عبدالباري عطوان .. في حضن الملالي هذه المرة!
السبت 1 أكتوبر 2016

 خاص بالراصد

السياسة ليست مصنعا يُنْتِج سلعة تدعى "مواقف سياسية"، تُعْرَض فوق "رفوف أسواق العالم" للراغبين في شرائها، ولا هي خط إنتاج "للمواقف" حسب طلب الزبون، حتى وإن جُبِل قلبها على الانتهازية، وروحها على المتغير، وجسدها على التلاعب، ودأب على إدارتها قوم لا يعرفون للمبادئ عنوانا.

صاحبنا –على أية حال- كان واحدا من الذين تمرّغت مواقفهم السياسية في طين التيارات والأيديولوجيات والخطابات الرنانة، وكأنه أحد فرسان علم "الكلام" من القادرين على إقناعك بالشيء وضده في الجلسة الواحدة.

هل يمكن أن نخضع عبدالباري عطوان، الصحافي الفلسطيني، للقياس باعتباره نموذجا للساقطين الجدد في حبال إيران؟ وهل يمكن أن نطرح تجربة الرجل أنموذجا للعلاقة الشائكة والغامضة بين الأنظمة العربية والصحافة العربية، ومنها المغتربة، وكحالة وشاهد هل يمكن البناء عليها لرسم خطوط واضحة عن كيف ستحول علاقة "الرسمي" بـ "الاعلامي" إلى "تجارة مواقف حسب الطلب"؟

بداية المشوار

لم تكن حياة عطوان الأولى بعيدة بالمطلق - ولو ترميزا - عن التي انتهى إليها، فعطوان كان واحدًا من أحد عشر ابناً لعائلة تنحدر من مدينة أسدود الفلسطينية على الساحل بين يافا وغزة، لكنه ولد في مخيم دير البلح للاجئين بمدينة دير البلح في قطاع غزة في 17 شباط سنة 1950، فليس من السهل أن تكون في عائلة فلسطينية كبيرة العدد ولاجئة ثم تحصل على كامل احتياجاتك ورغباتك.

ومثله مثل الآلاف من الفلسطينيين، وبعد الانتهاء من الدراسة الابتدائية في المخيم، أكمل دراسته الإعدادية والثانوية في الأردن، عام 1967، لينتقل بعدها إلى القاهرة عام 1970 ملتحقا بجامعة القاهرة التي تفوّق فيها بكلية الإعلام، بل ويحوز على دبلوم في الترجمة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة. إذن "الاعلام" و"الترجمة"، سيعمدان إلى رسم مستقبل الرجل، فبعد التخرج عمل لجريدة البلاغ في ليبيا.

محطة ليبيا

مما قال عطوان بنفسه عن نفسه أن سياسة صاحب ليبيا الهالك معمر القذافي ساعدته في الشهرة كصحافي، حتى وصفته الصحافة الليبية يوما بـ "الصحفي العربي الكبير عبد الباري عطوان" سنة 1974 رغم أنه كان متعطلا عن العمل، قد تخرج حديثا من كلية الاعلام بجامعة القاهرة، باحثا عن وظيفة في أي صحيفة ليبية، لكنها الأقدار يوم ترسم خطوطها على جبين المرء فلا ينفك منها ولا تنفك منه.

إذ كان عطوان يبحث عن عمل في بلاد القذافي، وتزامن ذلك مع طلب الأخير من الصحف الليبية مهاجمة شاه إيران، فصادف أن مقالة عبد الباري عطوان كانت موضوعة على رفّ إحدى الصحف هناك مرفوضة، وما أن انتهى اجتماع ممثل القذافي مع رؤساء تحرير الصحف حتى تصدرت مقالته رأس الصفحة الأولى بتوقيع "الصحافي العربي الكبير" رغم أن هذه الكلمات الثلاث لم تصدق منها سوى كلمة "عربي"، فلم يكن عبد الباري إلا مجرد خريج إعلام، وبالتأكيد كان صغيرا.

هذا يعني أنه سيغوص في إغراءات "الرسمي العربي" مبكرا مستجيباً لحمق القذافي وانفلات عقله، وتقبله إغراءات تهدف إلى اصطياده ومن هم على شاكلته من إعلاميين، وحملهم إلى حضن رسول الصحراء، وقد كان مستعدا. حضن سيكون فيه الكثير من الالتباس، - وهو على أية حال - يحصل مع الكثير من الصحافين، أما ما لا يقع كثيرا هو أن يرتمي الإعلامي المغترب في كل حقبة بحضن. يوما قذافياً، وآخر صدامياً وثالث خليجيا ورابع إيرانيا، وما خفي ربما كان أكثر!

التحول للخليج ولو في لندن!

انتقل بعدها لمدينة جدة للعمل في جريدة المدينة في السعودية، وهناك كان أول لقاء له مع ياسر عرفات عام 1976 حيث كان لا يزال شابا وإعلاميا صغيرا. ويقول عطوان عن ذلك في كتابة سيرة حياته: "قررت أن أقابل هذا الرجل العظيم بنفسي، عرفات الرمز، أب كل الفلسطينيين"، هكذا إذن يعترف الرجل بأن انطلاقته الحقيقية والطريق السريع الخاص به كانا في صحيفة "المدينة" بجدة، وأنها التي فتحت له بوابة الشهرة، بل وحملته إلى "مدينة الضباب" لندن حيث لا زال.

من جدة عرف عطوان رموز الثورة الفلسطينية، وفي السعودية بدأت علاقاته بهم، بل وفي القضية كصحافي فلسطيني. لكنها العلاقة التي ستأخذ شكلا مشهورا للنخب والشخصيات السياسية والثقافية التي ستعمل على النظر إلى قادة حركة فتح السابقين وفق فلسفة تقزيم السلبيات وتعظيم الإيجابيات.

وفي عام 1978 انتقل إلى لندن، حيث استقر، ليعمل في جريدة الشرق الأوسط ومجلة "المجلة" السعوديتين الصادرتين هناك، ثم ينشئ عام 1980 مكتب لندن لجريدة المدينة، ولاحقا وتحديدا بعد أربع سنوات سيعود إلى جريدة الشرق الأوسط. لكن فيما يبدو كان كل ما سبق تدريبا بالرصاص الحي على ما سيتلوه.

القدس العربي .. بداية الشهرة

عبد الباري عطوان الذي سيُعرف للجمهور العربي ما بعد عام 1989 على نطاق واسع، كأحد أشهر الصحافيين العرب، بعد تسلمه رئاسة تحرير صحيفة القدس العربي في مدينة الضباب لندن منذ عام 1989 وحتى 10 تموز 2013، سينعم بالشهرة والجماهيرية أكثر من ثلاثة عقود، وفيها سيبني سيرة ذاتية تحوي الكثير من اللقاءات المثيرة للاهتمام، لكن شهرته ستنفجر في صيغة غير مأهولة عندما سيلتقي زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

وقبل هذا لعبت منظمة التحرير الفلسطينية دورا مهما في تصعيد صحيفة القدس العربي، وبالتالي رئيس تحريرها، خاصة وأنها – أي المنظمة – كانت لا يزال في يدها بعض التأثير الإعلامي في الساحة العربية، والحديث هنا عن حقبة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات قبل أوسلو بل وما بعدها.

وكان عطوان أطلق الصحيفة عام 1989 بدعم من منظمة التحرير الفلسطينية، ودأب على القول إنه يواجه مشكلات على صعيد تمويل الجريدة.

ومن خلال أصدقاء له في قناة «الجزيرة» التي وسّعت شهرته العربية والدولية، بنى علاقة جيدة مع أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة، ومن يومها، صارت «القدس العربي» تحظى بدعم مالي من قطر قبل أن يختلفا، علماً بأن حقيقة هذا الاختلاف ما زال سرا، خاصة وأن عطوان الذي لم يكن يخرج من غرفة أخبار الجزيرة ما عاد يظهر فيها إطلاقاً، وهي ملاحظة يمكن ربطها بما جرى للقدس العربي.

ووفق التسريبات القادمة من مصادر في لندن فقد رجحت أن المشترين الجدد للقدس العربي من قطر، هم من اشترطوا على عطوان ترك موقع رئاسة التحرير لإتمام الصفقة، وجاءت مفاجأة الاستقالة خلال افتتاحيةٍ نشرَها عطوان في الصحيفة، صادمة ومحيرة للكثيرين على الساحة السياسية والإعلامية العربية، لم يسهب عطوان كثيرا في سبب استقالته في مقالته الوداعية بعنوان «إلى القراء الأعزاء... وداعاً! وإلى لقاء قريب بإذن الله»، وعلى حد قوله للعاملين خلال اجتماعه الأخير بهم فإنّ الطرف المموّل «لم يعد موافقاً على حضوري، وأنا وافقت على الانسحاب لحماية المؤسسة ومنع إقفالها".

لقاء "الشيخ" .. السيرة الأولى

منذ خطوته الأولى بعد أن يخرج من لقاء "الشيخ" ستبدأ شهرته تَغْرِف من بئر المقابلة، عربيا وعالميا، وسيغدو واحدا من القلائل الذين أُتيح لهم "شرف" لقاء أسامة بن لادن، ساردا للعالم حكايته مع "الشيخ". هي سردية ستؤمّن له "رصيدا" لا ينضب، وأنّى له النضوب، وهو أستاذ في إعادة تكرار تجربته على كل الشاشات الناطقة بكل اللغات.

في الحقيقة ستكون مقابلة "الشيخ" أسامة بن لادن أهم بند في بنود سيرته الذاتية، وهو صحيح، وصحيح أيضا أن الرجل كان يدرك هذا، ويدرك أكثر منه أن عليه سلوك خط حذر في طريق مملوءة بالألغام السياسية والتيارات المتصارعة، وأنه يمكن أن ينجو شرط أن تبقى المنطقة ذات أغلال تردّها إلى عقود الانقلابات العسكرية التي ارتكبها جميع المنقلبين باسم فلسطين.

لكن ماذا يفعل، وقد حل "الربيع العربي"؟ ربيع رغم بكل ما فيه من فوضى جلا أمرا واحدا هو: أين تقف من قضايا المنطقة وعلى الرأس منها فلسطين وكيف ولماذا؟ هنا سيتبلل، فيما الرأي الشائع بين متابعيه أنه غَرِق. ولذلك ركب موجة داعش وأصدر فيها كتابا لا قيمة له! سوى التكسب.

الجزيرة .. السيرة الثانية

ينبّه عدنان برية الخبير في الصراعات الدولية أن "من أهم المنابر التي ساهمت في نجومية عطوان هو الخط السياسي الذي كانت تتبعه قناة الجزيرة من حقوق الإنسان العربي، والقضية الفلسطينية"، قبل أن ينفض عطوان يده من القناة وتنفضه هي من استديوهاتها.

في زمن سقوط بغداد، والاحتلال الأمريكي للعراق، قدم عبد الباري خطاباً جذابا للرأي العام بأسلوبه المباشر البعيد عن الدبلوماسية التي تخفي المعنى وتقصيه. كما ساهمت إدارة الجزيرة في استدعاء الرجل مرة بعد مرة حتى ألفه الجمهور وبات وجها محببا لديه.

حقبة صدام حسين

مبكرا اتّهم عطوان وصحيفة القدس معه بتلقيهما الدعم من العراق خلال حكم الرئيس صدام حسين، وعن ذلك يقول إنه رفض دعوات عدة من الحكومة العراقية لزيارة بغداد بسبب هذا الاتهام.

يقول في أحد مقالاته: أنني لم أقابل الرئيس الراحل صدام حسين مطلقا، رغم أنه وجّه إلي العديد من الدعوات الشخصية، حملها إليّ مبعوثون وسفراء، كانت آخرها قبل الغزو الأمريكي الأخير للعراق ببضعة أشهر.

ويضيف: لم أقبل الدعوات هذه لعدة أسباب أبرزها أن هذه الصحيفة التي أتشرف برئاسة تحريرها، والعمل مع نخبة من الشرفاء العاملين فيها، كانت متهمة بتلقي الدعم المالي من الرئيس العراقي، لأنها كانت إلى جانب بضعة صحف أخرى تعد على أصابع اليد الواحدة، التي تنبهت مبكرا إلى المؤامرة الأمريكية ضد العراق والأمة العربية، أي منذ أن جرى استخدام الكويت كمصيدة أو طعم لاستفزاز العراق. وفي المقالة ذاتها قال: لم أقف مع النظام العراقي أثناء حربه الأولى ضد إيران وثورتها الإسلامية، لأنني كنت على قناعة راسخة بأنها كانت فتنة.

ويتابع، "بعد أيام من غزو العراق واحتلاله، واختفاء الرئيس صدام حسين، تشرفت بتلقي خمس رسائل بخط يده يخاطب فيها الشعب العراقي والأمة العربية، ويعلن انطلاق المقاومة للاحتلال التي خطط لها جيدا قبل عامين من الغزو، ودرب معظم كوادرها، وترك أكثر من خمسين مليون قطعة سلاح وملايين الأطنان من الذخائر".

وأشار إلى أنه وبعد تنفيذ حكم الإعدام بالرئيس الراحل ببضعة أيام، وصلتني رسالة إلكترونية من السيد ودود فوزي شمس الدين محامي الدفاع عن الرئيس صدام، يقول فيها إن الرئيس الشهيد الذي التقاه قبل ساعات من استشهاده لأخذ متعلقاته بعد استدعائه من قبل سلطات الاحتلال الأمريكي، حمّله رسالة يريد إيصالها لي شخصيا، ويطلب مني أن أتصل به هاتفيا على رقم معين في العاصمة الأردنية عمان حتى أتسلمها.

وأضاف: اتصلتُ بالسيد ودود فأبلغني أنه التقى الرئيس الشهيد لأكثر من ثلاث ساعات وطلب منه أن يتصل بي هاتفيا ويبلغني أنه ممتن جدا لكل مواقفي الداعمة للعراق وشعبه في مواجهة العدوان الأمريكي، ويري أن أمة فيها شرفاء مثلي لن تهزم أبدا.

في المقال ذاته يرى عطوان أن العراق ممزق محتل، تحول كله إلى مقبرة جماعية تحكمه الميليشيات الطائفية وفرق الموت. والغريب في مقاله الطويل أن عطوان لم يتحدث بكلمة واحدة عن إيران في معرض حديثه عن المليشيات الطائفية، ويبدو أن إيران كانت أشد تحصينا في نفس عطوان من الانتقاد.

السعودية بوصلته .. ولكن

هناك حقيقة واضحة وحيدة، وهي أن الرجل صاحب بوصلة واحدة هي محاربته الدائمة للمملكة العربية السعودية، حتى فُسّر موقفه المساند لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بأنه نكاية بالرياض، واستمراء لمن يدفع أكثر حتى وصفه ليبيون باسم "عبد الباقي دولار"، وكأن الدولار هو الثابت فيه، والمتغير هو مواقفه.

عطوان الذي خسر صحيفة القدس العربي لم ينسَ للسعوديين ذلك، فلم يترك منبرا متاحا إلا وهاجم فيه الرياض، سواء عبر مقالاته أو أحاديثه التلفزيونية، وفتح المجال عبر "رأي اليوم" للمغمورين والحاقدين بامتداح حسن نصر الله و"الجيش العربي السوري" المصطلح الذي دأب عطوان على وصفه لمليشيات الأسد.

آخر ما تجلى من اصطفافاته ظهور انضمام هذا القومجي العربي إلى الحلف الصفوي الفارسي دفاعا عن القومية العربية. أما كيف؟ فمن الصعب عليك العثور على إجابة.

التمرّغ في الطين

ليس بالخيانة وحدها يستقيم أمر القدرة على التمرّغ في طين المراحل السياسية، فأنْ تكون مستعدا لحمل الموقف وضده استنادا لطلب الزبون، من دون الوقوف على أرضية صلبة، سيعني بالضرورة موافقتك المسبقة على أن تكون "تاجر شنطة"، أو ربما قل "إعلامي شنطة".

حينها سيعرف عنه الطواف حول عواصم العالم، باحثا عن زبائن بكامل دسمهم، راغبين في تلميع مواقفهم السياسية التي سيرسمونها لك بدقة لاحقا بعد الاتفاق على التفاصيل.

لهذا، لم ينكشف عطوان في السابق، كما انكشف اليوم، وهو يصطف مع النظام السوري في قتله للشعب. وكأنه عاد إلى ما كان قد بدأ حيث مقالته الأولى عن شاه إيران الذي أطاحت به ثورة الخميني، عبد الباري الذي بشّر -وهو الكذوب- أن جيش الأسد بصفته الجيش العربي السوري الوطني والعروبي الذي يقصف حلب سيسيطر على المدينة خلال أيام، وهي الرؤية ذاتها التي كان يتحدث بها لسان الشيعة الصفوية عن معركة حلب؛ سيستمر بإهانة الشعب السوري وثورته بالقول إن المقاتلين الثوار مجرد مرتزقة لدول في المنطقة منها السعودية وقطر. ألم نقل سابقا إن بوصلته في معظم مواقفه كرهه للعربية السعودية؟

سيف بيد طهران

لقد وضع عطوان كل ما يجري في سوريا على كاهل الضحية، تاركا المدائح والإجلال للجلاد، ولأنه كذلك ولأن السعودية بالنسبة له العدو فإنه سيمضي في غيّه لينعق بتقسيم السعودية وهي الأسطورة التي طالما تحدث بها إعلام إيران واليسار والقومجية العربية.

هكذا سيرسم عطوان خط مواقفه السياسية، علماني، تقرّب إلى الإسلاميين، لأمر في نفس يعقوب، ساعة من الزمان، فلما أزف الربيع العربي للاستحضار كانت مواقفه ملتبسة التباس الربيع نفسه، لكنه سرعان ما انفضح كما انفضح كثر مثله، قوميون سيوف بيد الفرس ضد العرب، وعلمانيون وضعوا أنفسهم تحت أمر فيالق الصفويين الشيعة، ويساريون صار ملالي قم رموزهم، والعمائم السوداء أبطالهم، واللطم طريقتهم في فهم ما يجري في المنطقة.

ويسرد عطوان جزءا من أدواته الفكرية فيقول إنه لا يكترث فيما إذا كان المرء سنيا أم شيعيا. وكأن التفريق عنده هو: يميني متخلف أو يساري متقدم، فنحبه لأنه يساري ونعادي الآخر اليميني المتخلف. ولمن سها عن المعنى، فإن اليميني المتخلف عند العلمانيين واليسار هم الإسلاميون، وأن التخلف هو الإسلام!

لا يرى عطوان قتل المليشيا الإيرانية والمرتزقة لمئات الآلاف من السوريين فعلا يستحق التجريم، وكعادته سيفتعل المعارك الدونكيشوتية في هجومه على السعودية موجها كلامه الساذج ضد كل من ساعد الثوار السوريين وقبلهم الليبيين.

ولم يكن مستغربا التحولات الدائمة التي يمارسها عطوان لمواقفه السياسية، فهنا علينا البحث عمّن يدفع في هذه الفترة، لهذا كان متوقعا أن يعيد اليوم تكرار مواقفه الموجهة ضد الثورة السورية وداعميها من الدول، ويساند النظام الوحشي في دمشق، فالمموّل هي إيران.

ربيع يكشف عيوب الصنعة

لقد أتاحت أزمان سابقة لكثير من النخب المراوغة رسم مواقفها السياسية حسب الطلب. كان هذا ممكنا قبل سحابة "الربيع العربي"، فمطر "الربيع" كشف عن عيوب "الصنعة". هنا برزت نتوءات المواقف السياسية والإعلامية، بما لا يمكن أن تظهر لولا هذا "المطر".

إن الوقت الذي كان يُسمح فيه أن يقف المثقف مع النقيضين في وقت واحد ولّى، فحدّة وضوح الدماء وضجيج أصوات المعارك، وصفير الصواريخ وانفجارها لن تسمح لك بالاختباء وراء مواقف مائعة.

اليوم نحكي عن فتنة ومحن، بِبهارجها ومرجها، وما آلت إليه أرض الإسلام، شامها وعراقها، يمنها وليبها، نيلها، ومغربها، وأن ما نراه اليوم من سقوط للبعض، هو أثر من آثار الفتنة فمن بدا وكأنه سقط اليوم، كان ساقطا سياسيا أصلا، سوى أن "ربيع العرب" جاء فجلاّه.

إن من ذاب في ماء نار الأعداء اليوم، كان في السابق مُذابا، سوى أن ضبابية الساحة كانت تخفي معضلات المواقف وإشكالاتها، وتفسح المجال واسعا للنفاق السياسي بأن يتمدد دون أن يُرى، وكيف يُرى ولم يُختبر. فجاءت السحابة وبللت الجميع، فمن احتمى بمظلة مواقفه الثابتة نجا، ومن كانت مظلته مثقوبة بعشرات التناقضات غرِق.

ليس من السهل أن تكون مراوغا في حقبة ما بعد الربيع العربي. هنا عليك أن تتموضع في دائرة ما، ثم تكشفها لنفسك وللعالم. فإنْ لم تبادر بكشفها لك أولا وللعالم ثانيا، سيتبرع العالم نفسه بفضحها عنك.

تعميم تجربة جورج بوش

هي حقبة استهلّها الرئيس الأمريكي المجنون جورج بوش الابن، بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، عندما خاطب العالم بالقول: "من ليس معنا فهو ضدنا". أطْرَقَ الناس انصياعا له، ثم عمّموا التجربة، ليبدأ في العالم تمايز تدريجي، سيكون فيه على النخب - ولاحقا العامة - الاختيار القسري بين فريقين أو قل مبدأين.

لهذا - وكما أجبرت السحابة كثيرا من النخب - كان على صاحبنا أن يبتل، فهل غرق أم احتمى؟ وهل سينجيه اختباؤه، كما فعل الجميع تحت عباءة "فلسطين البوصلة" لعقود.

صحيح أن فلسطين ستبقى البوصلة، لكن مَن قال إن البوصلة لم تفضح من امتطى الأرض المقدسة لسنين، ثم تبدّت عورة سياسته لتظهر أن وراء الأكمة ما وراءها. فمن منا لم يختبئ تحت عباءتها أصلا، صادق وكاذب، مجاهد وجاسوس، وليّ من أولياء الله، ومنافق. كلنا كنا ولم نزل نفتح في خيمة فلسطين نوافذ لنا، فإما ناج أو هالك.

عشية هذا الزمان، أو في الساعة الأخيرة منه، سيكون عليك وسط هذا الهرج والمرج، أن تخلع اللثام عن وجهك، رغم ما تبدو عليه الأمور أنها مختلطة، أو غامضة.

حتى وإن ظننت، لوهلة، أن بإمكانك التموضع في مربعات الحياد، فعليك أن تنظر حولك. هناك من يصنفك بوضوح، خاصة إن كنت من العاملين في الشأن العام، ثم لا يبقى فوق نواياك أي حجاب فتكشف جميعها للناس دون التباس. إنه العصر الذي سيعرفك فيه الآخرون أكثر منك ويرسموا خطوطك العريضة بكثير من الدقة.

التباس في العلاقة

كثيرا ما التبست على المواطن العادي طبيعة العلاقة بين الأنظمة العربية والصحافة، لكنها ستكون ملتبسة أكثر في حال أردنا الاستشهاد بالصحافة المغتربة. هنا سيكون علينا ضخّ الكثير من الشهادات حول رغبة "الرسمي" في اصطياد الصحافي المغترب.

هناك من سقط في وحل "السياسي"، لكن عطوان كان مع من غرقوا. ويمكن طرح شهادات عدة في علاقاته الغريبة مع أنظمة عربية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. نحن هنا نتحدث عن الزعيم العراقي الراحل صدام حسين ونتحدث أيضا عن الزعيم الليبي الهالك معمر القذافي بصفته نموذجا للرسمي الخَرِف الذي لم يترك لبلده أخضر إلا أيبسه، منذ زمن الانقلابات العسكرية التي حكمت المنطقة العربية.

أما الاستشهاد الذي سيبدو غير مفهوم هو عندما نشير إلى علاقة عطوان بإيران إذا ما أردنا أن ندير الحكاية إلى العصر الراهن. هنا سيكون "الرسمي" أعجميا لكنه في صدره شيء من وعن العرب.

كيف يستقيم لعطوان اعتبار صدام حسين بطلا من أبطال العرب فيما يتحالف اليوم مع أعدائه، بل ومَن قتلوه بحبلهم، لن يستقيم لكنّا على أية حال نتحدث عن شخصية تنظر إلى الأمور بالقطعة، استطاعت عبر تاريخها التحالف مع الشيء وضده.

فهلوة رأي اليوم

ربما نحن بحاجة إلى خبير في الصراعات الدولية ليرسم لنا مؤشرات الخريطة السياسية التي سار عليها رئيس التحرير السابق لصحيفة القدس العربي والمالك الحالي لصحيفة جديدة أطلق عليها اسم "رأي اليوم" الإلكترونية في العقدين الماضيين. لكن علينا قبل ذلك الالتفاتة إلى اسم الصحيفة التي أسهها وكم أنها تشي بالكثير من مواقف الرجل. إنها "رأي اليوم" وغدا رأي آخر، وبعد غد سينطلق وفق خلفية التعاقدات رأي ثالث، وهكذا.

هنا يقول الكاتب والمحلل السياسي عدنان برية إن عطوان تنقل بين عدة مواقف سياسية متناقضة وعمل لصالح مجموعة من الدول كانت تمول نشاطه الإعلامي بشكلٍ أو بآخر، مشيرا إلى أن ذلك كان إلى حدٍّ ما سيبقى مسكوتا عنه ويسلك في معنى "الفهلوة"، خاصة وأن صندوق أفاعي المنطقة لم يفتح بعد، أما وقد فُتِح، ووقع عطوان في أحضان الفريق الإيراني وممثله في سوريا نظام بشار الأسد فلم يكن بإمكان مشهده أن يبقى مسكوتا عنه أو مقبولا، خاصة وأن جمهوره الذي جعله "جماهيريا" ذهب كله نحو اعتبار إيران العدو رقم "1" للأمة، فيما عرّف نظام بشار الأسد بأنه خائن موغل في دم المسلمين في سوريا.

من سوء طالع صاحبنا أن كثيرا من المصفقين له هم من الفئة التي رفضت ولوغ إيران في الدم السوري، بعناوين مختلفة مرة على يد النظام السوري، وأخرى على يد حزب الله الشيعي اللبناني، وثالثة على يد ألف ميليشيا وميليشيا عراقية وأفغانية إضافة إلى "الحليف الروسي".

هنا، كان على عطوان أن يسقط، لكن ليس سقوطا كاملاً، فما زال البعض "يحنّ" لآرائه السابقة، وخاصة في "الشيخ" أسامة بن لادن، وفي ملفات أخرى منها فلسطين، من دون أن يتذكر "هذا البعض" أن عطوان في تلك المرحلة كان يتموضع في دائرة تفرض عليه أن يقول ما قال، وقد أجاد إذ سمعنا قول لسانه.

يقول برية: "ما يدعو إلى الشعور بالفاجعة أن مرحلة عطوان الأخيرة، كانت في تبنيه مواقف موالية لإيران ونظام بشار الأسد".

الخلاصة

إذا أردنا ترسيم حدود الرجل - وفق ملفات المنطقة السياسية على القطعة -  واحدة واحدة، فغالبا لن نستطيع أن نبني صورة واضحة عنه، نحن بحاجة إلى النظر للوحة كاملة، بجميع تفاصيلها وخطوطها الواضحة والقصية، واللوحة الكاملة له تظهر الكثير مما يعيب ويشين.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق