باحث في شؤون الفرق يكشف لمفكرة الإسلام سر الاحتفاء الأمريكي بـ"كولن"
الخميس 1 سبتمبر 2016

 

 حاوره أحمد شيخون - مفكرة الإسلام 2/8/2016

 

مفكرة الإسلام: "لا تخافوا سائر الإسلاميين، خافوا السلفيين"... هذه عبارة موجزة للكاتب "روبن رايت" تعبر عن هواجس أمريكا حول "الإسلاميين".. كيف ترى هذه العبارة في ضوء التقارب الأمريكي نحو الصوفية؟

الشيخ محمد المقدي: في الواقع الخوف الأمريكي من السلفيين فرع عن أصل، فأمريكا ورثت النظرة السلبية الأوروبية إلى الإسلام وأهله، وانتشر في النصف الثاني من القرن العشرين الحديث عن صراع الحضارات بين الغرب والإسلام، كان أبرز محطاته أطروحة هانتنغتون.

وأما المخاوف الأمريكية من الاتجاهات السلفية، فإنما تنبع من كون تلك الاتجاهات تتبنى شمولية الإسلام ، وترفض هيمنة الثقافة الغربية، وتنزع إلى العودة للأصول الشرعية ، لذا يطلقون عليها الأصولية الإسلامية أو الإسلام الراديكالي، ويعبرون عن السلفية أحيانا بمصطلح الوهابية الذي يمثل دعوة المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

أمريكا اتخذت من السلفية العدو البديل للشيوعية، وجعلت موطنه المملكة العربية السعودية، ولاحقت امتداداته خارجها، ورأت في الوقت نفسه – وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر- ضرورة تصعيد قوة إسلامية بديلة تواجه المد السلفي ، ووجدت أن الصوفية هي أكثر القوى الإسلامية تناغما مع التوجهات والسياسات الأمريكية سواء من جهة الضعف العقدي أو الكثافة البشرية.

مفكرة الإسلام: نريد التعرف علي الجذور التاريخية وراء اهتمام أمريكا بحركة التصوف؟

الشيخ محمد المقدي: الغرب بصفة عامة كان ولا يزال يهتم بالصوفية، وبرز هذا الاهتمام لدى المستشرقين منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، وفي أمريكا كانت المراكز البحثية التي تتابعت في النشأة منذ بدايات القرن العشرين، تُعتبر الصورة الجديدة للدوائر الاستشراقية، والتي تفوق في أهميتها الاستشراق التقليدي نظرا لقربها من صناع القرار، وخاصة مؤسسة راند التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية، وكان لها دور بارز في الغزو الأمريكي للعراق.

هذه المراكز اهتمت بالتصوف، إلا أن ذلك الاهتمام بلغ أوجه بعد أحداث 11 سبتمبر، والتي غيرت شكل ومضمون التوازنات والتحالفات والمصالح، وعلى سبيل المثال استضاف مركز نيكسون مؤتمر برنامج الأمن الدولي في واشنطن لاستكشاف مدى دور الصوفية فيما يتعلق بأهداف السياسة الخارجية الأمريكية، بهدف تعريف صناع القرار بأهمية هذا التوجه الذي يضم الملايين من المسلمين في العالم.

في أولى جلسات هذا المؤتمر تم اقتراح ثلاثة أساليب تتبعها أمريكا لدعم التصوف، منها الحفاظ على أضرحة الأولياء وإعادة بنائها، وكذلك المراكز التعليمية المرتبطة بهذه الأضرحة.

وفي الجلسة الثانية لخص ألان جود لاس مقترحاته التي تمثلت في تشجيع نشر أعمال الصوفية ونشر ترجمتها باللغات المحلية والإنجليزية، وتشجيع دمج القيم الصوفية مع قيم المجتمع المدني بالمؤسسات التعليمية، وإحياء الثقافة والأدب الصوفيين فيما يتعلق بزيارة المقامات والأضرحة في كل دولة، إلى غير ذلك من المقترحات، التي تناولتُها بالبحث والتتبع في كتاب "التصوف بين التمكين والمواجهة".

ربما يكون من المناسب أن نذكر توصية لجنة الحريات الدينية في الكونجرس الأمريكي، بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية.

ولم تختلف الممارسات الأمريكية عن توصيات المراكز البحثية فيما يتعلق بالاهتمام بالصوفية، ويكفي أن نعلم بأن السفير الأمريكي في القاهرة فرنسيس ريتشارد دوني، كان يحضر احتفال مولد البدوي والسيدة زينب، وقابل شيخ مشايخ الطرق الصوفية في مقر المشيخة.

وعام 2010 قامت السفيرة الأمريكية في باكستان بتوقيع اتفاقية مع اتحاد الصوفيين، وقدمت له مليونا ونصف مليون من الدولارات مخصصة لتزيين وترميم الأضرحة والمقامات.

كما يحظى الصوفية في أمريكا بمكانة كبيرة لدى الساسة الأمريكان، أبرزهم هشام قباني صهر ناظم حقاني شيخ النقشبندية، ومندوبه في أمريكا، حيث يتم تلميعه هناك ليكون ممثلا للإسلام، وأنشأ المجلس الإسلامي الأعلى المعترف به لدى صناع القرار والدوائر الرسمية، حيث يمارس دور المستشارين ويساعد الأمريكان في رسم سياستهم المؤثرة على مستقبل الشعوب الإسلامية، وهو بدوره يقوم بالتحريض ضد أهل السنة والتحذير من توسعهم الدعوي.

مفكرة الإسلام: لماذا تهتم أمريكا بالصوفية تحديداً؟

الشيخ محمد المقدي: لا شكَّ أنَّ المُتبَصِّرَ بالواقع المعاصر- الذي يزن قضاياه بميزان الشَّريعة المطهرة- يرى استهداف أهل السنة في صُعُدٍ متعددةٍ سواء منها السَياسي أو العَسكري أو الاقتصادي أو الفِكري، ولا شك أنَّ مِنْ أخطر هذه الصُعُد هو الصَعيد الفِكري الذي يُتبنَّى فيه طرح الشُبهات والإغراق في الشهوات، وذلك كلُّه مصداقاً لكلام الباري سبحانهُ وتَعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [البقرة:105]، وقوله: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة:120]، وقوله: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) [النساء:89]، وقوله: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [البقرة:109]، وقوله: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [البقرة:217]، وقوله: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا) [الطارق:15]، ويقول أيضاً: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ) [الأنفال:30].

ومن هذا الكَيد تجنيد بعض أهل الأَهواءِ المنتسبين لهذه الأمة – شعروا بذلك أو لم يشعروا- لِنَشْر باطلهم المتوافِق مع باطل أهل الكتاب إيهاناً للدِّيانة الإسلاميّة في عقيدتِها وإضلالاً للمسلمين في عبادتهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ولا ينفق الباطل في الوجود إلا بثوبٍ من الحقِّ، كما أنَّ أهل الكتابِ لَبسوا الحقَّ بالباطل؛ فبسبب الحقِّ اليَسير الذي معهم يُضلِّون خَلْقاً كثيراً عن الحقِّ الذي يجب الإيمان به، ويدعونه إلى الباطل الكثير الذي هم عليه، وكثيراً ما يعارضهم من أهل الإسلام من لا يحسن التمييز بين الحقِّ والباطل ولا يُقيم الحجَّة التي تدحض باطلهم ولا يُبيِّن حجة الله التي أقامها برسله؛ فيحصلُ بذلك فتنةً!».

إن أمريكا توقن أنها لن تستطيع إقصاء الإسلام، لكنها تسعى لإيجاد محتوى إسلامي يتناسب مع قيمها ومصالحها، والانحرافات العقدية والسلوكية لدى الطرق الصوفية تتلاقى مع تلك المصالح.

على سبيل المثال تعتبر عقيدة وحدة الوجود هي لب العقيدة الصوفية ومنتهاها لدى كثير من الطرق، وهي عقيدة تجعل الوجود كله شيئا واحدا وهو الله، أما ما سواه من الموجودات، فليست عند أصحاب هذا الاعتقاد سوى صورا لله. ترتب على القول بوحدة الوجود القول بوحدة الأديان طالما أن الخالق والمخلوق والإيمان والكفر شيء واحد، فمن ثَمّ يعبد الإنسان ما شاء، فلو عبد المسيح أو العزير أو حجرا أو شجرا، فهو –وفق هذا الاعتقاد الفاسد- لم يعبد إلا الله.

وقطعا هذا التوجه الذي يذيب الفوارق بين الأديان، ينسجم مع الأطماع الأمريكية الاستعمارية، التي تريد القضاء على روح الجهاد لدى المسلمين، وفرض الأمر الواقع أمام أمة خاضعة خانعة.

المستشرق برنارد لويس الذي نقل النظرة الاستشراقية السلبية من أوروبا إلى جامعات أمريكا يؤكد على هذه الحقيقة سالفة الذكر، ويقول: "إذا رجعنا إلى الطرق الصوفية نجدها تقدم شيئا أفضل من السماحة، فمثلا: نجد قصائد جلال الدين الرومي وابن عربي تشير إلى أن كل الأديان متشابهة، ولها نفس الغرض، ونفس الرسالة، ونفس الاتصال، وكلهم يعبدون الله، ولكن هناك اختلاف بسيط، فالله في الكنيسة هو الله في المسجد".

ولا ننسى أن الكيان الإسرائيلي يرتبط بأمريكا ارتباطا عقديا، حيث يؤمن الإنجيليون بحرفية التوراة والإنجيل معا، ووفق معتقدهم سوف يأتي المسيح المخلص الذي يقضي على أمة الشر (المسلمين)، وعلامة مجيئه قيام دولة إسرائيل وبناء الهيكل، وهو ما يقر به كثير من الساسة الأمريكان، وقطعا فرض التوجه الصوفي الانسحابي هو أكبر ضامن لبقاء المشروع الإسرائيلي التوسعي.

كما أن الانحراف السلوكي لدى الصوفية يتناغم مع التوجهات الأمريكية، حيث أن الصوفية يختزلون الدين في العلاقة الروحية بين العبد وبين ربه عن طريق الرياضات والخلوات وحلقات الرقص التي يسمونه ذكرا، وبناء على ذلك ينأى الصوفية عن خوض المعتركات السياسية والتنموية والعسكرية....

مفكرة الإسلام: كيف ترى أن الصوفية.. أداة السلطة في مواجهة خصومها؟

الشيخ محمد المقدي: العلاقة بين السلطة والصوفية في معظم البلدان تقوم على المصالح المتبادلة، فبالنسبة للسلطة فهي تستفيد من دعم الصوفية الحصول على الشرعية من تيار له مكانته، وخلق التوازن بوضع ذلك التيار في مواجهة ما يعرف بالإسلام السياسي وكذلك التيار السلفي.

وأما بالنسبة للصوفية فهم يحصلون على دعم مادي، ونفوذ ومكانة اجتماعية. في الجزائر على سبيل المثال، عندما شعرت السلطة بتعاظم نفوذ الحركة الإسلامية ذات التوجه السلفي في ثمانينيات القرن الماضي، عملت على إحياء التصوف، وأنشأت الجمعية الوطنية للزوايا عام 1990، ثم اعتمد بوتفليقة على هذا التيار في تدعيم حكمه، واشتهر بكثرة زياراته للموالد الصوفية، وإغداقه الأموال عليها، واهتمت وسائل الإعلام بتغطية فعالياتها، وقام بإنشاء الزوايا وترميم الأضرحة، في الوقت الذي يتم فيه التضييق على التيار السلفي.

وبعد أحداث 11 سبتمبر، تلاقى توجه بوتفليقة مع التوجهات الأمريكية التي ذكرناها آنفا، فكثف من دعم الطرق الصوفية مقابل التضييق على السلفيين.

وفي مصر، استغل عبد الناصر الطرق الصوفية في تثبيت شرعيته وترويج سياساته، وحظيت الصوفية بدعم النظام، وقامت بدعم عبد الناصر في صراعه مع الإخوان المسلمين، وشهدت القاهرة في أعقاب هزيمة 1967 مسيرة موكب صوفي كبير تأييدا لعبد الناصر.

وفي عهد السادات زادت حاجة النظام إلى استمالة الصوفية لمواجهة الجماعات السنية الناشئة، ولم يختلف نهج حسني مبارك عن سلفه، حيث أعطى مساحات واسعة للطرق الصوفية وأبرزها على أنها تمثل الثقافة الدينية للشعب المصري بهدف تضييق الخناق على الإسلاميين.

وقام مبارك بتعيين شيخ مشايخ الطرق الصوفية أبو الوفا التفتازاني عضوا في الحزب الوطني الحاكم، وكذلك خلفه الشيخ عبد الهادي القصبي.

تقول وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشُّئون العالمية: (يجب أن نفكر خارج الإطار التقليدي ونوظِّف وسائل خلاَّقة للنُّهوض بالحرية الدينية، وهنا أُفكِّر في تمويل علماء مسلمين، أو أئمة، أو صلوات أخرى للمسلمين).

ويشرح مسئول بوزارة الخارجية المسألة بقوله: (إنَّنا نريد ضمَّ مزيد من علماء المسلمين إلى برامج التبادل الثقافي التي تمولها أمريكا... والهدف هو دعم أصوات التَّسامح في الدول الأخرى).

مفكرة الإسلام: لماذا دائما الطرق الصوفية متهمة بالعمالة للاستعمار؟

الصوفية في العموم لا تجد في كتبهم ذكرا للجهاد ضد الغزاة، بل إن علاقتهم بالغزاة اتسمت بالتخاذل والاستسلام للأمر الواقع أحيانا، وأحيانا أخرى وصل الأمر إلى حد دعمهم ومساندتهم للغزاة.

هم يرون أن الجهاد الأعظم إنما هو جهاد النفس وترقيتها وتأهيلها للكشف والإلهام، ويتكئون على حديث موضوع (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) ويعنون بالأصغر قتال الكفار، بينما الجهاد الأكبر هو جهاد النفس.

ونظرا لما لدى الصوفية من خلل في مسألة القضاء والقدر، فقد أدى ذلك لتخاذلهم في دفع الغزاة، حيث أن الكثيرين منهم اعتبروا ذلك اعتراضا على قدر الله، لأنهم يرونه عقابا من الله على الذنوب.

كما أن عقيدة وحدة الوجود التي ذكرناها أنفا لها تأثيرها على نظرتهم للجهاد، حيث أن الكافر لا يختلف عن المؤمن وفق تصوراتهم، أضف إلى ذلك أنه كان منهم المنتفعون من الغزاة والمحتلين.

في الجزائر كانت الطريقة التيجانية تدعم الاحتلال الفرنسي، والذي اعترف حاكمه في الجزائر بأن الحكومة الفرنسية تعظم زوايا الطرق أكثر من تعظيمها للجنود والثكنات العسكرية الفرنسية، واعتبر أن من يحارب الطرق إنما يحارب فرنسا.

وهناك خطبة شهيرة لمحمد الكبير رئيس الطريقة التيجانية بين يدي الكولونيل الفرنسي "سيكوبي" نشرتها جريدة لابريس ليبر الفرنسية التي كانت تصدر في الجزائر، يقول فيها: "إنه من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا (فرنسا) ماديا وأدبيا وسياسيا" ثم يضيف على سبيل الاحتساب والتشرف بقيام الواجب أن أجداده (التيجانيين)"قد أحسنوا صنعا في انضمامهم إلى فرنسا قبل أن تصل إلى بلادنا"، وافتخر بأن الطريقة واجهت عبد القادر الجزائري الذي كان يقاوم الاحتلال ثم تنكص بعد ذلك.

وعندما ثار المسلمون في الهند ضد الإنجليز عام 1857، قام مؤسس الطريقة البريلوية بكتابة رسالة دعا فيها إلى ترك الجهاد ضد الإنجليز، زاعما أنه لا جهاد عليهم بنصوص القرآن.

في الجهاد الشيشاني ضد الروس، خطب إمام مسجد خسافيورت الصوفي الشيشاني أكثر من مرة في الناس ليصرفهم عن جهاد الروس، وأفتى بأنه من شارك فيه وقتل فإنه يخاف على إيمانه، واعتبر أن القتلى من الروس شهداء.

في مصر إبان الغزو الفرنسي، قابلت الطرق الصوفية الاحتلال بعمل الحضرة، والاجتماع على تلاوة صحيح البخاري، ووجد فيهم نابليون ضالته، وشجع الموالد وشارك وجنوده فيها، وعين الشيخ الصوفي خليل البكري عضوا في الديوان المنوط به إدارة مصر سياسيا.

وفي زمن الاحتلال البريطاني لمصر، كان الصوفي محمد توفيق البكري صديقا مقربا من اللورد كرومر، والذي أنشأ المجلس الأعلى للطرق الصوفية، والأمثلة أكثر من أن يحاط بها في هذا المقام.

وإحقاقا للحق، الصوفية لا يوضعون جميعا في سلة واحدة إزاء الموقف من الغزاة، فبعضهم قاوم المحتلين بقوة، أبرزهم كانت الحركة السنوسية في ليبيا، والتي جاهدت ضد الاحتلال الإيطالي، كان أبرز شخصياتها الشيخ المجاهد عمر المختار رحمه الله، وأيضا الشيخ ماء العينين في موريتانيا والذي خالف شيوخ القادرية، وقاوم المحتل الفرنسي، والشيخ عثمان فودي الذي قاد الجهاد في غرب أفريقيا ضد الاحتلال، لكن هذه الحالات لا تعبر عن التوجه الصوفي العام إزاء مقاومة الغزاة.

مفكرة الإسلام: وماذا عن حركة كولن الصوفية؟ لماذا يحتضنها الغرب؟ وهل كان للحركة دور فاعل في محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا؟

الشيخ محمد المقدي: حركة فتح الله كولن قامت على مبادئ الطريقة النورسية، نسبة إلى المتصوف بديع الزمان النورسي، ويعتبر كولن بحسب المراقبين العمود الفقري لما يسمى بالإسلام الاجتماعي في تركيا، وجمع في دعوته بين إصلاح الجانب الروحي وبين المدنية الحديثة، فلحركته المسماة بحركة "خدمة" إمبراطورية من المؤسسات الإعلامية والثقافية والتجارية والتعليمية، ينفق عليها أكثر من مليار دولار سنويا، تمتلك مئات المدارس في مختلف دول العالم، لكن مناهجها الدراسية تتفق مع المناهج العلمانية في تركيا، فهي ليست مدارس دينية كما يعتقد الكثيرون.

تبنى كولن ذو التوجه الصوفي الحوار بين الأديان، وأيد العولمة، ورأى في الحجاب أنه عادة، ويرى كسلفه النورسي النأي عن السياسة، وتشدد في مواقفه من حركات الإسلام السياسي، وهو ما جعله يلقى قبولا في الأوساط العلمانية في تركيا.

كما يحظى كولن بمكانة رفيعة في الأوساط السياسية والثقافية والعلمية في الغرب وأمريكا بصفة خاصة، وأشادت به مؤسسة راند وذكرت في تقرير لها أن كولن يمثل صيغة لتحديث الإسلام شديدة التأثر بالصوفية ويركز على التنوع والتسامح واللاعنف.

وفي تقرير لها بعنوان "بناء شبكات مسلمة معتدلة"، أثنت المؤسسة على العديد من أفكار وأعمال كولن، مثل معارضته لتطبيق الشريعة الإسلامية لأنه يعتبر الدين مسألة شخصية، وتسامحه مع اليهود والنصارى، وأشادت بتوسع كولن في فكرة التسامح والحوار مع الأديان، حيث قابل رئيس البطريركية المسيحية الأرثوذكسية اليونانية، وبابا الكاثوليك في روما، وتلقى دعوة لزيارة الحاخام الإسرائيلي، ونحو ذلك.

كل هذا يفسر الاحتفاء والاحتواء الأمريكي لكولن، والذي حظي بثناء الساسة الأمريكان أمثال كلينتون ومادلين أولبرايت وجيمس بيكر وغيرهم.

وعلى الرغم من التصريحات المعلنة لكولن بأنه بعيد عن السياسة، إلا أن الواقع ينفي ذلك، حيث يتزعم ما يعرف بالكيان الموازي في تركيا، والذي تغلغل في مؤسسات الدولة، وباتت مسألة تورطه في الانقلاب الفاشل عليها شبه إجماع.

مفكرة الإسلام: وماذا عن التصوف الفرنكو أمريكي الجديد في المغرب؟

الشيخ محمد المقدي: بعدما شرعت أمريكا في دعم التصوف وتصعيده بعد أحداث 11 سبتمبر، كان لابد من مواكبة ذلك التيار للعصر، بحيث يلقى القبول بين الأوساط المختلفة المتمدينة والمتحضرة، والتي انفتحت على العالم بثورة التكنولوجيا، ومن ثَم ظهر تيار صوفي عصري، لا يبرز الجانب الخرافي المعهود في التصوف.

وحرصت الصوفية المعاصرة على العمل المؤسسي، من ذلك مؤسسة طابة التي أسسها علي الجفري في أبو ظبي، وتضم نخبة من الباحثين والعلماء الصوفيين من مختلف دول العالم، تصب أنشطتها في قضية التماهي مع الغرب وقيمه.

التصوف الفرنكو أمريكي الذي ظهر في المغرب منذ سنوات، يعبر عن هذه التوجهات الصوفية الجديدة، حيث أن أصحاب ذلك الاتجاه يتبنون خطابا حداثيا عقلانيا ممزوجا بأصول منهج التصوف، ويبدون اهتماما بالغا بالعلوم العصرية ذات البريق مثل التنمية البشرية وغيرها، ويتسمون بالثقافة والتخصص في شتى المجالات.

ونستطيع القول أن هذا الاتجاه يمثل الصورة النموذجية التي تطمح إليها المؤسسات البحثية الأمريكية، نظرا لأن أصحاب هذا التوجه يطورون من أنفسهم ليصبحوا على مستوى مواجهة التيار الإسلامي السني. وهذا النمط هو الأخطر في التيار الصوفي، نظرا لأنه يجتذب إليه طبقات المثقفين والنخب، خاصة وأن الحكومة المغربية ترحب بهذا التيار.

مفكرة الإسلام: هل ترفع أمريكا شعار الصوفية هي الحل؟ ولماذا يشجع الغرب التدين الصوفي في العالم الإسلامي؟

الشيخ محمد المقدي: كما أوضحت سابقا، الصوفية هي النموذج الذي تحرص أمريكا على تلميعه في العالم الإسلامي، لأنه كفيل بتحقيق مبادئ العلمانية التي تقضي بفصل الدين عن شؤون الحياة، وبالتالي إقصاء فكرة أن الإسلام دين ودولة، وهو ما يتلاقى مع الطموح الأمريكي والغربي.

وهذه الحقيقة يؤكد عليها أحد المستشرقين المعاصرين، وهو دانيال بايبس، مدير منتدى الشرق الأوسط، وأحد المقربين من الإدارة الأمريكية، حيث قال: "الغرب يسعى إلى مصالحة التصوف الإسلامي ودعمه لكي يستطيع ملء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة، وإقصائه نهائيا عن قضايا السياسة والاقتصاد".

ومما له دلالته كما قال الدكتور عبد الوهاب المسيري، أن الغرب الذي يحارب الإسلام، يشجع الحركات الصوفية، ومن أكثر الكتب انتشارا في الغرب مؤلفات محيي الدين بن عربي، وأشعار جلال الدين الرومي، وهما من أقطاب الصوفية.

مفكرة الإسلام: هل ترى أن الدعوات التي يتلقاها مشايخ الطرق الصوفية لزيارة أمريكا هدفها ترويج الفكر الشيعي؟

الشيخ محمد المقدي: الصوفية والشيعة يمثلان الإسلام المعتدل لدى أمريكا وفق تعريفات راند، لكن التيار الصوفي له الشعبية الأكبر في العالم الإسلامي، لأنه يمثل ما يسميه البعض الإسلام الشعبي، ولا أرى أن ترويج الفكر الشيعي عن طريق الصوفية يدخل في أهداف السياسة الأمريكية.

لكن في المقابل، لا شك أن الصوفية هي بوابة التشيع الذي ترعاه إيران، نظرا لتلاقي التيارين الصوفي والشيعي في عدة نقاط، منها: المبالغة في تقديس آل البيت، والمبالغة في طاعة الأولياء والأئمة ورفعهم فوق منزلتهم، وإضفاء السلطة الكهنوتية عليهم.

ومن أوجه التشابه بينها التوافق فيما يتعلق بعقيدة الحلول والاتحاد، حيث بمقتضى هذه العقيدة يحل الله – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- في أئمة الشيعة وأولياء الصوفية.

كما يتشابهان في مصادر التلقي المغايرة لما عليه أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة من القرون المفضلة، إضافة إلى مسائل أخرى لا يتسع المقام لذكرها.

ما أود قوله أن هذا التشابه جعل من الصوفية بوابة لتسلل التشيع، وعلى سبيل المثال هناك الطريقة العزمية في مصر، زار قادتها ومشايخها إيران عدة مرات، وتدافع باستماتة عن عقائد الشيعة.

وفي إحدى أعداد مجلتها "الإسلام وطن"، قامت الطريقة بإصدار ملحق بعنوان "الشيعة والتشيع في فكر القادة ورؤية الأئمة شبهات حول الشيعة"، وتضمن محاولة إثبات أفضلية علي رضي الله عنه على أبي بكر عمر، وإثبات صحة عقيدة الأئمة الإثنى عشر التي تدين بها الشيعة الإمامية الجعفرية، واختتمت الملحق بوصف كتاب التوحيد الذي ألفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بأنه إنجيل الوهابية.

مفكرة الإسلام: كيف تنظر إلى مشروع التحالف "الصوفي - الأمريكي"؟

الشيخ محمد المقدي: أنا لا أستطيع تسميته بالتحالف الصوفي الأمريكي على إطلاقه، فالصوفية ليسوا سواء، فمنهم من تحالف بالفعل مع الأمريكان وله آلياته في تنفيذ سياساتها، ومنهم من يرحب فقط بالاستفادة من الدعم الأمريكي العام للتيار الصوفي.

 وأنبه هنا إلى إنَّ التصوف بطرقه ورجالاته ومريديه وأربطته لم يعدْ حالةً من الزُّهد والتعبُّد الفردي كما بدأ؛ بل صار مؤسَّساتٍ ضخمة لها امتدادٌ عابرٌ للقارات، بعضها يجتهد في أن يلعب دورًا دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا، وبعضها تماهى في الفلكلور وتم اختزاله إلى ظاهرة احتفاليَّة.

وثمة طرق صوفيَّة تواكب الحداثة وتنخرط في العمل العام حتى تتمكن من دفع رموزها إلى قمَّة الهرم السِّياسي مثل ما هو الحال في تركيا، ولكنها مع وصولها إلى قمَّة الهرم السِّياسي نجدها تفقد مقوِّمات الإسلامية فيها، وبناءً على هذا فإنه لا يصح شرعًا ولا واقعًا أيضًا جعل الصُّوفية والمنتسبين إليها في سلَّةٍ واحدةٍ أو أن نحكم عليها بحكمٍ عامٍ يشمل جميع المتصوِّفة لا من جهة المواجهة ولا من جهة الحكم الشرعي التوصيفي.

لكن في كل الأحوال، رموز الصوفية يعلمون بل ويصرحون بأن أحداث 11 سبتمبر أفرزت تحولات كبيرة في صعود التيار الصوفي، ومن ذلك ما صرح به الشيخ عبد الله فدعق أحد رموز الصوفية في السعودية، على فضائية العربية خلال برنامج إضاءات منذ عدة سنوات.

مفكرة الإسلام: هل ترى أن موجات حرق وهدم الأضرحة الصوفية مهمته الإيقاع بالسلفيين؟

الشيخ محمد المقدي: أقول ابتداء إن هدم الأضرحة هي سنة نبوية فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته. وفي رواية: ولا صورة إلا طمستها. ولكن هذه الموجات أن لم تراع التوصيف الشرعي وقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلعلها  تعبر عن اتجاهين اثنين من وجهة نظري:

الاتجاه الأول، يهدف أصحابه إلى التأليب على المسلمين بصفة عامة والتشهير بأن الإسلام دين عنف وتعصب، وعلى أصحاب التيار السلفي بصفة خاصة للإيقاع بهم في براثن السلطات لتقويض الاتجاه السلفي.

الاتجاه الثاني، يتمثل في سلوكيات عشوائية تعكس الجهل بمسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضوابطه، والجهل بقواعد الشريعة، والجهل أيضا بالواقع وكيفية تنزيل الأحكام عليه.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق