تريتا بارزي.. «بيدق» ورأس حربة نظام الملالي في أمريكا..
السبت 1 أكتوبر 2016

 «NIAC».. ثعابين إيران تعبّد الطريق إلى البيت الأبيض

 

أسماء بوزيان – عكاظ 26/9/2016

 

لم تثنِ حالة الصدام الظاهرية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، النظام الإيراني عن تشكيل لوبي خفي في بعض الأحيان، وظاهر في كثير من الأحيان، من أجل تأسيس «قاعدة» مروجة وملمعة لهذا النظام.

ومنذ عدة سنوات وإلى الوقت الراهن، يسعى نظام الملالي للتغلغل في المؤسسات الغربية الحكومية وغير الحكومية مستخدما كل الوسائل من أجل «تبييض» الصورة السوداوية لهذا النظام، بل ويسعى إلى أبعد من ذلك لنسج علاقات اقتصادية مع بعض الجهات الغربية.. ما يطلق عليه «البزنس» السياسي.

وسعت إيران دائما لإخفاء حقيقة سياستها الداخلية تجاه العالم والمنطقة، وشكلت هذه اللوبيات سواء في أوروبا أو في أمريكا أو في غيرهما مجموعات ضغط للترويج لمصالحها.

«عكاظ» سلطت الضوء في وقت سابق على أذرع إيران في الدول الأوروبية، لتنتقل بعد ذلك إلى أدوات اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يعتبر المراقبون أن أول من أسس سياسة اللوبي بأمريكا هو نائب وزير الخارجية الإيراني الأسبق، صادق خرازي الذي كان مقيما بالولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1989-1996م.

حيث استعان بالإيرانيين الموجودين في أمريكا الذين تبلغ ثروتهم قرابة 500 مليار دولار، حسب تقرير لمركز أمريكي للدراسات.

صادق خرازي، عمل على توطين بعض الأسماء الإيرانية وتكوينها في الاتجاه الذي يراد منه النفوذ إلى مناصب القرار في الإدارة الأمريكية.. واستطاع اللوبي الإيراني تسريب بعض الأسماء التي كانت تشتغل ضمن المجلس القومي للإيرانيين بأمريكا إلى مناصب سيادية داخل البيت الأبيض، كالكاتبة الخاصة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، فريال جواشيري التي عملت مساعدا خاصا لأوباما في 2014، وقد التحقت عام 2007 بالحملة الانتخابية لأوباما في قطاع التخطيط، وتبوأت العديد من المناصب في مجلس الأمن القومي الأمريكي بمنصب مساعد مستشار الأمن القومي، بالإضافة إلى العديد من المناصب الأخرى داخل المجلس.

وكذلك رامين طلوعي الذي عين في عام 2014 نائب وزير الخزانة الأمريكي للشؤون الدولية، ولعب دورا كبيرا في تخفيف العقوبات ضد إيران، والالتفاف عليها، وهو من أبرز من عمل على رفع العقوبات عن إيران وتوقيع الاتفاق النووي.

وفاليري جارت وهي أقرب المستشارين إلى الرئيس الأمريكي أوباما، وأكثر الشخصيات تأثيرا عليه، توصف بأنها كاتمة أسراره، وصاحبة الكلمة الأخيرة قبل أعلى مستوى سياسي في الولايات المتحدة، وتشير بعض المصادر الصحفية إلى دورها الفاعل والمباشر في القرارات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية في ملف إيران النووي.

هذا اللوبي الذي أخذ شكل مؤسسات كبرى، ذات نفوذ اقتصادي ضخم، أو مؤسسات سياسية داخل الإدارة الأمريكية، كان يقوم بحملات لرفع العقوبات عن إيران.

كما أنه كان مضادا لكل التقارير الأممية والمنظمات غير حكومية حول الخروقات الإنسانية داخل إيران أو حتى مع جيرانها، حيث استطاع اللوبي الإيراني أن يغالط الإدارة الأمريكية في تقرير ملف اختراق طهران لأفغانستان في 2010.

حيث أشارت البرقيات الدبلوماسية الأمريكية المسربة التي حصل عليها الإعلام الأمريكي إلى أن الإدارة الأمريكية أخطرت النظام الإيراني بعلمها للاختراق الإيراني في أفغانستان، سواء كان عسكريا بدعم الجماعات المتمردة، أو سياسيا، ومنحتها مهلة لتقديم تقرير مفصل للجنة التي تشكلت لمراقبة التدخل الإيراني في أفغانستان.

لكن في حديث لسفير الولايات المتحدة في كابول كارل ايكنبيري، صرح لصحيفة أمريكية أن «أحد المقربين من الرئيس حامد كرزاي قال في فبراير 2010 إن طموحات إيران كانت بدافع «حرب موضوعية» وليست مجرد «تعاطف ديني» كما في الماضي. وأنها أصبحت مدعومة من قبل الإدارة الأمريكية التي غضت الطرف عن تقرير اللجنة بعد تدخل اللوبي الإيراني الموجود في أمريكا».

وفي فبراير 2010، أشار السفير الأمريكي ايكنبيري إلى أنه قبل عام تقريبا، اعترف نفس مستشار كرزاي بأن الإيرانيين «كانوا يدفعون للقصر الرئاسي أموالا بصورة عرضية وغير متوقعة». وفي برقية أخرى مؤرخة في سبتمبر 2009، حاول الرئيس كرزاي تمويه الأمر أمام السفير الأمريكي حول تمويل إيران لبعض المرشحين للرئاسة، مشيرا إلى لوبي إيراني موّل خصمه عبدالله عبدالله، حيث أكد أنه تلقى تمويلا لحملته الانتخابية من إيران، فرد عليه السفير الأمريكي - وهو يروي الحادثة على لسانه - «نعتقد أن إيران موّلت جميع المرشحين، دون استثناء بمن فيهم أنت»، يقصد كرازي.

بعدها ذكرت تقارير، صادرة عن مراكز للأبحاث والدراسات الإستراتيجية أن اللوبي تدخل لدى الإدارة الأمريكية في ملفات عديدة وثقيلة مقارنة بتداعياتها في المنطقة، وأشارت إلى أن هذا اللوبي قام بإقناع أصحاب القرار وأعضاء من الكونغرس بضرورة مساندة نظام الجمهورية الإسلامية، والتسويق له وأنه سيخدم المصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة، والتسوية مع النظام الإيراني، تعني تقسيم النفوذ في الشرق الأوسط، ومن ثمة الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة ورعايتها، من خلال دعم القوى الشيعية في المنطقة كله والسعي إلى تمكينها من السلطة في الدول المجاورة.

هذا اللوبي الإيراني عمل على كل المحاور الفاعلة على المستوى الدولي.

فقد سعى للترويج للمفاوضات الأمريكية - الإيرانية، والدفاع عن الاتفاق النووي الإيراني، والدعوة لإسقاط العقوبات دون شرط أو قيد عن إيران.

كما عمل على إخماد الانتقادات التي واجهتها إيران من قبل الكونغرس في ما يتعلق بتدخلاتها في شؤون الدول، وكذا تسليح المتمردين على الأنظمة في الدول المجاورة، وأيضا محاولة إحداث انقلابات في دول أخرى.

ثروة الإيرانيين في أمريكا 500 مليار دولار

«NIAC» مجموعة اقتصادية أمريكية - إيرانية، يعود تاريخ وجودها بأمريكا إلى سنة 2003 ويرأسها السويدي من أصول إيرانية تريتا بارزي.

وتعرف هذه المجموعة باسم «المجلس القومي للإيرانيين في أمريكا» أو «المجلس القومي الإيراني - الأمريكي»، وهي من أقوى مؤسسات اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة، حيث تنشط هذه المجموعة في الدفاع عن سياسات إيران في الغرب وتوظف المال كورقة رابحة.

في العام 2003، أنشأ تريتا بارزي، رفقة باباك تاليبي وفارزين ليليش مجموعة «المجلس القومي الإيراني - الأمريكي» أو «NIAC»، التي يتمركز نشاطها في أمريكا وبالتحديد في واشنطن وبعض الدول الغربية.

لعبت هذه المجموعة دورا محوريا في تحريك الإدارة الأمريكية وتوجيه سياستها تجاه إيران، كما لعبت دورا كبيرا في دفع مجموعة 5+1 للذهاب نحو الحل الديبلوماسي في الملف النووي الإيراني. وكان الإيراني تريتا بارزي محركا أساسيا في كواليس الإدارة الأمريكية من أجل الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتوقيع على الاتفاق النووي، من خلال شبكة العلاقات التي نسجها رفقة إيرانيين وأمريكيين نافذين في السلطة.

ولأن تريتا بارزي استعان ببعض أصدقائه من الأمريكيين الموجودين في مواقع قرار داخل البيت الأبيض، إلا أنه أيضا اتكأ على الشخصيات ذات الأصول الإيرانية التي تحتل مواقع إستراتيجية في البيت الأبيض، خصوصا أن بعضها كان يعمل مع «NIAC».

إذ تمكن بارزي من النفوذ إلى كواليس القرار بمساعدة من مستشارة الأمن القومي الأمريكي والمسؤولة عن الملف الإيراني في مجلس الأمن القومي الأمريكي سحر نوروزيان، التي كانت واسطة بين بارزي وإدارة مجلس الأمن القومي الأمريكي في لعب ورقة الديبلوماسية والجلوس إلى طاولة المفاوضات مع إيران.

كما كان لسحر نوروزيان دور في إخفاء تقارير التدخلات الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا الاختراق الإيراني في أفغانستان.

اللوبي الإيراني أمام العدالة الأمريكية

ورغم ما يحوزه بارزي من امتيازات بقربه من مراكز القرار الأمريكية، إلا أن ذلك لم يشفع له أمام سلطة العدالة الأمريكية حين دخلها، رافعا دعوى قضائية ضد معارض إيراني بحجة التشهير به وبمؤسسته «NIAC»، بحجة أنه سرب عنه معلومات مغالطة عن علاقاته المشبوهة مع النظام الإيراني والمتاجرة في السلاح.

ولأن تريتا بارزي، رئيس مجموعة «NIAC» ينشط في الأوساط السياسية الأمريكية ويحرك دواليب وكواليس المال والأعمال،

فقد كان تحت مراقبة بعض المعارضين الذين استطاعوا الحصول على أدلة تدين هذا الأخير، خصوصا في ما يتعلق بنشاطه المشبوه مع روحاني ورجاله المقربين.

هذا الأخير لم يستسغ التقرير الذي أعده المعارض الإيراني سعيد حسن دعي الإسلام، المتعلق بمجموعة من التحويلات المالية المشبوهة بين تريتا بارزي وشركته ونظام روحاني. فاتجه رئيس «المجلس الوطني الإيراني الأمريكي - NIAC» للعدالة الأمريكية، حيث رفع دعوى قضائية بمحكمة الاستئناف لمقاطعة كولومبيا ضد المعارض الإيراني، بدعوى التشهير.

ولكن العدالة الأمريكية أعادت الكرة لملعب تريتا بارزي، متهمة إياه بالتواطؤ مع النظام الإيراني وتسريبه معلومات خاطئة للإدارة الأمريكية في ما يخص بعض التقارير المتعلقة ببعض الشركات الإيرانية، وملفات اقتصادية أخرى، وملفات سياسية تتعلق بالأمن القومي، وكذلك تسريبه معلومات خاطئة داخل البنتاغون وواشنطن.

وبعد أن أخذت القضية أبعادا كثيرة، طالبت المحكمة بإجراء تحقيق في ادعاء المعارض الإيراني -الأمريكي الجنسية- سعيد حسن دعي الإسلام، الذي قدم تقريرا مفصلا لمحكمة كاليفورنيا حول العلاقة المشبوهة بين «مجموعة المجلس الوطني الإيراني الأمريكي - NIAC»، والنظام الإيراني.

واتضح في ما بعد أن الأدلة المقدمة من قبل المعارض، فتحت المجال أمام المحكمة بكولومبيا للتحقيق أكثر في شركة «NIAC»، ورئيسها تريتا بارزي، ما أدى إلى إدانة تريتا ودفعه غرامة مالية ضخمة، وحكمت بالتعويض للمعارض الإيراني سعيد حسن دعي الإسلام.

تفاصيل محاكمة بارزي

بعد أن أثبت التحقيق أن بارزي، دمر كل الوثائق التي تثبت تورطه مع النظام الإيراني، عملت العدالة الأمريكية على استرجاع ملفات ثقيلة من قاعدة البيانات لمحركات البحث التي كان يستعملها رئيس مجموعة «NIAC»، وكذلك التحويلات التي تمت من النظام الإيراني عبر البنوك الدولية وبأسماء مجهولة قصد التمويه وعدم كشف الجهة الحقيقية التي قامت بالتحويل.

تحولت الدعوى القضائية التي رفعها بارزي ضد المعارض الإيراني إلى محاكمة ضده، بعد أن طالبت المحكمة بالتحقيق في صحة الاتهامات التي وضعها المعارض في ملف أمام محكمة كاليفورنيا، لكن بارزي حطم كل المعطيات الموجودة على حواسيب الشركة.

وأثبتت قاعدة البيانات المسترجعة تورط الكثير من الشخصيات الإيرانية. كما أشارت التقويمات الإلكترونية التي تم استرجاعها من القاعدة الإلكترونية لمجموعة «NIAC» وجود أكثر من 4000 اجتماع بين بارزي ومسؤولين في مجموعة «NIAC» وشخصيات رسمية من النظام الإيراني على رأسها جواد ظريف.

كما حجبت «NIAC» قرابة 5500 رسالة إلكترونية بين بارزي وشخصيات رسمية إيرانية، تمت استعادتها من الشركة الأم للمحرك الالكتروني الذي استعمل في إرسال الرسائل.

وأشارت التقارير الصادرة عن محكمة كاليفورنيا إلى أن «NIAC» ورئيسها بارزي رفضا تسليم أي معطيات طالب بها المحققون، ما استدعى اللجوء إلى سحب الأقراص الصلبة من حواسيب الشركة، حيث تم اكتشاف حجم الصفقات التي تمت بواسطة تريتا بارزي، وذلك من خلال الرسائل الإلكترونية التي أدانت بارزي وشركته.

تلك هي إحدى الأدوات الإيرانية النافذة في أمريكا.. وما خفي أعظم!

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق