الصراع العربي الإيراني توصيف بلا توظيف
الأثنين 31 أكتوبر 2016

 

 محمود أبو عبد العزيز القيسي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

على الرغم من الأحداث الساخنة التي تجري على الساحة العربية والإسلامية، ومع التحدي الكبير الذي تواجهه العديد من الدول من قبل إيران والمليشيات الشيعية التابعة لها في جميع مناطق العالم، إلا أن جميع تلك الدول، العربية منها والإسلامية، لا زالت في طور التوصيف لما يجري، معرضة عن كل آليات التوظيف والمواجهة، لا، بل إنها تتجنب عمداً تلك الآليات، إنه الإغراق والتهاوي في هذا الوصف إلى حد التماهي، ولا يخفى أن أغلب تلك القراءات لهذا الواقع والذي يمكن وصفه بمسلسل الثأر التأريخي الذي لا نهاية له على الإطلاق، تعلقت أكثر ما تعلقت بالجانب الوصفي، مكتفية بعرض الوقائع، ولكن بألوان الإعلام الزائف، والذي يأبى أن يصف الحقيقة كما هي أو أن يسمي الأشياء بمسمياتها، هذا الجانب قد أعرض ملياً عن مقدمات ذلك الصراع وأسبابه وحيثياته ومآلاته، والقوة التي ينطوي عليها.  

لاشك أن التوصيف ضروري كنقطة انطلاق وخط شروع للتشخيص الصحيح كي تكون الخطوة التالية هي التوظيف ثم الحركة والفعل، ولكن الاكتفاء به والوقوف على التل وندب الماضي، يمسخ الغايات ويحرفها، ومما يزيد الطين بلّة أن أغلب القراءات قدمت توصيفاً مشوها لأصل الصراع وكيفية إدارته ومآلاته بعيداً عن تجارب التاريخ، والتي تمثل بحق نسخة مكررة لهذا الصراع.

فمما أعرضت عنه تلك التوصيفات عمداً أو جهلاً كون الشيعة كلهم أو جلهم إنما يمثلون سيرة الولي الفقيه، وإن خالفوا في بعض الجزيئات التي لا يمكن أن تخرجهم عن خارطة الطريق العامة للولي الفقيه الشيعي.

لقد أغرقت تلك التوصيفات وعزفت كثيراً على أسطورة الشيعة العرب، والرهان على دورهم الوطني في بلادهم، مع أن نظرة سطحية سريعة للواقع وصفحات التاريخ تخبرنا بأن هؤلاء لم يمارسوا دور البناء في بلادهم وأوطانهم إلا على سبيل الكيد والضر، كما أن هذه التوصيفات فرّقت بين مطلق الشيعة وإيران وكأن هناك تقاطعا في الأدوار في هذا المعنى الواحد، ولم تدرك جميع تلك القراءات أن الشيعي –إلا الشاذ النادر الذي يؤكد القاعدة- في أي مكان من بلاد أهل السنة والجماعة يعتبر نفسه خلية جاهزة للعمل حين يأذن له العقل الجمعي بذلك، وأنه صورة طبق الأصل لكل المراجع والمعممين حقداً ولؤماً وكيداً لهذه الأمة.

وفي ظل الدور الساحر الذي يقوم به الإعلام نجد فيضاً من التضليل المتعمد لحقيقة هذا الصراع والإعراض بقصد أو بغيره عن المسميات الحقيقية لهذا الصراع، وأن مأزق هذا الخطاب الوصفي والذي طغى إعلاميا هو طرح أسئلة صحيحة، ثم يضلل الجمهور بتقديم إجابات غير سليمة، بل إنه يقدم مرافعات بائسة عن حب الوطن والوفاء للأرض والثروات والخيرات معرضا عمدا عن قضية الدين والعقيدة والهوية، والتي هي الأصل في هذا الصراع. 

نعم، إن المشكلة هي تقديم توصيف قاصر بلا توظيف ولا مبادرة للحل، وليت هذا التوصيف قد وقع من تلك الدول والحكومات والمؤسسات والإعلاميين الذين يديرون المشهد والمؤثرين في صياغة القرار فيه، بل حتى العديد من الرموز المحسوبة على التيار الإسلامي السياسي أيضاً يلجأ إلى التعميم والتسطيح والإعراض عن جذور ذلك الصراع وأسبابه وكيف واجهته الأمة عبر تاريخها الطويل.

والراصد الحكيم يلاحظ وبقوة طغيان التوصيفات الفرعية والتي لا تعد إلا أسبابا عرضية، أو طرح توصيفات لا علاقة لها بالواقع الموصوف لا من قريب ولا من بعيد، وهذا نوع من السفه أو هو نوع من هذيان المحموم.

إن هؤلاء يغضون الطرف عن كون إيران دولة دينية حتى النخاع، وأن من السفه مواجهتها بغير منطقها، ثم إن هذا التفريق المتعمد بين الشيعة وإيران، أو بين إيران والمشروع الشيعي، أو بين التشيع وإيران، أو بين الشيعة العرب وإيران، ليس له حقيقة على أرض الواقع، إذ أن نظرة سطحية لتاريخ التشيع تدلك على ذلك التفاعل بين الشيعة ومراجعهم وإيران، ونظرة أخرى للواقع الذي نعيشه تؤكد لهؤلاء الواهمين الحالمين أن ثمة ارتباطا بين كل الشيعة في العالم وبين كل دولة تدعي التشيع ارتباطا عضويا عميقا جداً.

إن توصيف البعض لما يراه من بعض الخلافات الظاهرية التي تحدث بين الشيعة سواء في الدولة الإيرانية أو بين علماء الشيعة بأنها خلافات حقيقية وأن في الشيعة أصواتا محقة يجب مساندتها، ما هو إلا توصيف يشي بالوهم الكثير والكبير، فخلافات القوم على تحقيق أكبر وأعظم المصالح لهم على حسابنا كحال حلفائهم من تحت الطاولة، اليهود!

كما أن محاولة جعل قضية الصراع مع الشيعة وإيران محصورة مع أقطار معينة أو مواجهة مع بعض المسلمين دون سواهم لهي محاولة بائسة ستعود على بقية الدول والمسلمين بمزيد من الخسائر كما رأينا في عدوانهم على الجميع في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرهم.

لست أدري هل تدرك تلك الدول أن جل الشيعة –على الأقل- إنما يمثلون خلايا مجندةً تلقائياً في أي بلد يتواجدون فيه، وقد لا نبعد النجعة لو قلنا إن كل شيعي هو في الحقيقة ممثل حقيقي لخامنئي أو أي مرجع لمراجعهم المعروفين.

إن إيران وكل شيعتها يخوضون حربا دينية وهم يدركون أبعادها وآثارها ونتائجها، في حين أن الدولة العربية تريد أن تجعل منها مجرد قضية صراع سياسي تتحكم فيه المصالح السياسية البحتة، ثم تقوم تلك الدول بعزل وحجب البدايات والمآلات عن شعوبها لفهم حقيقة صراعها مع المشروع الإيراني، ويمنعون عنهم الأدوات والأسباب التي تجعلهم سندا لدولهم، ثم حين تهاجمهم إيران يطلبون من شعوبهم نصرة الدولة، ويريدون من تلك الشعوب خوض المعارك دون أن يتحدثوا عن عقيدة أو دين، بل فقط عن وطن وأرض وشعب وحدود.

بينما تتميز إيران وعموم شيعتها بوحدة الخطاب ما يجعلهم بالحقيقة كتلة لا تتجزأ في السلوك والتطبيق، وتبادل الأدوار بين العوام والخواص قائم بينهم بالبداهة، وذلك من خلال التلقين الدائم والمستمر، فيما تشحن الشعوب السنية بالكثير من السذاجة، ومما يزيد الطين بلّه أن حكام تلك الشعوب وأدواتها الإعلامية التي تصنع شخصيتها تزيد من تلك السذاجة وتدفع بعملية التغريب دفعاً، في حين أن الشيعة لديهم هدف ومشروع واضح ويستخدمون العناوين الواضحة لكل تلك المواجهات وتلك الصراعات.

الدول العربية الإسلامية لا تهتم لقضية "السنة" بل تتنكر لها بشدة، وبالتالي فإن تلك الشعوب تقاتل بلا قضية ولا هوية، وتدخل المعركة بأمعاء خاوية وسيف من خشب.

لم يفقد مراجع الشيعة على طول فترات التاريخ ثقة الجماهير الشيعية بهم، ذلك أن هؤلاء المراجع عرفوا جيداً الأسباب الحقيقية التي تجعل من هؤلاء تابعين وجنودا صالحين مطيعين على طول الطريق، وكذلك فإنهم لم يبخلوا عنهم بذلك الخطاب الذي يتناغم مع مشاعر الباطن وأماني المستقبل، بل إنك لتجد ذلك التناغم العجيب بين هذا المرجع وبين ذلك الشيعي مهما تدنّى مستواه الثقافي وتجاوز حد المعقول والمألوف.

إن ما تفتقده التوصيفات الرائجة بين السنة هو الاختراق الفكري المرجعي لعقول عوام الشيعة بأن الفكر والعقيدة الشيعية هما سبيل عزتهم، ولذلك يقدّم الشيعة الغالي والنفيس في سبيل تحقيق أهداف أولئك المراجع والتي يعدونها في ذات الوقت أهدافا حقيقةً لهم.

إنها حرب جديدة بنفس الآليات والسبل القديمة، فما أشدّ غفلة وحماقة أولئك الذين يتنكرون لتوصيف حقيقة هذه الحرب الشيعية، كما يعرضون ملياً عن توظيفها بشكل سليم.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق