التنظيمات الجهادية والثورات المضادة: فوضى في الداخل وتمكين للخارج ليبيا نموذجا
الأثنين 31 أكتوبر 2016

 

 بوزيدي يحيى– كاتب جزائري

 

 

خاص بالراصد

انتهجت الانتفاضات الشعبية العربية في بداياتها خيار المظاهرات السلمية والاعتصامات في مواجهتها للأنظمة، واستطاعت في وقت قياسي إسقاط رؤساء عمّروا في مناصبهم عقودا طويلة، وكانوا يهيئون الظروف لتوريث أبنائهم، وهو نجاح فشلت في تحقيقه الكثير من التنظيمات الجهادية التي حاولت إسقاط الأنظمة بالقوة، ونجاحها اليتيم كان في اغتيال الرئيس المصري أنور السادات الذي خلفه نائبه حسني مبارك.

من هذا المنطلق ذهبت جل التوقعات إلى أن الانتفاضات الشعبية ستمتد انعكاساتها السلبية إلى التنظيمات الدينية المتطرفة التي سيقطع التغيير السلمي الطريق عن كل آلياتها في تعبئة وتجنيد الشباب العربي الطموح للتغيير. غير أن الثورات المضادة، وسياسات القوى الإقليمية والدولية، ولجوء المعارضة للعنف المسلح في بعض الدول؛ أعاد دفع التنظيمات الجهادية للساحة بديناميكية أكبر سهلت مهمة إجهاض مشاريع التغيير السلمية التي بشرت بها تلك الانتفاضات في مطلع 2011.

   وبغضّ النظر عن الجدل حول طبيعة العلاقة بين التنظيمات الجهادية من جهة، والثورات المضادة والقوى الأجنبية من جهة أخرى، فإن الوقائع الميدانية تكشف عن تقاطع في المصالح ينعكس في تكامل الأدوار بينها بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن الأمثلة التي تعكس هذا الواقع؛ ما يجري في ليبيا منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، إذ لا خلاف على أن البلد كان كجارته تونس وغيرها من الدول العربية يسير في طريق الانتقال السلمي والسلس بعد إجراء الانتخابات الأولى في جويلية 2012 للمؤتمر الوطني العام، ورغم وجود مستوى من العنف –الذي لجأت إليه القوى الثورية لإسقاط نظام العقيد- إلا أن احتواءه كان ممكنا خاصة مع اتجاه الكثير من القوى الجهادية والثورية السابقة نحو العمل السياسي مثل الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة بقيادة عبد الحكيم بلحاج، ولكن الانهيار الشامل والفوضى التي اجتاحت البلاد بدأت بعدما أقدم اللواء حفتر على حركة انقلابية عسكرية "عملية الكرامة" في 10 فبراير 2014، ادعى أنها تهدف لمحاربة الإرهاب الذي ألصقه بكل معارضيه السياسيين. تأسيسا على هذا نطرح الإشكالية التالية:

-        كيف ساهم تنظيم الدولة (داعش) بليبيا في دعم الثورة المضادة؟

 

المشهد الليبي بعد سقوط نظام القذافي

ظهرت عشية سقوط نظام القذافي مستويات متعددة من الصراع منها بين الثوار أنفسهم حول مستقبل البلاد، وأخرى على المستوى المحلي بين الثوار والموالين للقذافي، أو محايدين حاولوا "ركوب الثورة" والتموضع في النظام الجديد، وامتزج هذا بخلافات تعود إلى فترة النظام السابق بين القبائل وأخرى لأبعد من ذلك، وتزامن كل هذا مع ضعف المجلس الوطني الانتقالي الذي كان من الصعب عليه فرض سلطة الدولة على الخليط الواسع من المجالس العسكرية والجماعات المسلحة واستتباب الأمن في المناطق المضطربة لقدراته المحدودة([1]).

إذ كان يقع على عاتقه ترتيب الأوضاع الأمنية، وفي الوقت نفسه تهيئة الظروف لبدء عملية سياسية طبيعية تتجاوز المرحلة الانتقالية، هاتان العمليتان المتداخلتان كان من الصعب تحقيقهما في ظل التباينات المناطقية والقبلية داخل المؤسسات السياسية الوليدة، وما زال الصراع من هذه المنطلقات مستمرا، ناهيك عن الخلاف الأيديولوجي بين الإسلاميين والليبراليين.

  في ظل هذه الظروف خرج تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا مستغلا تلك الفوضى والاضطرابات للتمدد في البلاد، وكان لافتا المجال الجغرافي الذي تحرك فيه التنظيم والقوى المحلية التي استند عليها لتثبيت سلطته، فضلا عن دورِ مختلف الأطراف في محاربته على أرض الواقع. كما تزايد الاهتمام الدولي بالأزمة الليبية وأصبح التدخل الخارجي أكثر حضورا سياسيا وعسكريا بحجة مكافحة الإرهاب الذي يخفي وراءه مصالح سياسية واستراتيجية للأطراف الأجنبية.

تنظيم الدولة في ليبيا وصراع القوى المحلية:

انطلق تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا من مدينة درنة التي سيطر عليها في 19 نوفمبر 2014، حيث كثّف حضوره المادي والإعلامي بشكل ملحوظ منذ أن أعلن "مجلس شورى شباب الإسلام" في درنة مبايعته للجماعة قبل شهر من ذلك، ولاحقا اعترف زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية» أبو بكر البغدادي بانضمام "أقاليم" برقة وطرابلس وفزان الليبية إلى "الخلافة" التي ينسبها إلى نفسه([2]). ثم بدأ في التوسع إلى أن وصل إلى مدينة سرت، ومنذ ذلك الحين ظل التنظيم يشن هجماتٍ متنوعة داخل ليبيا على غرار عملية فندق كرونثيا في طرابلس، والهجمات الانتحارية في مدينة القبة، والهجمات التي استهدفت سفارتي كوريا الجنوبية والمغرب في طرابلس، وإعدام 21 مسيحياً مصرياً، ثم 30 شخصاً على الأقل يعتقد أنهم أثيوبيون مسيحيون مقيمون في ليبيا([3]).

وتنوعت الفوضى التي قام بها التنظيم؛ منها الإجرام الذي يرتكبه بنفسه في حق الليبيين من خلال محاولة فرض أيديولوجيته وتصوراته الدينية عليهم بالقوة، أو ما تسبب به نتيجة صراعه مع القوى الأخرى والتي تحاول القضاء على التنظيم، فهو يشكل أحد أطراف الصراع بين مختلف القوى السياسية في البلاد، ورغم الاتفاق على تصنيفه كخطر على الدولة الليبية واستقرارها السياسي إلا أن المعركة ضده لم تكن بعيدة عن حسابات هذه القوى، والتي تسعى لتوظيفه لترجيح ميزان القوى لصالحها بمختلف الوسائل، وهناك العديد من المؤشرات عن خدمة التنظيم لأجندة اللواء حفتر الذي يسعى من خلال الحرب على تنظيم الدولة إلى تبرير أنشطته العسكرية داخليا ضد خصومه السياسيين، وكسب التأييد الدولي، ودعم قواته بالسلاح.

حفتر والثورة المضادة

برز اللواء المتقاعد خليفة حفتر في الساحة الليبية خلال الثورة طامحًا للعب دور قيادي؛ حيث رأى في نفسه الأهلية والمقدرة على تولي قيادة جيش التحرير الوطني الليبي بدلا من "عبد الفتاح يونس" الذي اغتيل لاحقا، فسعى لتولي قيادة الأركان، بمساندة مجموعة من الضباط الذين أيدوا توليته في أكتوبر 2011، ولكن المجلس الانتقالي عيّن شخصا آخر بدلا منه، ثم أتت الضربة الأقوى بعد إقرار قانون العزل السياسي الذي قضى على آماله في تولي منصب سياسي([4]).

  لم يستسلم حفتر للوضع أو يحاول تغييره سلميا، بل لجأ إلى أقصر الطرق موظفا القوة العسكرية فأعلن يوم 16 ماي 2014؛ في سلوك لا يختلف عن سلوك النظامين المصري والسوري عن "عملية الكرامة" متهمًا بالإرهاب كل القوى المناوئة له، ففي بداية حركته الانقلابية لم يتوانَ على تصنيف كل القوى الإسلامية كحركات إرهابية، وبرر حربه على هذا الأساس، معاملا المتطرفين والإسلاميين السياسيين على حد سواء كإرهابيين([5]).

   ولاحقا أعاق حفتر جولات الحوار ورفض الحلول السياسية من طرف الجناح السياسي الداعم له والممثل في برلمان طبرق حيث راهن اللواء على القضاء على قوات مجلس شورى ثوار بنغازي والسيطرة على المدينة([6])، ليصبح جيشه هو القوة الوحيدة في "برقة" وليعزز موقعه التفاوضي، لذلك لم يبدِ تفاعلا كبيرا مع عملية الحوار، لأن قبول التفاوض دون السيطرة على بنغازي ربما لن يحقق ما يصبو إليه من أهداف. وهو في الوقت ذاته في حاجة إلى عدم الابتعاد تماما عن مسار الحوار حتى لا يجد نفسه في مواجهة المجتمع الدولي والأطراف الغربية([7]).

   استمد حفتر قوته بالتحالف مع بقايا النظام السابق والمناوئين للتيار الإسلامي من الثوار، فعلاقته بالموالين للقذافي ليست سرا، إذ أعلنت أوساط في قبائل ورشفانة وترهونة وورفلة وكذلك مدينة زليتن في الغرب الليبي دعمها الكامل لحفتر ومساندته. ومن المعروف أن الأوساط نفسها دعمت القذافي خلال الثورة، وأنها قامت بعد مقتله بعدة انتفاضات دعما لأنصاره وبقاياه، كما أعلنت الأجهزة الأمنية الليبية مثل قوات الصاعقة، وقوات الدفاع الجوي انضمامها إلى حفتر(.([8]

وبعد عامين من الحرب الأهلية التي أفرزتها عملية الكرامة في بنغازي، يشهد معسكر حفتر انشقاقات بعدما أصيب حلفاؤه بخيبة أمل جرَّاء إعادته الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق لممارسة أنشطتها القمعية في المنطقة الشرقية وضلوعها في عمليات خطف واغتيال المدنيين(.([9]

تنظيم الدولة والثورة المضادة

لا تنطلق الاتهامات للتنظيم بالتوظيف والدعم من طرف النظام السابق من فراغ، فهو اليوم جزء من المشروع الانقلابي لأنه يخدم نفس الأجندات العسكرية الانقلابية على ثورة 17 فبراير(.([10] ومن الحقائق الماثلة الدالة على ذلك؛ تمركز التنظيم في شرق البلاد وفي المناطق التي هي في نطاق نفوذ حفتر أو معقل النظام السابق والموالين له، ففي سرت، مسقط رأس معمر القذافي حيث لقي مصرعه في أكتوبر 2011، مدّ التنظيم يده إلى القبائل التي كانت موالية للنظام السابق ولديها تاريخ طويل من النزاع مع مصراتة( .([11]وتؤكد هذه العلاقة تصريحات أحمد قذاف الدم- أحد رموز نظام القذافي- التي أيد وأشاد فيه بالتنظيم ووصف شبابه بـأنهم "أتقياء أنقياء".

وهناك من يفسر سلوك التنظيم في التحالف البراغماتي مع الموالين للنظام السابق بأنه مشابه لما فعله تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق الذي اعتمد على المسؤولين البعثيين السابقين، والأمر نفسه في ليبيا حيث استغل التنظيم السخط في جميع أنحاء معقل قبيلة "القذافة" في سرت، وقد يسعى أيضاً إلى اختراق المدن الجنوبية حيث تتواجد القبائل الموالية للقذافي(.([12] وهذا السلوك في النهاية يصب في مصلحة الثورة المضادة إذ يصعب الاقتناع أن حلفاء التنظيم سيصبحون بين عشية وضحاها مؤمنين بأفكاره، ثم إن طبيعة العلاقة تستلزم تحقيق مطالبهم التي تخدم اللواء حفتر، الذي يشترك معهم في العداء للقوى الثورية الأخرى.

الخيط الناظم:

يتضح في المحصلة الأخيرة الخيط الناظم بين الأطراف الثلاثة (تنظيم الدولة– الموالين للقذافي- حفتر)، وما يرجح هذا التحليل طبيعة المعارك التي تجري في الساحة، فقد عمد تنظيم الدولة مراراً وتكراراً إلى مهاجمة القوات المصراتية في سرت والمناطق المحيطة بها، واستفزازها، وليس قوات ابراهيم الجضران الموالية لحفتر في الشرق(.([13]

واضطُرَّت قوات مصراتة إلى وقف القتال ضد تنظيم الدولة في سرت من أجل مواجهة قوات الكرامة التي جدّدت هجماتها على طرابلس في أواخر مارس 2015(.([14] وبذلك خسرت قوات فجر ليبيا التابعة لرئاسة الأركان المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام وكتائب الثوار المساندة لها المعركة في سرت ومواقع عسكرية مهمة في محيطها لأنها كانت تخوض أكثر من معركة في أكثر من صعيد مع أكثر من جماعة، خاصة تلك التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر.

ومن المفارقات أن حفتر -الذي رفع شعار محاربة الإرهاب في المنطقة الشرقية- لم يُفلح في القضاء على تنظيم الدولة في بنغازي وحدها منذ انطلاق عملية الكرامة؛ فمَن أخرج التنظيم من درنة وضواحيها بشرقي ليبيا في ماي 2016 هي قوات مجلس شورى مجاهدي درنة الذي تشكَّل من كتائب مسلحة مناوئة لحفتر، ومن أخرج التنظيم من صبراتة بغربي ليبيا نهاية فبراير من العام نفسه هم ثوار مدينة صبراتة والمدن المجاورة لها، وهم لا علاقة لهم بحفتر، ومن هزم التنظيم في سرت بوسط ليبيا -أكبر معقل للتنظيم في شمال إفريقيا- هي قوات عملية البنيان المرصوص التي أطلقها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني مطلع ماي 2016، وتُشكّل قوات مصراتة الغالبية العظمى منها ومعها أيضًا تشكيلات عسكرية موالية لحكومة الغويل(.([15]

تمكين القوى الأجنبية:

  أصبحت التنظيمات الجهادية مطية أيضا للقوى الأجنبية التي تبرر تدخلها العسكري الذي يخفي وراءه مصالح سياسية واقتصادية وغالبا ما يكون ذلك بالتنسيق مع قوى الثورة المضادة، وفي ليبيا تحججت القوى الغربية بمحاربة التنظيم لفرض حلول سياسية تتوافق مع رغباتها، من خلال فرض اتجاهات تخدم مصالحها السياسية، وإعاقة تمكين القوى المناهضة لها، وهذا ما يظهر في علاقتها مع اللواء حفتر وتنسيقه العسكري معها، فرغم إدانتها بشكل صريح "اعتداءات حفتر في بنغازي" في بيان لها في ديسمبر 2014(([16]، لكن لم يترتب عن ذلك اتخاذ مواقف حاسمة ضده، بل على العكس استمر التعاون والتنسيق بين الطرفين خاصة في المجال العسكري. فقد نشر موقع ميدل إيستآي، في الثامن من جويلية 2016، تسجيلات تثبت وجود قوات أميركية([17]) وبريطانية وفرنسية في قاعدة بنينا الجوية التابعة لحفتر جنوب شرق بنغازي، وهو ما أكَّده العميد صقر الجروشي، قائد القوات الجوية بعملية الكرامة، بعد أيام.

ويبدو أن التدخل الغربي يهدف إلى ترجيح كفة حفتر في صراعه ضد مناوئيه بعد إخفاقه على مدى عامين في إحكام السيطرة على بنغازي. ويرجِّح مراقبون أن مساندة الغرب حفتر تهدف إلى السيطرة على منطقة الهلال النفطي على ساحل برقة بوسط ليبيا ومنع وصول مناوئيه إليها، وهذا يدل على أن قضية إنهاء الصراع وتحقيق الاستقرار في ليبيا لا تعني الغرب بقدر ما تعنيه السيطرة على ثرواتها النفطية(.([18]

كما اعترف الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند، بمقتل ثلاثة من القوات الفرنسية إثر تحطم مروحية أسقطتها سرايا الدفاع عن بنغازي منتصف جويلية 2016. وطالب المجلسُ الرئاسي لحكومة الوفاق -تحت ضغط شعبي- فرنسا بتوضيح أسباب وملابسات الوجود الفرنسي على الأراضي الليبية. لكن صمت مجلس النواب في طبرق يُرجِّح علمه بهذا التدخل وغض الطرف عنه.

ومن جانب آخر، فالتدخل يكشف ازدواجيةً في مواقفِ فرنسا تجاه القضية الليبية، فهي وإن أعلنت دعمَها لحكومة الوفاقِ الوطني، لا تجد حرجًا في مدِّ يد العونِ لطرف في الصراع لا يعترف بهذه الحكومة(.([19] ما يكشف حقيقة الأهداف الفرنسية التي عبّر عنها مسؤول بوزارة الدفاع الفرنسية بقوله: "إذا تمكنا من تشكيل حكومة الوحدة الوطنية فلن يكون هناك جيش ليبي كما نريده أن يكون"(.([20]

ووجود هذه القوات في معسكرات تابعة لللواء حفتر يعني أن القوى الأجنبية اختارت من البداية حلفاءها والذين تضمن تبعيتهم طواعية لها، وتبقى المهمة في البحث عن قوى تسير في الاتجاه نفسه وتمكينها، وإضعاف القوى الأخرى المعارضة بعد تحديد بنك العمليات خلال الفترة السابقة، والحجّة هي محاربة تنظيم الدولة الإسلامية. والتنسيق بين حلفائها ليس محصورا في الإطار الداخلي بل يتعداه للإطار الإقليمي، وهذا ما يكشف عنه التعاون بين نظام السيسي وحفتر ما يؤكد تمثيل الأخير للثورة المضادة. فلم يعد خفيًّا دور مصر التي تراهن على قدرة القوات التي يقودها حفتر على حسم الصراع عسكريا في مواجهة الجماعات المسلحة الأخرى، وخصوصا قوات فجر ليبيا التابعة للحكومة الموجودة في طرابلس(.([21]

لذلك تعمل مصر على تقوية شوكة عملية الكرامة كي تكون حائط صدٍّ بين نظام السيسي وثورة السابع عشر من فبراير التي تمثّل بدورها التهديد الأكبر لنظامه وراء حدود مصر الغربية. وكذلك كي يكون هذا الحائط فاصلًا بين المعارضة المصرية في الداخل ومثيلاتها في ليبيا، فضلًا عن إزاحة خطر تمدد تنظيم الدولة بعيدًا عن الحدود المصرية من خلال نظام يتصدى له بالوكالة.

ولهذا يهدف مشروع السيسي إلى تدمير حركات الإسلام السياسي الثورية المناوئة لحفتر، وفرض معسكر الأخير على حكومة الوفاق الوطني كجزء من الحل للأزمة الليبية .وهذا يبرز تناقضًا في الدور المصري تجاه حكومة الوفاق، فالخارجية المصرية من جانب أيَّدت رسميًّا حكومة الوفاق وترعى ما قالت: إنها سلسلة لقاءات لتقريب وجهات النظر بين حكومة الوفاق والمعسكر الشرقي، لكن الأجهزة الأمنية المصرية من جانب آخر تدعم حفتر في حربه ضد مناوئيه(([22].

الخلاصة:

تتقاطع مصالح خليفة حفتر إلى حد التطابق مع تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا ما يدل على مستويات من التعاون بين الطرفين تشكل القوى المؤيدة للنظام السابق حلقة الربط فيه، ومن خلال شعار محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا نجح حفتر في إشغال القوى الثورية بمحاربته، واستغل ذلك لتوسيع نطاق سيطرته خاصة على المناطق النفطية، وإن كان الحظر على تسليح الجيش الذي يطالب به ما زال مستمرا إلا أن التعاون العسكري بينه وبين القوى الأجنبية والضربات الجوية التي يقوم بها الجيش المصري، نماذج عن تعاون وتنسيق أمني على أعلى المستويات، الذي يظهر تطابق الأجندات السياسية لهذه الأطراف مجتمعة.

ولا يمكن التأسيس على المواقف المعارضة لسياسات حفتر من حين لآخر للحديث عن اختلاف أجندات، لأن العبرة بأفعال كل هذه الأطراف خلال هذه السنوات من عمر الأزمة الليبية، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن القوى الأجنبية أظهرت بعض الاعتراض على ما قام به السيسي خلال انقلابه وكثيرا ما تصدر تصريحات وبيانات تنعى الوضع الكارثي لحقوق الإنسان، لكنها سرعان ما اعترفت به بعد إجراء انتخابات شكلية، ولم يختلف سلوكها مع حفتر كثيرا، فرغم تأنيبها العلني له، وعدم دعمه عسكريا بما يطل من أسلحة إلا أن قواعده هي التي تحتضن القوات الفرنسية والأمريكية وغيرها في ليبيا.

وتبقى حجة دائمة لدى هؤلاء في محاربة الإرهاب الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية، غير أن طبيعة المعارك الدائرة لا تدع مجال للشك في استخدام هذا الشعار في كل الدول العربية والتي لا تعدو ليبيا إلا أن تكون نموذجا مصغرا عنها في محاربة كل القوى المناوئة للمصالح الأجنبية والمعبرة عن رغبات شعوبها، لا عن مصالح ضيقة لفئات محددة تمثلها الثورات المضادة المستعدة لرهن مصالح بلدانها لقوى خارجية من أجل تحقيق ما تريده داخليا حتى إن كلفها ذلك دماء شعوبها تحت غطاء مكافحة الإرهاب.

 

 



[1]- لتفاصيل أكثر حول الموضوع انظر: تقرير مجموعة الأزمات الدولية، نقف معا منقسمين: استمرار الصراعات في ليبيا، تقرير الشرق الأوسط رقم 130، 14/09/2012. وينظر أيضا: تقرير مجموعة الأزمات الدولية، المحافظة على وحدة ليبيا: التحديات الأمنية في حقبة ما بعد القذافي، تقرير الشرق الأوسط رقم 115، 14/12/2011.

[2] -أندرو اينجل، توسُّع تنظيم «الدولة الإسلامية» في ليبيا، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 11/02/2015، على الرابط:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-islamic-states-expansion-in-libya

[4]- محمود بيومي، الصراع في ليبيا بين الحسم والتوسع والاستنزاف، منتدى البدائل العربية، 4/7/2014، ص 2-3.

[5]- أندرو اينجل، المرجع السابق.

[6]- انطلقت لاحقا عملية فجر ليبيا في 13 جويلية 2014 للتصدي لمحاولات حفتر والمليشيات الموالية له للسيطرة على طرابلس. وتدريجيا تحول الانقسام السياسي إلى مواجهة مسلحة وشاملة مع نزوع الأحزاب والنواب في كلا الطرفين لتأييد وتبني كل من عملية الكرامة أو فجر ليبيا، انظر:

وحدة تحليل السياسات، أزمة الحوار الليبي في مسودة الاتفاق الخامسة، الدوحة: المركز العربي للأبحاث وتحليل السياسات، جويلية 2015، ص 02.

[7]- مركز الجزيرة للدراسات، الحوار الليبي: التحديات وفرص النجاح المحدودة، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 12/02/2014، ص 04.

[8]- وحدة تحليل السياسات، ليبيا ومخاوف الانزلاق في طريق الاقتتال الأهلي الشامل، الدوحة: المركز العربي للأبحاث وتحليل السياسات، جوان 2014، ص 03.

[9]- هناك صلة وثيقة بين حفتر الذي عيَّنه برلمان طبرق قائدًا عامًّا (للقوات المسلحة الليبية) في فبراير 2015 ورئيس البرلمان عقيلة صالح. وتضم قوات حفتر -عملية الكرامة العسكرية- أقلية من عسكريين سابقين وأغلبية من مسلحين قبليين من المنطقة الشرقية بايعوا حفتر مقابل وعوده لهم ببناء جيش وشرطة نظاميين تحت شعار (محاربة الإرهاب). لتفاصيل أكثر انظر: تموضع القوى السياسية والعسكرية في ليبيا ومستقبل الصراع، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 07/08/2016، على الرابط:

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2016/08/160804122651822.html

[11]- كيفن كايسي، وستايسي بولارد، استراتيجية الدولة الإسلامية في ليبيا، مركز كارنيجي، 25/03/2015، على الرابط:

http://carnegieendowment.org/sada/59491

[12]- أندرو اينجل، المرجع السابق.

[13]- كيفن كايسي، المرجع السابق.

[14]- المرجع نفسه.

[15]- تموضع القوى السياسية والعسكرية في ليبيا ومستقبل الصراع، المرجع السابق.

[16]- مركز الجزيرة للدراسات، الحوار الليبي: التحديات وفرص النجاح المحدودة، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 12/02/2014، ص 04.

[17]- يوجد فريقان من القوات الأمريكية الخاصة، بمعدل خمسة وعشرين جنديا لكل فريق، يتمركزان منذ أواخر 2015 حول مدينتي مصراتة وبنغازي في محاولة لتحديد الحلفاء المحتملين ضمن الفصائل الليبية المسلحة في أي حرب قادمة على "داعش" فضلا عن جمع معلومات استخباراتية. انظر: وحدة تحليل السياسات، هل بات التدخل الأمريكي الأوروبي وشيكا في ليبيا؟، الدوحة: المركز العربي للأبحاث وتحليل السياسات، جوان 2016، ص 03

[18]- تموضع القوى السياسية والعسكرية في ليبيا ومستقبل الصراع، المرجع السابق.

[19]- المرجع نفسه.

[20]- الدولة الإسلامية تواجه صعوبات في كسب التأييد في ليبيا، رويترز، 13/04/2016،على الرابط:

http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKCN0XA21Y

[21]- شحاتة عوض، الدور المصري في ليبيا: الخيارات والمخاطر، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 08/03/2015، ص 05

[22]- تموضع القوى السياسية والعسكرية في ليبيا ومستقبل الصراع، المرجع السابق.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق