المشروع الإيراني الأمريكي المشترك لحكم العرب: ديموقراطيات طائفية تنتج ديكتاتورية الأقلية
الأحد 3 يوليو 2016

 

 طلعت رميح– كاتب مصري

 

خاص بالراصد

مثّل الغزو الأمريكي لأفغانستان ثم العراق، عنوانا لتدشين التحالف الأمريكي الإيراني فى العلن لأول مرة. وقتها كان ظاهرا أننا أمام توافق مصلحي مؤقت لأجل إزاحة نظم الحكم المعادية لأمريكا وإيران، أو أن إيران قدمت خدماتها لأمريكا لإسقاط نظم تعاديها على حدودها (عدو عدوي صديقي). غير أن الأمر انقلب من بعد ليظهر ملامح تحالف استراتيجي على تقاسم النفوذ والدور والمصالح بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، وعلى طريقة إدارة الصراعات داخل الدول والمجتمعات العربية والإسلامية.

ومن بعد –كذلك- بات مؤكدا أن التحالف هو حلف استراتيجي مستقبلي كامل الأركان، لإعادة تشكيل الدول العربية الإسلامية، وتحديد أنماط حكم ما يبقى منها –بعد الانتهاء من تدمير قدراتها- لتحقيق هيمنة وسيطرة كلا البلدين على السنة عبر عملائهما، وفق مشروع جديد شامل للتغيير في المنطقة.

وهنا تبدو "قضية الديموقراطية" –والعلمانية تحديدا- أحد أهم أسس المشروع الأمريكي، الذي يقوم على رؤية واضحة ومحددة قد تغيرت، ففكرة الديموقراطية وجوهرها من آلية لحكم الشعب حسب أغلبية المصوتين، تحولت إلى أداة مشتركة للتعاون –أو الصراع أيضا- بين الموالين للطرفين الأمريكي والإيراني داخل الدول الإسلامية في مواجهة الحكومات، وإلى أداة لإسقاط الحكومات ولتفكيك المجتمعات وإعادة إنتاج نظم حكم تقوم على تنصيب ديكتاتورية الأقليات أو حتى للصراع بين هؤلاء الموالين، والأصل في هذه الديموقراطية المصنعة في معامل الولايات المتحدة وعبر المفاوضات الأمريكية الإيرانية، هو أنها ديموقراطية تقوم على امتلاك السلاح للمجموعات الشيعية وكافة الأقليات وعلى دعم مجموعات ليبرالية موالية للغرب بالسلاح (كقوى ومجموعات ميلشياوية أو كجيوش حسب كل حالة).

وهنا جاء الاتفاق على العلمانية كنمط وقالب فكري قادر على ضمان حرية حركة عملاء الولايات المتحدة وعلى فتح مساحات محددة للتعايش بين العلمانيين والمعممين –على الأقل في تلك المرحلة- فضلا عن أنه المشروع الثقافي الموحد لجهودهما في تغيير النمط العقائدي والثقافي والقيمي في المجتمعات.

لقد تفاهم الطرفان الأمريكي والإيراني على أمور كثيرة، قبل بداية نزول القوات الأمريكية على أفغانستان والعراق، أو لِنقل إنهم دشنوا تحالفا كبيرا ظهر في البداية وكأنه توافق مصالح ضد حكم طالبان في أفغانستان، وحكم صدام حسين في العراق، لإسقاط الدولة والنظام في البلدين.

هذا ما ساد الاعتقاد بشأنه وقتها، لكن الأمر اتضح أكثر في العراق وأفغانستان من بعد، إذ صارت ملامحه تنبئ بتوافق وتحالف على حكم البلدين بعد احتلالهما عبر عملاء كانوا مدربين جاهزين لأداء هذا الدور، ففي العراق لم يكتفِ الطرفان بالتوافق على إخراج الجيش العراقي من ساحة مواجهة إيران والكيان الصهيوني دفعة واحدة.

وفي أفغانستان لم ينتهِ الأمر كذلك بإخراج حركة طالبان من المواجهة مع إيران ومن مواجهة المحتل الأمريكي، بل امتد الأمر إلى تشكيل حكم وآليات سيطرة مشتركة. اتضح أن التحالف الأمريكي الإيراني لم يجرِ ولم يستهدف طالبان، بل أفغانستان، ولم يستهدف صدام، بل العراق، وأن الأمريكان والإيرانيين توافقا على حكم البلدين، إذ جرى تشكل الحكم الجديد في العراق وأفغانستان على أساس سيطرة القوى والمجموعات الموالية أو العميلة لأمريكا وإيران حتى صرنا أمام حكم احتلال مزودوج للعراق وأفغانستان.

ومن بعد، ووفقا لتطورات مثل هذا النمط البغيض من حكم المحتلين الإيراني والأمريكي لأفغانستان والعراق، بدأ الجميع يتابع نمطا من مشروع أكبر، وظهر أن الدولتين في موضع التحالف للحرب الشاملة على السنه. وأنهما اعتمدا سويا الإطار الاستراتيجي لعملية تفكيك هائلة لعموم الدول العربية والإسلامية –السنية- وفق آليات مراوغة أهم أسسها تحويل الديموقراطية إلى أداة تفكيك للمجتمعات وإعادة إنتاج دول وحدود جديدة على أسس عرقية وطائفية تخضع كل منها لأحد الطرفين، وهو ما ظهر في الممارسة العملية مع اشتداد الصراعات وانفلاتها لتعم الإقليم. وفي مرحلة لاحقة، صار بند العلمانية هو المعطى في كل المفاوضات الجارية لإقرار قيام نظم حكم في الدول التي شهدت تجربة التدمير الأمريكي الإيراني الممنهج المشترك.

كان البعض قد تصور أن طرح الولايات المتحدة شعارات الديموقراطية قبل الربيع العربي ولاحقا مع تفاعل هذا الربيع، يمكن أن يكون مقدمة يمكن الإمساك بها لتطوير أوضاع الحكم والمجتمعات في المنطقه، لكن الأحداث أظهرت أن المتحالفين الأمريكي والإيراني – ومِن خلفهم روسيا وحكومات أوروبا- أصحاب فهم واحد لتلك الديموقراطية، وأنهم ينظرون إليها كأداة لإعادة إنتاج الديكتاتوريات– لوأد ثورات وتحركات الربيع العربى-ولمنع السنة من حكم أنفسهم وأنها ديموقراطية على مقاس القوى الموالية للولايات المتحدة والمجموعات الموالية لإيران من جهه أخرى. وبالدقة هي ادوات تعطيل إرادة الأغلبية وتحقيق الهيمنة للقوى الموالية للطرفين الوحيدين المتفقين على تلك الديموقراطية منذ بداية احتلال العراق وأفغانستان.

وهنا تأتي ضرورة العودة لمحاولة الفهم، لمدى العمق النظري للتحالف الأمريكي الإيراني في المنطقة، فنحن لسنا أمام تحالف مصلحي –وقتي- بين الولايات المتحدة وإيران لتمكين حلفائهم داخل المجتمعات العربية من الوصول للحكم وإحكام السيطرة على أجهزة الدول فقط، بل نحن أمام توافق على أسس نمط محدد من الديموقراطية المستهدفة منع الأغلبية من السيطرة على الحكم بديلا لنظم الحكم التي تهالكت، وأداة تجميل عمليات الإبادة لتلك الأغلبية وغطاء لتغيير توزعها الجغرافي. ونحن أمام علمانية تحقق النمط الأخطر من أنماط التغيير الديني العقائدي والفكري والقيمي والثقافي.

لبنان: شلّ البلاد بأدوات الديموقراطية

كان لبنان معمل اختبار كبيرا لما يجري دراسته وإعداده أو طبخه في معامل ثم أروقة السياسات والمفاوضات الأمريكية الإيرانية، ليكون نموذجا عاما يجري التوافق على تعميمه في المنطقة.

كان لبنان معمل تجارب لصياغات المفاهيم ولمدى الالتزام بالتوافقات التي يتم التوصل إليها، ولاختبار توازنات القوى وردود الأفعال للطرفين ومن يواليهم في الاقليم، وللأطراف المستهدفة أيضا –بعموم التمثيل السني أيا كان موقعه داخل المجتمعات-وقد جاءت ردود الفعل جميعها داعمة للتوافق الأمريكي الإيراني –بظهور دقة التزام الطرفين بالتوافقات وتنفيذها حرفيا، وبضعف ردود فعل الدول والمجتمعات والقوى والجماعات وكلها من الطرف السني.

ففي لبنان حزب شيعي مسلح، وهو مشارك في اللعبة الديموقراطية الأقرب إلى العلمانية في المنطقة، أو يتغطى بها وهو شكل تحالفا واسعا حوله، وهو على الصعيد الإقليمي يمثل أقوى وأهم نقاط ارتكاز إيران في الإقليم باعتباره الأشد تنظيما وصاحب السبق في الفعل الاستعماري الايراني في الإقليم، كما هو حزب يمكن المراهنه على حمله مثل هذا المشروع وإنجازه في الإقليم بحكم ما لاقاه من غطاء شعبي بحكم المعارك مع إسرائيل.

طالب الأمريكان بنزع سلاحه في البداية –كعملية اختبارية وصراعية- وانتهى الأمر إلى صمت أمريكي على تدخل هذا الحزب بالسلاح ضد السنة في لبنان والإقليم، وبانتهاء استخدام إيران له كورقة صراع مع الولايات المتحدة عبر إسرائيل، بما حدد معادلة لبنان الطائفية وعلى صعيد البناء التعددي الذي كرس آليات الانتخاباب بالتعددية الطائفية المحمية بقوة السلاح. وأصبح نصر الله حاكما للبنان فعليا أو على الأرض، لأسباب وبطرق متعددة، فهو حاكم ومتحكم في لبنان إذا منحته الانتخابات – هو وتحالفه- أغلبية برلمانية، وهو حاكم حتى لو حصل خصومه على الأغلبية، عبر تعطيل عمل الأغلبية الأخرى إن حكمت هي عبر ما سمي بالأقلية المعطلة، وهو حزب يمنحه انفراده بامتلاك السلاح القدرة على فرض ما يريد وعلى مواجهة أي خطر على وجوده أو حلفائه. فصار الحزب هو المهيمن على جهاز الدولة عبر اختراقات عميقه، إلا قليلا.

عطل نصر الله آليات الانتخاب ومنع انتخاب رئيس للبنان، وعطل الحكومات الواحدة تلو الاخرى، فلم يعد يسير شيء فى لبنان إلا إذا وافق نصر الله أو بالأحرى إيران.

هذا النموذج كان الأهم أو كان قاعدة الأساس للتجربة التي ستعم الإقليم، إذ بدأ الحزب وتثبت حين لم يكن التفاوض وخطوط التواصل معلنة بين إيران والولايات المتحدة، وهو حزب خاض صراعا باسم إيران بوضوح ودون مواربة، وحين انتهى الأمر بين الولايات المتحدة وإيران إلى التفاوض العلني والاتفاق الاستراتيجي، كان هو حصان الرهان الذي نشر معالم الحركة الإيرانية في الإقليم تحت عين وبصر القوات الأمريكية، وهنا كانت أخطر الدلالات على ذلك أن لاحظ الجميع ذهاب نصر الله إلى العراق مبكرا جدا، دون أن يعمل ضد القوات الأمريكية، حتى يمكننا القول بأن حركة الحزب ونشاطه وتطورها كانت هي أهم معطى ومؤشر على تطور المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة.

كان نشاط الحزب في العراق – طبيعته وحدوده– أهم مؤشر على طبيعة التحولات الجارية في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، وكان أول إشارة استراتيجية على ازدواجية حالة نصر الله وميلشياته وكان إعلانا بالموافقة الأمريكية على تمدد دور الحزب في الإقليم، وهو ما جرى من بعد –دون اعتراض أمريكي أو إسرائيلي أو حتى مساهمة أمريكية لملاحقة نشاطه- إذ جرى نشر أعماله العسكرية وتوسعتها في سوريا واليمن بل في دول كان يظن أنها حليفة للأمريكان ولا مقايضة عليها مع إيران كدول الخليج.

هنا ظهرت طبيعة التوافقات الأمريكية الإيرانية وطبيعة الطرف السني الذي يجري التحالف ضده، والأهم أن تجربة نصر الله كشفت النقاب عن أرضية الاتفاق على نمط الحكم المتفق عليه بين الطرفين وآلياته "الديموقراطية"، إذ قدم نصر الله النموذج الأعلى حدة لفكرة الديموقراطية الغطاء أو الديموقراطية التى تنتج ديكتاتورية الأقلية الطائفية، ومدى ارتباط حالة الديموقراطية بوضعية امتلاك السلاح على حساب الدولة. وتلك هي مفردات الحالة التي رأيناها تنتشر وتتوسع من بعد في عموم الإقليم.

العراق: ديموقراطية السيطرة الطائفية بالسلاح

وجاء أمر العراق جاهزا منذ البداية. كانت قد جرت تجربة لبنان وحددت طبائع خطط التحالف الأمريكي الإيراني، ولذا دخل الأمريكان العراق على خلفية مواجهة السني، إذ ضمن الاتفاق والتحالف مع إيران، عزل قطاعات من العراقيين عن مواجهة المحتل.

وكانت البداية أن منعت إيران صدور رد فعل شيعي على الاحتلال، ووفت أمريكا بوعودها وتعهداتها من بعد، إذ أخرجت الجيش العراقي من مواجهة إيران، كما هي لم تسقط الحكم بل أسقطت الدولة العراقية، ليجري البناء الأمريكي الإيراني القائم على توافقات مسبقة دون معوقات.

هنا بدأ الإدراك العربي بطبيعة التحالف أو الحلف الأمريكي الإيراني، وبالدقة بدأت ملامح الوعي العربي في التبلور بمدى عمق التوافقات ووصولها حد التحالف، وقد تطور الوعي لاحقا ليدرك العرب أن هذا التحالف مؤسس للمضي والاستمرار لمرحلة طويلة، إذ هو حدد أسسا لحكم الشعوب العربية التي يجري احتلالها، وليس تحالفا لمرحلة مؤقتة.

كانت البداية بتشكيل مجلس حكم انتقالي ضم مختلف القابلين بالاحتلال الأمريكي والتوافق الأمريكي الإيراني، ودارت الدورة ليكتشف الجميع أن الشعارات الأمريكية حول الديموقراطية ليست إلا نمطا من أنماط تمكين القادمين مع إيران ونفوذها بالسلاح من جهة وبالمجموعات الأمريكية من جهة أخرى. واكتشف الجميع أن الأمريكان عمموا تجربة لبنان على العراق، فحددوا للكرد الرئاسة وللشيعة رئاسة الحكومة (ولها كل الصلاحيات التنفيذية) وللسنه المتعاونين مع الاحتلال رئاسة البرلمان، والأهم أن صار للميلشيات الايرانية حق السيطرة الكاملة على الأرض.

وهكذا تواصلت حياة العراق حتى اكتشف الجميع أن التوافق والتحالف الأمريكي الإيراني واسع وعميق، وأنه شامل لحالة التطهير الديني وتغيير التركيبة السكانية والإبادة الحضارية للمدن والمجتمعات السنية، وكل ذلك تحت عنوان الديموقراطية التوافقية تلك التي ظهر أنها مقيدة بقيود إيرانية وأمريكية، وهو ما ظهر جليا حين نجحت قائمة إياد علاوى وصارت مؤهلة لحكم العراق، فتدخلت إيران والولايات المتحدة لتمنح نوري المالكي مقعد رئاسة الوزراء.

سوريا: التحالف الحرج وديموقراطية السفاح

انتهى أمر العراق إلى تشكيل نموذج متوسع للحالة اللبنانية على أكثر من مستوى، والأهم أنه أنتج تعميقا للتحالف الإيراني الأمريكي، وشدة في وضوح أبعاده وأهدافه، فضلا عمّا شكله من لجان اتصال وتنسيق بين الطرفين تفهم بعضها بعضا وذات تاريخ مشترك.

وإذا كان لبنان لم ينتج إلا ميلشيا نصر الله -بالدرجة الأولى- فقد أنتج العراق عشرات الميلشيات والعصابات الميليشياوية، التي جرت أعمال تشكيلها وتدريبها وتسليحها هذه المرة، تحت الرعاية والرقابة الأمريكية المباشرة.

وهكذا كان العراق جاهزا للانتقال بنموذجه إلى سوريا التي تعرض الحكم فيها لاهتزاز وترنح وشارف على السقوط تحت ضغط الثورة الشعبية التي كانت عنوانا لقرب حكم البلاد وفق مبدأ المواطنة التي تمنح الحكم لمن يحقق الاغلبية. قامت إيران بحشد كل قوتها وميلشياتها من لبنان والعراق وغيرهما، ودفعت بها إلى سوريا، ولعبت الولايات المتحدة دورها في التغطية على الحركه الإيرانية، فيما كانت توسع دورها ونفوذها وتشكل مجموعات ترتبط بها هي الأخرى، إذ طورت أوضاع الأكراد ودفعت بها إلى ساحة مواجهة السنة بالمعنى السوري والإقليمي، وهكذا جرت عملية عميقة لإعادة تشكيل التوازنات والتوزع الجغرافي للمجتمع السوري، وهذا ما اهتمت به إيران، وضمنت الولايات المتحدة أن لا تقوم سوريا المستقبل بدور فى استعادة أرضها من تحت الاحتلال اليهودي الصهيوني .. إلخ.

والأهم أن أظهرت إيران والولايات المتحدة مدى التوافق بينها على طريقة حكم السنة ما بعد انتهاء محرقة القتل والهدم المتواصلة لسنوات خمس، فحين حل وقت التفاوض والحوار، جرى طرح مشروع ونموذج حكم يحقق لإيران بقاءها ودورها وسيطرة ميلشياتها مع إعادة إنتاج الديكتاتور السفاح -كضمانه لإكمال مشروعها- ويضمن للولايات المتحدة ما أرادت من تفكيك المجتمع السوري وديكتاتورية الأقليات الممسكة بالسلاح الأمريكي على حساب الأغلبية -السنية- ووضعت قضية علمانية الدولة كشرط أول لإعادة بناء الدولة السورية.

وهكذا انتجت الثورة السورية وضعا وحشدا شعبيا ينشد وضعا ديموقراطيا، وتدخلت إيران تحت الحماية والمراوغة الأمريكية لتتحول الثورة إلى حرب طائفية سورية وإقليمية، وينتهي الأمر بإعادة تعويم الديكتاتور السفاح، وبناء دولة علمانية يسمح فيها لميلشيات إيران بامتلاك السلاح!

ديموقراطية شرعنة الانقلاب فى اليمن

وانسحب التوافق والتحالف الأمريكي الإيراني إلى اليمن، بعد أن كان قد ترسخ في لبنان وصار صارخا في حدّته ووضوحه في العراق ثم سوريا، ومع ذلك جاء بأبعاد جديدة كاشفة هناك، جرت عملية مبرمجة لتحويل الربيع اليمني إلى كابوس.

وحيث كان اليمنيون يهتفون بأحلامهم في الحرية وانكشاف غمة الفساد المتمثل في حكم صالح ومن معه، كان الإيرانيون والأمريكان يفعلون تحالفهم هناك على نحو عميق واستراتيجي بعيد الأمد، وإن بحذر!

احتاج إنجاز الخطة الأمريكية الإيرانية وقتا أطول، بحكم طبيعة التبلور السياسي التعددي الحزبي في اليمن قبل الثورة، وبسببه كان الجمهور العام منظما ومؤطرا، ولحساسية دول الخليج تجاه اللعب الأمريكي والإيراني في أهم نقاط جغرافيا الخليج، إذ اليمن هو بوابة الخليج وصمام أمانِه، وبقعة إذا استولت عليها إيران تكون قد استكملت حصار جغرافيا الخليج استراتيجيا وهو ما تجسد في مبادرة الخليج للحركة وطرح مبادرة للتوافق الوطني، لقطع الطريق على الدور الإيراني المباشر.

جرت الأمور وفق محطات معقدة، لكنها انتهت إلى مشروع واضح المعالم بين الفرقاء اليمنيين ومقيد لاحتمالات عودة صالح من جهة واستمرار امتلاك الحوثيين للسلاح – إذ انتهى الحوار الوطنى والدستور إلى انهاء تلك الاحتمالات- وهنا اضطرت إيران (ومن خلفها الولايات المتحدة كما ظهر واضحا من بعد) عبر من معها في اليمن لاعلان الانقلاب المسلح على المبادرة والدور الخليجي وعلى التوافق الوطني ومجريات الحوار ونتائجه.

كان اللافت هو الموقف الأمريكي والأممي، إذ جرى تبادل أدوار بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة، لشرعنة الانقلاب خطوة خطوة، بما اضطر دول الخليج للتدخل المسلح لإيقاف نجاح تلك الاستراتيجية التي صارت واضحة المعالم.

كان الامر لافتا إذ كان الحوثيون والإيرانيون يتحدثون ليل نهار عن تكرار نموذج حزب الله في الهيمنة على الدولة وفي امتلاك السلاح خارج إطار الدولة، وعن مشروع استنزاف المملكة العربية السعودية بالأعمال العسكرية، ومع ذلك كانت تجري شرعنة سيطرة الحوثيين على السلطة عبر الولايات المتحدة والأمم المتحدة، دون رفض ولو شكلي!

كان انقلابا تحت مفهوم الشرعية الثورية، وكان انقلابا تحت عنوان مواجهة القاعدة والإرهاب، وهو انقلاب دغدغ مشاعر البسطاء إذ تحدث عن مضامين اجتماعية (رفض الجرعة الأولى من رفع الدعم)، وفي جوهره كان انقلابا طائفيا وعنوانا لإقرار ديموقراطية شكلية لا تقوم على فكرة المواطنة بل على نمط ديكتاتورية الأقلية التي تم اعتمادها في لبنان ومن بعد في العراق، بجمع الأقلية بين امتلاك السلاح خارج إطار الدولة واللعب بآليات الديموقراطية تحت عنوان التوافق، وإلا!

ودخل اليمن في أتون حرب طاحنة أعادت طرح الأسئلة حول نوعية تلك الديموقراطية التي روجت لها الولايات المتحدة، وعن ذاك العداء الثأري والإجرامي الذي تحركت به الميلشيات الإيرانية، لكن الأخطر أن أبرزت التجربة مدى عمق التحالف الأمريكي الإيراني الممتد على طول المشروع الإيراني في الإقليم، وكيف أن هذا التحالف قد تخطى فكرة العلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة ودول الخليج.

وكانت المفاوضات التي جرت في الكويت –بشكل خاص-حالة كاشفة للتوافق الأمريكي الإيراني، فبعد أن ضغطت الولايات المتحدة، ومن خلفها الغرب والأمم المتحدة وفي الخلفية إيران بطبيعة الحال، لمنع اقتحام قوات الشرعية للعاصمة بما ينهي الانقلاب ومعه ظاهرة الحوثيين، بدأوا لعبة الضغوط والألاعيب لمنح الحوثيين حق الشراكة في السلطة دون حديث عن حل ميلشياتهم المسلحة!

وهو ما كشف النقاب مجددا عن مشروع توافقي بين إيران والولايات المتحدة في كيفية الحكم ومن يحكم وطبيعة ووضعية نظام الدولة، ومدى التوافق على تمكين أتباع إيران من الحكم .. إلخ.

وفي البحرين: الديموقراطية طائفية بامتياز أمريكي

كانت تجربة البحرين أكثر من كاشفه هي الأخرى وذات دلالات خاصة بدورها، بما أثرى الوعي العربي حول طبيعة التوافق الأمريكي الإيراني على إدارة المنطقة (طرائق الحكم وأساليبه وطبيعة التغيير الاستراتيجي المتفق عليه بينهما).

وإذ كان لافتا للجميع مدى سيطرة الشيعة على أدوات رئيسية في الاقتصاد والمناصب وفي إدارة الدولة -فضلا عن تمثيلهم السياسي الديموقراطي عبر جمعيات سياسية في البرلمان- فقد جاء أمر اللعبة واضحا من زاوية الموافقة الأمريكية والغربية على حكم الشيعة للبحرين كاملا وبشكل إقصائي للحكم القائم، الذي لم يبرز يوما أى موقف صدامي أو عدائي مع الغرب ولا مع الشيعة.

أصبحنا أمام تكرار لنمط تغيير توجهات الدولة والمجتمع الذي كان التطور الأبرز في تجربة العراق ومن بعد في اليمن، إذ لا يعاني شيعة البحرين من أي أعمال إقصائية بل هم في وضع السيطرة في كثير من المجالات!

لقد كان بإمكان البعض الحديث عن أن شيعة العراق تعرضوا لظلم هنا أو هناك، بل حتى كان بالإمكان القول بأن حروبا ستا جرت في اليمن بما يتطلب حلا آخر، مع أنها جميعا جرت بفعل إجرامي من الحوثيين وإيران ومِن صالح الذي جعل الجيش اليمني حقل تجارب وإنماء لقوة الحوثيين، لكن أمر شيعة البحرين ليس على هذا النحو أو ذاك، بغض النظر عن هذه المزاعم أو تلك، فشيعة البحرين وفق إقرار كامل بالإحصائيات والأرقام، يتمتعون بوجود ونفوذ ودور كبير يطغى على دور السنة في كافة المجالات، حتى قيل إن السنة هم المضطهدون في البحرين، بينما يتمتع شيعة البحرين بتمثيل سياسي وبرلماني كبير ولهم الحرية الزائدة في ممارسة طقوسهم فضلا عن لعبهم دور رئيس في مؤسسات الدولة، ومع ذلك جرى كل ما جرى مدعوما من إيران وتحت رعاية إعلامية وديبلوماسية من الولايات المتحدة والغرب، بما يشير إلى مشروع شامل للتغيير في المنطقة تنفذه إيران وتدعمه الولايات المتحدة، التي صار إعلامها –والغرب عموما- في موقع المدافع عن شيعة البحرين وحقوق الإنسان، بشأن قضايا لا تمت لها بصلة، فيما السنة في سوريا والعراق وحتى في اليمن في موقع الإبادة الشاملة ليس فقط بصمت أمريكى وغربي، بل بدعم عسكري أمريكى - غربي شامل.

في البحرين ظهر أن الهدف هو إحداث تغيير طائفي وإعادة رسم خريطة الخليج، وتحقيق الهيمنة لإيران في الإقليم، وتحت عنوان الديموقراطية، إذ كان الدعم الأمريكي والغربي ظاهرا -بل لافتا للنظر- في التصريحات وفي تقارير الأمم المتحدة، والأهم كان الصمت على الممارسات الإرهابية التي جرت من قبل مجموعات إيرانية عملت وتعمل لإحداث هذا التغيير بالقوة، وهنا الدلالة الأخطر على موافقة وتوافق الولايات المتحدة مع إيران على فكرة الديموقراطية التي تحقق ديكتاتورية الأقلية وعلى تطوير الأوضاع لإيصال تلك الأقلية حد امتلاك السلاح وإحداث التغيير الانقلابي على نمط نصر الله.

وبسبب تلك المعادلة الغربية صار كثرة من المحللين يتحدثون عن ما يخسره شيعة البحرين جراء أعمال العنف والتفجير، وكيف أنهم يخوضون معركه مفتعلة لغير مصلحتهم بل ضد مصلحتهم، إذ ما يجري ليس إلا تضحية بمصالحهم لأجل استعادة إيران لحلم بناء الامبراطورية الفارسية الذين هم أول ضحاياها.

أوان قراءة مشروع جديد للمواجهة

حان أوان تقديم قراءة ورؤية للمواجهة، لقد مرت فترة طويلة كانت المواجهة فيها مجرد حالة عفوية أو تلقائية، وخلالها كان يجري التعرف التدريجي على مخطط التحالف الأمريكي الإيراني، بحكم افتقاد العرب أو السنة للقيادة الجامعة أو القادرة على القراءة المدققة وتشكيل خطط مكافئة للخطط التي يجري إنفاذها. وقد تحقق الآن الشرط الأول للقدرة على المواجهة وهو الوعي الشامل بخطوط الصراع وخططها.

والآن يشهد العالم العربي والإسلامي بداية انكسار دورة المواجهة القديمة، ففي لبنان تظهر الانتخابات البلدية أو المحلية الأخيرة، وضوحا في الرؤية وتحركا أكثر وعيا بطبيعة المواجهة. وفي سوريا يلمس المتابعون وعيا متناميا وحالة اقتراب بين قوى عديدة على أرضية مواجهة أشد وعيا، وفي العراق أظهرت الحرب على الفلوجة وعيا وإدراكا بطبيعة الحرب الأمريكية الإيرانية مع سقوط تدريجي لورقة الترويع باسم داعش، وهكذا الحال في اليمن، اذ اقتربت قوى كثيرة من الشرعية على أرضية فهم المخطط الأمريكي الإيراني، وعلى أرضية المواجهة الأكثر وعيا. وهكذا الحال في ساحات كثيرة، لعل أهمها ما جرى في دول الخليج من احتشاد شعبي ومن وعي رسمى بالخطر.

والأهم أن المواجهة صارت تنتج حالة من الصمود للكتل المجتمعية السنية رغم هول التضحيات التي قدمتها كما هو حال مدن مثل حلب وداريا وغيرها في سوريا والفلوجة وغيرها في العراق وتعز وعدن وغيرها في اليمن، غير أن المواجهة المخططة الشاملة ما تزال في بداياتها.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق