هذا ما تفعله دول إيران؟!
السبت 1 أكتوبر 2016

 

 محمد عثمانلي – كاتب أردني من أصل تركي

 

خاص بالراصد

تقديم

تهدف هذه المقالة لبيان جوانب من التاريخ السياسي الخطير للدول التي شهدتها إيران عبر التاريخ وقد تعددت مسمياتها من الإمبراطورية الفارسية إلى سلطنة البويهيين فالصفويين والقاجاريين وأخيرًا الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكيفية تكوينها للأحلاف في سبيل تكوين كيانها الذي كان مصدرًا للقلاقل وبؤرة للمشاكل التاريخية، سواءً بإقامة الحروب الأهلية لفرض سياسة مذهبية طائفية بشعة، أو تأسيس وتكوين التنظيمات السريّة لترهب البلاد والعباد التي تحوي أغلبية مخالفة لطائفتها الشيعية، أو بتدمير مشاريع الأمة في سبيل التحرر من الظلم، وتأخيرها عن التقدم.

وقد شهد التاريخ أن هذه الدول تفرّع عنها عدة دول وتنظيمات سريّة كالطائفة النزارية الصبّاحية الإسماعيلية، والدولة الفاطمية الكبيرة، وكل هذه الدول التي نبحثها؛ حلّت في الجغرافيا التي يحدها بحر قزوين وتركمنستان وجزء من أذربيجان وأرمينستان شمالًا، وأفغانستان وباكستان شرقًا، والعالم العربي بخليجه، وخليج عمان من الجنوب الغربي والمنطقة الغربية.

 

البداية الدموية

منذ قيام الشاه إسماعيل، مؤسس الدولة الصفوية (1501-1736م) بدخول تبريز العاصمة الأولى له أصرّ على قتل كل من لم يقبل التحول إلى مذهب التشيع من السكان السنة وهم الغالبية المطلقة من سكان إيران منذ الفتح الإسلامي على زمن الفاروق الخليفة الثاني، فذبح أكثر من 20 ألف نفس في تبريز وحدها! يا له من تشابه مع الميلشيات الشيعية التي يهادنها المجتمع الدولي ضد أهل السنة اليوم وهو ما يضاهي (نسبيًا مع ذلك الزمان) القتل الذي نراه الآن في البلاد العربية سواء كان في العراق أم في سوريا أو حتى في الأحواز المحتلّة على يد قادة إيران!

وفي المحصلة، ولتحقيق مشروعه السياسي قام الشاه إسماعيل بقتل زهاء «الآلاف ولم ينج منه من أحد من النساء والأطفال وغيرهم» كما يذكر نامق كمال في تاريخه، فكانت هذه سياسته لضم معظم مناطق مملكته الصفوية، وبحسب الأب انستانس الكرملي في تاريخ بغداد أنه «قتل كثيرًا من مسلمي السنة، ولم ينجُ منه مسيحيو بغداد حتى».

العداء للإسلام والعرب

وصل إلى قائد تبريز رسالة جاء فيها: «إذا أردت أن تنقضّ على بلاد العرب أو أن تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر؛ أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو في القطيف أو في البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي، وسأنفذ له كل ما يريد»!!

إنها ليست رسالة أحد قادة تنظيم البغدادي أو حتى رسالة أحد عمال إيران في المنطقة العربية؛ أكان من الحشد الشعبي الذي يحتل العراق أم من فيالق الفاطميين الأفغانية، أم لواء (زينبيون) الباكستاني، التي باتت تغزو العالم العربي بلا قيد أو شرط، والتي لم تُلبس -إلى الآن- لباس "الإرهاب" الذي يخلعه المجتمع الدولي على من يعادي مصالحه! إنها رسالة القائد البرتغالي "المغوار" والمبعوث من قبل البابوية (أفونسو دي ألبو كيرك) Afonso de Albuquerque ، وهو الذي احتل أغلب شواطئ العالم العربي مع بداية القرن السادس عشر، لإنفاذ سياسيات الاحتلال الصليبية للعالم السنّي، أرسل أفونسو هذه الرسالة إلى شاه إيران إسماعيل بن حيدر (ت: 1524م)،  ولقيت هذه الرسالة العدوانية كل ترحيب في تبريز العاصمة الأولى للدولة الصفوية الشيعية الإثناعشرية، إذ أنها عاصمة القلاقل، والتي أسس بناينها على القتل والمكر، والجبر والغدر، فلم يجد القائد البرتغالي له معينًا أفضل من هذه الدولة، وزعيمها المشهور بدمويته وظلمه، فكانت بداية سيئة لتراجع الدعوة الإسلامية آنذاك في العالم أجمع بهذا الحلف الذي أساء كثيرًا للعالم الإسلامي.

فلقد تعاون وتآمر مع المحتل البرتغالي للشواطئ اليمنية والمحتل لكثير من المناطق الساحلية بالمغرب العربي كميناء سبته المغربي والأصيل والعرايش وطنجة في شمال أفريقيا، فهو لم يعارض التعامل مع "الشيطان الأكبر الكافر" ضد أي مسلم آنذاك وهي دولة البرتغال! التي اتفق معها وتحالف ليحتلوا البحرين والقطيف، بعد أن كان يخادع أهل تلك المناطق بالثورة على البرتغال! نعم إنّ الكلام تداخل علينا هل هو إسماعيل أم الخميني!!!

وواصل أنجاله مسيرته الخيانية والعدائية، ففي الجنوب العربي قام الشاه سلطان حسين (ت: 1726م) في عام 1708 بإرسال وفد إلى ملك فرنسا لويس الرابع عشر ووقع معاهدة تحالف بين فرنسا وإيران نصت في إحدى موادها على «أن يقوم الفرنسيون بإرسال أسطول إلى الخليج العربي لمساعدة إيران على احتلال مسقط»!!

  عمالة ثابتة وولاءات متغيرة

لم تكل ولم تمل هذه الدولة من فرض أطماعها ومحاولة السيطرة على المنطقة، فاتصلت بالسفراء والمسؤولين في الدول الأوروبية على جميع الجبهات، فبعثت بسفيرها إلى البنادقة تعرض عليهم التحالف لتنفيذ مخططاتها ضد مصر والشام.

وبعد أن تحالفت الدولة الصفوية مع البرتغال، وساعدتها على أن تحتل شواطئ الخليج العربي، رأت الدولة الصفوية أن تتحالف مع "شيطان أكبر" آخر وهو إنكلترة لما شعرت بضعف البرتغاليين، وأن مصالحهم الآن تقتضي التعاون والتحالف مع إنكلترة لينهي بذلك وجود إمبراطورية البرتغال على شواطئ إيران والشواطئ العربية!

لا تستغربوا! فلا تستطيع هذه الدولة الحركة بلا شريان غربي يمدها بالقوة، ولكي تكون قادرة على التحرّك ضمن أهدافه الكبيرة لتحقق أهدافها المنشودة في المنطقة، فأهدافها فعليًا معلقة بأهداف القوى العظمى!

صحيح أن الأحلاف السياسية والعسكرية في المنطقة قائمة ولا أحد يستطيع التحرك بلا تحالفات، ولكن قضية تزوير الحقائق التي تسير فيها إيران وتبنّيها شعارات مزيّفة عن وجود "طغاة وكفار" تريد أن تزيلهم و"تخلص المسلمين" منهم لا تتوافق مع وجود هذا الكمّ من المذابح التي تقام في العراق وسوريا واليمن، أو حتى على الصعيد الداخلي بإقامتها المشانق على حبال رافعات البناء لكثير ممن تتهمهم بالأجندات الخارجية من أبنائها في الأحواز!!

لم تفهم إيران أنها ما باتت تخدع الجماهير في خطاباتها التي لا تزال تطلق نفس الشعارات الرنانة كما تظهر جلية في خطابات مرشد الثورة الحالي الخامنئي، ومن خلال ما نرى من احتفائهم بيوم القدس، برغم أنها لا تسير إلا وفق مصالحها الطائفية الذاتية ولا تهتم "لمصالح المسلمين ووحدتهم" ولا تكترث حتى بتدنيس أسماء آل البيت الأطهار بألويتهم المجرمة، وفيالقهم التي اجتاحت دولنا بلا رقيب ولا عتيد!  

انقلابات ومؤامرات

بعد قدوم الربيع العربي وجدنا أن الأيدي بدأت تعبث به وأخذت في تشويهه، وكما يقول المثل التركي القديم "إنما تقتحم القلعة من الداخل"، فعندما بدأت شعوبها تستقبل الربيع العربي جاءت الأيدي الإيرانية لتساهم بالقسم الأكبر من تدمير هذه المنطقة وتخريبها وكتم أنفاس ربيعها، وهو ذات ما قام به إسماعيل شاه لضرب تطلعات العرب في التحرر والنهضة وعلى رأس ذلك تطلعات شريف مكة، الشريف بركات (ت: 1525م) في التخلص من الظلم الواقع عليهم من المماليك، فقام الصفويون باحتلال العراق وبعض شواطئ الخليج، كما دعا الشاه إسماعيل لتحريض حاكم مصر قانصوه الغوري ضد الدولة العثمانية في رسالة أرسلها له وقال فيها: «إن الدولة العثمانية في نمو مدهش» ووصف العثمانيين بالاستعمار - ونسي أنه هو من ابتدع قتل النفوس لإكراههم على دينه، وكذا هدم الدين من الداخل- ؛ بقوله: «إن بلادنا ومصر مهددتان من الدولة العثمانية»، وبعد أن بدأ العثمانيون بالتفوق على الغزاة البرتغاليين والإسبان ومن بعثهم من داخل أوروبا؛ بدأت ضربات الصفويين تطعنهم في الظهر!

لافت للنظر جوانب التشابه للدور المعرقل للدولتين -إيران الصفوية وإيران الخمينية- لمسيرة الأمة في التحرر والتقدم، وإذا كانت جهود الصفويين لم تستطع القضاء على الدولة العثمانية تماماً، إلا أن جهود دولة الملالي حققت نجاحات أكثر لأسباب كثيرة أهمها؛ عدم وجود وحدة سياسية كما رأينا في حالة شريف مكة بركات الذي كان الصوت الصادع للحجاز وما حولها وإعطائه مفتاح الكعبة للسلطان سليم الأول الذي كان اليد العسكرية والسياسية للإسلام آنذاك، وثانيًا: عدم وجد صوت ديني مجمع على خطر هذا الطوفان الداهم، وانشغال كثير من أصحاب المسؤوليات الدينية في الخلاف العقدي السنّي- السنّي وجعله الأولوية المقدّمة على أطماع إيران، وكذلك عدم وجود قوة رادعة توقف هذه الأعمال الإجرامية عند حدها، ورابعها -وهو الأهم بنظر الكاتب- بضرورة وجود وحدة سنيّة مكونة من العرب والترك؛ لمواجهة هذا الخطب الجلل بقوة، ولأن السواد الأعظم من هاتين الأمتين منتمٍ إلى الإسلام الحق، وأنه من الصعب مواجهة خطر داهم قادم من تحالف إيران مع الدول العظمى بلا تحالف من هذا الوزن.

حتمًا إن أعمال الاغتيال والتخريب والعنف التي تقوم بها إيران في المنطقة ما هي إلا وريثة الفكر الباطني القديم في إيران والعراق، وإن أهم تجارب هذه المنطقة هي فتنة شاه قولى Şah Kolu والتي تعني (يد الشاه) التي بذرت فتنة كبيرة بين المسلمين في قلب الأناضول، والتي تعد روح الدولة العثمانية آنذاك، وتعد هذه الفتنة أيضًا أكبر مؤامرة لضرب العثمانيين في القلب، وإيقاف مشروعهم الصاعد لحماية الملّة، وتنزيه الأمة، عن هذه الأخطار المحدقة، وهذا الاسم أطلق على زعيم تنظيم باطني في شرق الأناضول له مريدون وأتباع يقومون بالدعوة للشاه إسماعيل واتّباعه، ويسمّون بـ "القزلباش"؛ أي أصحاب القلنسوات الحمراء، وكانوا يقيمون في قلعة "كماه"، وقد قاموا بشتى أنواع التدمير للأنفس والممتلكات وتوزيع المنشورات الدعائية لإمامة إسماعيل شاه على المسلمين! يا للأقدار المتوافقات وهل الحوثي هو "يد الشاه" في هذا الزمان؟ أم هو نصر الله؟ أم هو قاسم سليماني؟ لقد تداخلت الأسماء علينا؟ إنه لأمر عجاب!!

فالهجمة إعلامية إذًا بالدرجة الأولى، وهذا ما نراه في دعوات كثير ممّن يقفون باطنيًا مع دعوات إيران في ادّعائها بالوقوف في صف القضية الفلسطينية وغيرها، فوجب الوقوف لهم كذلك إعلاميًا وبيان زيف هذا القول، وعلى غرار ما حصل زمن الفرقة الصبّاحية الإسماعيلية وقلعتهم "آلاموت" هذا ما يحصل مع الأسف اليوم في اليمن السعيد، وفي دار السلام بغداد، وفي سوريا العز والمنعة.

إن الجهود الدعوية التي اتخذت في سبيل تحطيم هذا البلاء الذي وقع على الأمة في ذلك الوقت كانت كبيرة ومن أهم العلماء الذي وقفوا ضد هذا المشروع هو (محيي الدين محمد بن حمزة الأنطاكي) الذي اشتهر جده في بلاد ما وراء النهر أنه تتلمذ على يد سعد الدين التفتزاني، وهو الذي سمّى الشاه إسماعيل (بطاغية أردبيك) -أو أردبيل- على ما شهد منه من القتل وسفك الدماء، وقد كان هذا العالم الجليل يُلعن مع الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- على منابر تبريز وأصفهان بأمر الشاه، بسبب رفضه لظلم الشاه ووقوفه مع السلطان سليم في هذه المجابهة، فتم الوقوف ضد هذه العملية الانقلابية وتم إنهاؤها بنجاح، وهذا سبب آخر يضاف إلى مجموع الأسباب السابقة في تكوين وعي فكري كامل مستمد من شرعنا الحنيف، لبيان هذا الفكر المنحرف، وإبعاد هذه الفتنة الضلالية.

الخاتمة والنتائج

من ذلك نخلص بوجود ثلاث سياسات لا تزال متبعة من قبل دول إيران وتسير عليها من عدة قرون مضت، وهي:

أولها: ترسيخ اختلاف طائفي كبير بين المذهب المعمول به في إيران والأغلبية الساحقة المحيطة بها، مما يؤدي إلى ثانيها: وهي تشجيع عمليات "التبشير الطائفية" بين العوام في البقعة الأضعف في جسد الأمة -مع أنها الأكبر مساحة- والتي تتم لصالح البقعة العليا القويّة -المتآمر مع القوى الدولية على غرار أسلاف إيران كما رأينا-، وثالثة الأثافي: هي أن ما سبق يؤدي إلى نشوء بيئة طائفية تشعلها ثارات الجاهلية المنظّمة -إن صح التعبير- من قبل الطرف الأقوى إيران تجاه هذه الأغلبية الساحقة المشتتة -العرب في الغالب-.

واعتماد هذه السياسات الثلاث هو ما يفسر سلوك إيران [التخريبي] في بعض الدول التي تمكنت منها؛ بفرض القوة، كالعراق وسوريا ولبنان واليمن، و[التبشير الطائفي] بدول أخرى لم تتمكن منها بعد أذرعها الطائفية كالجزائر والمغرب وموريتانيا وما حولها؛ ولذلك تنامت [الطائفية]، مع إطلاق [الشعارات الرّنّانة] التي تلهب المشاعر الجاهلة!

والسبيل إلى إنهاء ما يحدث من مآسٍ في المنطقة والتخلص من هذه المؤامرات وإيقافها عند حدها، يكون بحملة إعلامية، على نطاق واسع، وبشكل عاقل، وحملة أخرى فكرية بالدرجة الأولى تجمع الأمة التي عاثت فيها الأنظمة العالمية فسادًا وإكراها، وثالثًا بتكوين قوة ضاربة موحدة تستند لثقافة الأمة لمواجهة هذه السياسات التخريبية في دولنا، ويكون ذلك بتقارب سياسات الدول الإسلامية المعتدلة، ومن المهم استغلال الديموغرافية السنّية الواسعة والمحيطة بالجمهورية الإيرانية.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق