المرأة والائتمان المالي .. بوابة الاستقواء المشبوه
الخميس 4 أغسطس 2016

 

 فاطمة عبد الرءوف– كاتبة مصرية

 

 

خاص بالراصد

تتميز اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة بتتبعها الكامل لأدق التفاصيل الحياتية للمرأة وذلك على كافة المستويات، وحث الدول على المساواة وعدم التمييز في هذه المجالات ومن ذلك ما نصت عليه المادة 13: (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في المجالات الأخرى للحياة الاقتصادية والاجتماعية لكي تكفل لها، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة نفس الحقوق، ولا سيما:

أ- الحق في الاستحقاقات العائلية.

ب- الحق في الحصول على القروض المصرفية والرهون العقارية وغير ذلك من أشكال الائتمان المالي.

ج- الحق في الاشتراك في الأنشطة الترويحية والألعاب الرياضية وفي جميع جوانب الحياة الثقافية).

ومصطلح الاستحقاقات العائلية مصطلح يشوبه قدر غير قليل من الغموض وهو غموض مقصود، فالمصطلحات المرنة الفضفاضة تمنح أنصار الاتفاقية مساحة لا بأس بها من المناورة حتى يصل المعنى الحقيقي للمصطلح تدريجيا للقاعدة المستهدفة، والاستحقاق العائلي المقصود به الاستحقاق المالي كالميراث، والمساواة فيه تعني أن تأخذ المرأة مثل الرجل تماما في كل حالات الميراث بما يخالف الشريعة الإسلامية التي تفضل المرأة على الرجل في حالات كثيرة في الميراث وتساويه في حالات أخرى وتفضل الأخ على أخته في الميراث([1])، وهي الحالة التي يشغب بها أنصار اتفاقية سيداو، وهذا في الحقيقة تزوير فاضح.

 ويدعي البنك الدولي أن البلدان التي لديها قوانين ميراث غير متساوية لديها أيضا أنظمة حقوق ملكية غير متكافئة، ومن ثم قامت حملات في بعض البلدان العربية لتطبيق هذه الفكرة، والدعوة للمساواة الكاملة في الميراث، وهي في الحقيقة تظلم المرأة باسم نصرتها!

وتنادي مجموعة من الحركات النسائية بهذا المطلب منذ سنوات عديدة، وقد سبق لجمعية النساء الديمقراطيات التونسية بالتعاون مع جمعيات أخرى أن وجهت عريضة بتعديل قانون الميراث بحكم أن "المرأة التونسية شريك فاعل ومباشر في مداخيل الأسرة وكل المسؤوليات الأخرى". وسبق أن نظمت الجمعية منذ فترة تظاهرة في ساحة القصبة في وسط العاصمة تونس.

وفي مايو الماضي قام مهدي بن غربية وهو نائب مستقل في البرلمان التونسي بمبادرة لجمع توقيعات بغرض وضع مشروع قانون يتيح المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، بل إن المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب، وهو منظمة استشارية أنشأتها الدولة لحماية حقوق الإنسان، طالب بتعديل القوانين لضمان المساواة بين الرجال والنساء في الإرث.

ففي تقرير له بعنوان "وضعية المساواة والمناصفة بالمغرب، صون وإعمال غايات وأهداف الدستور"، أوصى المجلس بـتعديل مدونة الأسرة (قانون الأسرة) بشكل يمنح المرأة حقوقاً متساوية مع الرجل فيما يتصل بانعقاد الزواج وفسخه وفي العلاقة مع الأطفال وكذا في مجال الإرث معتبرا أن المقتضيات القانونية غير المتكافئة المنظمة للإرث تساهم في فقر الفتيات والنساء مما أثار جدلا واسعا في الشارع المغربي الملتزم بتطبيق أحكام الشريعة في الميراث لأن ذلك  يتناقض مع الشريعة الإسلامية التي قد تساوي بين بعض الورثة وقد لا تساوي وفقا للمسئولية الملقاة على عاتق كل وارث ودرجة قرابته من المتوفى.

وعلى ذكر الاستحقاقات العائلية المتمثلة في الميراث وما يتعلق به من جانب اقتصادي فإن الوثيقة تؤكد على أهمية المساواة في الحصول على القروض المصرفية والرهون العقارية وغير ذلك من أشكال الائتمان المالي، ومن المعلوم أن الإسلام منح المرأة ذمة مالية خاصة بها ولم يمنعها من استثمار أموالها ولكن القارئ الجيد للفقرة (ب) من المادة الـ 13 سيلمح أن التسهيلات البنكية المقصودة تهدف لما هو أبعد من ذلك وهو استقواء المرأة وليس مجرد دعمها للخروج من دائرة الفقر المؤنثة، كما أن الحديث عن قروض بنكية وتسهيلات ائتمانية سيجرنا للمنظومة الكبرى التي تحتوي هذه الاتفاقية وهي المنظومة الربوية العالمية المتسببة في إفقار عالمنا العربي والإسلامي.

وفي نفس المادة المرتبطة بالاقتصاد والملكية نجد أن الفقرة (ج) التي تتحدث عن المساواة في الترفيه والرياضة والأنشطة الرياضية فما هي طبيعة الربط بين الاستقواء المالي وبين الحق في ممارسة الأنشطة الترفيهية، وهي لفظة فضفاضة أيضا فأي أنشطة ترفيهية تلك التي تمنع عنها المرأة، وهل تسامح المجتمع مع أنشطة ترفيهية محرمة للرجال لا بد أن يتبعه تسامحه مع أنشطة من نفس النوعية للنساء، وهل تطبيق ذلك في دولة كمصر هو دعم الفتيات لتدخين الشيشة بجوار الشباب في المقاهي مثلا!

الترفيه ينقسم لدينا في الإسلام لقسمين: ترفيه مباح وهو ما لا يتعارض مع أحكام الشريعة، والثاني ترفيه محرم وهو ما يكون فيه أمر حرّمه الشرع كالمراقص والحانات وشرب المخدرات وهي حرام للرجال والنساء حتى وإن تسامح المجتمع مع الرجال إلا أنه ترفيه محرم يجب منع الرجال منه، لا السماح للنساء باستخدامه!

وهناك اعتبارات أخرى فالنساء المأمورات بالحجاب لا يستطعن ممارسة أوجه من الترفيه على الملأ، فمثلا الرياضة من الترفيه المباح ولكن لا بد أن تمارسها النساء بحرية في صالات مغلقة لا يطلع عليها الرجال في حين يستطيع الرجال ممارسة الرياضة على الملأ –بشرط ستر العورة- بل وتستطيع النساء مشاهدة هذه الرياضة أو المسابقة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع السيدة عائشة رضي الله عنها عندما سمح لها بمشاهدة الأحباش وهم يلعبون في المسجد حتى ملّت هي من المشاهدة.

لكن الترفيه والرياضة من منظور السيداو مختلفان تماما، فلا بد من المساواة المطلقة فيهما بغضّ النظر عن توجيه الدين والشريعة، ولذلك في المنظور السيداوي الحجاب هو لون من ألوان  التمييز وحيث أنهم يدعون للمساواة بين عورة الرجل وعورة المرأة فقد جعلوا لباس الرياضة النسائي شبه مطابق لنظيره المخصص للرجال، والحقيقة أن الدول العربية التي لم تتحفظ على المادة الـ 13 من الاتفاقية تشرك نساءها في مسابقات الألعاب الرياضية الأولمبية وتكتفي دولة مثل اليمن بإلزام اللاعبات بارتداء غطاء للرأس، والدولة العربية الوحيدة التي لا تشارك نساؤها في هذه المسابقات هي المملكة العربية السعودية التي واجهت هجوما عاصفا كي تشارك نساؤها في مثل هذه المسابقات ووصلت هذه الضغوط  أن تشترط اللجنة الأولمبية الدولية على السعودية كي تشارك في الألعاب الأولمبية أن تقوم بإنشاء إدارة للسيدات في اللجنة الأولمبية الوطنية السعودية وتوفير التمويل اللازم للرياضات النسائية والبدء في حملة لجذب السيدات السعوديات إلى الرياضات التنافسية، وأن ترشيح سيدة للمقعد المخصص بلا تصفيات في ألعاب القوة هو شرط لمشاركة المملكة في الأولمبياد، إنهم يهددون المملكة إذا لم تشارك النساء في مسابقات الألعاب بحرمان الرجال أيضا من المسابقة الرياضية.

المرأة الريفية

تهتم السيداو اهتماما فائقا بقضايا المرأة في الريف والحقيقة إن المرأة في الريف لها مشاكل ومظالم حقيقية نابعة من بعد مجتمعاتنا عما جاء به التشريع الإسلامي بحيث تغلب العادات الجاهلية القيم الإسلامية ومن ذلك:

- ما يقوم به البعض من حرمانها من الإرث خاصة فيما يتعلق بالأراضي الزراعية والأصول عموما.

- حرمانها من التعليم أو من الحصول على قدر مرتفع منه.

- انتهاك حقوقها الزوجية بعدم منحها مسكنا خاصا بها.

- ظروف العمل المنزلية القاسية.

بالطبع ليست جميع النساء الريفيات تُنتهك حقوقهن، ولكن المؤشرات تؤكد وجود مساحة واسعة من المظالم التي تطول المرأة الريفية، المادة الـ 14 من اتفاقية السيداو والتي لم يتحفظ عليها أحد تناقش أوضاع المرأة الريفية وتنص على: (1- تضع الدول الأطراف في اعتبارها المشاكل الخاصة التي تواجهها المرأة الريفية، والأدوار الهامة التي تؤديها في توفير أسباب البقاء اقتصاديا لأسرتها، بما في ذلك عملها في قطاعات الاقتصاد غير النقدية، وتتخذ جميع التدابير المناسبة لكفالة تطبيق أحكام هذه الاتفاقية على المرأة في المناطق الريفية.

2- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في المناطق الريفية لكي تكفل لها، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة، أن تشارك في التنمية الريفية وتستفيد منها، وتكفل للريفية بوجه خاص الحق في:

(أ) المشاركة في وضع وتنفيذ التخطيط الإنمائي على جميع المستويات.

(ب) الوصول إلى تسهيلات العناية الصحية الملائمة، بما في ذلك المعلومات والنصائح والخدمات المتعلقة بتنظيم الأسرة.

(ج) الاستفادة بصورة مباشرة من برامج الضمان الاجتماعي.

(د) الحصول على جميع أنواع التدريب والتعليم الرسمي وغير الرسمي بما في ذلك ما يتصل منه بمحو الأمية الوظيفي، وكذلك التمتع خصوصا بكافة الخدمات المجتمعية والإرشادية وذلك لتحقيق زيادة كفاءتها التقنية.

(هـ) تنظيم جماعات المساعدة الذاتية والتعاونيات من أجل الحصول على فرص اقتصادية مكافئة لفرص الرجل عن طريق العمل لدى الغير أو العمل لحسابهن الخاص.

(و) المشاركة في جميع الأنشطة المجتمعية.

(ز) فرصة الحصول على الائتمانات والقروض الزراعية وتسهيلات التسويق والتكنولوجيا المناسبة والمساواة في المعاملة في مشاريع إصلاح الأراضي والإصلاح الزراعي وكذلك في مشاريع التوطين الريفي.

(ح) التمتع بظروف معيشية ملائمة ولا سيما فيما يتعلق بالإسكان والمرافق الصحية والإمداد بالكهرباء والماء والنقل والمواصلات).

هناك أربع فقرات من المادة 14 تتحدث عن المساواة الاقتصادية التي جعلتها الاتفاقية حجر الأساس لباقي صور وأشكال المساواة ولا تتأتى المساواة الاقتصادية إلا بالعمل خارج نطاق الأسرة سواء عن طريق مشروع خاص. وتحث الوثيقة صانعي القرار بتسهيل القروض البنكية والتعاملات الائتمانية لتحقيق هذا الهدف، فإن لم تتمكن المرأة الريفية من إقامة مشروعها الخاص فيكون العمل المأجور عند الغير كأن العمل داخل نطاق الأسرة هو المتسبب الرئيسي في التمييز ضدها، والحقيقة أن المجتمعات الريفية تئن تحت وطأة الفقر ففي صعيد مصر 50% من السكان يعيشون تحت خط الفقر ومن ثم يتعاون الجميع رجالا ونساءً للقيام بالأعمال داخل نطاق الأسرة لتحقيق الحد الأدنى من الحياة وليس ثمة فائض كي يحتكره الرجال.

وعقد الزواج في الشريعة ليس عقد عمل ولا يوجب الشرع على المرأة القيام بأعمال اقتصادية ولكن الظروف الاقتصادية القاسية هي التي تدفع النساء للتعاون على هذا النحو، فالنظرة الكلية لمصلحة الأسرة ككل تدفع لترشيد وتنظيم هذا العمل من خلال النهضة بعقلية الرجال وإعادة الاعتبار للجهود التي تبذلها النساء بل ومنحهن جزءا من الدخل في حال وجود فائض نقدي إلا أن يتصدقن بكامل الحرية والإرادة، ويكفي أن العمل داخل نطاق الأسرة يحقق الستر والعفاف بدلا من التحرش الذي يعد من أسوأ المشكلات التي تعانيها المرأة العاملة في كل البيئات.

المساواة الاقتصادية يتبعها المساواة في الخدمات الصحية، وعلى الرأس منها تحديد النسل أو تنظيم الأسرة كما يطلق عليها، كما سبق وأن أوضحنا في مادة سابقة.

المساواة الاقتصادية تدعم بالمشاركة خارج محيط الأسرة (المشاركة المجتمعية) وهي من عينة المصطلحات الفضفاضة التي لا ندرك بالضبط المقصود منها فهي كمصطلحات زئبقية تتمدد وتتسع.

ولعل الفقرة (ح) هي أفضل ما جاء في هذه المادة حيث الحاجة الماسة للمرأة الريفية تماما كما الرجل الريفي لظروف معيشية ملائمة ولا سيما فيما يتعلق بالإسكان والمَرافق الصحية والإمداد بالكهرباء والماء والنقل والمواصلات.

 



[1] - فصل تميز المرأة على الرجل في الميراث، د. صلاح سلطان، في كتابه "امتياز المرأة على الرجل في الميراث والنفقة".

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق