"مجاهدو خلق" .. الوجه الآخر من الحقيقة
الخميس 4 أغسطس 2016

 

 أسامة الهتيمي– كاتب مصري

 

خاص بالراصد

احتفت الكثير من البلدان العربية بشكل عام، والخليجية بشكل خاص، بمؤتمر المعارضة الإيرانية التي تقودها منظمة "مجاهدو خلق" والذي عقد يوم التاسع من يوليو من العام الجاري في العاصمة الفرنسية "باريس"، وهو الاحتفاء الذي انعكست مظاهره في شكلين تمثل أحدهما في تلك التغطية الإعلامية الواسعة التي أجرتها وسائل الإعلام العربية لهذا المؤتمر مقارنة بما كانت عليه المؤتمرات السابقة للمعارضة الإيرانية والتي لم تحظ بما حظي به مؤتمر باريس الأخير، فيما تمثل الشكل الثاني في هذه المشاركة العربية اللافتة خلال فعاليات المؤتمر حيث حضر المؤتمرَ رئيس جهاز الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير تركي الفيصل فضلا عن وفد برلماني مصري رفيع وهو الأمر الذي حمل دلالة سياسية ذات مغزى مفادها أن البلدان العربية تمتلك من الأوراق التي يمكن أن تمارس بها ضغوطا على الجمهورية الإيرانية للحد من تدخلاتها في شئون البلدان العربية كما هو الحادث في سوريا ولبنان والعراق واليمن وغيرها.

وعلى الرغم من أن بعض المراقبين والمحللين السياسيين رأى أهمية مثل هذه المشاركة التي ربما تدفع الجانب الإيراني إلى إعادة حساباته والتعاطي بشيء من الحذر مع كل ما يتعلق بالشئون العربية إلا أن آخرين رأوا أن هذه المشاركة ربما تصبّ في غير صالح المعارضة الإيرانية، ذلك أن هذه المشاركة تعطي مسوغا لدولة الملالي إلى أن تسيء إلى هذه المعارضة وتشوه سمعتها باعتبارها خائنة لإيران بدعوى أنها أعلنت وبمنتهى التبجح عن تعاونها مع بعض البلدان كالمملكة العربية السعودية التي تعادي الدولة الإيرانية ومن ثم فهي معارضة غير وطنية مضيفين أنه إن كان ولا بد من أن يكون ثمة دعم عربي لهذه المعارضة فليكن بشكل خفي لا يمنح إيران الفرصة للطعن في وطنيتها فتقيم حاجزا نفسيا فيما بينها وبين الجماهير الإيرانية التي تخضع بكل تأكيد لعمليات غسيل مخ عبر الآلة الإعلامية الإيرانية.

كما أثارت هذه المشاركة استياء الكثير من المناوئين والمعارضين للدور الإيراني في المنطقة العربية إذ رأى هؤلاء أن الأولى بهذا الدعم العربي أن يتم توجيهه إلى المقاومة العربية والمقاومة السنية في منطقة الأحواز والتي تتتفق مع نفس الرؤية السياسية العربية إزاء الكثير من الملفات غير المتوافرة بالنسبة للمعارضة الإيرانية "المجلس الوطني للمقاومة" في باريس والذي تقوده منظمة مجاهدي خلق الشيعية الفارسية في ملفات مهمة كقضية الجزر العربية المحتلة من قبل إيران.

مِن الشاة للخميني

تعرف "سازمان " منظمة مجاهدي الشعب الإيراني "مجاهدي خلق" كأكبر وأنشط حركة معارضة إيرانية إذ يمتد تاريخها إلى ما قبل الثورة الإيرانية بنحو 14 عاما حيث تأسست في العام 1965 على أيدي مثقفين إيرانيين أكاديميين كان أبرزهم ثلاثة طلاب جامعيين هم "محمد حنيف نجاد وسعيد سحكم وعلي أكبر بديع زاغيان" والذين كانوا يستهدفون من خلالها إسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي فكان لها دور كبير وبارز في قيادة المظاهرات الاحتجاجية آنذاك.

وقد تعرضت المنظمة للكثير من المحن في عهد الشاه بعد أن تبنت الكفاح المسلح ضده إذ تمكن السافاك من القبض على مؤسسي المنظمة خلال حملة مداهمة في سبتمبر من العام 1971 ليتم تقديمهم للمحاكم التي قضت بإعدامهم وتنفيذ الحكم في عام 1972 فيما تم تخفيف الحكم من الإعدام إلى المؤبد عن أحد قادة المنظمة وهو مسعود رجوي الذي بذل شقيقه كاظم رجوي المقيم في باريس وقتئذ حملة احتجاجية في أوروبا للضغط على الشاه وصرفه عن إعدام مسعود، وهي الحملة التي نجحت، وأفلَت بسببها مسعود رجوي من الإعدام غير أنه تعرض لأبشع أنواع التعذيب داخل سجنه.

ونجح مسعود رجوي في العام 1975 في إعادة تنظيم المنظمة وإحيائها بعد انهيارها وذلك بقيامه بتدوين وتعليم مواقف ومبادئ مجاهدي خلق للكثيرين من أعضاء المنظمة داخل السجن حتى تم إطلاق سراحه يوم 20 يناير عام 1979، أي بعد أسبوع من هروب الشاه من إيران بفعل انتفاضة الشعب وكان ضمن آخر السجناء السياسيين المفرج عنهم آنذاك ليتولى زعامة حركة مجاهدي الشعب الإيرانية ثم رئاسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الذي تم تأسيسه في العام 1981.

لحظة الافتراق

وعلى الرغم من الدور الكبير الذي لعبته الحركة في انتصار ثورة 1979 التي قادها الخميني إذ كانت المنظمة الأسبق في تقديم التضحيات وتأليب الشعب ضد الشاه قبل أحداث الثورة بأكثر من عشر سنوات وكان لقيادات ومؤسسي المنظمة حركتهم ونشاطهم من قبل أن تعرف الجماهير الإيرانية اسم الخميني إلا أنه لم يكد يمر شهور على اندلاع الثورة التي ساهمت المنظمة في إنجاحها بعد أن تمكن عناصرها من السيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون وحاصرت الحرس الملكي ليلة انتصارها حتى اندلع خلاف كبير فيما بين المنظمة والخميني ورجاله.

حيث تركز الخلاف حول صياغة الدستور الجديد، خاصة مسألة "ولاية الفقيه"، التي ابتدعها الخميني، فقد رأت المنظمة أن القول بهذه الولاية هو "شرعنة للديكتاتورية الدينية" وهو ما دعا الخميني وأنصاره أن يلقبوا المنظمة بـ "منافقي خلق".

وكان موقف المنظمة الرافض لولاية الفقيه السبب الرئيس في أن رفض الخميني ترشح قائدها مسعود رجوي للانتخابات الرئاسية على الرغم من أن رجوي ووفق بعض التقارير كان الأوفر حظا في الفوز بهذا المنصب.

ولم يكن هذا الرفض لترشح رجوي للانتخابات إلا بداية لفصل جديد من الصراع بين سلطة الخميني والمنظمة مع مطلع الثمانينيات، فتعرضت مكاتب المنظمة في أغلب المدن الرئيسية إلى الإغلاق من قبل الحكومة التي صادرت أيضا صحيفة المنظمة الأسبوعية "مجاهد" واعتقلت الآلاف من أعضائها فيما قدمت الكثير منهم إلى محاكمات وصفتها المنظمة بأنها غير عادلة أو نزيهة كان نتيجتها تقديمهم إلى حبل المشنقة وهو ما أثار حفيظة الرئيس الإيراني آنذاك أبو الحسن بني صدر الذي كان على صلة قوية بالمنظمة فكان نصيبه أن تمت إقالته غير أنه اضطر وفي 29 من يوليو 1981 أن يغادر، هو ومسعود رجوي، إيران متّجهين إلى فرنسا.

وظلت الأوضاع على توترها لتصل بعد عامين ونصف العام من الثورة إلى حد أن أمر الخميني شخصياً باعتقال قيادات الأحزاب ومحاكمتهم ما ألجأ المنظمة وبعض الأحزاب الأخرى مثل "بيكار الشيوعية" و"منظمة فدائيو الشعب" للكفاح المسلح كوسيلة متبقية للإطاحة بنظام الخميني.

وخلال هذه المرحلة الأولى من الصراع تمكنت المنظمة من أن تدبر الكثير من عمليات العنف التي استهدفت شخصيات إيرانية كبيرة، منها الخميني نفسه، الذي نجا من محاولة اغتيال بأعجوبة فيما نجحت في تفجير مقرّ حزب الجمهورية الإسلامية وتسبَّبوا في مقتل 82 من رجال الدين ووزراء من بينهم الدكتور بهشتي رئيس مجلس القضاء الأعلى كما فجَّروا مقرّ الرئاسة فقُتل الرئيس محمد علي رجائي إلى جانب العديد من الشخصيات الدينية والسياسية والعسكرية التي كبدت نظام الملالي خسائر فادحة.

خارج إيران

أدركت الحركة بعد فترة وجيزة من الصراع أنه ليس بإمكانها البقاء على الأرض الإيرانية فالأمور تستتب للخميني الذي لا يتوانى عن أن يفعل أي شيء من أجل تثبيت أقدامه ورجالاته في الحكم فقرر أغلب أعضاء المنظمة عام 1981 الهجرة خارج البلاد فيما استقرت قيادتها في فرنسا لتبدأ مرحلة جديدة من النشاط المعارض والمناوئ لسلطة ولاية الفقيه.

غير أن إيران الخميني لم تفتأ توجه الاتهام تلو الاتهام للمنظمة بأنها تدير عمليات "إرهابية" ضد قياداتها ومؤسساتها ما دفع فرنسا وقتئذ إلى أن تطلب من مسعود رجوي وزوجته "مريم" مغادرة البلاد ما دفعهما وبعض قيادات الحركة إلى التوجه إلى العاصمة العراقية "بغداد" عام 1986م وهو الانتقال الذي كان سببا في تحول جديد ومصيري بشأن المنظمة.

بطبيعة الحال ولأن الحرب العراقية – الإيرانية التي اندلعت عام 1980 كانت لا زالت مشتعلة فقد رحّب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين والحزب الحاكم "حزب البعث" بقدوم رجوي ومن معه إذ انصب تفكير صدام على أن يحسّن استغلال المنظمة لصالح العراق فمنح المنظمة نحو 16 معسكرا في أنحاء متفرقة من البلاد ضمت أكثر من 20 ألف عضو تابع للمنظمة.

وجهز صدام المنظمة بالسلاح والعتاد والأسلحة الثقيلة كالدبابات والمدافع وقاذفات الصواريخ ومنظمة استخبارات إضافة إلى أبنية المعسكرات وتجهيزاتها وقاعاتها وأثاثها وآلياتها من سيارات واتصالات وملابس وغيرها لتتمكن المنظمة عام 1987 من تأسيس ما عرف بـ "جيش التحرير الوطني" حيث تم تعيين مريم رجوي قائداً له.

إلا أن أوضاع المنظمة تغيرت تماما بعد سقوط العراق على يد قوات الاحتلال الأمريكي عام 2003، وتنامي النفوذ الإيراني في العراق حيث تعرض أنصار المنظمة في المعسكرات العراقية لأبشع الانتهاكات لتكون النهاية هي خروج أعضائها من العراق.

ماركسية المنظمة

الاكتفاء بالاستعراض السابق ربما يكون خير دعاية لمنظمة مجاهدي خلق لدعوة العرب والسنة إلى تقديم الدعم لها وذلك في إطار البحث عن أية أوراق يمكن أن تمثل ضغطا على الدولة الإيرانية لكن المزيد من التأمل ربما يكشف عن حقائق أخرى غائبة يمكن أن يفرض استحضارها ضرورة إعادة النظر من جديد فيما يخص الموقف من المنظمة.

وإعادة النظر هنا لا تعني التخلي التام عن المنظمة، ويتنافى مع التكتيك السياسي الذي يفترض أن يتوافر لدى العرب والسنة في معركتهم مع إيران، ولكن الهدف من ذلك هو ألاّ يضع العرب البيض كله في سلة واحدة، وأن يولوا ورقة شعب الأحواز وبقية الشعوب الإيرانية التي تعاني من تهميش في الدولة الإيرانية مساحة ذات قيمة في معركة الضغط على إيران والحد من طموحاتها التوسعية التي لا تتوقف.

ويأتي في مقدمة هذه الحقائق حقيقة الخلفية الفكرية لمجاهدي خلق والتي يعدها الكثيرون أنها حركة إسلامية شيعية يدفع إلى ذلك التزام نساء الحركة وعلى رأسهن "مريم رجوي" زعيمة الحركة ورئيسة إيران المنتخبة عام 1993 من قبل المعارضة بغطاء الرأس الذي هو إشارة على التدين فضلا عن رفع شعار "الدولة الإسلامية البديلة" هو ما لا يطابق الواقع الفكري للحركة لا على مستوى تاريخ وظروف نشأتها، ولا على مستوى الأدبيات التي قدمتها المنظمة.

فعلى مستوى التاريخ تشير أغلب الدراسات حول نشأة المنظمة إلى أن طلاب الجامعة الثلاثة الذين أسسوا المنظمة "نجاد وزادكان ومحسن" انشغلوا في عامي تأسيس الحركة "1965 – 1967" بقراءة الكتب الماركسية بهدف البحث عن تيار للكفاح وتدوين أيديولوجيا متكاملة وذلك بعد أن لفت انتباههم أن الكثير من الحركات التحررية والثورية في أمريكا الجنوبية وآسيا وإفريقيا تتبنى الماركسية والاشتراكية منهجا للنضال وتتلقى دعما قويا من الاتحاد السوفيتي والصين.

وقد مارست المنظمة الكثير من السلوكيات المتشابهة أيضا إلى حد كبير مع ما كان يمارسه اليسار في العديد من البلدان كالتفجيرات الانتحارية بل وقد شهدت كاميرات التلفاز في العالم أجمع قيام عدد من أعضاء المنظمة في بلدان الاتحاد الأوروبي بحرق أنفسهم احتجاجا على اعتقال مريم رجوي في باريس، وهو سلوك يتنافى بكل تأكيد مع القيم والمبادئ الإسلامية.

أما على مستوى الأدبيات فقد قدم منظرو الحركة "حنيف نجاد وعليمي هندوست" عددا من الكتب استلهموا خلالها النظرية الماركسية وتبنوا التفسير المادي للتاريخ والصراع الطبقي وهو ما بدا واضحا في أول مؤلفاتهم "مبارزة جيست" ومعناها بالعربية "ما هو النضال؟" ثم كتاب "شناخت" أي "المعرفة" الذي يُعد تلخيصاً لكتاب "الفلسفة المادية الديالكتيكية" لجوزيف ستالين وكتاب "أصول الفلسفة" لجورج بليستر وكذلك كتاب "أربع مقالات فلسفية" لماو تسي تونغ.

وفي أحد كتبها وهو كتاب "التكامل" عرفت المنظمة العالم بأنه مادة في حال تغيير وأن الحركة هي العقائد المادية بصدد العالم كما تقبلوا نظرية داروين وأثبتوا أنها الأصل وبناءً على ذلك صاروا يفسرون تغيير وتبدل النباتات وتطور الأسماك والطيور والزواحف وغيرها وأن القرد تطور حتى صار إنساناً.

وأشارت بعض الكتابات المحسوبة على بعض منتسبي المنظمة إلى اعتبار القرآن كتاباً يمثل مرحلة تاريخية خاصة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وكان مؤثراً في زمانه.

كما انعكس التأثير الماركسي على ظهور الكثير من المصطلحات اليسارية في كتابات قيادات المنظمة من مثل رأس المال - الطبقة البورجوازية – البروليتاريا – الانتهازية وغير ذلك من المصطلحات المستخدمة لدى اليسار.

وبالطبع، وفي محاولة لإحداث حالة اختراق فكري وسط مجتمع يفترض أنه محافظ فضلا عن الزخم الذي حظي به الخميني ومقلدوه بأطروحاتهم التي يفترض أنها هي الأخرى تدثرت بالإسلام  فقد كان لزاما على مؤسسي وقادة الحركة أن يقوموا بعملية تأصيل فكري لهذه الأطروحات الماركسية واليسارية في الفكر الإسلامي، وهو نفس ما قام به الكثير ممن تبنوا الفكر الماركسي والاشتراكي في عالمنا العربي والإسلامي، والذين اصطلح على تسميتهم بتيار "اليسار الإسلامي" وهو التيار الذي يحرص على أن يستدل في كل أطروحاته بآيات قرآنية أو أحاديث نبوية أو استشهاد بمقولات وأحداث إسلامية، غير أنه وبطبيعة الحال وكعادة أنصار كل مدرسة سياسية أو فكرية يتبع منهج الانتقاء من النصوص بما يحقق له التأصيل المطلوب.

يقول أحد الباحثين: "كانت منظمة مجاهدي خلق تنهل من قواعد فلسفية وعقائدية متناقضة لا تنتهي إلى إفضاء غائي متوازن ومقبول، فهم أرادوا الانتماء إلى الإسلام بشكل مطلق إلاّ أنهم عمليا أعلنوا انتسابهم إلى الماركسية من دون الالتزام بمعجمها الحزبي العتيد، وعلى رغم إسلاميتهم فقد كانوا يعتقدون أنهم بتخليهم عن الجانب الفلسفي من المادية الجدلية يستطيعون اتخاذ الماركسية أساسا للعمل الثوري على رغم أن الديالكتيك هو جوهر مهم في الفكر الماركسي.

 وفيما يخص الإسلام (وعلى رغم التاريخ الفقهي الطويل) رجعوا إلى الإيمان الأوّلي بحسب زعمهم لينتهوا إلى أصولية شيعية مطعمّة بماركسية – لينينية ستالينية صرفة غير متجانسة في مبانيها وقواعدها، وكانوا في الوقت نفسه يُعلنون انتماءهم الإسلامي مع المطالبة بدين مجرد من كل الأحكام القضائية والاجتهادات الفقهية مفتشين مع ذلك في هذا الإسلام الأصولي عن وسيلة للنضال السياسي في الوقت الذي كانوا يدّعون أنهم ماركسيون فيما يخص النهج الذي يجب تطبيقه، وأنها (أي الماركسية) علم قوانينه حتمية ويُمكن الاستناد إليها لتنظيم الصراعات السياسية، وكان ذلك الغموض في المباني النظرية للمنظمة أعاد إلى الذهن أزمة أصالة الأطر التنظيمية لكثير من القوى السياسية التي كانت تستعير المفاهيم والقوالب الفكرية، وكانوا إلى جانب ذلك يتظاهرون بفوقية فكرية ويحتقرون الإسلاميين الإيرانيين ويعتبرونهم اجترارا لغش فكري وذهني مُتداول"([1]).

القومية الفارسية

تنطلق رؤية الكثيرين في الحكم على مجاهدي خلق من منطلقين ثابتين:

أولهما: أن الحركة كانت ولا زالت تعارض بشدة ولاية الفقيه التي على أساسها يستبد ملالي إيران بالسلطة ويواصلون تصدير التوتر والقلاقل للمنطقة بعدوى "تصدير الثورة" التي تعني التحرر والحرية.

وثانيهما: أن المنظمة أثبت عبر تجربة إقامتها في العراق خلال فترة حكم الرئيس الراحل صدام حسين أنها بالفعل تتخذ موقفا يقترب في كثير منه مع الموقف العربي السني وأنها لا تنظر للقضايا الإيرانية – العربية بنفس نظرة ملالي طهران.

واستنادا إلى ما سبق فقد غلب على هذه الرؤية أيضا أن المنظمة ليست عنصرية وأنها ووفق ما طرحت من مبادئ تتعاطى مع كل القوميات والمذاهب على قدم المساواة غير أن الحقيقة أمر آخر إذ تؤكد الكثير من الدراسات أن المنظمة مثلها مثل الكثير من التنظيمات الإيرانية في نظرتها لغير الفارسيين حتى لو كانت معارضة لتوجهات ملالي طهران.

وفي هذا الصدد وانطلاقا من مبدأ أن أهل مكة أدرى بشعابها نستعرض ما كتبه محمود أحمد الأحوازي([2]) أحد الكتاب الأحوازيين في إيران والذي كتب يقول إن القضية الأحوازية قضية شعب ووطن وأرض محتلة، ومن هذا المنطلق على شعب الأحواز أن يواجه المحتل وأن يناضل من أجل إعادة حقوقه في الأرض والوطن والهوية والثروة وهذا هو ما يفعله اليوم لخلاص وطنه وهو يناضل على جهتين بارزتين، الأولى جبهة النظام الاحتلالي في إيران الذي يمسك بيده كل وسائل القمع وينفذ كل أساليب التفريس على شعبنا، والجهة الثانية هي كل القوى العنصرية الفارسية المعارضة للنظام، التي هي الأخرى تخالف وصولنا لحقوقنا المشروعة ومع أنها تختلف مواقفها جزئيا في رفضها لحقوقنا لكنها تستعمل كافة وسائلها المتاحة لإخفاء صوت ثورتنا وتضعيف نضالنا الأحوازي المحق لتقرير المصير".

وبعد أن يستعرض الكاتب مواقف المعارضين الواقفين بوجه الطموحات الأحوازية يتطرق بشكل أساسي إلى الحديث عن منظمة مجاهدي خلق خاصة بعدما تزايد اللغط والحديث حول علاقة المنظمة بالقضية الأحوازية.

وأكد القيادي الأحوازي أن الجبهة الديمقراطية الشعبية للشعب العربي في الأحواز لها موقف ثابت للتعامل مع كافة التنظيمات الإيرانية، حيث نتعامل مع أي تنظيم بعد اعترافه بحق الشعب العربي في تقرير مصيره، وهذا يشمل كل التنظيمات الإيرانية التي تعمل للتغيير في إيران والتي لم تتحمل حتى الآن كلها أن تناقش هذا الحق.

وعدّ القيادي الأحوازي منظمة مجاهدي خلق أحد التنظيمات التي لم تعترف حتى اللحظة بالحق العربي في الأحواز فيقول: "إن مجاهدي خلق الإيرانية تنظيم معادٍ لتطلعات شعبنا الأحوازي وأيضا لتطلعات أمتنا العربية، ومن نظرنا في الجبهة (فإنّ) مجاهدي خلق هو تنظيم إيراني لا يختلف في استراتيجيته مع أي تنظيم فارسي آخر والعداء للعرب والعروبة راسخ في أذهان قادته مع أن تنظيمهم يضم بعض الأحوازيين الشاذين عن صفوف شعبهم، ومع أن هذا التنظيم عاش في العراق لعشرات السنين وحصل على إكرام جدي منهم وحتى اليوم وهم يعانون بسبب حمايتهم لمجاهدي خلق".

ثم يكشف القيادي الأحوازي عن موقف المنظمة بوضوح مؤكدا أن مجاهدي خلق تنظيم فارسي عنصري لم يأتِ بكلمة واحدة حتى الآن عن كلمة "شعب عربي" في إيران أو في الأحواز، بل ويرفض رفضا باتا إعلان حق تقرير المصير للشعب العربي مع أنه يعرف جيدا أن هناك تنظيمات أحوازية تعمل لهذا الحق وهي قوة لا يمكن لأي تنظيم إيراني أن يستهين بقوتها ومكانتها في الشارع الأحوازي وفي تحديد مستقبل إيران.

ويضيف أنه وفي عدة مرات وفي تواصل مباشر لكن غير رسمي من مجاهدي خلق مع تنظيم الجبهة الديمقراطية الشعبية للتعاون طرحنا هذا الحق وطالبنا بالاعتراف به من قِبلهم لكنهم رفضوا الإعلان وأعلنوا أننا نعترف بشعب عربي، لكن لا نعلن ذلك أبدا.

ولفت إلى أن المنظمة في العراق رفضت أي تعاون مع الجبهة العربية لتحرير الأحواز في الجنوب ولم يبنوا أي علاقة معها مع أنهم كانوا متمتعين بإمكانيات عسكرية ولوجستية ومادية واسعة من العراق العربي وهم مطاردون من قبل النظام الإيراني هناك والعراق احتضنهم وآواهم.

وأشار القيادي الأحوازي إلى أن المنظمة اعترفت رسميا في منهاجها بحكم ذاتي لأكراد إيران لكنهم رفضوا حتى الاعتراف العلني بوجود شعب في الأحواز، وعند السؤال كان ردهم أن اعترافهم يعني قبولهم بحقوق للعرب في إيران وهذا يضرّ بمصالحهم في الشارع الإيراني الذي يحلمون به!

ويكشف القيادي بالجبهة الأحوازية عن أن العلاقة بين المنظمة والعراق لم تكن جيدة قبل انتقالهم للعراق قائلا: "لم يكونوا أصدقاء قبل لجوئهم للعراق بل وكانوا أعداء، والدليل على ذلك أنهم أول من انتقل إلى الحدود لمواجهة الجيش العراقي عندما دخل إلى البسيتين والمحمرة في الأحواز وإلى سربل ذهاب وكرمانشاه في كردستان وهم الذين أسسوا التعبئة (البسيج) لهذا الغرض، وحاربوا سنتين على الجبهات قبل أن يقمعهم النظام ويضطروا للهروب للعراق".

ويستدل القيادي العربي في الأحواز على عنصرية المنظمة أيضا بأنها لم تعلن عن رفضها لاحتلال الجزر العربية الإماراتية والتصرف الإيراني فيها وأن المنظمة تنظيم صفوي فارسي فهو يكرم "أبا لؤلؤة" – قاتل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه – فضلا عن أنهم ما زالوا يرفعون العلم الشاهنشاهي الإمبراطوري الإيراني وينشدون النشيد الشاهنشاهي.

ولا غرابة فيما طرحه القيادي العربي في الجبهة الأحوازية، فالمنظمة لا تعلن عن هذه المواقف العنصرية الفارسية بشكل فج بل وتمارس في الكثير من الأحيان تقية – مبدأ راسخ في أذهان الشيعة – لأنها كانت وربما لا زالت مضطرة لذلك كون أن العرب لا يزالون يمثلون لها أحد أسباب الدعم في مواجهة ملالي طهران الذين سقوهم المرارة وأذاقوهم أشد أنواع العذاب.

والخلاصة أن "مجاهدي خلق" ليسوا كما يتصور الكثيرون بأنهم الرهان الرابح الذي يمكن أن يندفع العرب لدعمه ومساعدته في مواجهة ملالي إيران لأنهم بذلك ربما يساعدون على استبدال طاغية بطاغية، ومن ثم فإن القائمين على السياسة العربية يجب أن يكونوا في حالة وعي وإدراك لما يجري من حولهم وأن تمتد أياديهم لمن يستحق الدعم دون إغفال ممارسة التكتيك في التعاطي مع كل ملفات المعارضة الإيرانية.

 



[2]- http://alahwazarabi.com/index.php/886/855

 أسامة الهتيمي– كاتب مصري

خاص بالراصد

احتفت الكثير من البلدان العربية بشكل عام، والخليجية بشكل خاص، بمؤتمر المعارضة الإيرانية التي تقودها منظمة "مجاهدو خلق" والذي عقد يوم التاسع من يوليو من العام الجاري في العاصمة الفرنسية "باريس"، وهو الاحتفاء الذي انعكست مظاهره في شكلين تمثل أحدهما في تلك التغطية الإعلامية الواسعة التي أجرتها وسائل الإعلام العربية لهذا المؤتمر مقارنة بما كانت عليه المؤتمرات السابقة للمعارضة الإيرانية والتي لم تحظ بما حظي به مؤتمر باريس الأخير، فيما تمثل الشكل الثاني في هذه المشاركة العربية اللافتة خلال فعاليات المؤتمر حيث حضر المؤتمرَ رئيس جهاز الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير تركي الفيصل فضلا عن وفد برلماني مصري رفيع وهو الأمر الذي حمل دلالة سياسية ذات مغزى مفادها أن البلدان العربية تمتلك من الأوراق التي يمكن أن تمارس بها ضغوطا على الجمهورية الإيرانية للحد من تدخلاتها في شئون البلدان العربية كما هو الحادث في سوريا ولبنان والعراق واليمن وغيرها.

وعلى الرغم من أن بعض المراقبين والمحللين السياسيين رأى أهمية مثل هذه المشاركة التي ربما تدفع الجانب الإيراني إلى إعادة حساباته والتعاطي بشيء من الحذر مع كل ما يتعلق بالشئون العربية إلا أن آخرين رأوا أن هذه المشاركة ربما تصبّ في غير صالح المعارضة الإيرانية، ذلك أن هذه المشاركة تعطي مسوغا لدولة الملالي إلى أن تسيء إلى هذه المعارضة وتشوه سمعتها باعتبارها خائنة لإيران بدعوى أنها أعلنت وبمنتهى التبجح عن تعاونها مع بعض البلدان كالمملكة العربية السعودية التي تعادي الدولة الإيرانية ومن ثم فهي معارضة غير وطنية مضيفين أنه إن كان ولا بد من أن يكون ثمة دعم عربي لهذه المعارضة فليكن بشكل خفي لا يمنح إيران الفرصة للطعن في وطنيتها فتقيم حاجزا نفسيا فيما بينها وبين الجماهير الإيرانية التي تخضع بكل تأكيد لعمليات غسيل مخ عبر الآلة الإعلامية الإيرانية.

كما أثارت هذه المشاركة استياء الكثير من المناوئين والمعارضين للدور الإيراني في المنطقة العربية إذ رأى هؤلاء أن الأولى بهذا الدعم العربي أن يتم توجيهه إلى المقاومة العربية والمقاومة السنية في منطقة الأحواز والتي تتتفق مع نفس الرؤية السياسية العربية إزاء الكثير من الملفات غير المتوافرة بالنسبة للمعارضة الإيرانية "المجلس الوطني للمقاومة" في باريس والذي تقوده منظمة مجاهدي خلق الشيعية الفارسية في ملفات مهمة كقضية الجزر العربية المحتلة من قبل إيران.

مِن الشاة للخميني

تعرف "سازمان " منظمة مجاهدي الشعب الإيراني "مجاهدي خلق" كأكبر وأنشط حركة معارضة إيرانية إذ يمتد تاريخها إلى ما قبل الثورة الإيرانية بنحو 14 عاما حيث تأسست في العام 1965 على أيدي مثقفين إيرانيين أكاديميين كان أبرزهم ثلاثة طلاب جامعيين هم "محمد حنيف نجاد وسعيد سحكم وعلي أكبر بديع زاغيان" والذين كانوا يستهدفون من خلالها إسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي فكان لها دور كبير وبارز في قيادة المظاهرات الاحتجاجية آنذاك.

وقد تعرضت المنظمة للكثير من المحن في عهد الشاه بعد أن تبنت الكفاح المسلح ضده إذ تمكن السافاك من القبض على مؤسسي المنظمة خلال حملة مداهمة في سبتمبر من العام 1971 ليتم تقديمهم للمحاكم التي قضت بإعدامهم وتنفيذ الحكم في عام 1972 فيما تم تخفيف الحكم من الإعدام إلى المؤبد عن أحد قادة المنظمة وهو مسعود رجوي الذي بذل شقيقه كاظم رجوي المقيم في باريس وقتئذ حملة احتجاجية في أوروبا للضغط على الشاه وصرفه عن إعدام مسعود، وهي الحملة التي نجحت، وأفلَت بسببها مسعود رجوي من الإعدام غير أنه تعرض لأبشع أنواع التعذيب داخل سجنه.

ونجح مسعود رجوي في العام 1975 في إعادة تنظيم المنظمة وإحيائها بعد انهيارها وذلك بقيامه بتدوين وتعليم مواقف ومبادئ مجاهدي خلق للكثيرين من أعضاء المنظمة داخل السجن حتى تم إطلاق سراحه يوم 20 يناير عام 1979، أي بعد أسبوع من هروب الشاه من إيران بفعل انتفاضة الشعب وكان ضمن آخر السجناء السياسيين المفرج عنهم آنذاك ليتولى زعامة حركة مجاهدي الشعب الإيرانية ثم رئاسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الذي تم تأسيسه في العام 1981.

لحظة الافتراق

وعلى الرغم من الدور الكبير الذي لعبته الحركة في انتصار ثورة 1979 التي قادها الخميني إذ كانت المنظمة الأسبق في تقديم التضحيات وتأليب الشعب ضد الشاه قبل أحداث الثورة بأكثر من عشر سنوات وكان لقيادات ومؤسسي المنظمة حركتهم ونشاطهم من قبل أن تعرف الجماهير الإيرانية اسم الخميني إلا أنه لم يكد يمر شهور على اندلاع الثورة التي ساهمت المنظمة في إنجاحها بعد أن تمكن عناصرها من السيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون وحاصرت الحرس الملكي ليلة انتصارها حتى اندلع خلاف كبير فيما بين المنظمة والخميني ورجاله.

حيث تركز الخلاف حول صياغة الدستور الجديد، خاصة مسألة "ولاية الفقيه"، التي ابتدعها الخميني، فقد رأت المنظمة أن القول بهذه الولاية هو "شرعنة للديكتاتورية الدينية" وهو ما دعا الخميني وأنصاره أن يلقبوا المنظمة بـ "منافقي خلق".

وكان موقف المنظمة الرافض لولاية الفقيه السبب الرئيس في أن رفض الخميني ترشح قائدها مسعود رجوي للانتخابات الرئاسية على الرغم من أن رجوي ووفق بعض التقارير كان الأوفر حظا في الفوز بهذا المنصب.

ولم يكن هذا الرفض لترشح رجوي للانتخابات إلا بداية لفصل جديد من الصراع بين سلطة الخميني والمنظمة مع مطلع الثمانينيات، فتعرضت مكاتب المنظمة في أغلب المدن الرئيسية إلى الإغلاق من قبل الحكومة التي صادرت أيضا صحيفة المنظمة الأسبوعية "مجاهد" واعتقلت الآلاف من أعضائها فيما قدمت الكثير منهم إلى محاكمات وصفتها المنظمة بأنها غير عادلة أو نزيهة كان نتيجتها تقديمهم إلى حبل المشنقة وهو ما أثار حفيظة الرئيس الإيراني آنذاك أبو الحسن بني صدر الذي كان على صلة قوية بالمنظمة فكان نصيبه أن تمت إقالته غير أنه اضطر وفي 29 من يوليو 1981 أن يغادر، هو ومسعود رجوي، إيران متّجهين إلى فرنسا.

وظلت الأوضاع على توترها لتصل بعد عامين ونصف العام من الثورة إلى حد أن أمر الخميني شخصياً باعتقال قيادات الأحزاب ومحاكمتهم ما ألجأ المنظمة وبعض الأحزاب الأخرى مثل "بيكار الشيوعية" و"منظمة فدائيو الشعب" للكفاح المسلح كوسيلة متبقية للإطاحة بنظام الخميني.

وخلال هذه المرحلة الأولى من الصراع تمكنت المنظمة من أن تدبر الكثير من عمليات العنف التي استهدفت شخصيات إيرانية كبيرة، منها الخميني نفسه، الذي نجا من محاولة اغتيال بأعجوبة فيما نجحت في تفجير مقرّ حزب الجمهورية الإسلامية وتسبَّبوا في مقتل 82 من رجال الدين ووزراء من بينهم الدكتور بهشتي رئيس مجلس القضاء الأعلى كما فجَّروا مقرّ الرئاسة فقُتل الرئيس محمد علي رجائي إلى جانب العديد من الشخصيات الدينية والسياسية والعسكرية التي كبدت نظام الملالي خسائر فادحة.

خارج إيران

أدركت الحركة بعد فترة وجيزة من الصراع أنه ليس بإمكانها البقاء على الأرض الإيرانية فالأمور تستتب للخميني الذي لا يتوانى عن أن يفعل أي شيء من أجل تثبيت أقدامه ورجالاته في الحكم فقرر أغلب أعضاء المنظمة عام 1981 الهجرة خارج البلاد فيما استقرت قيادتها في فرنسا لتبدأ مرحلة جديدة من النشاط المعارض والمناوئ لسلطة ولاية الفقيه.

غير أن إيران الخميني لم تفتأ توجه الاتهام تلو الاتهام للمنظمة بأنها تدير عمليات "إرهابية" ضد قياداتها ومؤسساتها ما دفع فرنسا وقتئذ إلى أن تطلب من مسعود رجوي وزوجته "مريم" مغادرة البلاد ما دفعهما وبعض قيادات الحركة إلى التوجه إلى العاصمة العراقية "بغداد" عام 1986م وهو الانتقال الذي كان سببا في تحول جديد ومصيري بشأن المنظمة.

بطبيعة الحال ولأن الحرب العراقية – الإيرانية التي اندلعت عام 1980 كانت لا زالت مشتعلة فقد رحّب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين والحزب الحاكم "حزب البعث" بقدوم رجوي ومن معه إذ انصب تفكير صدام على أن يحسّن استغلال المنظمة لصالح العراق فمنح المنظمة نحو 16 معسكرا في أنحاء متفرقة من البلاد ضمت أكثر من 20 ألف عضو تابع للمنظمة.

وجهز صدام المنظمة بالسلاح والعتاد والأسلحة الثقيلة كالدبابات والمدافع وقاذفات الصواريخ ومنظمة استخبارات إضافة إلى أبنية المعسكرات وتجهيزاتها وقاعاتها وأثاثها وآلياتها من سيارات واتصالات وملابس وغيرها لتتمكن المنظمة عام 1987 من تأسيس ما عرف بـ "جيش التحرير الوطني" حيث تم تعيين مريم رجوي قائداً له.

إلا أن أوضاع المنظمة تغيرت تماما بعد سقوط العراق على يد قوات الاحتلال الأمريكي عام 2003، وتنامي النفوذ الإيراني في العراق حيث تعرض أنصار المنظمة في المعسكرات العراقية لأبشع الانتهاكات لتكون النهاية هي خروج أعضائها من العراق.

ماركسية المنظمة

الاكتفاء بالاستعراض السابق ربما يكون خير دعاية لمنظمة مجاهدي خلق لدعوة العرب والسنة إلى تقديم الدعم لها وذلك في إطار البحث عن أية أوراق يمكن أن تمثل ضغطا على الدولة الإيرانية لكن المزيد من التأمل ربما يكشف عن حقائق أخرى غائبة يمكن أن يفرض استحضارها ضرورة إعادة النظر من جديد فيما يخص الموقف من المنظمة.

وإعادة النظر هنا لا تعني التخلي التام عن المنظمة، ويتنافى مع التكتيك السياسي الذي يفترض أن يتوافر لدى العرب والسنة في معركتهم مع إيران، ولكن الهدف من ذلك هو ألاّ يضع العرب البيض كله في سلة واحدة، وأن يولوا ورقة شعب الأحواز وبقية الشعوب الإيرانية التي تعاني من تهميش في الدولة الإيرانية مساحة ذات قيمة في معركة الضغط على إيران والحد من طموحاتها التوسعية التي لا تتوقف.

ويأتي في مقدمة هذه الحقائق حقيقة الخلفية الفكرية لمجاهدي خلق والتي يعدها الكثيرون أنها حركة إسلامية شيعية يدفع إلى ذلك التزام نساء الحركة وعلى رأسهن "مريم رجوي" زعيمة الحركة ورئيسة إيران المنتخبة عام 1993 من قبل المعارضة بغطاء الرأس الذي هو إشارة على التدين فضلا عن رفع شعار "الدولة الإسلامية البديلة" هو ما لا يطابق الواقع الفكري للحركة لا على مستوى تاريخ وظروف نشأتها، ولا على مستوى الأدبيات التي قدمتها المنظمة.

فعلى مستوى التاريخ تشير أغلب الدراسات حول نشأة المنظمة إلى أن طلاب الجامعة الثلاثة الذين أسسوا المنظمة "نجاد وزادكان ومحسن" انشغلوا في عامي تأسيس الحركة "1965 – 1967" بقراءة الكتب الماركسية بهدف البحث عن تيار للكفاح وتدوين أيديولوجيا متكاملة وذلك بعد أن لفت انتباههم أن الكثير من الحركات التحررية والثورية في أمريكا الجنوبية وآسيا وإفريقيا تتبنى الماركسية والاشتراكية منهجا للنضال وتتلقى دعما قويا من الاتحاد السوفيتي والصين.

وقد مارست المنظمة الكثير من السلوكيات المتشابهة أيضا إلى حد كبير مع ما كان يمارسه اليسار في العديد من البلدان كالتفجيرات الانتحارية بل وقد شهدت كاميرات التلفاز في العالم أجمع قيام عدد من أعضاء المنظمة في بلدان الاتحاد الأوروبي بحرق أنفسهم احتجاجا على اعتقال مريم رجوي في باريس، وهو سلوك يتنافى بكل تأكيد مع القيم والمبادئ الإسلامية.

أما على مستوى الأدبيات فقد قدم منظرو الحركة "حنيف نجاد وعليمي هندوست" عددا من الكتب استلهموا خلالها النظرية الماركسية وتبنوا التفسير المادي للتاريخ والصراع الطبقي وهو ما بدا واضحا في أول مؤلفاتهم "مبارزة جيست" ومعناها بالعربية "ما هو النضال؟" ثم كتاب "شناخت" أي "المعرفة" الذي يُعد تلخيصاً لكتاب "الفلسفة المادية الديالكتيكية" لجوزيف ستالين وكتاب "أصول الفلسفة" لجورج بليستر وكذلك كتاب "أربع مقالات فلسفية" لماو تسي تونغ.

وفي أحد كتبها وهو كتاب "التكامل" عرفت المنظمة العالم بأنه مادة في حال تغيير وأن الحركة هي العقائد المادية بصدد العالم كما تقبلوا نظرية داروين وأثبتوا أنها الأصل وبناءً على ذلك صاروا يفسرون تغيير وتبدل النباتات وتطور الأسماك والطيور والزواحف وغيرها وأن القرد تطور حتى صار إنساناً.

وأشارت بعض الكتابات المحسوبة على بعض منتسبي المنظمة إلى اعتبار القرآن كتاباً يمثل مرحلة تاريخية خاصة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وكان مؤثراً في زمانه.

كما انعكس التأثير الماركسي على ظهور الكثير من المصطلحات اليسارية في كتابات قيادات المنظمة من مثل رأس المال - الطبقة البورجوازية – البروليتاريا – الانتهازية وغير ذلك من المصطلحات المستخدمة لدى اليسار.

وبالطبع، وفي محاولة لإحداث حالة اختراق فكري وسط مجتمع يفترض أنه محافظ فضلا عن الزخم الذي حظي به الخميني ومقلدوه بأطروحاتهم التي يفترض أنها هي الأخرى تدثرت بالإسلام  فقد كان لزاما على مؤسسي وقادة الحركة أن يقوموا بعملية تأصيل فكري لهذه الأطروحات الماركسية واليسارية في الفكر الإسلامي، وهو نفس ما قام به الكثير ممن تبنوا الفكر الماركسي والاشتراكي في عالمنا العربي والإسلامي، والذين اصطلح على تسميتهم بتيار "اليسار الإسلامي" وهو التيار الذي يحرص على أن يستدل في كل أطروحاته بآيات قرآنية أو أحاديث نبوية أو استشهاد بمقولات وأحداث إسلامية، غير أنه وبطبيعة الحال وكعادة أنصار كل مدرسة سياسية أو فكرية يتبع منهج الانتقاء من النصوص بما يحقق له التأصيل المطلوب.

يقول أحد الباحثين: "كانت منظمة مجاهدي خلق تنهل من قواعد فلسفية وعقائدية متناقضة لا تنتهي إلى إفضاء غائي متوازن ومقبول، فهم أرادوا الانتماء إلى الإسلام بشكل مطلق إلاّ أنهم عمليا أعلنوا انتسابهم إلى الماركسية من دون الالتزام بمعجمها الحزبي العتيد، وعلى رغم إسلاميتهم فقد كانوا يعتقدون أنهم بتخليهم عن الجانب الفلسفي من المادية الجدلية يستطيعون اتخاذ الماركسية أساسا للعمل الثوري على رغم أن الديالكتيك هو جوهر مهم في الفكر الماركسي.

 وفيما يخص الإسلام (وعلى رغم التاريخ الفقهي الطويل) رجعوا إلى الإيمان الأوّلي بحسب زعمهم لينتهوا إلى أصولية شيعية مطعمّة بماركسية – لينينية ستالينية صرفة غير متجانسة في مبانيها وقواعدها، وكانوا في الوقت نفسه يُعلنون انتماءهم الإسلامي مع المطالبة بدين مجرد من كل الأحكام القضائية والاجتهادات الفقهية مفتشين مع ذلك في هذا الإسلام الأصولي عن وسيلة للنضال السياسي في الوقت الذي كانوا يدّعون أنهم ماركسيون فيما يخص النهج الذي يجب تطبيقه، وأنها (أي الماركسية) علم قوانينه حتمية ويُمكن الاستناد إليها لتنظيم الصراعات السياسية، وكان ذلك الغموض في المباني النظرية للمنظمة أعاد إلى الذهن أزمة أصالة الأطر التنظيمية لكثير من القوى السياسية التي كانت تستعير المفاهيم والقوالب الفكرية، وكانوا إلى جانب ذلك يتظاهرون بفوقية فكرية ويحتقرون الإسلاميين الإيرانيين ويعتبرونهم اجترارا لغش فكري وذهني مُتداول"([1]).

القومية الفارسية

تنطلق رؤية الكثيرين في الحكم على مجاهدي خلق من منطلقين ثابتين:

أولهما: أن الحركة كانت ولا زالت تعارض بشدة ولاية الفقيه التي على أساسها يستبد ملالي إيران بالسلطة ويواصلون تصدير التوتر والقلاقل للمنطقة بعدوى "تصدير الثورة" التي تعني التحرر والحرية.

وثانيهما: أن المنظمة أثبت عبر تجربة إقامتها في العراق خلال فترة حكم الرئيس الراحل صدام حسين أنها بالفعل تتخذ موقفا يقترب في كثير منه مع الموقف العربي السني وأنها لا تنظر للقضايا الإيرانية – العربية بنفس نظرة ملالي طهران.

واستنادا إلى ما سبق فقد غلب على هذه الرؤية أيضا أن المنظمة ليست عنصرية وأنها ووفق ما طرحت من مبادئ تتعاطى مع كل القوميات والمذاهب على قدم المساواة غير أن الحقيقة أمر آخر إذ تؤكد الكثير من الدراسات أن المنظمة مثلها مثل الكثير من التنظيمات الإيرانية في نظرتها لغير الفارسيين حتى لو كانت معارضة لتوجهات ملالي طهران.

وفي هذا الصدد وانطلاقا من مبدأ أن أهل مكة أدرى بشعابها نستعرض ما كتبه محمود أحمد الأحوازي([2]) أحد الكتاب الأحوازيين في إيران والذي كتب يقول إن القضية الأحوازية قضية شعب ووطن وأرض محتلة، ومن هذا المنطلق على شعب الأحواز أن يواجه المحتل وأن يناضل من أجل إعادة حقوقه في الأرض والوطن والهوية والثروة وهذا هو ما يفعله اليوم لخلاص وطنه وهو يناضل على جهتين بارزتين، الأولى جبهة النظام الاحتلالي في إيران الذي يمسك بيده كل وسائل القمع وينفذ كل أساليب التفريس على شعبنا، والجهة الثانية هي كل القوى العنصرية الفارسية المعارضة للنظام، التي هي الأخرى تخالف وصولنا لحقوقنا المشروعة ومع أنها تختلف مواقفها جزئيا في رفضها لحقوقنا لكنها تستعمل كافة وسائلها المتاحة لإخفاء صوت ثورتنا وتضعيف نضالنا الأحوازي المحق لتقرير المصير".

وبعد أن يستعرض الكاتب مواقف المعارضين الواقفين بوجه الطموحات الأحوازية يتطرق بشكل أساسي إلى الحديث عن منظمة مجاهدي خلق خاصة بعدما تزايد اللغط والحديث حول علاقة المنظمة بالقضية الأحوازية.

وأكد القيادي الأحوازي أن الجبهة الديمقراطية الشعبية للشعب العربي في الأحواز لها موقف ثابت للتعامل مع كافة التنظيمات الإيرانية، حيث نتعامل مع أي تنظيم بعد اعترافه بحق الشعب العربي في تقرير مصيره، وهذا يشمل كل التنظيمات الإيرانية التي تعمل للتغيير في إيران والتي لم تتحمل حتى الآن كلها أن تناقش هذا الحق.

وعدّ القيادي الأحوازي منظمة مجاهدي خلق أحد التنظيمات التي لم تعترف حتى اللحظة بالحق العربي في الأحواز فيقول: "إن مجاهدي خلق الإيرانية تنظيم معادٍ لتطلعات شعبنا الأحوازي وأيضا لتطلعات أمتنا العربية، ومن نظرنا في الجبهة (فإنّ) مجاهدي خلق هو تنظيم إيراني لا يختلف في استراتيجيته مع أي تنظيم فارسي آخر والعداء للعرب والعروبة راسخ في أذهان قادته مع أن تنظيمهم يضم بعض الأحوازيين الشاذين عن صفوف شعبهم، ومع أن هذا التنظيم عاش في العراق لعشرات السنين وحصل على إكرام جدي منهم وحتى اليوم وهم يعانون بسبب حمايتهم لمجاهدي خلق".

ثم يكشف القيادي الأحوازي عن موقف المنظمة بوضوح مؤكدا أن مجاهدي خلق تنظيم فارسي عنصري لم يأتِ بكلمة واحدة حتى الآن عن كلمة "شعب عربي" في إيران أو في الأحواز، بل ويرفض رفضا باتا إعلان حق تقرير المصير للشعب العربي مع أنه يعرف جيدا أن هناك تنظيمات أحوازية تعمل لهذا الحق وهي قوة لا يمكن لأي تنظيم إيراني أن يستهين بقوتها ومكانتها في الشارع الأحوازي وفي تحديد مستقبل إيران.

ويضيف أنه وفي عدة مرات وفي تواصل مباشر لكن غير رسمي من مجاهدي خلق مع تنظيم الجبهة الديمقراطية الشعبية للتعاون طرحنا هذا الحق وطالبنا بالاعتراف به من قِبلهم لكنهم رفضوا الإعلان وأعلنوا أننا نعترف بشعب عربي، لكن لا نعلن ذلك أبدا.

ولفت إلى أن المنظمة في العراق رفضت أي تعاون مع الجبهة العربية لتحرير الأحواز في الجنوب ولم يبنوا أي علاقة معها مع أنهم كانوا متمتعين بإمكانيات عسكرية ولوجستية ومادية واسعة من العراق العربي وهم مطاردون من قبل النظام الإيراني هناك والعراق احتضنهم وآواهم.

وأشار القيادي الأحوازي إلى أن المنظمة اعترفت رسميا في منهاجها بحكم ذاتي لأكراد إيران لكنهم رفضوا حتى الاعتراف العلني بوجود شعب في الأحواز، وعند السؤال كان ردهم أن اعترافهم يعني قبولهم بحقوق للعرب في إيران وهذا يضرّ بمصالحهم في الشارع الإيراني الذي يحلمون به!

ويكشف القيادي بالجبهة الأحوازية عن أن العلاقة بين المنظمة والعراق لم تكن جيدة قبل انتقالهم للعراق قائلا: "لم يكونوا أصدقاء قبل لجوئهم للعراق بل وكانوا أعداء، والدليل على ذلك أنهم أول من انتقل إلى الحدود لمواجهة الجيش العراقي عندما دخل إلى البسيتين والمحمرة في الأحواز وإلى سربل ذهاب وكرمانشاه في كردستان وهم الذين أسسوا التعبئة (البسيج) لهذا الغرض، وحاربوا سنتين على الجبهات قبل أن يقمعهم النظام ويضطروا للهروب للعراق".

ويستدل القيادي العربي في الأحواز على عنصرية المنظمة أيضا بأنها لم تعلن عن رفضها لاحتلال الجزر العربية الإماراتية والتصرف الإيراني فيها وأن المنظمة تنظيم صفوي فارسي فهو يكرم "أبا لؤلؤة" – قاتل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه – فضلا عن أنهم ما زالوا يرفعون العلم الشاهنشاهي الإمبراطوري الإيراني وينشدون النشيد الشاهنشاهي.

ولا غرابة فيما طرحه القيادي العربي في الجبهة الأحوازية، فالمنظمة لا تعلن عن هذه المواقف العنصرية الفارسية بشكل فج بل وتمارس في الكثير من الأحيان تقية – مبدأ راسخ في أذهان الشيعة – لأنها كانت وربما لا زالت مضطرة لذلك كون أن العرب لا يزالون يمثلون لها أحد أسباب الدعم في مواجهة ملالي طهران الذين سقوهم المرارة وأذاقوهم أشد أنواع العذاب.

والخلاصة أن "مجاهدي خلق" ليسوا كما يتصور الكثيرون بأنهم الرهان الرابح الذي يمكن أن يندفع العرب لدعمه ومساعدته في مواجهة ملالي إيران لأنهم بذلك ربما يساعدون على استبدال طاغية بطاغية، ومن ثم فإن القائمين على السياسة العربية يجب أن يكونوا في حالة وعي وإدراك لما يجري من حولهم وأن تمتد أياديهم لمن يستحق الدعم دون إغفال ممارسة التكتيك في التعاطي مع كل ملفات المعارضة الإيرانية.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق