لمــاذا الأفكار والعقائـد لا السلوك ؟! في نقد "النقد" الموجّه لتنظيم الدولة (داعش)
الأثنين 31 أكتوبر 2016

 

 د. عصر بن محمد النّـصر – كاتب أردني

 

خاص بالراصد

عندما تصاعدت ممارسات تنظيم الدولة الإسلامية على الساحة الشامية قابلتها انتقادات كثيرة تتوافق وحجم تلك الأخطاء، إلا أن الملاحظ أن النقد توجه إلى الممارسات الظاهرة والسلوك دون المنطلقات والعقائد والأفكار، أي أن النظر انصب على الأعمال على اعتبار أنها أخطاء يمكن أن يعاد النظر فيها وينصح صاحبها دون معرفة ومعالجة المنطلقات المؤسسة لها، وعلى هذا جرى صنيع كثير من النخب، وقد أوجب ذلك أسباب متعددة؛ كالغفلة عن منطلقات ذلك السلوك وما وراءه من عقائد، وقد أدى هذا المسلك في التعامل إلى تعميق أزمة الجهاد الشامي حيث فقد الحل قيمته لبعده عن أصل الأزمة وجذرها، وفي جانب آخر تسبب تأخر الحل وتكييف الأزمة وفق أصولها وجذورها إلى تأثر كثير من الشباب بدعوة التنظيم، وهذا بدوره عمق أزمة الجهاد، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أصبح هذا السلوك والذي غفل عن منطلقات التنظيم وعقائده سببا في اضطراب الآراء كلما تجددت الأحداث المتعلقة بتنظيم الدولة، ومما ساعد في ذلك عدم القدرة على التمييز بين مكونات التنظيم الدينية والسياسية، وكذلك عدم القدرة على الوقوف على تفاصيل كل من المكونين، وبالتالي تعذر الحل وتأخر، وبيان ذلك أن المكون الديني لدى تنظيم الدولة متميز ومختلف عن غيره من المكونات الشرعية المنتشرة على الساحة العربية والإسلامية، فالتنظيم عبارة عن ظاهرة مركبة من جهة المكونات البشرية فيه والمعتقدات وأسباب الظهور، ويمكن أن نرجع أسباب الضعف في تقييم المكون الديني لدى التنظيم إلى عدم القدرة على التمييز بين المكون الديني والسياسي من جهة، حيث يمثل اجتماعهما وامتزاجهما إشكالا لدى الناظر في كثير من الأحيان، ومن جانب آخر عدم تميز المكون السني والبدعي، حيث مثل التدين أهم علة مؤثرة في نظر الناس إلى التنظيم، وقد خفيت معالم التدين السني لدى كثيرين نتيجة لضعف العلم من جهة وغياب الحدود الفاصلة بين الفرق وما يميز كلًا منها، وقد وجد في التاريخ أمثلة لهذا النوع من التدين وأثره على أصحابه في تطلب دول وممالك على نحو ما ذكر ابن خلدون –رحمه الله- في "مقدمته" حيث قال في وصف أحوال البربر في المغرب: "... وعادوا بعد ذلك للثورة مرة بعد أخرى، وعظم الإثخان من المسلمين فيهم، و لما استقر الدين عندهم عادوا إلى الثورة والخروج والأخذ بدين الخوارج مرات عديدة "( ص195), فاجتمع في حالهم أمران: التدين البدعي وتطلب الدولة، ولم يكسبهم هذا شرعية دينية أو شرعية سياسية، وقد أحسن بعض الباحثين في تكييف دولة التنظيم بالدولة الظالمة المتغلبة، وإن كان –فيما يظهر لي- أشكل عليه الجمع بين المكونين الديني والسياسي، حيث أدرك بعض ما يميز إحدى المكونين دون الآخر، وغياب هذا الإدراك عن كثير من النخب فضلا عمن دونهم أوجب اضطرابا في الحكم، وقد ساعد فيما تقدم وصفه من ضعف التمييز، اضطراب النظرة إلى الأنظمة والموقف منها، حيث غلب التوصيف العلماني للأنظمة القائمة في المنطقة على عموم الباحثين الشرعيين، وحصل الخلاف من وراء ذلك في حكم الدار، وقد تقرر أن هذه المسائل من أكثر المسائل تأثيرا على الساحة الفكرية، وهذا بدوره أضفى قدرا من المشروعية على تنظيم الدولة حيث رفع راية الدين وجعلها شعارا له، حتى أصبح قبلة يقصدها فئام من الشباب المتدين، وقد بلغ الأمر أن عَد بعض الشرعيين تنظم الدولة جزءً من المشروع الإسلامي في مقابل الأنظمة القائمة؛ ولذلك يأتي السؤال المهم في هذا السياق، هل تنظيم الدولة امتداد للمشروع الإسلامي؟ وهل يمثل مشروعا سنياً؟

فلو اقتصرنا على تنظيم الدولة في العراق بعيدا عن تأريخ التيار الجهادي؛ لرأينا أن بقايا النظام العراقي السابق هم مادة التنظيم وأهم مكوناته وهذا بدوره أدخل عليه بعدا جديدا ظهرت آثاره في كثير من الممارسات والأفكار، بل تسبب في تطور نوعي للفكر الجهادي بعامة، وقد مثل التدين = والذي هو العنصر الأهم في تشكيل أي مشروع قائم في مواجهة المشاريع المنافسة الأخرى، سواء الغربية منها أو المشروع الإيراني، المادة الشرعية للتنظيم، وقد سبق هذا المكون مكونات أخرى في المنطقة كالمكون القومي وقبله الشيوعي حيث شكلا مادة المشاريع لبعض الحركات، وقد قدم التنظيم نزعة سنية لم تعرف عبر التأريخ من خلال التضييق على المكونات الدينية والأقليات في المجتمعات التي وجد فيها, وقد كان فيما مضى يمثل البعد السني مادة الحكم للأمة معتبرا كل المكونات، وفي المنظومة الفقهية لدى فقهاء الإسلام أحكام تختص في تكييف العلاقة بين هذه المكونات ونظام الحكم.

وعليه؛ فقد مثلت منطلقات تنظيم الدولة رافدا لكثير من الممارسات، فمنطلق الدولة من حيث هي دولة: كان سببا في عدم الاعتراف بالدول القائمة مما يعني عدم انحصار مشروعه في منطقة واحدة، وأن بقاءه يرتبط في بادئ النظر بقدرته على مقارعة كل الدول المحيطة وما وراءها، أو التخلي عن تلك الأدبيات والتصالح مع واقع تلك الدول، وهذا رأي مطروح في أروقة التنظيم وبعض المؤثرين في سيره، ومن آثار هذا المنطلق كذلك: عدم اعتبار القضاء الذي يتبع الفصائل أو حتى المستقل أو المشترك، ومن ذلك: مطالبة الفصائل بالطاعة وقتال المخالف وتنزيله منزلة المخالف للطاعة الواجبة.

وأما التدين البدعي، فقد أظهر التنظيم تدين الخوارج وهو الذي يتناسب وطبيعة التنظيم ومطالبه، كما تقدم وصفه من حال البربر وتطلبهم للدولة والملك، وقد كان سببا لكثير من الممارسات، من ذلك: الغلو في السلوك والذي ظهر بمظهر العنف في كثير من الأحيان حتى ظهرت على أيديهم فضائع لم تعهد من قبل كقطع رؤوس المخالفين والتمثيل بهم، وحرق الأحياء، واختلاق أنواع من طرق القتل التي لم يأت بها الشرع، ومن ذلك: عدم الالتزام بالمنظومة الفقهية للمذاهب الفقهية المتبوعة، ومن هنا يظهر لنا خطأ كثير من الباحثين في تبرير المسائل الفقهية ومحاولة نفي بعضها خوفا من نسبتها للتراث، غافلا والحالة هذه عن أن الإضافة للتراث لا تكون إلا باجتماع الحكم ومنهج الاستدلال، وهي خاصية المذاهب المتبوعة، والتي ترك التنظيم الانتماء إليها جملة، ومن ذلك: خفاء القدر المميز للهوية السياسية للتنظيم حيث جُعلت الأعمال كل الأعمال متكأً للوصول إلى الحكم، وجعله في نظر كثير من المراقبين محل تردد في القبول والرد، وهذا من أسباب امتناع كثير منهم عن إعلان موقف صريح تجاه التنظيم، ومن ذلك: نزع صفة الجهاد والشرعية عن المخالفين واستباحة ساحات الجهاد وأماكن تحيز ووجود الفصائل في ساحاته.

هذا ما تيسر إيراده في إجابة سؤال يتردد كثيرا في كيفية التعامل مع تنظيم الدولة وما يجري عليه أو له من الأحداث، وهل تعد مخالفته والتحذير منه تخذيلا وظلما أم لا.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق