زيارة إمام الحرم المكي د. خالد الغامدي للسودان .. الأبعاد والتأثير
الأربعاء 2 نوفمبر 2016

 

 د. محمد خليفة صديق– كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

أثارت الزيارة الأخيرة لإمام الحرم المكي الشريف للسودان د. خالد الغامدي جدلا واسعا واستقطابا حادا في أوساط المجتمع السوداني وألوان الطيف الدعوي، رغم الترحيب الكبير من المجتمع السوداني والاستقبال الحاشد لضيف البلاد منذ وصوله مطار الخرطوم الدولي، لكن بعض الجهات الصوفية في السودان تحفظت على الزيارة، سيما أنها زيارة رسمية، من جهة رسمية حكومية هي المجلس الأعلى للدعوة والإرشاد بولاية الخرطوم، في حين يرى الصوفية أن الدولة السودانية تعاملت بجفاء وبرود مع زيارة الشيخ علي الجفري الذى زار البلاد بدعوة من المجمع الصوفي العام.

وقد تمت دعوة الدكتور الغامدي لزيارة السودان عقب انتهاء موسم حج 1437ه، بعد لقاء جمع رئيس المجلس الأعلى للدعوة الشيخ جابر إدريس عويشة، والشيخ الغامدي، والذي رحب بزيارة السودان وتم تحديد موعد الزيارة وبرامجها المتعددة التي شملت الندوات والمحاضرات والزيارات للجماعات والجامعات الإسلامية ورموز المجتمع السوداني، بجانب مبادرة إمام الحرم للصلح القبلي بين قبيلتي المعاليا والرزيقات في ولاية شرق دارفور بغرب السودان وغيرها.

محطات في زيارة د. خالد الغامدي للسودان:

تمثل زيارة الشيخ الدكتور خالد الغامدي إمام الحرم المكي للسودان بحسب مراقبين مفتاحاً جديداً في التعاون بين المملكة العربية السعودية والسودان في شؤون الدعوة والإرشاد، وستسهم في مد جسور التواصل مع صنوف أهل الدعوة بالبلاد كافة، بعد أن ارتفعت العلاقة السياسية بين البلدين لعلاقة استراتيجية.

استهل الشيخ الغامدي زيارته للسودان بصلاة الجمعة في مسجد مجمع النور بضاحية كافوري بالخرطوم بحري، وركز في خطبته حول توحيد صفوف المسلمين وجمع كلمتهم وحرمة دمائهم، وشدَّد على ضرورة وحدة الأمة الإسلامية وتماسكها حتى تستطيع مواجهة التحديات والابتلاءات التي تتعرض لها، ودعا إلى ضرورة نبذ التعصب المذهبي والطائفي واختلاف الآراء، محذراً من اتخاذ التعصب مدخلاً من قبل “شياطين الإنس والجن” لتمزيق الأمة الإسلامية ودمغها بالتطرف والإرهاب.

وقدم د. الغامدي أيضا محاضرة نوعية للائمة والدعاة بقاعة الصداقة الخرطوم بعنوان (محكمات الشريعة الإسلامية وأثرها في درء الفتن)، وشمل برنامج الزيارة محاضرات عديدة في عدد من الجامعات مثل جامعة أم درمان الإسلامية وجامعة إفريقيا العالمية، وغيرها، ومحاضرة بالمركز العام لجماعة أنصار السنة المحمدية، وزيارات عديدة منها زيارة مسيد الشيخ الكباشي بالخرطوم بحري، وزيارة مسيد الشيخ الصايم ديمه بأم درمان، وزيارة مدينة الضعين عاصمة ولاية شرق دارفور للصلح بين قبيلتي المعاليا والرزيقات هناك.

ملامح عن المجلس الأعلى للدعوة والإرشاد بولاية الخرطوم.. صاحب الدعوة:

المجلس الأعلي للدعوة والإرشاد بولاية الخرطوم هو الجهة الرسمية التي وجهت الدعوة لإمام الحرم لزيارة السودان، وهو جهاز رسمي يتبع لحكومة ولاية الخرطوم، تأسس سنة 2002م، ويقوم بالإشراف والمتابعة للعمل الدعوي بالولاية ويسعى لضمان تفاعل المجتمع مع الدعوة، كما يقوم المجلس نفسه بالإشراف المباشر على خدمات الحج والعمرة بالولاية.

لم تكن العلاقة بين مجلس الدعوة وبعض المؤسسات الصوفية على ما يرام؛ وقد هاجم الأمين العام لجمعية الإمام الأشعري العلمية صلاح الدين البدوي الخنجر مجلس الدعوة في بعض مقالاته واتهم الخنجر رئيس المجلس جابر عويشة بأنه يتحدث باللسان الوهابي تصريحاً أو تعريضاً، وقال إن مؤسسات الدولة في السودان قد أصبحت تنفذ أجندة الوهابية.

وقال إن مقترح عويشة العمل المشترك بين الصوفية والوهابية يخصّ من تفوه به، وهو مجلس الدعوة، وقال: "ولسنا في حاجة إلى عمل يجمعنا بهؤلاء الدخلاء على المجتمع السوداني وأصحاب الأفكار المتطرفة"، وأضاف: "الذي يسعى لجمع الوهابية مع الصوفية من غير دراسة ورؤية كأنه يسعى للحرب الطائفية وإيقاظ الفتنة القائمة فما بين الفريقين بون شاسع"، وقال: "أهل التصوف لا يجتمعون مع الوهابية حتى في فناء المساجد لأداء أعظم شعيرة وهي الصلاة"! وهذا تكريس للفرقة في صفوف الأمة الإسلامية والمجتمع السوداني المسلم.

الصوفية السودانية وزيارة إمام الحرم.. بين الهجوم والترحيب:

من الواضح أن التصوف في السودان لا يجمعه شيء، وطابعه الدائم هو الطرقية المتعددة، حتى بات في البيت الواحد عدة طرق، ولكن برزت في الآونة الأخيرة عدد من اللافتات تدعي تمثيل الصوفية في السودان، وتنتسب إحدى الجمعيات الصوفية والتي أعلنت عدم ترحيبها بزيارة الشيخ الغامدي للسودان وهي جمعية الإمام الأشعري العلمية تحت واحدة من هذه اللافتات وهي "المجمع الصوفي العام" الذى يجمع عددا من الطرق الصوفية، ويسعى ليكون كيانا جامعا للصوفية بالسودان، ويعمل من خلال الروابط العلمية، ليكون كيانا جامعا لأهل التصوف، وله أنشطة داخلية وخارجية آخرها مشاركته في مؤتمر غروزني، وعلى المستوى الداخلي له مناشط دعوية داخل الجامعات وعدد من الكليات بالولايات، وقد استضاف عدداً من رموز الصوفية من داخل وخارج السودان منهم الشيخ علي الجفري.

لكن من المؤكد أن هناك خلافات عميقة بين رموز التيار الصوفي حول من يمثل الصوفية بالسودان، حيث ينشط المجلس الأعلي للتصوف في ذات النطاق، ورابطة علماء التصوف، والمجلس الأعلى للتصوف والاتحاد العام للشباب الصوفي، وغيرها من الواجهات التي يدعي كل منها تمثيل التصوف والطرق الصوفية في السودان.

ومن أبرز الناشطين سيما على المستوى الإعلامي في هذه الجمعية د. صلاح الدين البدوي الخنجر، ويشغل منصب الأمين العام لجمعية الإمام الأشعري العلمية، وينتمي للطريقة القادرية، وهو الذي صدر باسمه بيان جمعية الإمام الأشعري ضد زيارة إمام الحرم، أما رئيسها فهو السماني سعد الدين السماني، والأمين العام لجمعية الإمام الأشعري العلمية هو فتح الرحمن (أبو الحسن)، ويقال إن بعض القائمين عليها من كبار طلبة الشيخ مصطفى عبد القادر رحمه الله، وهم زملاء درس كذلك عند الشيخ ومجازون بالطريقة الختمية، كما ظهرت جمعيات أخرى تعمل في الإطار نفسه دعما للتصوف ومناشطه، منها جمعية الإمام الصرصري وجمعية الإمام الغزالي وغيرها.

أبرز مظاهر التعامل الإعلامي الصوفي السالب مع زيارة إمام الحرم هو بيان الدكتور الخنجر، حيث اعتبر البيان إمامَ الحرم من دعاة التطرف والإرهاب!! واعتبر أن الزيارة تماثل نشاط الشيعة في السودان لكن لترويج الوهابية!!

ووصف البيان مشاركة بعض مشايخ الطرق وأهل التصوف في السودان في برامج الوهابية بما في ذلك أئمة الحرم بتوجيهات من النظام الحاكم وأجهزته بأنها تعتبر خيانة لإرث الآباء والأجداد، وقال البيان: "اعلموا أن أهل السياسة يستدرجونكم إلى السقوط في مهاوي الردى والهلاك، وهم الذين امتنعوا عن المشاركة في برامج الحبيب الجفري وحرَموكم من أداء الصلاة فى مجمع النور الذي يفتح للوهابية ليل نهار".

وقال البيان إن العلاقات العامة يجب ألا تكون على حساب المنهج كما أن شيخ الطريقة يعتبر رمزا للعقيدة الأشعرية والمذاهب الفقهية وكل الطرق الصوفية، مشيرا إلى أن الذي له علاقة خاصة بالوهابية يجب ألا يفرضها على المريدين والأحباب لأجل خاطر السياسيين، كما قال البيان إن الخلاف بين الصوفية والوهابية خلاف عقدي في المقام الأول ويحتاج إلى مراجعات فكرية.

ويعتبر بيان جمعية الإمام الأشعري من أبرز مظاهر الإعلام الصوفي ضمن صراع الصوفية والأشعرية ضد السلفية في السودان، رغم أن جمعية الإمام الأشعري لا تمثل إلا فئة محدودة من الصوفية، وهي الفئة التي تتبنى خطابا تحريضيا ضد السلفية، ويرى مراقبون أن بيان الجمعية امتلأ بعدد ضخم من المغالطات والافتراءات المتكررة، من قبيل تكفير جميع المخالفين إلا من كان على طريقتهم، وإسقاط حديث الفتن من قبل المشرق على الدعوة السلفية التي أحياها الإمام محمد بن عبد الوهاب، والاتهام بالإقصاء لجميع المخالفين، وسوء العلاقة مع جميع الجماعات والتيارات الإسلامية، والادعاء بأن دعوة الشيخ محمد رحمه الله تقف سدا منيعا دون تقدم الأمة وازدهارها، والزعم بأن السلفيين يكْفُرُون بالتمذهب والتصوف والأشعرية ويكَفِّرون أصحابهم، والربط بين ”الوهابية" وداعش، وهي مغالطات معروفة بعيدة عن الواقع.

وعلى الجانب الآخر رحبت قطاعات واسعة من الصوفية بالسودان بالزيارة واستضافت بعض مناشطها مثل مسيد الشيخ الكباشي ومسيد الشيخ الصايم ديمة وغيرها. وهو ما يثير استغرابا حول وجه استنكار مثل هذه الصلات والأهداف وسعي بعض لافتات المتصوفة لزرع الشقاق بين الجماعات الإسلامية وإحياء العصبيات المذمومة، بدلا من البحث عن مساحات التوافق للعمل على تنميتها والإفادة منها لصالح الإسلام والمسلمين.

زيارة إمام الحرم لمسيد الشيخ الكباشي بالخرطوم بحري:

أبرز محطات زيارة إمام وخطيب الحرم المكي الشيخ خالد الغامدي للسودان، والتي أثارت جدلا واسعا هي زيارته لمسيد الشيخ إبراهيم الكباشي بالخرطوم بحري، وشارك بالزيارة مختلف ألوان الطيف الديني وحضور جماعة أنصار السنة المحمدية، بقيادة رئيسها د. إسماعيل عثمان الماحي، وقد أثارت هذه الزيارة ردود أفعال كبيرة، ووصف احتفال الكباشي بإمام الحرم المكي بأنه مثل إجماعاً غير مسبوق بين أهل القبلة جميعاً، وهو إجماع محمود ومطلوب لتتوحد جميع الفئات التي تظلها مظلة (أهل السنة) لمواجهة المد الشيعي المتحالف مع الكيان الصهيوني الذي يسعى لاستئصال شأفة الإسلام وأهله.

واعتبر د. الغامدي أن ما حدث في الكباشي مبادرة للأمة كلها، تدعوها إلى التوحد لمواجهة أعدائها، وقد رأى كثير من الصوفية السودانيين أن هذه الزيارة مهمة جداً ومطلوبة، وعلى الجانب الآخر لدى السلفيين السودانيين يرى الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد، رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة، إنه – من ناحية المبدأ- لا غضاضة في تعاون الناس في أمر الدعوة، على أن لا يكون ذلك التعاون بتنازلات عن الثوابت.

وفي بيان لجماعة أنصار السنة المحمدية حول زيارة إمام الحرم المكي لقرية الكباشي وتداعياتها، قالت الجماعة إن الذهاب لأي شخص لدعوته وتبليغ الدعوة إليه أمر لا غضاضة فيه شرعا.. وإمام الحرم جاء إلى السودان للدعوة وليس في زيارة ترفيهية أو تشريفية.

وقال البيان إن اللقاء الذي كان في الكباشي لم يكن للصوفية وحدهم، مع أنه لو كان لهم وحدهم فلا غضاضة في الذهاب إليهم، وإنما كان البرنامج ملتقى لأهل القبلة، لقيادات أنصار السنة، والحركة الإسلامية وغيرهم هدفه تفويت الفرصة على أعداء الأمة من الرافضة وغيرهم الذين يريدون إحداث فتن داخلية في مجتمعات أهل السنة، واستخدام التصوف لتحقيق أهدافهم الداخلية، فلا بد من تفويت الفرصة على أعدائنا في هذه المرحلة.

ورأى البيان أن هذا البرنامج هو برنامج بين دولتين، ومبارك من حكومة البلدين ولهم تقديرهم بمصالحه، ولم تكن هناك مخالفات شرعية في استقبال إمام الحرم بالكباشي، حيث رفضنا استقباله بالنوبة أو دق النحاس أو أي مظهر من المظاهر الصوفية، ولم نذهب إلى ضريح أو قبة وإنما ذهبنا إلى صالون ضيافة القرية، ولا يوجد بجواره أي مظاهر شركية.

ولفت البيان إلى أن الذي تمخض من ملتقى أهل القبلة التأكيد على مرجعية بلاد الحرمين وعلمائها لقيادة الأمة وأنهم أهل الرفادة والسيادة، لا ينازعهم في ذلك إلا ظالم، وهذا ما قالته الصوفية في كلمتهم، والتأكيد على اجتماع كلمة الأمة على الكتاب والسنة، والتأسي بالنبي المصطفى في كل أقوالنا وأفعالنا، والتأكيد على منهج الإسلام الحق واتخاذه مرجعية لحل كل خلافاتنا، هذا ما أكده إمام الحرم في كلمة قوية صادقة معبرة، في مجلسٍ حضرَه كل قادة المتصوفة والجماعات الإسلامية إلا مجموعة محددة رفضت الملتقى، واعتبرت الكباشي انحرف عن منهج المتصوفة، كان هدفهم مقاطعة جميع المتصوفة لهذه الزيارة، وعدم استقباله أو فتح المجال له لمخاطبة الصوفية، وقد حطمت هذه الزيارة كل أهداف هؤلاء من خلال تلك الاستقبالات الحاشدة لإمام الحرم في أحد أكبر تجمع للصوفية .

وأكد بيان جماعة أنصار السنة أن هذه الزيارة حققت مصالح متعددة، وسوف تكشف الأيام القادمة عن ثمارها، والأمة اليوم تمر بمراحل صعبة، من عدو شرس يريد اقتلاع أهل السنة من جذورهم، فلا بد من العمل بوعي كبير للمحافظة على مكتسبات الأمة وصد المؤامرات التي تحاك ضدها، وشكر البيان مسيد وقرية الكباشي على حسن استقبالهم وحسن استماعهم، وما أكدوه في كلمتهم في معانٍ نحن في حاجة للتأكيد عليها لمصلحة الدين والوطن نرجو الاستماع إليها، ومن لم يقتنع بما قلنا وبيّنا فليعتبره من حلف الفضول الذي قال فيه النبي عليه السلام: ( لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت). 

 ووصف أحد مرافقي د. الغامدي زيارة مسيد الشيخ الكباشي أنها كانت مؤتمرا لأهل القبلة حضره قادة الدعوة في السودان من أنصار السنة وغيرهم، بموافقة السفارة السعودية وتأييد الحكومة السودانية، تحدث فيه الشيخ الغامدي عن التوحيد وضروة البعد عن المخالفات الشرعية ثم تكلم عن جهود المملكة في جمع المسلمين ورعاية الحرمين الشريفين وأن المملكة مركز قوة المسلمين وتآلفهم ووحدتهم، ثم ذهبنا، ولم يحدث شيء من المنكرات أبدا ولا شيء من بدع الصوفية ومن قال غير ذلك فقد كذب. وأن الزيارة أفلحت في كسر شوكة الغلاة من الصوفية في السودان مثل أتباع جمعية الأشعري وغيرهم.

زيارة إمام الحرم.. حتمية التواصل بين المسلمين في المشتركات:

يلاحظ أن زيارة الشيخ الغامدي للسودان، ولمسيد الشيخ الكباشي تحديدا أسهمت بقدر كبير في تقريب وجهات النظر والعلائق بين التيار الصوفي والسلفيين في السودان رغم تحفظ فئة محدودة، ويرى د. عثمان الكباشي أن الزيارة أكدت أن هناك وعيا استراتيجيا في طبيعة الشخصية السودانية تجعلها تتجاوز دون أن تلقي الخلافات إلى ما هو مهم، والسودانيون كرماء، وإمام الحرم مقامه مقام كبير بحكم أنه يؤم المسلمين في كعبتهم وفي قبلتهم، مشيرا إلى أن هذه السماحة والطيبة والاعتدال والرؤية العميقة تؤهل المسلمين في السودان أن يكون لديهم دور كبير في ما يدور من أزمات وتحديات تواجه المسلمين في العالم الإسلامي كله.

وقال د. عثمان البشير الكباشي وهو وزير سابق للإرشاد بولاية الخرطوم إن السودان هو أقرب بلاد الله الى الحجاز، وزيارة الشيخ الغامدي للسودان هي زيارة للفج الأدنى للحرمين الشريفين، بجانب أن العلائق التاريخية بين البلدين كبيرة ولولا البحر لكانت الخرطوم أقرب مدينة، وما تزال بالطائرة هي أقرب حتى لمدن داخل المملكة نفسها.

وقال الكباشي إن قيادة الحرمين رأت في طبيعة أهل السودان ما يؤهلهم أن يتقبلوا خطاب تجميع المسلمين ووحدتهم وتجاوز خلافاتهم وتذكير المسلمين بوحدتهم ومخاطر تمزقهم، ولعلها أرادت أن تبني خطابا متصلا لأن السودان هو مدخل لأفريقيا.

وقال الكباشي إن ما تم في الزيارة من حيث الشكل يعبر عن تجاوز الخطوط الوهمية بين المكونات الإسلامية، والالتفات لضرورات الوحدة الإسلامية في كل زمان ومكان، بالإضافة إلي الحديث حول التحديات الماثلة الآن فى العالم وفي السودان بشكل خاص، والسعي للتقارب بين أهل القبلة الواحدة، واتفق الجميع على أن ما يجمع المسلمين ويوحد المدارس الإسلامية ليس العصبية المذهبية، ولا البحث عن الانتصار للخيارات الفقهية لهذه الجماعة أو تلك، ولا التركيز على الفرعيات أو إعجاب كل ذي رأي برأيه، ولكن الاجتهاد في تحقيق المقاصد الكلية للدين وتجاوز الفرعيات إلى الكليات والبحث عن القضايا المشتركة التي يمكن أن تجمع على قاعدة الاحترام بين المذاهب.

خاتمة:

جاءت زيارة إمام وخطيب الحرم المكي الدكتور خالد الغامدي لبلاد السودان في إطار توثيق الصلات بين الدول الإسلامية والعربية، والتواصل بين مؤسسات الدعوة والدعاة بين البلدين، بجانب تعزيز منهج الوسطية والاعتدال في البلدين، وتعزيز برامج مشروعات توحيد أهل القبلة بالسودان، وقد حققت الزيارة أهدافها على أحسن صورة، بل حققت أهدافا لم تكن في الحسبان.

يرى مراقبون أن كلمات د. الغامدي خلال عدد من محطات زيارته للسودان يقرأ منها، ومن وراء سطورها نفساً جديداً في الخطاب الديني السعودي تجاه العالم الاسلامي، وأن إمام الحرم لم يزر السودان ليقيم محاضرات تقليدية المعاني بل فيها مقدمات لخطاب ديني سعودي جديد، لإعادة المسلمين كافة إلى مكة، ليست قبلة للصلاة فقط، وإنما عنواناً لوحدة جديدة للمسلمين، إذ أن وجود الحرمين في المملكة العربية السعودية يمنحها قوة رمزية هائلة، تُعيد تموضعها في صدارة القيادة الإسلامية، ولكن ذلك يقتضي تجديدًا في الرؤى والخطاب.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق