أمن روسيا: الدلالات الجيوسياسية للصراع داخل الكنيسة الأرثوذكسية
الأحد 3 يوليو 2016

 ترجمة وتحرير فتحي التريكي - الخليج الجديد 19/6/2016

 

في وقت سابق من هذا الأسبوع، قالت بطريركية موسكو، التي تمثل قيادة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، إنها لن تشارك في الاجتماع القادم لمجلس عموم الأرثوذكسية.

جاء ذلك بعد أن قررت الكنائس الأرثوذكسية في بلغاريا، سوريا، وجورجيا وصربيا (حتى الآن) عدم الحضور.

وأقر البرلمان الأوكراني قرارا يطلب من رئيس الأساقفة الحالي والبطريرك المسكوني إعلان استقلال الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية عن الكنيسة الروسية.

ويأتي انسحاب الكنيسة الأرثوذكسية الروسية من هذا الاجتماع محملا بالدلالات بخصوص علاقة روسيا مع دول المنطقة العازلة التاريخية.

ويتعلق الأمر أيضا بالعلاقة بين الدين والدولة في عالم لم يعد فيه الإيمان أو الإمبراطوريات تمثل أركانا أساسيا وإنما حلت محلهما الدولة القومية.

اليوم، هناك تحالف بين الحكومة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية الروسية. ويواصل الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» توظيف الكنيسة في للمساعدة في توحيد روسيا ولممارسة النفوذ الروسي في البلدان المسيحية الأرثوذكسية الأخرى.

هذه العلاقة الوثيقة تمثل عودة للتحالف التاريخي. وبشكل عام مثل القرن العشرين فترة وخيمة في العلاقات بين روسيا وكنيستها الأرثوذكسية.

ارتبطت الكنيسة بشكل كبير بحكم القياصرة الروس، حيث تمتعت بالعديد من الفوائد والامتيازات نتيجة لذلك.

خلال الثورة الروسية، دعمت الكنيسة وأنصارها الجيش الأبيض ضد البلاشفة الشيوعيين. وفعلوا ذلك بدافع الخوف من نظرة الشيوعيين إلى الدين.

كتب «لينين» في عام 1905 يقول: «الدين هو نوع من الجن الروحي يقوم عباد المال بدفن إنسانيتهم فيه وتجاهل أي مطالب للحياة الكريمة».

بعد غزو «هتلر» للاتحاد السوفيتي، أزال «ستالين» العديد من القيود المفروضة على الكنيسة من أجل حشد المتدينين الروس في الحرب ضد ألمانيا النازية.

ولكن في عام 1959، شن «نيكيتا خروشوف» الحملة ضد الكنيسة مرة أخرى، وظلت واقعة تحت تضييق كبير حتى انهيار الاتحاد السوفييتي.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدأت الكنيسة تزداد أهمية ويرجع ذلك جزئيا إلى سعي الناس للبحث عن المعنى في أعقاب انهيار الأيدولوجية الحاكمة، كما يرجع في الجزء الآخر منه إلى رغبة حكام البلد في استخدام الكنيسة كوسيلة نفعية لإبقاء البلد موحدا وقويا.

واستخدم «بوتين» تحالفه مع البطريرك «كيريل» في موسكو لبسط النفوذ الروسي إلى ما وراء روسيا.

وتتكون الكنيسة الأرثوذكسية الروسية من أجزاء مختلفة. وتتمتع الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية بسيطرة ذاتية على شؤونها ولكنها لا تزال تمثل فرعا من الكنيسة الروسية.

الكنيسة الأرثوذكسية البيلاروسية، على الرغم من مطالباتها الأخيرة بالمزيد من الاستقلال، لا تزال بطريركية تابعة للكنيسة الروسية.

الكنائس المتمتعة بالحكم الذاتي في كل من أستونيا، لاتفيا، ومولدوفا، وكذلك المناطق الحضرية في كازاخستان وآسيا الوسطى، تعتبر جميعها جزءا من الكنيسة الروسية.

ومع ذلك، فإن الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية ليست متراصة. وألقت التوترات المستمرة في المنطقة منذ قرون عديدة بانعكاساتها على الانقسامات بين الكنائس الأرثوذكسية المختلفة. وكان من المقرر أن يكون اجتماع المجلس مطلع الأسبوع الحالي هو الأول الذي يضم جميع الكنائس الأرثوذكسية منذ أكثر من ألف عام، وبالتحديد منذ عام 787م.

كان واحدا من العديد من الأسباب التي أدت إلى الانقسام بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية في عام 1054 هو الخلاف حول دور البابا. تعرف الكنائس الأرثوذكسية رئيس أساقفة القسطنطينية بأنه «الأول بين متساوين»، يتم صناعة القرار الكنسي بشكل إقليمي ويعتبر جميع الأساقفة متساوون إلى حد كبير.

الحروب الدينية

ليس من الصدفة إذا أن الكنيسة الأرثوذكسية الصربية والكنيسة الأرثوذكسية البلغارية قد انضمتا إلى روسيا في رفض حضور المجلس. هذه الكنائس لديها علاقات وثيقة تاريخيا بالكنيسة الروسية. يعود هذا التقارب إلى جذور مضت عندما كانت صربيا وبلغاريا تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، وكان جزءا من استراتيجية الإمبراطورية الروسية يكمن في العمل على دعم الجماعات السلافية الأرثوذكسية التي كانت تعيش ضمن حدود الإمبراطوريات العثمانية والنمساوية المجرية.

خلال الحرب الروسية التركية بين عامي 1877 و1878، خاضت القوات الروسية قتالا ضد العثمانيين، وكانت النتيجة في النهاية هي استقلال صربيا في عام 1882 تلتها بلغاريا في عام 1908. كانت الكنيسة الروسية تساعد في بناء واستعادة الكنائس في البلدان التي يتم انتزاعها من أيدي العثمانيين.

الكنائس الأرثوذكسية الأخرى ليست بالضرورة على مقربة من الكنيسة الروسية. قاتلت رومانيا إلى جانب روسيا في تلك الحرب، وحصلت على الاعتراف باستقلالها في عام 1879 ولكن الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية تمتعت بهوية دينية فريدة حتى مع وقوعها تحت الحكم العثماني، وهي تنظر إلى مسيحيتها باعتبارها تعود إلى عهد الإمبراطورية البيزنطية. الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية هي بدورها كيان خاص بعيد عن النفوذ الروسي. بعض الكنائس الأرثوذكسية تعطي احتراما خاصا لكبير أساقفة القسطنطينية (إسطنبول) بالنظر إلى المكانة الخاصة التي يتمتع بها.

ولكن من ناحية أخرى، فإن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية تنظر إلى كبير أساقفة القسطنطينية على أنه مجرد شخص يتبعه قطيع لا يتجاوز عددهم 180 ألف شخص يعيشون في إسطنبول، مقارنة بحوالي 100 مليون من المسيحيين الأرثوذكس الروس. وكان مجلس الأساقفة الروس قد قام بتنصيب زعيمه الخاص في عام 1448 دون الحصول على موافقة من القسطنطينية، التي سقطت في يد العثمانيين بعد 5 أعوام في عام 1453. ظلت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية تعمل وفق هذه الاستقلالية بينما يسيطر عليها حس كونها الوريث الشرعي لسقوط العاصمة الشرعية للأرثوذكس قبل 6 قرون. جزء من نفوذ الكنيسة الروسية يرجع إلى حقيقة كونها تمثل أكثر من 100 مليون شخص، أو أقل قليلا من 40% من جميع المسيحيين الأرثوذكس في العالم.

وأدت عودة ظهور روسيا إلى دائرة الأضواء من جديد إلى تجدد هذه الديناميات المنسية منذ زمن طويل. تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية هو تاريخ طويل ومعقد ومليء بالانشقاقات والجدالات الفقهية. ولكن في حين أن تلك الخلافات غالبا ما تكون لاهوتية، فإنها تمثل أيضا انقسامات سياسية حقيقية يمكن أن تؤثر في مجريات السياسة الحالية. الكنيسة الأرثوذكسية الروسية هي أداة محتملة قوية لروسيا يمكن أن تستخدمها لتأسيس الشرعية وتوليد التعاطف في العديد من المناطق.

الدين والجعرافيا

هذا يقودنا إلى الأهمية الأكثر تجريدا للخلاف داخل الكنيسة الأرثوذكسية. الدين والجغرافيا السياسية ليسا منفصلين. الدين بقدر ما هو جزء من الجغرافيا السياسية وكذلك الشؤون العسكرية والاقتصاد. ولكن أهمية الدين قد تضاءلت منذ الرقن الـ19 مع ظهور القومية في جميع أنحاء أوروبا، قبل أن تعيد تشكيل العالم بأكمله.

القومية هي التي تحكم اليوم، ولكن دور الدين في التنظيم السياسي لم يصبح بعد من إرث الماضي. لا نحتاج للنظر إلى ما هو أبعد من «الدولة الإسلامية» من أجل أن نلتقط الدليل. في الشرق الأوسط، فإن مزيجا من خيبة الأمل من الطغاة الذين ترعاهم الإمبريالية الغربية، إضافة إلى فشل القومية العربية والاشتراكية، وغياب الفرص الحقيقية يقود نحو العودة إلى الدين باعتباره مصدرا للمعنى في العالم. الإسلام هو الشيء الوحيد الذي كان قادرا في أي وقت مضى على توحيد الشرق الأوسط.

نحن لا نفكر في كثير من الأحيان في أوروبا وفق نفس الشروط لأننا نرى أنها قد منحتنا النهضة والتنوير والثورة العلمية. ولكن العالم العربي كان أيضا يوما منارا للحياة الفكرية في العالم. حين يتعلق الأمر بالجغرافيا السياسية فإنه لاشيء يمكن أن يبقى ثابتا.

الدين في أوروبا

تجمع الخريطة الموضحة بين الحدود الوطنية والعقائد الدينية. هناك بعض الملاحظات التي تسترعي الانتباه على الفور. لقد قمنا برسم خط في روسيا يمثل المنطقة التي لا يمكن لروسيا خلفها أن تتحمل أي تهديد لأمنها القومي. المناطق الأرثوذكسية وراء هذا الخط هي المنطقة العازلة التاريخية التي تسعى روسيا إلى استعادة نفوذها فيها.

البلقان هي خليط، ليس فقط من الجنسيات ولكن أيضا من الديانات. وهي تمثل المنطقة الفاصلة ما بين تركيا وأوروبا، وما بين المسيحية والإسلام. أوروبا الغربية كاثوليكية إلى حد كبير ولكن ألمانيا، كما كانت دائما، تقع في قلب القارة الأوربية وهي ليست تماما مثل بقية جيرانها. عبر مختلف القنوات والبحار، فإن البريطانيين والإسكندنافيين لديهم معتقداتهم الخاصة بهم.

أكثر ما يلفت الانتباه هو أن أوروبا الشرقية والغربية تنقسمان عن طريق الدين. يمكن للمرء أن يجادل أن ذات الانشقاق بين الشرق والغرب هو الانشقاق الذي فصل يوما بين الكاثوليك والأرثوذكس عام 1054.

مرت الأيام التي كان خلالها الباباوات أو البطاركة يتوجون كأباطرة ويقومون بإعلان الحروب الصليبية أو أي حروب أخرى، ويتحكمون في المصير الجيوسياسي لأوروبا. ولكن في بعض الأحيان فإن أشباح التاريخ تلعب دورا في تشكيل الحاضر. لم يعد الروس يملكون القدرة على السيطرة على هذه الأماكن بالقوة. ولكن على الرغم من هذا الضعف النسبي، فإنه لا يزال لديهم العديد من الأدوات تحت تصرفهم. والكنيسة هي واحدة من هذه الأدوات.

قيام الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بإعلان انسحابها من اجتماع المجلس المقرر للعالم الأرثوذكس يخبرنا بالكثير حول علاقات روسيا مع جوارها العازل. كما أنه يوفر أيضا فرصة للتفكير مرة أخرى في الوقت الذي كان فيه الدين، أكثر من أي كيان سياسي أو أيدولوجية أخرى، هو الطريقة الأكثر فعالية لتنظيم البشر إلى مجموعات أكبر من عائلة واحدة أو قبيلة. ورغم أن الدين لا يحمل نفس النوع من السلطة اليوم في أوروبا، فإن ميراث القرون الماضية يبقى حاضرا بقوة في صراعات اليوم. تحدث «نيتشه» عن موت الإله، ولكن هذا لا يعني أن هذا الاعتقاد لا يمكن إعادة إحيائه اليوم.

المصدر | جيوبوليتيكال فيوتشرز

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق