معركة الموصل رؤية تحليلية
الأثنين 31 أكتوبر 2016

 

 عبد الهادي علي– كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

تكتسب معركة الموصل ضد تنظيم داعش أهميتها من مدينة الموصل نفسها ومن موقعها، وفي كونها المدينة التي دخل منها داعش للعراق في أواسط شهر حزيران سنة 2014، ولِمعركة الموصل أبعاد سياسية عديدة، حيث قرعت طبولها قبل أكثر من سنة فلماذا بدأت الآن وما دلالات ذلك؟

من المفترض أن تكون معركة الموصل آخر معركة لإخراج داعش من العراق، وهذا يرجعنا إلى الحديث عن البداية، والبحث عن إجابة السؤال المعلّق: كيف تمكّن مئات الدواعش من هزيمة جيش جرار فرّ من أمامهم دون أن يطلق طلقة واحدة؟ وما الذي حصل في الموصل بالتحديد خلال السنتين الماضيتين؟

دوافع الحكومة العراقية الشيعية وإيران:

من الثابت والواضح أن داعش لم يقتحم الموصل، ولكنه أُدخل إليها بتسهيلات عدّة، ومن الثابت أيضًا أنّ الجيش العراقي لم يُقاتل، بل أُمر بالانسحاب من قبل رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة –آنذاك- نوري المالكي، ومن الثابت والواضح كذلك أنه لم يحاسب أحدًا على هذه الفعلة والخيانة!

طبعاً لن نجد جواباً اليوم ولكن المستقبل كفيل بإظهار الحقائق وفضح المسؤولين العراقيين عن هذه الجرائم بحق العراق وأهله. وإذا كان من المكشوف اليوم أن داعش أُدخل للساحة السورية ليجهض الثورة الشعبية السورية، فهو أدخل للعراق لأمر آخر!

فالحكومة العراقية الشيعية وإيران حققتا هدفهما من وجود داعش حيث كان مبررا ومسوغا لإنشاء الحشد الشعبي الشيعي، وتحويله للقوة رقم واحد في العراق، وأصبحت مليشيا تشبه مليشيا حزب الله في قوتها ونفوذها، والتي تعد حكومة أو دولة موازية للحكومة والدولة اللبنانية، وتسير للتحول لوضع مشابه للحرس الثوري الإيراني الذي همّش الجيش الإيراني، وبذلك أصبح لشيعة العراق قوة عسكرية خارج إطار الدولة والدستور يفرض سطوته على الجميع، ويوظف لموازنة الضغط الأمريكي على الحكومة العراقية الشيعية.

فالحشد الشيعي والجيش العراقي الطائفي يعبث بأي منطقة بالعراق وخاصة مناطق السُّنة بحجّة داعش، وفعلاً أصبح السُّنة بين مقتول أو مسجون أو مهجّر أو تحت الذل والاضطهاد وهو مخطط قديم: (وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[الأنفال: 30].

في نفس الوقت أدركت الحكومة العراقية أنّ سياسة أمريكا تستنزفها ماليا في حرب دائمة، حتى أصبح العراق البلد النفطي مدينا لصندوق النقد الدولي، وتمَّ بيع نفطه لعدة سنوات قادمة، وشعرت إيران أنّ أمريكا تنافسها في نهب العراق وخيراته، فأصبح من مصلحتهم التخلّص من ورقة داعش حيث تحولت لمصدر إزعاج بدون عائد!

خلفيات الموقف الأمريكي:

بحُجّة حرب داعش أعلنت روسيا عن نيتها القدوم للعراق واقترحت تشكيل رباعية أمنية مشتركة بينها وبين العراق وسوريا وإيران، وهذا يتصادم مع الرؤية الأمريكية التي تعتبر العراق ساحة لها وحدها، وأن الروس لا يحق لهم التدخل فيها بخلاف أمريكا، التي تمكنت أن تتدخل في سوريا ويصبح لها دور بعد أن كانت سوريا حصة روسيا طيلة العقود الماضية.

وبسبب تحقق غاية الشيعة وإيران بالسيطرة على عموم العراق بحجة محاربة داعش، ومحاولة الروس التدخل بالعراق آن الأوان أن يتم التخلص من داعش من قبل الحكومة العراقية الشيعية وإيران وأمريكا ولكن لكل طرف أسبابه الخاصة.

وهذا التوقيت لإخراج داعش هو قرار أمريكي حتى لا تفقد زمام المبادرة في المنطقة؛ وفي نفس اللحظة هذا الوقت يدعم الديمقراطيين في سباق الانتخابات الأمريكية كذلك، ويقطع الطريق على التعاون الإيراني الروسي لإنهاء ملف داعش العراق لصالحهما بخلاف المصلحة الأمريكية.

لكن ماذا عن اللاعب التركي والكردي؟

أما الأتراك فيشعرون أنهم تأخروا عن مشاركة الآخرين بحُصة في العراق، وأنهم فوتوا عليهم أشياء كثيرة، وأن الوجود التركي الاقتصادي في العراق يمكن أن ينتهي بقرار بسيط من الحكومة العراقية؛ لذا كانت معركة الموصل فرصة لا تعوض، فتركيا معنية بالموصل منذ أكثر من 90 عاما فقد كانت تريدها كجزء من إرث الدولة العثمانية.

أيضاً أدركت تركيا أنّ إيران والحكومة العراقية أصبحتا توظف تنظيم PKK الإرهابي ضدها مما يشكل خطراً على أمنها القومي، حيث تم افتتاح مكتب له في بغداد من قبل نوري المالكي الذي يقدم أيضاً 800 دولار لكل عضو من أعضائه، الذين يتواجدون اليوم في منطقة سنجار داخل العراق كقوة عسكرية، وهؤلاء يشكّلون الخطر الأكبر على تركيا سواء كانوا في العراق أو سوريا.

لذا تفهم تركيا أبعاد المخطط العراقي الإيراني من استباحة الموصل السنية ودعم PKK الإرهابي بأنه نقل للمعركة للداخل التركي، وتستشعر تركيا بعد الانقلاب الفاشل أن أمنها القومي مهدد من سوريا والعراق بأدوات متعددة منها داعش ومنها PKK وأصبح من الضروري التحرك مبكراً لقطع الطريق على المخططات الإقليمية الإيرانية الشيعية بالحصول على ممر بري يصل إيران بالبحر الأبيض بجوار تركيا، وما يترتب على ذلك من ضرر وتهديد لأمن تركيا، ومخططات أمريكا وإسرائيل وروسيا بإعادة تقسيم المنطقة مما قد يهدد بتقسيم تركيا وتقزيمها من جديد.

وعلى اعتبار أن تركيا وإيران هما البلدان الأكثر قدرة في المنطقة على منافسة إسرائيل، كان الأتراك يخططون بحسن نية وبساطة (وبرؤية إسلامية عامة) خاصة رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو لقيام مثلث عربي تركي إيراني للسيطرة على المنطقة، وكان الأتراك يظنون أن إيران سترحب بتقاسم الأدوار بينها وبين تركيا في العراق، وأن من الخير لإيران أن تكون تركيا شريكتها في العراق بدلاً من أن تكون أمريكا شريكتها هناك، ويبدو أن الأتراك بدأوا يستيقظون من هذا الحلم على وقع الخيانات والاعتداءات الشيعية العراقية والإيرانية تجاه تركيا.

ولهذا تشددت الحكومة العراقية برفض الوجود الشكلي التركي في العراق، وصعّدت الموقف مما خدم لعبة إيران الخبيثة لتقليل حصة الخصم التركي بالعراق، ومن جانب آخر: تضرر مصالح القوى والأحزاب الشيعة العراقية من وجود تركيا السنية كشريك قوي بالعراق؛ لأنّه يعدل كفة سنة العراق.

أما الموقف الكردي فهو موقف معقّد: فطمع الكرد بالموصل طمع قديم، ومنذ الاحتلال الأمريكي سنة 2003 حكم الكرد الموصل، وهي منطقة بالغة الأهمية بالنسبة لحلم كردستان كبرى في سوريا والعراق وتركيا، فهي منطقة عربية فاصلة بين كرد سوريا والعراق، وقد قامت شرطة الأكراد (الأشايس) بدور مبكر في إيصال التطرف للموصل منذ 2003، كي تكون مدينة رخوة يمكن الاستيلاء عليها، وقاموا بتصفية عدد من عناصرها العربية الجيدة، وطموحهم اليوم على ضم سهل نينوى إلى كردستان.

لكن الوضع الكردي هش في الداخل، فثمة صراع بين مسعود البرزاني (أربيل) وحزب جلال طالباني (السليمانية)، وهو صراع قديم جديد، فمسعود لا يُراد له أن يكون رئيس الإقليم ولا يراد التجديد له؛ لذا احتمى ولاذ بتركيا، وجلال حصان إيراني قديم. وهناك صراع بينهما تحرّكه إيران، وحلم الدولة الكردية عالميا غير مطروح حاليا، ونجحت الحكومة العراقية مع إيران في الضغط على مسعود البرزاني بغية إضعافه، فإيران تريد المنطقة الكردية تابعة لها، كي تمنع تحرك كرد إيران للانفصال والاستقلال وتوظيفهم كورقة بيد خصوم إيران، كما تريد إيران استغلال منطقة مسعود (أربيل) كممر لتحركاتها إلى سوريا.

الموصل في الصراع الدولي:

الموصل حاضرة بقوة في الصراع الدولي الكبير بين روسيا وأمريكا من جانب، وبين أمريكا وأوربا من جانب آخر، وبين روسيا وأوربا من جانب آخر. 

فروسيا وفق تقسيم المناطق الروسي الأمريكي لا تتدخل في العراق ولا الموصل، وتريد من أمريكا أن تنهي داعش في سوريا والعراق، وترفض تهجير عناصر داعش من العراق إلى سوريا.

بينما إيران؛ ترغب بخروجهم لسوريا، ولا تريد ضرب داعش في سوريا لعدم قدرة النظام السوري على سد فراغ داعش، لأن إنهاء داعش سيمكّن الثوار من التفرغ لحرب النظام إذْ يشكّل داعش عائقا للثورة السورية منذ ظهوره.

أما الدول الأوربية وخاصة فرنسا وبريطانيا فتشعران أن اتفاقيات أوربا في بداية القرن في تقسيم المنطقة قد تتغير لغير صالحها؛ لذا تحرصان على بقاء تقسيمة سايكس بيكو، كما أن روسيا سلّطت الهجرة السورية على أوربا بما يهدد ديمغرافية أوربا ووحّدتها من خلال تصعيد القصف لتهجير السوريين وهو الذي حصل قبل سنة تقريباً؛ ثم تسليط الدواعش بالتفجيرات في أوربا كلما أيدوا الثورة السورية، لذا فداعش أصبح ثقلا على أوربا ولا بد من إنهائه في سوريا والعراق.

تكتيكات وفوائد جانبية لإيران في ظل معركة الموصل:

1- الاستفادة من وجود الحشد الشعبي في مناطق جديدة حيث تعاون الحشد الشيعي ومجموعة جلال طالباني لإضعاف نفوذ برزاني في كركوك والضغط عليه لتهجير العرب السنة من كركوك، لذا جاء هجوم داعش على كركوك قبل أيام.

2- تعزيز وجود الحشد الشيعي والحكومة الشيعية في مناطق سنية كالأنبار عبر عدة عمليات سريعة، ولذلك جاءت عملية الرطبة التي تبين أنها من تسهيلات ميلشيا مقتدى الصدر "سرايا السلام" وغيرها من مكونات الحشد الشعبي الشيعي.

3- الاستفادة من داعش الإيرانية في تسهيل دخول الحشد الشيعي إلى منطقة تلعفر بحجة الدفاع عن الشيعة لأن الحكومة وإيران تخططان منذ سنين لوجود محافظة شيعية في شمال العراق، بعد تقسيم محافظة نينوى بين السنة العرب والكرد والشيعة التركمان.

4- كما أن أحد السيناريوهات المطروحة هو أن ينتقل داعش لصحراء العراق ليبقى يضرب بين الفينة والأخرى مناطق العرب السنة ليستمر مبرر تدخل الشيعة في المناطق السنية.

لذلك تواجد الحشد الشعبي بالقرب من منطقة داعش في غرب الموصل لدخول تلعفر من طريق منطقة الحضر أولا، ولتسهيل خروج داعش إلى سوريا.

لا يفوتنا أخيرا أن نذكر أن الأمريكان يريدون إطالة أمد الحرب لغاية نهاية الانتخابات الأمريكية للاستفادة منها، ولعلي بذلك سلطت الضوء على تشابك المواقف في معركة الموصل، والأيام حبلى بكل جديد.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق