التشيع ليس مسألة كمية!
الأربعاء 3 أغسطس 2016

 

 بوزيدي يحيى– كاتب جزائري

 

 

خاص بالراصد

يصرّ بعض الفاعلين في المجال السياسي على التقليل من أهمية خطر التشيع على الدول المغاربية، والجزائر من بينها، انطلاقا من أن أعداد المتشيعين قليلة جدا؛ ولا يمكن أن تشكل خطرا على المجتمع؛ وأن هذه الحالات الفردية يجب أن لا ننجر وراءها لاختلاق مشكلة لا أساس واقعيا لها.

ومع الإقرار بأن أعداد المتشيعين تبقى بسيطة مقارنة بحجم المجتمع الجزائري؛ كما أن تضخيمها يصب عن غير قصد في مصلحة المتشيعين، الذين يضخمون أعدادهم من أجل شرعنة وجودهم كأقلية، إلا أن هذا ليس مبررا للتهوين من الخطر؛ خاصة وأن مَن يقارب الموضوع من هذه الزاوية قياداتٌ محسوبة على الحركة الإسلامية، فضلا عن أن هذه القضية لا توزن فقط من خلال المقاربة الكمية وإلا نتج عن ذلك قراءة تنمّ عن خلل في فهم المشكلات السياسية والاجتماعية التي يفترض أن حلها منوط بتلك القيادات. ولتفنيد هذا المدخل الكمّي في فهم "خطر التشيع" سنناقشه في المحاور التالية:

 

التشيع من منظور اجتماعي: ظاهرة محتملة

لم يشهد تاريخ البشرية ولادة حركة اجتماعية أو دينية بصورة مكتملة من وهلتها الأولى؛ فجميعها تمر بمراحل عديدة تبدأ بفكرة تأتي بها شخصية ما، سواء كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية، تنشر مجموعة من المبادئ والأهداف، وتكون الاستجابة لها متفاوتة لاعتبارات ذاتية تتعلق بطبيعة تلك الأفكار؛ والكاريزما التي تتمتع بها تلك الشخصية، وأخرى تتعلق بالبيئة التي تنشأ فيها تلك الحركة، حيث يتوقف انتشارها على مدى ارتباط المجتمع بها.

وبالنسبة لحالة التشيع في الجزائر، فإن الآراء التي هوّنت منها كانت مبكرة جدا؛ فمنذ الوهلة الأولى لطرح الموضوع على طاولة النقاش السياسي والاجتماعي بادر هؤلاء إلى نفي وجودها كظاهرة واحتمالات أن تتمدد في المجتمع، وأنها ستبقى في إطار الحالات الفردية الشاذة التي لا يقاس عليها، ومن الخطأ الجسيم، تأسيسا على ذلك، جعلها مبررا للعداوة مع إيران التي تقدم خدمات جليلة للقضايا الإسلامية في مواجهة أعداء الأمة.

وبالتالي يظهر أن هذا التصور لا يعدو أن يكون أحكاما مسبقة غير مؤسسة على منطلقات موضوعية، إذ يُلزم إدراك الموضوع وفهمه على الوجه الصحيح الرجوع إلى أهل الاختصاص الذين يمتلكون الأدوات العلمية لتناوله والخروج بنتائج أقرب لوصف الموضوع وتفسيره والتنبؤ بمستقبله.

ويُغفل مَن يركز على الجانب الكمي في موضوع التشيع وينفي ارتقاءه إلى مستوى الظاهرة الاجتماعية، أن السياق الاجتماعي في تناوله يتطلب الأخذ بعين الاعتبار مؤشرات أخرى تجعل منه ظاهرة محتملة على المستويين المتوسط والبعيد إذا لم تتخذ الإجراءات القانونية والسياسية والاجتماعية والدينية اللازمة لاحتوائها. فهناك العديد من خصائص الظاهرة الاجتماعية تتوفر في التشيع، كوجود مجموعة من الأفراد يتبنون أفكارا محددة يسعون إلى نشرها، ولهم إطار مؤسساتي يجمعهم، وقيادة توجههم، ويبقى فقط حجم الانتشار الذي يتوزع على نطاق جغرافي واسع، ولا ينحصر في منطقة صغيرة؛ وإن كان بشكل قليل جدا إلا أنه قد يتطور مستقبلا؛ وذلك لخصوصية الظواهر الاجتماعية التي يصعب التنبؤ بها، نظرا لتعقيد الذات البشرية وكيفية تأثير مختلف العوامل فيها.

ويمكن وصف التشيع بشكله الحالي بالمشكلة المجتمعية، إذ يهدف إلى تغيير القيم السائدة في المجتمع، وأنتج ردود أفعال سلبية ما زالت محصورة في العنف اللفظي، لكن لا يوجد أي ضمان لعدم انتقالها إلى عنف جسدي كما يحصل في دول أخرى.

وحين يضاف إلى البعد الاجتماعي البعد الديني تصبح المسألة أكثر تعقيدا، نظرا لخصوصيات الظاهرة الدينية؛ وانعكاساتها على أتباعها، فالقداسة التي تحيط بالمعتقدات التي يتبناها أفراد الجماعة تجعلهم أكثر استعدادا للتمسك بها ونشرها والتضحية بأنفسهم من أجلها، كما أنها تصبح حركة أكثر تماسكا، وبالتالي قدرة على الاستمرارية، وهو ما يظهر في بعض المؤشرات التي سنتناولها في المحور التالي.

 

منحى تصاعدي واستمرارية:

تحيل فكرة العدد القليل أيضا إلى أن التشيع يبقى حالة عابرة سرعان ما تزول نظرا لعدم وجود بيئة مناسبة لاستمرارها وانتشارها مما سيؤدي إلى اضمحلالها، واختبار هذا التصور يدفع لطرح سؤال جوهري عن التشيع في بداياته ومآلاته الحالية. فقبل ثلاثة عقود فقط لم يكن هناك أثر للتشيع في الجزائر باستثناءات محدودة جدا، لنشهد منذ الثورة الإيرانية في 1979 بدايات تشيع سياسي انتقل بسرعة إلى تبني المعتقدات الدينية الشيعية، وبدأ يسير في منحى تصاعدي، من حالات فردية متناثرة إلى تجمعات صغيرة في شكل أسر، وبينما كان تلقي المعتقدات خارجيا؛ أصبح داخليا من خلال دعاة متشيعين، وتطور حتى أضحت تقام اليوم في مدن جزائرية، وفي أماكن عديدة طقوسٌ شيعية.

ومع كل حدث سياسي لصالح إيران كانت تزداد حركة الدعوة إلى التشيع كما حصل في محطة 2006 مع حزب الله، على سبيل المثال لا الحصر. وتراجع التشيع في الفترة الأخيرة نتيجة لسياسات إيران في المنطقة لا يعكس "صوابية" الطرح الذي كان يهوّن من خطر انتشار التشيع، ولا يدل على رؤية بعيدة المدى بدليل أنه لم يكن يتوقع أبدا أن يقوم حزب الله بما يفعله الآن في سوريا والعراق، والتحولات إذن هي نتيجة سياق خارجي، وبافتراض إزاحة الانتفاضات الشعبية في المنطقة العربية من مسار الأحداث، وما ترتب عنها من تحولات فإن أصحاب وجهة النظر هذه كانوا سيواصلون نفس الخطاب في التقليل من أهمية خطر التشيع واتهام من يثيره بالطائفية، وهذا يكشف عن مأزق خطير تعيشه هذه النخب التي لا تمتلك أي رؤية استشرافية، وتتعامل مع الأوضاع بما يمكن للملاحظ العادي اكتشافه؛ بل أكثر من ذلك، مارست الكثير من التضليل للرأي العام من خلال خطابها التبسيطي للموضوع.

وفي هذا السياق يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن مسألة انتشار التشيع ترتبط بمعضلة السريّة التي تحيط به خاصة مع وجود أصل ديني (التقية) يزيدها غموضا،-وهي ميكانيزم (آليّة) يمنحه على سبيل المثال القدرة على التكيف مع المستجدات، وهذا ما يلاحظ في نشاط المتشيعين، حيث لما تشتد الحملات الإعلامية ضدهم يتراجعون بشكل كبير ولما تهدأ يعاودون نشاطهم، فلطالما أنكر المتشيعون وجود حسينيات سرية في الجزائر، واستنكر غيرهم ذلك متسائلين عن أماكنها؛ حتى قدموا بأنفسهم دليلا ماديا عليها بنشرهم فيديوهات لإحداها في مدينة وهران، وهذه السلوكيات مخالفة للقانون يفترض معاقبة ومحاسبة من يقوم بها. فهل يمكن اعتبار تجمع أكثر من مئة شخص ينحدرون من ولايات مختلفة لربما؛ في مكان يصطلحون عليه حسب عقيدتهم "حسينية" ويؤدون فيه منذ سنوات طويلة طقوسا تختلف كليّة عن معتقدات مجتمعهم، ويسعون لنشر تلك المعتقدات في مجتمعهم حسب ما تتيحه الظروف، هل يمكن اعتبار كل هذا حالة فردية معزولة لا تشكل أي خطر على المجتمع الجزائري؟

والأمر نفسه ينطبق على عددهم الذي لا نود المبالغة فيه كما سبق الإشارة، ولكن هذا لا ينفي انتشارهم – وإن بأعداد محدودة- في كل ولايات الوطن، إذ تنشر دوريا تقارير صحفية عن أنشطتهم المتنوعة هنا وهناك، والتي لا زال ينظر إليها كسلوكيات فردية معزولة، ولكن لو أخذت بشكل كلي وتم رصدها جميعا – دون الحديث عن الأنشطة التي لا يتناولها الإعلام- فإنه يتضح مدى انتشارها، فلا تكاد تخلو جامعة من أنشطة المتشيعين، وتواترت الأخبار عن أنشطتهم في بعض المساجد، والجمعيات والأحزاب السياسية، فضلا عن نشاطهم المستمر في مواقع التواصل الاجتماعي. ونخشى أن نصحو يوما على أحياء شيعية بالكامل وقد بدأت إرهاصات ذلك تظهر من اقتران بعض الأحياء في مدن جزائرية بالشيعة.

 

الذاتية والتوجيه:

يحيل مبدأ "العدد" في معالجة موضوع التشيع أيضا إلى "العفوية" و"الانعزالية"؛ وبذلك فإنه يحدث قطيعة بين الاجتماعي والديني والسياسي، رغم عديد الأدلة التي تكشف ذلك الترابط بين الأبعاد الثلاثة، وخطورة هذا الفصل تكمن في استبعاد الدور السياسي في الانتقال بالظاهرة من الفردية والانعزالية إلى الترابط والانتشار من جهة، ومن جهة أخرى الاستثمار فيها رغم محدوديتها في تنفيذ أجندة سياسية، وهذا ما يتضح من أنشطة المتشيعين الإعلامية التي تعمل على تبرير سياسات إيران في المنطقة، والمساهمة في شيطنة خصومها.

فحسب هذا التصور فإنّ جلّ حالات التشيع فردية ومعزولة هنا وهناك، ولا يمكن بذلك أن تشكل خطرا على المجتمع، وهو هنا يغفل و/أو يتغافل عن حقيقة أن الواقع أبعد بكثير من هذه النظرة السطحية، فكل المتشيعين يشيرون عند عرض تجارب "استبصارهم"  -كما يعبّر عنها شيعيا- إلى تأثرهم بشيعة من المشرق العربي الذين احتكوا بهم في الجامعات وغيرها من الفضاءات، وبعد تشيعهم يبذلون الكثير من الجهود في سبيل الدعوة إلى نشر معتقدهم الجديد؛ وهكذا تتوسع الحلقة تدريجيا لتصبح ظاهرة، والدعوة إلى التشيع ليست عفوية، ومداخلها مدروسة بعناية والمرجعيات الشيعية في دروسها، ومحاضراتها، ومواقعها الإلكترونية لا تنفكّ عن الحديث عن أنشطة لها ولطلابها في دول مختلفة لنشر التشيع وافتتاح مراكز تبشير دينية، ومدارس ومستشفيات لهذا الغرض.

وحجم النشاط وأشكاله تختلف حسب ما تسمح به الدولة المستهدفة، وكلما أتيحت مجالات لنشر التشيع إلا واستثمرت فيها هذه المراكز معتمدة على أتباعها في تلك الدول، وعلاقة المتشيعين بالعلماء الشيعة عضوية يخضع فيها المتشيع إلى توجيهاتهم المتعلقة بالجانب الطقوسي والسلوك الاجتماعي والسياسي. فبخصوص العلاقة بالمرجعيات الشيعية، قال أحد المتشيعين سابقا بأن الأمر سهل، فبالإضافة إلى الأسفار، والحسينيات المقامة هنا، بعدة منازل أو قاعات الحفلات، يتم اختيار العناصر ذات الولاء الشيعي، لتتم البيعة مع المرجعية الشيعية في إيران عن طريق سكايب، ليتم توطيد العلاقة بعدها بلقاءات مباشرة مع قيادات شيعية، بالجزائر أو خارجها بطريقة سرية، تعرف عند أهل الشيعة بالتقية([1]).

والتوجيه الخارجي صرح به وزير الشؤون الدينية محمد عيسى حين حذر من مخطط عالمي يريد تفريق الجزائريين بسبب انتماءاتهم، قائلا: "الأفكار التي تصل الجزائر وراءها دوائر مخابرات عالمية"، مشيرا إلى مخططات أجنبية تقف وراء الفتنة المذهبية في الجنوب، وفي غرداية التي عَرفت أعمال عنف طيلة أشهر بسبب صراع المذاهب([2]). واعتبر في تصريح آخر أن "ظاهرة التشيع بالجزائر هي محاولة لإدخال سياسة توسعية واستخباراتية في نشر الأفكار بالجزائر([3]).

وجاءت لاحقا مبادرة السفارة العراقية التي أعلنت عن تسهيلات للمتشيعين لزيارة المدن العراقية؛ وهو ما اعتبره الوزير نفسه تدخلا في الشؤون الداخلية للجزائر. كما رفض تلبية دعوة السفير الإيراني، رضا عامري، لحضور الإفطار السنوي بمناسبة فعالية “يوم القدس العالمي” التي شاركت فيها شخصيات دبلوماسية وسياسية وثقافية محلية. و“تغيب الوزير عيسى عن الفعالية الإيرانية، يأتي بالتزامن مع تغير خطابه مع أطراف أظهرت تدخلا في المرجعية الدينية للجزائريين بعد اتهامه علنًا وبشكل غير مسبوق للسفير العراقي لدى بلاده عبد الرحمن حامد الحسيني بالقيام بمساعٍ للتشييع”.وفُهم موقف وزير الأوقاف الجزائري من رفض حضور مأدبة الإفطار السنوي بسفارة طهران، على أنه ربما تعبير عن انزعاجه من “دور إيراني” في الخطوة التي بادرت إليها مؤخرًا سفارة بغداد حين أعلنت عن تسهيلات استثنائية لتمكين الجزائريين من السفر إلى مقدسات دينية بينها مزارات شيعية بالعراق([4]).

والموقف الجزائري من السياسات الإيرانية في نشر التشيع ليس الوحيد، بل ربما هو آخرها، فقد توترت علاقات إيران مع العديد من الدول على خلفية نشر التشيع كالسودان، والمملكة المغربية، وماليزيا التي جرّمت الدعوة إلى التشيع، كما أن تقريرا للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول التشيع في إفريقيا قدم حقائق مدعومة بالصور والأسماء للنشاط الشيعي في القارة السمراء، وبيّن حجم انتشاره في كل دولها، والتفاوت الذي رصده لا ينفي حقيقة أن السفارات الإيرانية، بالتعاون مع الشيعة العرب، تقف وراء أنشطة نشر التشيع، وهي تابعة لدولة واحدة وسياسة خارجية واحدة؛ بقيادة واحدة؛ وبالتالي فإن تلك الأنشطة دليل كاف على ما تقوم به السفارة الإيرانية في الجزائر، أو على الأقل ما تحاول أن تقوم به كلما سمحت لها الظروف بذلك([5]).

والمؤسسات الشيعية في إيران والمشرق العربي لم ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام التحولات الجارية وتسعى لتدارك انعكاساتها السلبية على حركة الدعوة للتشيع التي ازدهرت في العقود الثلاثة الماضية. وذلك التناغم بين الأذرع الإعلامية والسياسية الشيعية حول مختلف القضايا، وتوجيه الخطاب نحو المجتمعات السنية دون غيرها، يكشف بما لا يدع أي مجال للشك حقيقة المشروع الشيعي، ويكفي لكل لبيب استهداف الشيعة لأطفال السنة من خلال الفضائيات الموجهة لهذه الفئة كإشارة لطبيعة الأهداف وحقيقة التقريب المراد([6]).

وهذا المؤشر عند استبعاده في فهم آليات عمل التشيع سيؤدي إلى نتائج خاطئة حتما. والقيادات السياسية تدرك حقيقة هذا الوضع بحكم موقعها السياسي الذي يمكنها من التواصل مع مختلف الفاعلين. ولكن للأسف نجد إسلاميين جزائريين لا يلتفتون إليها.

هاجس الكاريزما ... أمثلة من الحاضر والماضي

من جانب آخر فإن جل الحركات الاجتماعية والدينية بشكل خاص ترتبط بقيادات كاريزمية، والخميني من بينها، إذ استطاع من خلال نشاطه في معارضة الشاه وأشرطة الكاسيت لمحاضراته التي كانت توزع في إيران إنجاح ثورة 1979؛ ومن ثمة أصبح ملهما لقيادات الحركات الإسلامية بشقيها السني والشيعي، والنفوذ الذي حققته إيران في المنطقة يعود في جزء كبير منه لتأثيراته تلك، كما أن النشاط الشيعي استند لاحقا على قيادات كاريزمية كحسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، الذي شكل ظهيرا إعلاميا قويا غطى على السياسات الإيرانية في المنطقة.

 والأمر نفسه ينطبق على بدر الدين الحوثي، الذي بعد اعتناقه ولاية الفقيه ونشرها في اليمن، أصبحت حركته (الحوثية) تؤرق الدولة اليمنية، وتسببت في حروب متتالية ما زالت نيران آخرها مشتعلة. وفي المنطقة المغاربية يعد محمد التيجاني التونسي الشخصية الكاريزمية المؤثرة على حركة التشيع في المنطقة؛ وكُتبه من الأساسيات المعتمدة في تلقين العقائد الجديدة للمتشيعين.

كما أنه على المستوى المحلي في الجزائر يعد المدخل الكاريزمي من المداخل الأساسية لنشر التشيع، خاصة على مستوى الجامعات والمتوسطات والثانويات، حيث يمثل الأساتذة القدوة والشخصية المؤثرة على تلامذتهم، ولطالما يحدد التلميذ مستقبله بناء على الصورة التي يرسمها على أستاذه. وتسعى الحوزات الشيعية إلى صناعة مرجعيات محلية وتصديرها لدولها لتنفيذ مشروعها، وهذا ما نراه في العديد من الدول الإفريقية، وحتى في المنطقة المغاربية، حيث تقدم عبر وسائل الإعلام الشيعية شخصيات مغاربية لمخاطبة المجتمعات بأبناء بيئتهم كإدريس هاني بالمملكة المغربية، وهذا البعد المحوري في تشكل الظواهر الاجتماعية يجب الانتباه له واحتواء أي حالة محتملة لتجنب تجارب تاريخية سابقة.

بالعودة لبعض النماذج من التاريخ يتأكد تهافت مقاربة مثل هذه الأخطار من زاوية عددية، لعل أهمها ما تشهده سوريا اليوم، التي يشكل البعد الطائفي أحد أهم أسباب استدامة الأزمة وانتشارها وتعقيدها، نظرا لارتكاز النظام السياسي على أتباع طائفته، الذين يستميتون في الدفاع عنه، هذه الطائفة (أي النصيرية) لم تكن قبل أحد عشر قرنا سوى رجل منشق عن الطائفة الشيعية "أبو شعيب محمد بن نصير البصري النميري" زعم أنه البابُ إلى الإمام الحسن العسكري، وأنه وارثُ علمه، والحجة والمرجع للشيعة من بعده، وأن صفة المرجعية والبابية بقيت معه بعد غيبة الإمام المهدي.

 قدم هذا النميري إلى سوريا واستطاع تشكيل أقلية كان لها العديد من المحطات في تاريخ سورية، أبرزها في العصر الحديث بتأسيس دولة خاصة بهم من طرف الاحتلال الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي ثم تسللهم للتجمعات الوطنية في سوريا، واشتداد نفوذهم في الحكم السوري منذ 1965م بواجهة سُنية ثم قيام تجمع القوى التقدمية من الشيوعيين والقوميين والبعثيين بحركته الثورية في 12 مارس 1971م، وتولى العلويون رئاسة الجمهورية بقيادة حافظ الأسد ثم ابنه بشار([7]). هذا الأخير الذي يحرق سوريا منذ خمس سنوات بدعم دولي أهمّه من القوى الشيعية ممثلة في إيران والتنظيمات الشيعية الأخرى؛ وعاد مجددا سيناريو "الدولة العلوية" كخيار أخير لهذه الطائفة في حال سقوط النظام.

ما يهم من هذا العرض الموجز هو التساؤل عن موقف النخب الدينية والسياسية التي عايشت مؤسس هذه الفرقة وموقفها منه؛ لا شك أن البعض منها لم يُعر له اهتماما كبيرا كونه جاء من خارج بلاد الشام، ولا يمثل إلا فئة قليلة جدا وبأفكار شاذة لن تلقى أي قبول؛ فمن يصدّق رجلا يدعي النبوة والرسالة، ويغالي في حق الأئمة وينسبهم إلى مقام الألوهية([8]). ولكن الحركة الاجتماعية لا تساير هذا الفهم، ولها نواميسها الخاصة التي تستدعي استحضار كل السيناريوهات المحتملة وترجيح الأسوأ مع المشكلات الاجتماعية لتجنب أكبر قدر من آثارها السلبية.

الخلاصة:

تنتظر النخب التي تقارب التشيع كميا انطلاقا من "العدد" أو "الحجم" أن تصحو على واقع اجتماعي ينتشر فيه المتشيعون في جغرافية البلد، ويجهرون بأنشطتهم، وحسينياتهم تلطم على مرمى حجر من مقراتهم؛ يومها فقط يقرون بالتشيع وخطره، ولكن من سيهتم حينها لآرائهم ومن يلتفت لمن ينبه من خطر أصبح ماثلا أمامه؟

ولا شك أن هذا فهم خاطئ للمشكلات الاجتماعية لا يختلف عن مقاربتهم للقضايا السياسية حين كانوا يتهمون من ينبّه من خطر التشيع بممارسة الطائفية؛ ويضربون المثل بدور حزب الله المقاوم مع حماس وتجاوزه ثنائية السنة والشيعة، ليكتشفوا مع الثورة السورية حقيقته، وتوارى ذلك الخطاب الوحدوي، وراحوا ينتقدون الحزب على استحياء، ولكنهم في الوقت نفسه واصلوا خطابهم التهويني من خطر التشيع. وبدل غضهم الطرف جملة وتفصيلا عن الموضوع فإنهم يوجهون بشكل مستمر انتقاداتهم لمن يثيره ولا يلتفتون مطلقا إلى الطرف الآخر وحقيقة الأهداف الشيعية، ومرادها من نشر التشيع.

تكفي نظرة على استهداف النشطاء الشيعة للجالية المغاربية في الدول الغربية، والحركة الكبيرة لنشر التشيع في إفريقيا والمؤسسات الظاهرة للعيان في الكثير من الدول الإفريقية برعاية إيرانية وشيعية لمعرفة مستوى وطبيعة تلك العلاقة التي تعلن عليها وسائل الإعلام الشيعية نفسها. والتي تؤكد أن هناك إرادة سياسية ودينية خارجية تسعى لنشر التشيع في الجزائر، وتصوغ استراتيجية لذلك، وتسخّر موارد مادية لتحقيق الأهداف المسطرة، وأن تحركها يبقى مرهونا بالمساحة التي يسمح لها بالنشاط فيها، وكلما وجدت فرصا أكبر فإنها ستستثمرها بكل قوة.

كما يتضح أن هناك دورا اجتماعيا وسياسيا للمتشيعين، يتمثل الأول في إحداث تصدعات بدأت معالمها تظهر فيما يتناقل إعلاميا بين الفينة والأخرى عن خلافات تنشب في بعض المساجد ترتبط في أحد أبعادها بالتشيع كما حصل في باتنة ووهران ومعسكر، أو داخل المدارس وجمعيات المجتمع المدني مثل الكشافة الإسلامية. أما الدور السياسي فيظهر من الأنشطة التي يقوم بها المتشيعون عبر مختلف وسائل الإعلام في المنافحة عن المواقف الإيرانية والدفاع عن سياساتها وتبريرها، وأيضا في الحملات التي تقام ضد الأصوات الرافضة لها، وهذا الدور يظهر بشكل أكبر في مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي المحصلة الأخيرة يمكن القول إن هذه النخب لا تدرك أن التحذير من التشيع يأتي في سياق "الوقاية خير من العلاج"، وفي إطار تحصين الأمن الهوياتي، بالتنبيه على ضرورة عدم فسح المجال لهذا المشروع، لتحصين المرجعية الوطنية الذي يبقى مطلبا يجتمع حوله كل الفاعلين في الحقلين السياسي والديني؛ ولا ضير أن يكون التشيع أحد التهديدات المحتملة التي يجب أخذها بعين الاعتبار في هذه الاستراتيجية، وبالتالي فإن التشغيب الذي يمارسه هؤلاء على المحذرين من خطر التشيع يعيق الجهود الرامية لحماية المرجعية الوطنية بشكل غير مباشر. ويكفي على الأقل الصمت وعدم التشويش على من يفعل ذلك، بدل مهاجمته وتسخيف جهوده، وفي الوقت نفسه تطييب خاطر الإيرانيين والشيعة.

 



([1])800  عائلة من تبسة تشيعت وتمارس طقوسها في السرّ، الشروق الجزائرية، 2014/07/19، على الرابط:

http://www.echoroukonline.com/ara/articles/210993.html

([2]) زهية رافع، جمعيات ثقافية ورياضيــة تروّج للتشيـــّع في الجزائـــر، البلاد الجزائرية، 10/02/2015، على الرابط:

http://www.elbilad.net/article/detail?id=31601

([4]) جلال مناد، أزمة التشيع” مع العراق تلقي بظلالها على العلاقات الجزائرية الإيرانية، إرم نيوز، 03/07/2016، على الرابط:  http://www.eremnews.com/news/world/518717

 

([5]) لتفاصيل أكثر، انظر: التشيع في إفريقيا، بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، ط 1، 2011.

([6]) كنموذج على محتوى قناة طه واستراتيجيتها في نشر التشيع بين السنة وترسيخه عند الشيعة، انظر: الهيثم زعفان، التشيع الناعم: قناة طه للأطفال نموذجًا، مفكرة الإسلام، 10/09/2012، على الرابط:

 http://islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2012/09/10/155462.html

([7]) الندوة العالمية للشباب الإسلامي، النصيرية، موقع صيد الفوائد، على الرابط:

 http://www.saaid.net/feraq/mthahb/35.htm

([8]) المرجع نفسه.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق