القبائل العربية الشيعية في العراق والاصطفاف مع طهران...متى ينتهي؟
الأربعاء 3 أغسطس 2016

 

مصطفى أبو عمشة – موقع لبنان 360  2/8/2016

 

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن ولاءات القبائل في العراق وخاصة القبائل ذات الطابع الشيعي التي في غالبيتها تقف وتصطف مع الجانب الإيراني، فماهي الاعتبارات التي تحتج بها هذه القبائل في اصطفافهم مع المحور الايراني والدفاع عنها وهل هي مرتبطة بالدرجة الأولى بالاستقواء بطهران ضد تنظيم داعش؟

وإلى أي حدّ يمكن التعويل على القبائل الشيعية للوقوف ضد المشروع الإيراني، في ظل تهميش طهران للوجود القبائلي وذلك لصالح الحشد الشعبي وسائر المليشيات المسلحة التي تدور حول المحور الإيراني، حيث تمّ اضعاف دور القبائل كمرجع اجتماعي لصالح هذه الميليشيات المسلحة.

النفوذ الايراني ظهر وبشكل جلي بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 وعلى وجه الخصوص في جنوبه ذو الغالبية العظمى للشيعة وذلك من خلال الدور الفعال لرجال الدين الشيعية ذو الأصول الإيرانية- الفارسية المدعومين مادياً من أجهزة المخابرات الايرانية تحت يافطة نصرة المذهب، ومن خلال التنظيمات التي نشأت في ايران وهي لا تخفي ولائها لولي الفقيه الايراني الخامنئي، التي ترعاه الأجهزة الاستخبارية الايرانية والحرس الثوري الايراني والمتمثل بما يسمى فيلق القدس.

حيث أنّ الهدف الرئيسي لدي ساسة طهران هو أن تبقى مسيطرة على الأمور في العراق ومتحكمة بكل شاردة وواردة في الشأن العراقي، سواء تمّ ذلك عن طريق الميليشيات الطائفية المتمثلة بمنظمة بدر أو الحشد الشعبي أم بالمنظمات السياسية  كحزب الدعوة و منظمة بدر والمجلس الأعلى الإسلامي والذي أسسه محمد باقر محسن الحكيم الطباطبائي، وشقيقه عبدالعزيز و ابن شيقيه الرئيس الفعلي لمجلس الأعلى عمار الحكيم وهم من أصول ايرانية كانوا يعذّبون الأسرى العراقيين في الحرب العراقية- الايرانية ويحرّضون الحرس الثوري والقادة الإيرانيين على الاستمرار في حربهم على العراق والاستمرار بقتل شباب أهل جنوب العراق حتى في انتمائهم للمذهب الشيعي وهذا إن دل على شيء فإنّما يدل على أنّ من يوالون ايران هم الشيعة الذين أصولهم فارسية، والذي أصبح الكثير منهم على هرم السلطة في العراق.

فعلى سبيل المقال نرى بأنّ جدّ عمار الحكيم قائد المجلس الأعلى ومنظمة بدر هو محسن طباطبائي التبريزي الايراني الحكيم والذي أرسله شاه إيران عام 1925 من بعد احتلال الاحواز لغرض نشر الفكر الشيعي الجديد الصفوي بين أهل جنوب العراق والذين كانوا ينتمون إلى المذهب الشيعي التقليدي، فهذه الفكرة الجديدة لم تكن سائدة بين أوساط المدارس الشيعية العربية.

زرع مرجعية شيعية فارسية داخل كل عشيرة

 وعن مثل هذا الأمر يؤكدّ المحلل السياسي عارف الكعبي في حديثه الخاص لـ "لبنان360"، بأنّ أمثال هؤلاء هم فارسيو الانتماء  ولدوا في ايران وليس لهم شأن في العراق أبدا، فبعد انهيار العثمانيين واحتلال العراق من قبل البريطانيين،  كانت نفس قاعدة اليوم تطبق على الماضي فقد أرسل شاه إيران لعشائر جنوب العراق العربية مرجعيات لكل عشيرة عراقية بالجنوب وزرع في كل عشيرة من هذه العشائر ما يسمى بسيد ايراني موسوي و شهرستاني وسيستاني وشيرازي وحكيم وجعفري وغيرهم وكان الشاه قد أرسلهم بعد احتلال الاحواز عام 1925م.

ويضيف الكعبي قائلاً :"كان 18 عالما شيعياً صفوياً من ذوي الأصول الفارسية ممن كانوا يقيمون في النجف وكربلاء ومن بينهم المرجع الشيعي ميرزا النائيني والمرجع الشيعي الصفوي أبو الحسن الأصفهاني, قد أفتوا بضرورة الخروج عن طاعة الأمير خزعل الكعبي حاكم إمارة عربستان فهو " كافر " ولا يجب على الشعب العربي الأحوازي المسلم الشيعي أن يخرج مع خزعل الكافر ضد الشاه رضا خان بهلوي "المسلم" وجاءت الفتوى مقدمة لشرعنه الاحتلال الفارسي لدولة عربية قوية".

وأثر هذه الفتوى استجابت بعض القبائل العربية العراقية والأحوازية الشيعية لهذه الفتوى وخرجت ضد أمير الأحواز الشيخ خزعل، وهذا كله يعود إلى دخول فوج ما يسمى بعلماء شيعة من بلاد فارس إلى جنوب العراق لغرض التقليد المزعوم وجلبوا معهم كل شيء منحط بأفكار صفوية ومجوسية حاقدة على العروبة والإسلام، بحسب رؤية الكعبي، حيث تدخلوا في حقوق المواطنين وهضموا حقهم بالفصل العشائري الذي يتزعمونه بالفصل حتى يحصلوا على تسفيه عقول أهل جنوب العراق ونجحو إلى حد كبير في ذلك، و ما زالوا مستمرين بتسفيه عقول أبناء العشائر العربية الأصيلة.

السيناريو الحالي التي تتعرض له العراق من تسفيه وتهميش للقبائل العربية في الجنوب العراقي، يذكّر ويشبه إلى حد كبير ما حدث في العراق في الثلاثينات من القرن المنصرم يشبه الى حد كبير سيناريو ملالي وسادة طهران في سوريا اليوم حينما تعارضت مصلحة السادة أصحاب العمائم السوداء والمجتهدين الفرس مع مصالح بريطانيا آنذاك، حيث كتبت المراجع الشيعية الثلاثة الكبار ذو النزعة الفارسية-الصفوية (الشيرازي – الأصفهاني – إسماعيل الصدر) رسالة إلى رئيس الوزراء الإيراني رضا خان والذي أصبح شاه ايران فما بعد، يحثونه على عدم توقيع اتفاقية مع بريطانيا، وطلب منهم الأخير أن يحاربوا بريطانيا على أرض العراق وبطريقتهم الخاصة وهو لم يتردد بدعمهم عبر تحريض الناس ضد الوجود البريطاني هناك من أجل بقاء مكانتهم كما كانت في إيران والعراق، ووظّف هؤلاء فكرة أنّ الدين ضد بريطانيا باعتبارها مَسيحية كافرة وباعتبارها مستعمِرة، وحركوا عواطف الشيعة لحماية المراقد مع أنّ البريطانيين لم يقتربوا من المراقد مثل ما يبررون وجودهم اليوم في سوريا بحجة دفاعهم عن مراقد أهل البيت.

ومن هنا فإنّ هذه الفكرة بحسب المحلل السياسي عارف الكعبي رافقها حلم كبير طالما راود الشيعة الفرس في العراق عقود من الزمن وهو استغلال الفراغ الناجم عن خروج العثمانيين من العراق، بقيام دولة على شاكلة دولة شاه اسماعيل الصفوي في العراق، وتمّ عقد مؤتمر في النجف للعديد من شيوخ العشائر ومراجع دين صفويين لتحقيق إنشاء حكومة على غرار ما نادى به رجال دين صفويون في ايران المؤيدون للدستورية خلال الثورة الإيرانية في 1979، وهذا ما أكدّ عليه المرجعية الشيعية محمد مهدي الخالصي الذي أشار إلى أنّ جده الشيخ مهدي الخالصي طرح على السيد علي بن الميرزا محمد حسن الشيرازي في مجلس خاص فكرة الملكية في العراق.

إضافة إلى ذلك فإنّه من المهم معرفة بأنّ عشائر جنوب العراق العربية الشيعية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وحتى عام 1980 يعني بعد الثورة الخمينية بسنة واحدة ذاب كثير منهم في أيدولوجيات الأحزاب القومية مثل البعث العراقي والعلمانية أمثال نوري سعيد واليسار مثل: الشيوعيين أمثال عبدالكريم قاسم صاحب التوجه العروبي القومي وبسبب توجهات التعليم في العراق أنداك كان المنهج التعليمي الوحيد في أوساط الشيعية في الجنوب والذي ساهم في إزالة حالة الجهل والقبول بالخرافة والبدع في مناطق الجنوب إلى حد بعيد، كما ارتبط العمل في مؤسسات الدولة العراقية بالتعليم غير الطائفي التي كانت تهيمن عليه حوزة النجف بقيادة مراجع دين صفويين فرس.

ويؤكد الكعبي بأنّ وفي ظل هذا الوضع السائد وفي تلك الفترة تحديداً كان لابدّ من سلوك التعليم المدني للوصول للوظيفة، وكان العمل في مؤسسات الدولة هدفاً لكل العراقيين حيث ساعد هذا المنهج التعليمي إلى حد كبير بقطع الطريق على منهج ما يسمي أصحاب العمائم السوداء والذين يطلق عليهم في جنوب العراق بالسادة الموسويين والحسينيين والجعفريين والشيرازيين والسيستانيين، وهنا اختفى الدور المحوري الاجتماعي لهؤلاء الصفويين السادة في صفوف أبناء العشائر العربية في جنوب العراق وأصبح النفوذ الفارسي شبه معدوم، فمنذ بداية الأربعينات من القرن المنصرم غابت غيمة مراجع الشيعة الفرس من سماء جنوب العراق، وأصبح أبناء العشائر العربية الشيعية بعد حصولهم على تعليم مدني ثقافي عروبي ووطني منخرطين في أحزاب علمانية وليبرالية وشيوعية وقومية ويحملون أفكاراً غير طائفية وأصبح الوطن فوق جميع الاعتبارات لدى هؤلاء الشباب.

ثورة الخميني أدت لتحوّل رئيسي

 ومع ظهور ثورة الخميني عام 1979 ومن ثمّ الحرب العراقية- الإيرانية التي استمرت لثماني سنوات ما بين 1980-1988 توسعت دائرة المفهوم الطائفي في صفوف بعض القبائل في جنوب العراق، حيث احتضنت إيران فصيلين من الشيعية العرب وبقيادة فارسية مثل: حزب الدعوة والمجلس الأعلى الإسلامي واستخدمتها في مشروعها الطائفي المتمثل في تصدير الثورة الصفوية إلى دول الجوار العربي فقط، وفي أثناء حربها على العراق استمرت بمنهجها الطائفي الذي غلب عليه الطابع الفارسي- العربي أكثر من الطابع السُني- الشيعي واستمر هذا النهج حتى آخر يوم من الحرب الايرانية-العراقية.

و بعد انتهاء الحرب أصبحت هناك أرضية خصبة للنعرات الطائفية في صفوف بعض أبناء العشائر العربية العراقية في جنوب العراق وبتغذية ايرانية مستمرة إلى يومنا هذا، في ظل سكون وغفلة تمامة من العرب الذين لم ينتبهوا للزحف الأسود القادم من بلاد فارس، وبالتالي تخلت غالبية أبناء الشعب العربي الأصيل في جنوب العراق عن التعليم المدني بمباركة فارسية وبتزكية من المراجع الدينية الشيعية الفارسية في النجف، ورموا بأنفسهم في أحضان أصحاب العمائم السوداء الفرس المقيمين في النجف ومن ثمّ ولي الفقيه الصفوي في طهران على الأوضاع في العراق.

وهذا ما يؤكدّه انتخابات 2005 وانتخابات 2010 في العراق، حيث اصطف غالبية أبناء العشائر العربية الشيعية خلف التيارات الطائفية الشيعية مثل: حزب الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري، أما القائمة الوطنية العراقية بقيادة الشيعي العلماني إياد علاوي التي كانت تمثل التوجه الوطني العروبي من الشيعة والسنة فلم تحصل على دعم من قبل الشيعة إلا بالنسبة 10%، الأمر الذي يدل على أنّ السواد الأعظم من أبناء عشائر جنوب العراق العربية لا يستطيعون التخلص من العقدة الشيعية وسلوك مسلك الأقلية بحسب ما أكد عليه المحلل السياسي عارف الكعبي، الأمر الذي يقرّبهم إلى إيران في الوقت الراهن وسيستمر هذا الوضع حتى انهيار نظام الملالي الصفوين في طهران.

ومن هنا فإنّ شيعة العراق وتحديداً القبائل الشيعية في الجنوب العراقي تحتاج إلى صدر عربي دافئ يستوعبهم ويأخذ بأيديهم من المطامع الفارسية-الصفوية، ويؤدي إلى تحيدهم على الأقل من الاصطفاف والارتماء نحو أحضان طهران والأحزاب الدينية الشيعية التابعة لها كحزب الدعوة والمجلس الأعلى، الأمر يشكل تحدياً صعباً للدول العربية التي بات من الضروري أن تتحرك لإنقاذ العشائر والقبائل العربية في العراق وفي جنوبها على وجه الخصوص من الاصطفاف والانجرار نحو الخندق الإيراني لزعزعة واختراق أمن المنطقة لصالح المدّ الإيراني-الصفوي.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق