كتاب الشهر\العدد مائة واثنان وستون - ربيع الأول - 1438 هـ
النقد الذاتي عند الإسلاميين -2- الإسلام السياسي
الثلاثاء 29 نوفمبر 2016

 عرض أسامة شحادة - كاتب أردني

 

 

خاص بالراصد

هذا هو الجزء الثاني من السلسلة التي يصدرها محمد توفيق، وينشرها مركز نماء، وقد صدر هذا الجزء في بيروت سنة 2016م، وجاء في 300 صفحة.

وقضية النقد الذاتي والمراجعة لمسيرة العمل الإسلامي قضية ذات أولوية كبرى خاصة في هذه المرحلة المليئة بالتحديات والفتن، والتي تحتاج إلى تطوير حالة العمل الإسلامي لتجاوز الأخطاء والسلوكيات الكارثية التي تكررت سنوات طويلة.

جاء الكتاب في ثلاثة فصول؛ الأول وهو الأكبر والأهم في الكتاب والذي استعرض فيه الباحث نماذج من النقد الموجه لجماعة الإخوان المسلمين من قبل المنتمين للجماعة تنظيمياً أو فكريا، والذي شغل نصف صفحات الكتاب، وجعل الفصل الثاني لطرح فرضيته بأن جماعة الإخوان تسير نحو تقلص وأفول التنظيم المركزي وتوسع وتمدد دائرة الفكر والنظرية الإخوانية، وكان ناقش في الفصل الثالث والأخير بعض الأسئلة والفرضيات لمرحلة ما بعد جماعة الإخوان التقليدية.

في ختام كتابه يقول المؤلف إنه في هذا الكتاب يرد الجميل للجماعة وقادتها وأفرادها الذين تربى بينهم وحرصا على مصلحة الدين والدعوة والعمل الإسلامي من خلال النصح الصادق والمكاشفة الأمينة.

قصر المؤلف دراسته على جماعة الإخوان المسلمين دون سواها من الجماعات باعتبارها نموذجا ممثلا ومعبرا بشكل كبير، وأيضا اقتصر تحديداً على الفرع المصري منها بسبب كونها الأصل والأقدم وتنوع المحطات التي مرت بها.

يستهل الباحث سرد شهادات رموز وأفراد من التيار الإخواني بملاحظة ضعف مساحة وحضور النقد الذاتي عند الإخوان برغم ضخامة حجمها التنظيمي ومسيرتها الداخلية، وهي قضية سلبية، وقد ظهر هذا في تأخر الجماعة في القيام بنقد ذاتي بعد ما تعرضت له من انقلاب واضطهاد.

جمع المؤلف 10 نماذج نقدية إخوانية متعددة الجنسيات والأماكن والخلفيات والأزمنة لتقدم صورة بانورامية لحقيقة أزمة أو أزمات جماعة الإخوان، وهذا وصف مختصر لهذه النماذج:

1- د. عبدالله أبو عزة، وهو فلسطيني عمل في المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية،  وقد نقد الإخوان مبكرا (سنة 1972م) ونقد تصرفات للمرشد حسن البنا نفسه مع احتفاظه له وللجماعة بالود والتقدير، ولم يسرد الباحث طبيعة النقد الذي وجهه أبو عزة للجماعة إلا أنه عجز عن الإصلاح من الداخل بسبب تقديس تراث البنا، وقد فات الباحث أن أبو عزة أخرج كتابا جديدا فصل فيه نقده لجماعة الإخوان والذي رغم أنه ألف قديما مع كتابه الأول إلا أنه لم يطبع إلا منذ عدة سنوات في الأردن.

2- د. توفيق الشاوي، وهو مصري كان عضوا في قسم الاتصال بالعالم الإسلامي بالإخوان سنة 1937م، حيث كان رافضاً لفكرة إنشاء تنظيم دولي لجماعة الإخوان في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وفات الباحث الاطلاع على كتاب الشاوي الضخم "مذكرات نصف قرن من العمل الإسلامي 1945-1995"، والذي سرد فيه الشاوي أخطاء وقع فيها الإخوان مما يلزم التعرف عليها والحذر من تكرارها.

3- د. عبد الله النفيسي، وهو كويتي وشخصية معروفة، أصدر في سنة 1989م، كتابا بعنوان "النقد الذاتي"، حيث انتقد استغراقهم في العمل اليومي عن التخطيط والتفكير للمستقبل، وعدم توثيق الجماعة لتاريخها بشكل علمي ليساعدها على مراجعته وتطويره، وانتقد عدم التزام الاخوان باللائحة الداخلية في عملهم وعدم تطويرها، وتحصين القيادات من المراجعة والمحاسبة.

4- خلافات فروع الإخوان حول أزمة غزو العراق للكويت سنة 1990م، حيث تنازع إخوان الكويت وإخوان الأردن حول ذلك والاستعانة بالأمريكان ضد صدام.

5- الأستاذ عمر عبيد حسنة، وهو سوري يرأس سلسلة كتاب "الأمة" الذي تصدره وزارة الأوقاف القطرية، حيث تركز نقده للعقلية الذرائعية التي تعرقل المحاسبة والمراجعة، وانقلاب الوسائل إلى غايات بحيث أصبح التنظيم هو الغاية تقريبا! وعدم احترام التخصص وعدم تهيئة قيادات متجددة، وذلك في كتابه "مراجعات في الفكر والدعوة والحركة" سنة 1991م.

6- الأستاذ أبو العلا ماضي، وهو مصري استقال من جماعة الإخوان سنة 1995م وقدم طلبا لتأسيس حزب الوسط، وانتقد أبو العلا النزاع بين قيادات التنظيم الخاص بالجماعة مع القيادات الفعلية للجماعة، وتداخل النشاط السياسي والدعوي، ومشكلة الوضع القانوني للجماعة.

7- حل فرع الإخوان في قطر نفسه سنة 1999م، بعد دراسة وضعهم في قطر واختيارهم الاندماج في الدولة.

8- تجربة الإخوان وحسن الترابي في السودان، والتي شهدت انشقاقات متعددة، وتحالف الترابي مع النميري سنة 1977م حتى سنة 1983م، ثم عودته للسلطة مع انقلاب البشير سنة 1989م. حيث نجح الترابي سياسياً لكنه شق صفوف الإخوان، التي بقيت جماعة هامشية، وكان ذلك أيضاً على حساب المبادئ والأسس الإسلامية التي عرف الترابي بتجاوزها!

 9- د. فريد الأنصاري، وهو من المغرب، وله كتاب "الأخطاء الستة للحركة الإسلامية" صدر سنة 2007م، وتعرض فيه لنقد التيار الإسلامي بمختلف ألوانه، ومما نقد به الإخوان تضخم أو "استصنام" العمل الحزبي التنظيمي لديهم، وأن ذلك أضر بالدور الدعوي وهو الأساس للتيار الإسلامي، وأن ذلك يفتح الباب لتسلل العلمانية للعمل الإسلامي، والتساهل في الالتزام والأخلاق لدى الحركة وقادتها وأفرادها.

10- انتقادات أعضاء وجماعات الإخوان في مرحلة ما بعد الانقلاب على حكم الإخوان في مصر سنة 2013م، وهو متعدد النماذج كما يلي:

- د. أحمد البيلي، ففي مقالاته سنة 2014 يرى أن أخطاء الإخوان تتجسد في عدم وجود رؤية استشرافية وعدم قدرة الجماعة على تطوير برامجها التربوية سريعا بحسب تطور الأوضاع، وعدم وجود انفصال حقيقي بين الجماعة وحزبها، وعجز الحزب عن التواصل مع المجتمع والدولة، وسيطرة القيادة التقليدية الغارقة في التفاصيل اليومية والتي تفتقد التخطيط للأمام، وتصلّب نظم الجماعة الإدارية وصراع الأجيال في الجماعة.

- د. جمال عبد الستار، الذي صرح في 2014، أن الجماعة ارتكبت عددا من الأخطاء هي: إدارة الدولة بمنهج إدارة الجماعة، وعدم تطوير هيكل الجماعة وتنظيمها الداخلي.

- نقد مدرسة د. القرضاوي، حيث انتقد القرضاوي فصل الجماعة لعبد المنعم أبو الفتوح، ولم يدعم ترشح د. محمد مرسي، وعقب خلافات الإخوان الأخيرة طالبهم بتقديم مصلحة الإسلام على مصلحة الجماعة، ودعا المختلفين للجنة تحكيم، وطالب بتطوير مناهج التربية والاهتمام بتعميق الثقافة الشرعية لدى أفرادها.

وعلى نفس المسار جاء نقد الشيخ عصام تليمة، مدير مكتب القرضاوي السابق، والذي انتقد اعتبار جماعة الإخوان جماعة المسلمين بشكل مباشر ومقصود أو غير مباشر ومقصود، وانتقد الضعف الشرعي في كوادر الجماعة، وضرورة التحرر من أسر الولاءات التنظيمية، وضرورة رحيل كثير من القيادات عن مواقعهم، وقد كتب مقالا بعنوان "أزمة الإخوان في قياداتها"!

ويرى الباحث أن مدرسة القرضاوى تنادي بتوسيع التيار الفكري لجماعة الإخوان على حساب التيار التنظيمي المركزي، وهو ما سيفصله في الفصل الثاني.

- حذيفة زوبع، نجل القيادي المعروف حمزة زوبع، حيث يرفض أسلوب قيادة الجماعة، ويَعتبر القيادة الحالية مجموعة من الدراويش السذج!

- عمار مطاوع، وهو كحذيفة من شباب الإخوان المنتقدين للقيادة والانغلاق التنظيمي على الذات.

- دراسة "فصل الإخوان عن الثورة" التي أعدها عدد من شباب الجماعة، الذين انتقدوا طبيعة التنظيم الضخمة، والتي تتعارض مع حالة الثورة التي تحتاج مرونة وخفة في الحركة، وأن طبيعة الإخوان لا تصلح لقيادة العمل الثوري، وتعارض أولويات الجماعة مع أولويات الثورة، وسوء سياسة الإخوان في إدارة الحكم وتصريحاتهم الإعلامية غير الموفقة.

- حركة حماس الفلسطينية وحركة النهضة التونسية، عقب الانقلاب وسقوط حكم الإخوان قامتا بمراجعة مواقفهما، فقامت حماس بقبول تشكيل حكومة مصالحة وطنية دون وساطات وبسرعة! وقامت حركة النهضة بقبول خطة الطريق السياسية التي كانت ترفضها لدفع شبح الإقصاء التام لها عن المشهد السياسي كما حدث للجماعة في مصر.

وساق الباحث تصريحات لقيادات من النهضة وحماس تحث على النقد والمراجعة وتجاوز الأخطاء، ومنها أن الإسلاميين ليس لهم خبرة في الحكم، وعليهم ترك الاستعلاء على الآخرين وسياسة التبرير لأخطائهم والتي تصنع لهم الأعداء بلا سبب!

هذه هي شهادات الإخوان والمتعاطفين معهم، وهذا هو النقد الذاتي للجماعة، وهو يكاد يتفق على وجود خلل في بنية التنظيم وعدم التزام بالقوانين الداخلية، وهناك خلل في الفكر والمعرفة والعلم الشرعي وغيرها، وهناك خلل كبير في القيادة. والغريب أن هذا النقد نقد قديم ومن الداخل ومع ذلك لم يتم علاجه برغم كل هذه السنوات الطويلة!

وفي الفصل الثاني يطرح الباحث نظريته بأن الجماعة عليها التخفيف من القيود التنظيمية وتنفتح على عالم الفكر وتصبح حالة فكرية وليست حزبا مصمتا حديديا، ومن أجل ذلك يحلل الباحث تركيبة الجماعة ليصل إلى أن طبيعتها ترفض العمل الثوري وتميل للمهادنة ولا تتصف بالذكاء والوعي لقيادة التغيير في المجتمع، ويدلل على ذلك بسرد تاريخ الجماعة مع الدولة المصرية منذ العهد الملكي وحتى الآن.

ثم ينتقل المؤلف لتفحص التيارات الداخلية في جماعة الإخوان، حيث كانت البداية بخط البنا، ثم ظهور تيار التنظيم الخاص، ثم جاء طرح سيد قطب الذي تحالف مع التنظيم الخاص لاحقا، ولغاية محنة 1965 أصبحت الجماعة فيها 3 تيارات هي: تيار البنا الإصلاحي، ثم تيار التنظيم الخاص الذي تشرب فكر سيد قطب، وهذا التيار انشطر لقسمين، قسم زاوج فكر البنا مع فكر سيد قطب وشكل التنظيم الحديدي الذي سيطر على الجماعة لعقود طويلة وحتى الآن.

وقسم انفصل عن الإخوان تقريبا وبقي وفيا لفكر سيد قطب مثل تيار أحمد عبد المجيد وعبد المجيد الشاذلي.

ويرى الباحث أن الجماعة = التنظيم المركزي في حالة أفول بسبب انحسار فاعليته وتأثيره في الواقع المصري بعد سجن وقتل وهروب قادته وكثير من أفراده وتدمير مؤسساته، وحصول فراغ في القيادة حولت بعض المجموعات نحو التطرف والعمل العسكري في الخارج أو الداخل بشكل مستقل.

وفي الفصل الثالث يطرح الباحث بعض الأسئلة عن المستقبل، ماذا بعد النقد؟ وماذا بعد الأفول؟

حيث يتساءل عن دقة منهجية نقد الجماعات الإسلامية!

 وهل تتوفر داخل الإخوان هيئات مؤهلة علميا للنقد الذاتي؟

لماذا لا نتجاوز فكر البنا؟

هل يمكن اعتماد نموذج حماس في غزة على حالة مصر؟

لماذا يعوض الإسلاميون فقد الأدوات للنهوض والتمكين بالاعتماد على الخطابات العاطفية عن نصر الله؟

لماذا لا نعترف بفشل خطابنا الإعلامي؟

هل يمكن أن نفكر بما بعد مرسي وما بعد الجماعة التقليدية؟

هل يمكن تطوير منظور الدولة ليشمل العلمانية والحداثة؟

وهنا ينتهى الكتاب، ويبدأ البحث عن الأسئلة في الواقع، وهل سنشهد استفادة من النقد الذاتي هذه المرة أم سنعيد إنتاج الكوارث والأزمات كل مدة؟

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق