وإجراء تبديل صوري لبعض الوجوه السنية والشيعية، والابتعاد عن المطالبات الدولية، وتخفيف الضغط على الحكومة الطائفية.

4- هل هي مصالحة حقيقية أم شكلية؟

لا يمكن أن تكون هذه المصالحة حقيقية، ولا يمكن لعقلية إقصائية استعلائية دينية شيعية أن تكون جزءا من المصالحة في أي بقعة من العالم، وليس العراق فقط، هذه العقلية لا تعرف شيئا اسمه الوطن أو المواطنة، وإنما تعترف فقط بمذهبها كدين، وبتشيعها كوطن، ولذلك رضيت أن تكون إيران هي قوميتها ووطنها، هذا إذا تمكنت، فإذا لم تتمكن استعملت التقية وتباكت على الوطن والحرية، وصدق من قال: استخذاء تحت سوط الجلاد وتمرد حين يرفع السوط، فإذا ما تمكنت فعلت الأفاعيل. كان حزب الدعوة حملا وديعا في فترة المعارضة فأخرج لنا أفاعيه ومجرميه ليحكموا البلاد.

يريدون أن يعملوا تسوية ومصالحة وهم من يقرر من تلطخت يده بالدماء ومن لم تتلطخ، أترى لم يذكروا الميلشيات السائبة، ولم يذكروا البعثيين الشيعة الذين هم اليوم في سدة الحكم، ولا الفرسان الكرد الذين كانوا زمن النظام يقتلون بالكرد وليس العرب، ولمَ لمْ يذكروا مهدي الصميدعي الذي قَتل من الشيعة من قتل، وهو من السلفية الجهادية التي توسم بالتطرف، أتراه يكون بجانب الحكومة اليوم فيستثنى؟

ولم يذكروا أهل الفساد وجلّهم من شيعة السلطة والحكم، ألم يقتل الفساد بعد 2003 اقتصاد العراق ويدمره؟ أبمثل هذه الشخصيات يمكن أن تعمل تسويه إلا أن تكون لصالحهم، أفيك الخصام وأنت الخصم والحكم!  

من سيقبل التسوية؟

* تاجر سني يبحث عن نفوذ السلطة لحماية تجارته يمكن أن يكون شريكا لهذه التسوية، وفي السنّة عدد لا يستهان به منهم، وهؤلاء لا فكر ولا موقف عندهم؛ يومٌ مع هيئة علماء المسلمين، ويوم مع إياد علاوي، ويوم مع المقاومة، ويوم يتسكعون في بيروت يبحثون عن رضا حزب الله؟!

* محارب جالد الأمريكان وانتهى دوره، فيبحث عن دور له في حكومة ما، فقد أنفق عمره في القتال وآن أن يكون له منصب ليضرب بسهم. وأن يعود للبلاد بعد أن تشرد في البلدان.

* سني أو كردي مقبل على الانتخابات ويريد التسوية كدعاية انتخابية.

* سني مستعجل يقول: خسر السنة كل شيء ولا بد لهم من مكاسب ولو قليلة تخلصهم من بعض الشر الذي هم فيه، وهذا أنزه الأطراف لكنه مغفل ولا صبر له.

التسوية المقبولة:

ربما يقول قائل: إنكم معاشر السنة لا ترضون إلا بأن يعود الحكم لكم مثلما كان، فأي تسوية تريدون؟ فنقول: على كل حال الأطراف التي لا ثقة بينها (وهذا حال شرائح المجتمع العراقي وسياسييه) تحتاج إلى طرف ثالث يُتفق عليه كي يمكن الوصول لتسوية مقبولة فيها شيء من العدل، نعم نرفض العودة الصفرية أو سلب كل المكاسب الانتخابية، فالسنة منذ 2003م سُلبوا حقوقهم وظلموا، ومارسوا المطالبة السلمية فلم تلتفت لهم الحكومة بشيء، وتم اتهامهم بالإرهاب والتطرف.

فإن كنتم تشعرون أنه لا بد من مشاركة طرف سني بشكل حقيقي، عندها تكون هناك بواكير تسوية حقيقية، وإلا كانت تسوية شكلية كما فعل المالكي بوزارة المصالحة، حيث جلب سنة مرتزقة غايتهم مصالحهم من أراض ومنازل وأموال، لا مصير أهل السنة ومصالحهم.

المصالحة الحقيقية تبدأ بأفعال تظهر حسن النوايا تجاه السنة المظلومين؛ كأن يطلق سراح آلاف السنة وخاصة النساء الذين لم يحاكموا أو الذين حكم لهم بالبراءة ولم يفرج عنهم ويتم تعويضهم بعدلٍ عن سجنهم وتعذيبهم الظالم.

إننا نعتقد أنه من الصعب على عقلية مثل العقلية الشيعية الحاكمة أن تتقبل المصالحة الحقيقية، هذا ما ندعيه ولعل الأيام تكذّب ما ندعيه!

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق