معركة "البوركيني" وصراع القيم بين الإسلام والغرب
الخميس 1 سبتمبر 2016

 

 جمال سلطان – المصريون 27/8/2016

 

المرأة الشرقية "المسلمة" ومنظومة القيم التي تظللها ، من أول زيها وملابسها وانتهاء بعقيدتها وتصورها للحياة ودورها فيه ، كانت أهم وأكبر محاور الاهتمام الأوربي بالمجتمع العربي والإسلامي طوال القرنين الماضيين ، كان هناك إدراك واضح لدى دوائر الاستشراق أن تفكيك منظومة القيم الإسلامية والشرقية لا يمكن أن يحدث بدون تفكيك منظومة القيم الحاكمة للمرأة بشكل خاص ، أو بمعنى آخر فإن المرأة هي المدخل أو المفتاح لتفكيك منظومة القيم للمجتمع الشرقي ، لذلك كان التركيز عليها بصورة واضحة وعنيفة ، وقد تحقق نجاح كبير في هذا المجال طوال القرن العشرين ، باستثناء ربعه الأخير عندما نشطت حالة إحياء إسلامي واسعة "صحوة إسلامية" كما أطلق عليها ، فبدأت موجة الاختراق تتعثر ، بل وظهرت موجة معاكسة ، بعودة المرأة الشرقية إلى منظومة القيم التي شكلت هويتها ومعها هوية المجتمع الإسلامي أو الشرقي على مدار التاريخ ، وصل الحال إلى حد أن فرضت الموجة الإحيائية الإسلامية الجديدة نفسها على بيوت الأزياء العالمية وشركات السياحة فضلا عن البنوك والمتنزهات والاستثمارات العقارية وخلافه ، وهذا ما سبب إزعاجا كبيرا لدوائر الاستشراق وللدوائر المعنية بسيادة منظومة القيم الغربية في العالم الجديد باعتبار سيادتها رمزا للسيادة الغربية ذاتها ، عسكريا واقتصاديا وسياسيا على العالم الثالث .

مثل حجاب المرأة رمزا لتلك المعركة التي خاضتها الدوائر الغربية بذكاء وهدوء وطول بال ، لحساسيتها الكبيرة ، واستخدموا النخب العربية والشرقية المنخرطة في منظومة القيم الغربية لتشويه الظاهرة وتشويه "الإحياء الإسلامي" بكامله ، حتى قبل أن تظهر جماعات عنف إرهابية متمسحة بالإسلام والإحياء الإسلامي ، مثل داعش ، شوهت الإسلام وأساءت إلى أهله ، واستخدمت الدوائر الغربية الجوائز العالمية ، الإنسانية والأدبية والفنية والفكرية ، والسينما والإعلام والبعثات التعليمية والترجمة ومراكز البحث ومنح التفرغ الدراسية ومنظمات المجتمع المدني من أجل الضغط لمحاصرة الإحياء الإسلامي ، ووقف انتشار الحجاب تحديدا وإلصاقه بالتخلف والعبودية وسيادة القمع الاجتماعي والديني على المرأة ، ورغم كل تلك الجهود إلا أن الحجاب ـ كظاهرة اجتماعية ودينية ـ كسر هذه الموجة من الحصار والتشويه ، وحقق انتصارا كاسحا في الشرق العربي والإسلامي بكامله ، ثم تمدد إلى العواصم الغربية ذاتها ليخترقها بسهولة ويتوسع ، ليصبح ظاهرة اجتماعية عالمية لا تخطئها عين الزائر لأي مدينة أو مؤسسة ، ثم تمدد أكثر من النساء ذات الأصول المشرقية إلى نساء أوربيات وغربيات الجذور والهوية ، وهذا ما هيج كل مكبوتات التعصب في ميراث الثقافة الأوربية تجاه الإسلام وعالمه وتاريخه وحضارته وهوية مجتمعاته ، فظهرت سلوكيات وقرارات سياسية وإدارية كان يستحيل أن تتصور صدورها من قبل .

واقعة المايوه "الشرعي" الذي أطلق عليه اسم "البوركيني" مقابل المايوه العاري المعروف "البكيني" كانت محطة من محطات تلك المنازلة التاريخية بين الشرق والغرب وميدانها المرأة ومنظومة القيم الحاكمة لها ، وفكرة المايوه "البوركيني" أنه يغطي كل جسم المرأة باستثناء وجهها ، ولكنه مصنوع من مادة صناعية تكاد تلتصق بالجسم لتسهل حركة السباحة ، وهذا ما جعله غير مقبول من قطاع من المتدينين ، باعتبار أن الزي الشرعي ينبغي أن يكون فضفاضا ، غير أن انتشار "البوركيني" في الشواطئ الفرنسية أحدث حالة من الهيستريا لدى النخبة الفرنسية وقيادات سياسية وصلت إلى حد صدور قرار رسمي صارم من الحكومة الفرنسية بمنع ظهور المرأة على الشاطئ وهي تستر كامل جسمها وأنه لا بد لها من أن "تعرى" جسمها وتستخدم "البكيني" ومن تخالف هذا القرار تتعرض للعقوبة ، القرار كان "أسطوريا" في فجاجته وعنصريته واستخدامه أقصى صور القمع ضد النساء ، كذلك صدوره في فرنسا التي كانت ترمز دائما في الذهنية الغربية إلى حرية المرأة والاستنارة والحقوق الشخصية والتسامح والتعددية ، جعله أكثر إثارة ، والهلاوس وصلت بعمدة "كان" إلى القول بأن "البوركيني" يخالف القيم والأخلاق الحميدة في فرنسا !! ، وثارت ضجة كبيرة ، وتطوع رجل أعمال جزائري بدفع أي غرامات تفرضها الدولة الفرنسية على من يتم "ضبطها" تستر جسمها على الشواطئ ، وكثيرون قارنو ما تفعله فرنسا بما تفعله داعش مع النساء في مدنها التي تحكمها أو تسيطر عليها ، فهو نفس المنطق ونفس الطريقة ونفس القمع ونفس التحكم والسيطرة على النساء وحرياتهن ، فهناك أمير "الموصل" وهنا أمير "كان" ، ولا فرق .

البعض نشر صورا لراهبات غربيات على البحر وفي الماء بثيابهن الكاملة ، أشبه بالحجاب ، دون أن تثار ضجة ، بما يعني أن "رمزية" الحجاب وهوية المرأة المسلمة هي المشكلة وليس مجرد تستر المرأة ، والبعض أبدى استغرابه أن فرنسا "عاصمة النور" كانت مشغولة بثياب المرأة على البحر ، والمرأة تحديدا ، دون الرجال ، رغم وجود رجال يرتدون ثيابا ساترة أيضا بالكامل ، ونشرت صور لذلك ، بما يضيف إثارة وغرائبية أخرى على الموقف الرسمي الفرنسي ضد المرأة ، وانتشرت موجة من السخرية الواسعة بفرنسا وثقافتها وعنصريتها وقمعها للمرأة في أول محطة اختلاف ثقافي أو ديني ، تسببت الموجة في حرج شديد لفرنسا فتم تصعيد الموقف إلى قضاء مجلس الدولة هناك الذي اعتبر أن ما يحدث إساءة لفرنسا ولقيم التسامح والحقوق الأساسية للمرأة وأمر ـ بشكل عاجل ـ بتعليق قرار الحكومة الفرنسية الذي يحظر ارتداء "البوركيني" على الشواطئ .

"المرأة" ، كانت مفتاح المعركة بين الشرق والغرب طوال القرنين الماضيين ، بيد أن (ميدان) المعركة في البداية كان في حواضر العرب والمسلمين ، وفي نهايتها كان (ميدانها) في حواضر أوربا والغرب ، فرق كبير ، يلخص تحولات المعركة ويؤشر لمآلاتها .

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق