تعقيدات الأزمة اليمنية .. إيران والنفاق الدولي
الخميس 1 سبتمبر 2016

 د. ليلى بيومي – مفكرة الإسلام 24/8/2016

 

المتأمل للأزمة اليمنية يلاحظ أنها تتعقد يومًا بعد يوم، حتى وصلت إلى درجة من التشابك والتأزم لم يسبق لها مثيل، وهذا كله ناتج عن كثرة الأطراف الخارجية المتدخلة وعن غطرسة وتمنع الأطراف الداخلية التي بيدها الحل.

وليس خفيًا أن إيران من الأسباب الرئيسية للأزمة، بل هي السبب الأول، فهي تمد تمرد الحوثي وصالح بكل أنواع السلاح وتفتح ترسانتها لهم لكي يأخذوا ما يشاءون منه لدرجة أن لديهم وفرة من السلاح، الثقيل قبل المتوسط والخفيف، خاصة ونحن نعلم أن إيران دولة مصنعة للسلاح.

كما تدعم إيران المتمردين سياسيًا عن طريق الدبلوماسية الإيرانية في المحافل والمؤتمرات الدولية والإقليمية. وتدعمهم أيضًا إعلاميًا عن طريق جهازها الإعلامي الضخم وعن طريق العشرات من الصحف والمجلات اليمنية والعشرات من القنوات الفضائية .. كلها تدعم وجهة نظر المتمردين وتهاجم الشرعية والأفكار التي تقوم عليها.

وإيران تفعل ذلك حتى يكتمل الهلال الشيعي، انطلاقًا من سوريا ومرورًا بالعراق وعطفًا على الخليج العربي وشرق السعودية واكتمالاً باليمن، إحياءً لحلم الإمبراطورية الفارسية وسيطرة على العالم العربي السني، فليس غريبًا أن إيران والشيعة عمومًا يعتقدون أن السنة هم أعدى أعدائهم، وخلافهم مع الغرب ومع إسرائيل إنما هو خلاف مصالح يمكن أن يتم حله في أية لحظة .. والدليل على ذلك الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية، أما مع العالم السني فإن الصراع أبدي ومبدئي وتاريخي وغير قابل للحل، إلا عن طريق نشر المذهب وتصدير الثورة.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تستمر مشاورات الكويت الخاصة باليمن سبعين يومًا دون أن تتقدم خطوة واحدة، فأسس الحل غائبة، والحاضر فقط هو دعم الحوثيين وأتباع صالح إلى آخر المدى.

نقطة أخرى من أسباب استمرار الأزمة هي الخطأ الذي وقعت فيه المبادرة الخليجية حينما أعطت لعلي عبد الله صالح الأمان وتعاملت معه بلطف وكطرف فاعل في حاضر ومستقبل اليمن، وأمنته على نفسه وأولاده وأمواله ووضعه السياسي، وبالتالي أتيح له أن يتآمر كما يحب وأن ينفث سمومه ويفشل كل المحاولات الشرعية للحل، فمفاصل الدولة في يده وكثير من ولاء الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة له، وله كثير من التأييد القبلي، ولذلك يلتف هو وأتباعه على أي تقدم سياسي ملموس ويفشلوه. وكان الحل الوحيد هو إزاحة هذا الثعبان وإبعاده تمامًا عن اليمن، وغير خفي أن القوة الأولى في اليمن ليست للحوثيين وإنما لأتباع علي عبد الله صالح.

ومن أسباب تعقيد الأزمة اليمنية أيضًا أن عددًا من الدول العربية تلعب من تحت الطاولة، فهي تنافق في العلن وتدعي أنها مع الشرعية، ولكنها وأجهزة مخابراتها تدعم الانقلابيين على أرض الواقع.

ثم لا يخفى على بصير أن الدول الغربية تلعب لعبتها الخبيثة في اليمن، فهي تتحدث في الإعلام وفي المؤتمرات الدولية عن دعم الشرعية ودعم الحملة السعودية وهي في الباطن تنسق مع الانقلابيين وتدعمهم وتسرب إليهم الأسلحة، تمامًا كما يفعلون في ليبيا يتظاهرون بدعم حكومة السراج التي صنعت على أيديهم ولكنهم، بدعوى محاربة الإرهاب، يقفون بقوة خلف خليفة حفتر ويدعمونه بطائراتهم وبوارجهم.

إنه النفاق الغربي الذي يقصد تدمير الدول العربية الإسلامية، فهم لم ينسوا أبدًا الصدام مع الجيوش العربية في الحروب الصليبية وفي الأندلس وفي وسط أوروبا، هم لم ينسوا أبدًا التاريخ بل هو حاضر دائمًا في مستقبلهم وواقعهم، وحدنا نحن الذين ننسى ونصدق وتخيل علينا المؤامرات.

وإذا أردنا أن نناقش أسباب فشل مشاورات الكويت التي استمرت سبعين يومًا، نجد أن الانقلابيين لم يبدوا أية مرونة ولم يتعاطوا إيجابيًا مع أية بادرة لحسن النية، وحينما اشترط الوفد الحكومي توقيع وفد (الحوثي- صالح) على الملف الأمني الذي يقضي بالانسحاب من المنطقة “أ”، والتي تشمل العاصمة صنعاء ومحافظتي تعز (وسط) والحديدة (غرب)، وتسليم السلاح الثقيل للدولة، والإفراج عن المعتقلين، وفك الحصار عن المدن، في ختام جولة المشاورات بالكويت، على أن يتم التوقيع على الملف السياسي، وتشكيل حكومة وحدة وطنية في جولة أخرى يتم تحديد مكانها وزمانها لاحقًا، اعترض الانقلابيون ورجعوا مرة أخرى إلى نقطة الصفر رافضين الاعتراف بقرار الأمم المتحدة رقم 2216، أو الانطلاق منه والبناء على أساسه.

وفي بعض الأحيان يعلن المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ أحمد إنّه توصل إلى خريطة للحل بعد الجلوس إلى الطرفين والاستماع بتمعّن لوجهات نظرهما ومخاوفهما المختلفة، وأن الخريطة تتضمن إجراء الترتيبات الأمنية التي ينص عليها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل على إعادة تأمين الخدمات السياسية وإنعاش الاقتصاد اليمني.

كما تتولى حكومة الوحدة الوطنية بموجب هذه الخريطة مسؤولية الإعداد لحوار سياسي يحدد الخطوات التالية الضرورية للتوصل إلى حل سياسي شامل ومنها قانون الانتخابات وتحديد مهام المؤسسات التي ستدير المرحلة الانتقالية وإنهاء مسودة الدستور .. لكننا ما نلبث أن نجد رفض الانقلابيين واضح لهذه الخطوات فهم يريدون أن يضفوا الشرعية على قراراتهم السياسية والأمنية وأن ينطلق الحل من واقع يفرضونه هم وإيران، وليس بناءً على مخرجات الحوار الوطني أو قرار الأمم المتحدة.

لكن الملاحظ أن هناك تصميمًا أقوى لدى قوات التحالف، بعد أن أعطوا الوقت الكافي للمشاورات من أجل الحل السياسي السلمي، وتتحدث التقارير الغربية عن صفقات التسليح القوية التي أبرمتها المملكة العربية السعودية وعدد من دول التحالف، وكلنا لاحظنا أن الضربات أكثر تركيزًا هذه المرة، كما لاحظنا عودة نائب الرئيس إلى مأرب للإشراف على العمليات العسكرية، بالإضافة إلى عمليات قطع الأوصال التي يمارسها طيران التحالف، بهدف فصل العاصمة صنعاء عن بقية مناطق البلاد، والاستهداف الدقيق للمقرات الرئيسية لقادة لانقلاب وغرف العمليات بصنعاء، إلى جانب مواصلة استهداف المعسكرات ومخازن الأسلحة في صنعاء ومحيطها بوتيرة عالية، وتوسيع نطاق الضربات لتشمل مناطق انتشار العناصر الانقلابية في محافظات تعز والحديدة وإب والبيضاء، وغيرها من المحافظات.

وبالنسبة لجبهة تعز تحقق، حتى هذه الساعة تقدم على كل جبهاتها، وتم فك الحصار الجزئي عنها، وربما نسمع خلال ساعات مقبلة عن فك الحصار كليًا عن تعز والاتجاه ناحية صنعاء وبدء مرحلة التحرير الكبرى التي ينتظرها الجميع.

كل هذه المعطيات تؤكد أن المملكة العربية السعودية مصممة هذه المرة على الحسم العسكري، بعدما قدم الانقلابيون خلال مشاورات الكويت كل الأدلة على أنهم غير معنيين بالحل السياسي.

وإزاء هذه الضغوط والمواقف الجديدة، لم يجد الانقلابيون أمامهم سوى مسرحية دعوة مجلس النواب للانعقاد، من أجل إضفاء الشرعية على قراراتهم وتوجهاتهم، فالجلسة التي انعقدت بدعوة من رئيس المجلس يحيى الراعي، وهو أمين عام مساعد للمؤتمر الشعبي العام (جناح علي عبد الله صالح)، لم تنجح في استكمال النصاب القانوني، الأمر الذي انعكس على نتائج انعقادها، فلم يكن أمام رئيس المجلس من طريق سوى تحويل الجلسة إلا للمباركة الشكلية (دون مناقشة برلمانية) للاتفاق المبرم بين جناح المخلوع في المؤتمر الشعبي العام ومليشيا الحوثي، فيما يخص تشكيل المجلس السياسي.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق