اللوبي الإيراني في أمريكا والثورة السورية: نماذج من المواقف والأطروحات
الأحد 3 يوليو 2016

 عبد الله الرحمون – موقع مركز إدراك

[1]

 

من المعلوم أن لجماعات الضغط أو اللوبيات Lobbies في أمريكا حظوة معتبرة، وتحاول الإدارات الأمريكية المتعاقبة الموازنةَ بينها قدر الإمكان، فهناك اللوبي الاسرائيلي ولوبيات السلاح ولوبيات الأدوية واللوبي الكوبي واللوبي الإيراني (محط دراستنا)، ولكل منها أهدافها واستراتيجياتها وتحالفاتها وصراعاتها.

وعلى الرغم من الموازنة وضبط النغمة التي يحاولها كل رئيس أمريكي، فلا بد أن يكون لكل لوبي ميزة على آخر عند مختلف الرئاسات الأمريكية. ففي عقيدة أوباما، نرى انزعاج إدارة أوباما من مراكز الدراسات المتواجدة في إحدى شوارع ماساشوستيس بأنها "أرض محتلة عربياً" دلالةً على المراكز التي يقوم اللوبيات العربية بدعمها وتمويلها، ودلالةً على أن إدارة أوباما لا ميل لها إلى ما يسمى "اللوبي العربي".

قد قامت الـ BBC NEWS  بتلخيص دراسة نشرتها مجلة Perspectives on Politics التابعة لـ Cambridge Journals، حاولت تحليل نظريات السياسة الأمريكية. إذ تستنتج الدراسة أن نموذج الحكم الأمريكي ليس ديمقراطياً بالمعنى الحقيقي إنما حكماً أقلوياً بالمعنى العملي، لكن "حكم الأقلية" هذا ليس هو المفهوم المعروف في دراسات النظم السياسية، إنما هو "حكم اللوبيات" التي تحوز على الثروة والمال والنفوذ والعلاقات. وقد قامت الدراسة بتحليل المتغيرات اعتماداً على بيانات كبيرة وخرجت بنتيجة مفادها أنّ المجموعات الصغيرة (أو اللوبيات) لها تأثير أكبر من الجماهير (أو مجموعات العمل المدني التي تمثل الجماهير) على صناعة السياسات وتوجيه القرارات المعنية بالشأن الداخلي أو الشؤون الخارجية.

يمكننا أن نعتبر أيضاً أنَّ شركات التقنية الكبرى هي شكل آخر من أشكال اللوبيات، وذلك بأثرها المتجاوز إلى السياسات والتشريعات المتعلقة بالشأن العام. فعلى سبيل المثال، تقدمت 379 شركة إلى المحكمة الدستورية العليا لدعم المساواة بين الأزواج وذلك لتشريع زواج المثليين، منها مايكروسوفت وآمازون وآبل وفيس بوك وغوغل. وفي تقرير طويل نشرته صحيفة بوليتيكو، أثبت مجموعة باحثين إمكانية أن تتلاعب شركة غوغل بالانتخابات الرئاسية، وأنها قادرة على دفع ملايين الأصوات إلى مرشح دون أن يعلم أحد، وذلك من خلال القرارات السرية للشركة وتلاعب بسيط بالخوارزميات البحثية.

تحاول هذه الدراسة إثبات أن البيت الأبيض في زمن الرئيس أوباما مخترق بشكل كبير من طرف اللوبي الإيراني، فكما سنبين مفصلاً فأن أحد أهم مستشاريه في الملف الإيراني وفي مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض هو الإيرانية -الأمريكية سحر نوروزاده. بالإضافة إلى فريال كواشيري وهي كاتبته الخاصة ومساعده الإداري ومن الأشخاص القريبين جداً من الرئيس أوباما، وعملت في الفترة الرئاسية الأولى لرئاسته مستشارة في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض أيضاً، بالإضافة إلى أنها عضوة في إحدى مؤسسات اللوبي الإيراني "مؤسسة المرأة الإيرانية الأمريكية".

أقطاب اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة

لأننا نحاول في هذه الدراسة استنكاه مواقف اللوبي الإيراني في أمريكا من الثورة السورية، فإننا سنبدأ بتوصيف هذا اللوبي والتعريف بأعضائه وخلفياتهم. بعض هؤلاء الأعضاء يعملون معاً تحت راية "المجلس القومي الإيراني الأمريكي"، والذي سنتحدث عنه في سياق حديثنا عن مؤسسه ورئيسه ورئيس قسم الأبحاث فيه رضا مراشي، والبعض الآخر يعمل بشكلٍ منفصل ويقدم رؤية إيرانية ذاتية.

فالدراسة لن تكون بذلك دراسةً عن اللوبي الإيراني في أمريكا، بقدر ما هي تتبُّع لنماذج من أطروحات هؤلاء ومواقفهم حول الملف السوري.

- تريتا بارسي Trita parsi

إيراني الأصل سويدي الجنسية، ولد في أحواز إيران بتاريخ 21/7/1974م. يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة جون هوبكنز، وكانت أطروحته عن العلاقات الإيرانية الاسرائيلية، أشرف عليه فيها المفكر الأمريكي الشهير فرانسيس فوكوياما. وهو أيضاً مؤسس ورئيس "المجلس القومي الإيراني الأمريكي" الذي سنأتي على ذكره بالتفصيل، عمل بارسي في مجلس الأمن مستشاراً لشؤون أفغانستان والعراق وطاجيكستان. يكتب في الكثير من الصحف العالمية كصحيفة وول ستريت ونيويورك تايمز وفاينيشيال تايمز. وقد ألف كتابين، الأول هو "التحالف المخادع: التعاملات السرية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة"، وتمت ترجمته إلى اللغة العربية. الثاني هو كتاب "فرصة واحدة: دبلوماسية أوباما مع إيران"، وقد تمت ترجمته إلى اللغة العربية تحت عنوان "إيران والمجتمع الدولي".

في تشرين الثاني/ نوفمبر 1999، وعندما كان محمد خاتمي رئيساً لإيران، حضر تريتا بارسي مع الإيراني الأمريكي سيماك نامزي مؤتمراً في قبرص كان بعنوان "الحوار والفعل بين شعبَي إيران وأمريكا". وقدما معاً ورقة تأسيسية عنوانها "إيران وأمريكا: جسور التواصل بين شعبين"، التي طرحا فيها مقترحات لإعادة بناء العلاقة بين أمريكا وإيران. بعد تقديم هذه الورقة بعامين، في عام 2001، واستثماراً لحادثة 11/9 أسسا معاً "المجلس القومي الإيراني الأمريكي"، الذي يمكن القول أنه مكون أساسي من مكونات اللوبي الإيراني في أمريكا، فخرج تريتا بارسي إلى السطح رئيساً ومؤسساً للمجلس، وبقيَ "سيماك نامزي" في الخلف لاعتبارات ليس هنا مقام الحديث حولها. 

- رضا مراشي Reza Marashi

عضو تأسيسي في "المجلس القومي الإيراني الأمريكي"، ورئيس قسم الأبحاث فيه و"مستشار" لكثير من الدول الغربية فيما يتعلق بإيران. قبل أن ينضم إلى المجلس عمل مراشي في مكتب شؤون إيران في الخارجية الأمريكية مدة أربع أعوام. كما يقوم بالكتابة في العديد من الصحف الهامة كالفورين بوليسي والفورين أفيرز. تقاطع رضا مراشي مع تيرتا بارسي بعلاقته مع عائلة نامزي، العائلة الإيرانية الأمريكية الثرية، والتي تتحدث معلومات أنها تقوم بتمويل المجلس، ولها صلة وطيدة بالرئيس الحالي حسن روحاني.

في السيرة الذاتية لرضا مراشي والموجودة في موقع المجلس الإلكتروني، يتحدث رضا عن عمله في الخارجية الأمريكية كما أشرنا، والذي كان منصبَّاً في مكتب شؤون إيران على قضيتين مركزيتين: الديمقراطية وحقوق الإنسان في إيران. كما تتحدث بعض الصحف عن معلومات تتعلق بعمله، قبل التحاقه بمكتب شؤون إيران في الخارجية الأمريكية، باحثاً في معهد الدراسات الاستراتيجية القومية في جامعة الدفاع القومي، التابعة للبنتاغون. الالتقاء الذي دار بين مراشي وبين بارسي عن طريق عائلة نامزي التي عمل عندها مراشي كخبير استراتيجي حتى عام 2006م.

- سحر نوروزاذه  Sahar Nowrouzzadeh

إيرانية أمريكية، خبيرة في السياسة الخارجية، ورئيسة قسم إيران في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض تحت إدارة أوباما. نالت نوروزاده الإجازة الجامعية في العلاقات الدولية من جامعة جورج واشنطن، وشهادة الماجستير في الدراسات الفارسية في جامعة ماريلاند. عملت قبل ذلك محللة للشؤون الخارجية في وزارة الدفاع الأمريكية، وعملت في مكتب الشؤون الخارجية في الخارجية الأمريكية. وهي أحد أعضاء المجموعة التي كان مسؤولةً عن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران فيما يتعلق بالملف النووي. نوروزاده تنكر علاقتها بـ"المجلس القومي الإيراني الإمريكي"، لكن بعض الصحف العالمية تؤكد عملها تحت لواء اللوبي الإيراني الذي يمثله المجلس القومي.

- سيد حسين نصر Seyyed Hossein Nasr

فيلسوف إيراني مسلم يعيش في الولايات المتحدة، ولد في طهران بتاريخ 7/4/1933م، وهو أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة جورج واشنطن. سيد نصر هو والد "ولي نصر" الأكاديمي الشهير ومستشار الخارجية الأمريكية ومؤلف كتاب "نهوض الشيعة". لنصر الأب عدة كتب في مجالات متعددة كمقارنة الأديان والتصوف وفلسفة العلم. ليس لسيد حسين نصر علاقة مع نظام ولي الفقيه (ولا أدلة على علاقة صدامية بينهما أيضاً)، وذلك لسابق علاقته وعمله مع الشاه إذ كان ذا منصب ثقافي في ديوان الملكة فرح ديبا الزوجة الثالثة لشاه إيران محمد رضا بهلوي. يقف سيد حسين نصر موقفاً من الثورة السورية، سنشير إليه لاحقاً، دلالةً على تطابق رأيه مع رأي اللوبي الإيراني (شبه الرسمي).

- ولي رضا نصر Vali Nasr

أمريكي من أصول إيرانية، والده الفيلسوف المسلم سيد حسين نصر كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، ولد في طهران عام 20/12/1960م. حصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا عام 1991م. وهو زميل بارز في الفورين بوليسي وفي معهد بروكينغز، وقد وصفته مجلة الـ Economist بأنه: "مرجع عالمي للإسلام الشيعي". عمل سابقاً في الكثير من المعاهد الهامة في جامعات أمريكية عريقة كجامعة هارفرد وجامعة ستانفورد وجامعة كالفورنيا، يعمل الآن عميد قسم العلاقات الدولية العليا في مدرسة جونز هوبكنز في واشنطن، بالإضافة إلى أنه عضو دائم في مجلس العلاقات الخارجية.

الخطوط العريضة لمواقف اللوبي الإيراني من الثورة السورية

يمكن تلخيص موقف اللوبي الإيراني في أمريكا من الثورة السورية أو الملف السوري بخطين عريضين رئيسين سنتحدث عنهما بشيءٍ من التفصيل، وذلك بإضفاء بعض الأمثلة من الأطروحات والمواقف:

1-1 الدفع نحو الحل السياسي

وهو موقف الإدارة الأمريكية ذاته، وليس من دلائل أيِّ الطرفين أقنع الآخر بالحل السياسي، فهل الإدارة الأمريكية تأثرت بطرح اللوبي الإيراني المتقدم حول الحل السياسي، أم كيَّف اللوبي الإيراني نفسه مع خيارات الإدارة الأمريكية؟! نحن نرى حديثاً متقدماً زمنياً في 14/10/2012م لرئيس قسم الأبحاث في "المجلس القومي الإيراني الأمريكي، رضا مراشي، في لقاء له مع قناة الجزيرة الأمريكية، حيث أكد نقطتين: الأولى حينما قال: إنه "وإن كان موقف إيران في سوريا ليس إيجابياً، فإنها في موقع لا يمكن تجاوزه، إن تم الحديث عن التفاوض أو الحل. إنها ليست من الدول التي تحلّ المشاكل، لكنها دولة لا يمكن حل المشكلة من دونها". والنقطة الثانية هي قوله: إننا " لا نعرف ما هي النتيجة النهائية للحل في سوريا إلا حينما تجلس إيران للتفاوض".

تريتا بارسي بدوره، وبتاريخ متقدم أيضاً، كتب مقالة في رويترز، يتسأل "ماذا حدث للحل الدبلوماسي في سوريا؟"، وهي مقالة تبحث الرد الأمريكي المحتمل على استخدام الأسد السلاح الكيميائي في غوطة دمشق. يقول فيها: "هل تم فعلاً طرق كل الأبواب قبل توجيه ضربة عسكرية لنظام الأسد؟"، ثم يجيب بأن "أوباما يخيّر الشعب الأمريكي بين خيارين خطيين خاطئين: إما نضرب عسكرياً أو أن لا نفعل شيئاً". يبدو أنه من الواضح، كما يقول، "أن الحل السياسي أو الطرح التفاوضي لم يوضع ضمن الخيارات على طاولة الرئيس الأمريكي". سنعدد هنا وجوه "الحل الدبلوماسي" الذي يطرحه بارسي:

1- "إذا كانت مسؤولية الولايات المتحدة التدخل في سوريا، بما تمليه عليها قيادتُها للعالم وقيمُها، فإن هذا التدخل كان يجب أن يكون منذ عامين تدخلاً دبلوماسياً، لا عسكرياً".

2- "إن كل الجهود الدبلوماسية التي قامت بها إدارة أوباما حتى الآن، هي محاولة الضغط على روسيا من أجل (توبيخ) الأسد، لا من أجل إيجاد حل نهائي للأزمة".

3- "إن من الواضح حتى اللحظة أن الأسد ليس ضعيفاً كما كانت تعتقد الإدارة الأمريكية، وليس قوياً ليتمكن من إنهاء الاحتجاجات أو الفوز بالحرب. إن هناك طريقاً مسدوداً، وهذا يعطي بيئة جيدة لإمكانية إيجاد حل دبلوماسي يوقف إطلاق النار".

4- "إن أي ضربة تأديبية للأسد ربما تعيد الثقة أو الهيبة لخطوط أمريكا الحمراء، لكن هيبة القيادة الأمريكية لن يتم إعادتها إلا بالطريق الدبلوماسي، الذي يوقف الحرب ويؤسس لعملية سياسية".

 

وفي مقالة سابقة أيضاً كتب بارسي تحت عنوان "لماذا الآن هو الوقت المناسب للدبلوماسية في سوريا؟!"، أنه "لا يبدو أن هناك حلاً للأزمة السورية في القريب المنظور، ولا يبدو أن هناك سلاماً طويلاً على الأرض. لكن يبدو أن الوقت حان من أجل تخفيف العنف وإيقاف شلال الدم". في هذا الكلام فكرتان هامتان، الأولى أن بارسي يحاول أن يصور القضية السورية كملف عنف بين أطراف متشاركين في العنف على حدٍ سواء، مساواةً بين المجرم والضحية، هو لا يخبرنا من يقوم بالعنف ومن عليه أن يوقفه. والفكرة الثانية أنه يحاول أن يحصر القضية السورية بوجهها الإنساني دون باقي الوجوه الحقوقية والسياسية، والتي يعتبر الملف الإنساني عَرَضاً من أعراضها.

لكن بارسي لا يتوقف عند هذه النقطة فقط، هو يضع اللوم الأكبر على الجيش السوري الحر في عدم إنجاح الخط الدبلوماسي أو التفاوضي، وذلك لأن أولويات الجيش السوري الحر لا تتوافق مع هذه الخط، وذلك لعدة أسباب:

1- أي خط تفاوضي يعني نهاية الخط العسكري أو إضعاف الرغبة الغربية في التدخل العسكري في سوريا، ولأن رغبة الجيش السوري الحر هي التغيير الجذري للبنية العلوية للدولة السورية، فإن أي خط تفاوضي يعني حلاً إصلاحياً يُبقي هذه البنية.

2- أي خط تفاوضي، سيفقد الجيش السوري الحر كثيراً من الدعم المادي والمعنوي، من طرف جبهة النصرة، والتي تدعمها الدول الخليجية، بحسب ادعاء بارسي.

3- الخط التفاوضي، قد ينتج حلاً غير مرغوب به لدى الجيش السوري الحر، وهو حل من الممكن أن يبقى رئيس النظام السوري في كرسي الرئاسة.

 

ولي نصر أيضاً، وهو من أكثر أفراد اللوبي الإيراني اعتدالاً، كان يرى أنه من أجل الإعداد لمرحلة ما بعد الأسد، فلا بد من إشراك إيران في الطاولة، وهو ما حصل فعلاً في مرحلة لاحقة، ما بعد كتابة مقالته التي كانت بعنوان "ما بعد سقوط سوريا". كما أن عنوان المقالة محير فعلاً، فما يراه نصر سقوطاً للأسد هو سقوط لسوريا، لكنه لا يرى من سقوطه بداً. ولذلك طرح في وقت متقدم فكرة الحل السياسي، واعتبر أن إدارة أوباما قد خيبة آماله في كثير من الملفات، التي كان يرى أن على الإدارة التعامل معها بشكل دبلوماسي، كالملف النووي والملف السوري، وهو السبيل الذي عادت له إدارة أوباما.

يفضل نصر الحل السياسي في سوريا، لأنه يرى أن البلد منقسم بعضه على بعضها، فالأقليات العلوية والمسيحية والكردية وجزء كبير من السنة لا يزالون يفضلون بقاء الأسد، كما أنهم متخوفون من اليوم الذي يلي سقوطه. في حين أن الجهة المقابلة التي هي الأكثرية السنية، والتي تدعم المعارضة، منقسمة أيضاً فيما بينها، ما بين 100 مجموعة عسكرية وسياسية لا يمكن أن تقوم بالحفاظ على وحدة البلاد، واحتمالية أن يحصل اقتتال بينها كبيرة. كما أنه يرجح أن سقوط الأسد لا يعني انتهاء القتال، فكثير من العلويين والكتائب العسكرية ستستمر في محاربة المعارضة.

2- تجريم تركيا والسعودية وإغفال الدور الإجرامي لإيران

يصور بارسي أن الدعم الخليجي للثورة السورية كان ينطلق من استراتيجية "ضرب عصفورين بحجر واحد"، وذلك أن الدعم المباشر أو غير المباشر للراديكاليين السلفيين من طرف دول الخليج، سيؤدي إلى نتيجتين، بحسب ما يراه بارسي رغبةَ حكومات الخليج. النتيجة الأولى: أن الراديكاليين السلفيين الشرسين سيؤذون غريمهم الأسد، وهذا هو العصفور الأول. النتيجة الثانية أنه ستكون سوريا بؤرة للراديكاليين، ومكاناً للتخلص منهم بعيداً عن الداخل الخليجي، وهذا هو العصفور الثاني، وهكذا سيخسر الطرفان وسينتصر السعوديون.

في لقاء له في جامعة ميتشيغان، قال سيد حسين نصر، في تاريخ متأخر من الثورة السورية 14/12/2015م، أي بعد أن أصبحت القضية واضحة إنسانياً وسياسياً، في معرض انتقاده الرئيسَ التركي، رجب طيب أردوغان، وحكومةَ حزب العدالة، في دعمهم للقضية السورية: "انظروا إلى تركيا، تركيا مذنبة للغاية، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صديقٌ لي، زرت تركيا عدة مرات، ونحن متفاهمون للغاية. لقد قرأ كتبي عندما كان في السجن، وقد كان كذلك الرئيس السابق عبدالله غول، إلى هذه الدرجة كنت قريباً لهم. لكن ماذا تفعلون (يعني في سوريا)؟! أين شخصياتكم الإسلامية؟! لماذا تسمحون لكل هؤلاء القتلة بالمرور من تركيا إلى سوريا؟!. إذن، قبل لوم الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا، يجب علينا أن نلوم أنفسنا. من الواجب أن نكون صادقين مع أنفسنا".

على الرغم من تلك العلاقة الوطيدة التي يتحدث عنها السيد سيد نصر، وعلى الرغم من أنه مَن أشرف على رسالة الدكتوراه لأحد أهم مستشاري أردوغان والمتحدث الرسمي للرئاسة الدكتور إبراهيم كالن، إلا أن ذلك لم يمنعه من تلطيخ صورة تركيا بتهمة الإرهاب، وهي تلك الفترة التي قد اشتدَّت فيها الهجمة الغربية على تركيا واتهامها في الإعلام الغربي بأنها حاضن للإرهاب وذات علاقة بتنظيم داعش. بالإضافة إلى أن سيد نصر استطاع أن يوجه اللوم إلى تركيا وطالبها بموقف أخلاقي وبمراجعة النفس، لكنه أغفل أيَّ حديث عن إيران! في تناقض كبير، من الممكن بل من السهل تفسيره بشكل طائفي.

يرى ولي نصر أيضاً أن أهم دولة يجب أن تتواجد في الطاولة الدبلوماسية حول سوريا، هي إيران، وذلك لأنها الوحيدة التي يمكن أن تؤثر على الأسد. هو يكرر رؤية مراشي ذاتها، بأن يعترف أن إيران لا يمكن أن تحل أي مشكلة، لكن لن يتم حل أي مشكلة من دونها. وفي هذا الكلام سيولة كاملة، فلا نرى أية إدانة للجرائم التي ارتكبتها إيران في سوريا، إنما هو الاعتراف بأن إيران يجب أن تكون جزءاً في أي ملف من ملفات المنطقة. الأمر الوحيد الذي يتخوف عليه ولي نصر، ليس ارتكاب إيران الجرائم، إنما صورتها في العالم العربي، وهي الصورة التي تدعم النضال الفلسطيني، وتحقق ما أراده من "نهوض للشيعة" في العالم الإسلامي.

كما يرى ولي نصر أن على الولايات المتحدة تولي مهمة تنظيم المعارضة السورية، ونزع الملف من اليد السعودية والقطرية، وذلك لما صنعتاه من فوضى شلَّت قدراتها في التأثير على الأسد. ظاهر الكلام يوحي بنظرة إيجابية من طرف ولي نصر تجاه المعارضة السورية ورغبته في الخلاص من الأسد. لكن من الممكن فهم كلامه، من جانب آخر، على أنه رغبة بأن تسيطر الولايات المتحدة على خطوط اللعبة ومواضع القوة، مما سيؤثر في تدجين المعارضة السورية، وإدخالها لاحقاً في عملية معالجة الملف السوري تحت الماكينة الدبلوماسية.

من الممكن الإضافة تحت هذا البند أن رضا مراشي، وهو رئيس قسم الأبحاث في المجلس القومي الإيراني الأمريكي كما أشرنا، يرى أن إيران ليست راديكالية في نهاية اللعبة في سوريا، وأنها ستقبل التفاوض على رأس الأسد، لكن إن حفظ لها هذا مصالحها الأمنية في سوريا، فهو يرى أن ما يهم إيران ليس سوريا إلا بقدر ما هي خط تواصل وإمداد إلى حزب الله. ولذلك هي تفضل الخيار العراقي في سوريا، وذلك بأن يتم الإبقاء على المنظومة الأمنية في سوريا والتي ستكون موالية لها، ويمكن للمعارضة أن تقتسم الواجهة المدنية في البلد.

الخاتمة

يعتبر الملف السوري عند اللوبي الإيراني جزءاً، وربما جزء هامشي، من الصورة الكبيرة التي ستحدد موقع إيران في الشرق الأوسط من جهة، وفي علاقتها مع أوربا والولايات المتحدة من جهة أخرى. إذ إن هناك عاملين مهمين يندرج الملف السوري تحت أحدهما أو تحتهما معاً، العامل الأول هو: الاتفاق النووي وموقع سوريا ضمن هذه الصفقة الغربية -الإيرانية. والعامل الثاني هو: دور إيران في محاربة الإرهاب في المشرق العربي (العراق وسوريا)، ممّا يضمن لها دوراً أكبر في المنطقة. ولإنجاز النقطة الأخيرة، فإن دور اللوبي الإيراني كان في طرح إيران كحليف لمحاربة الإرهاب، في مقابل محاولات إلصاقه تهمة صناعة الإرهاب، وذلك بمعاونة الإعلام الغربي، بالدولتين السنييتين الكبيرتين في المنطقة: المملكة العربية السعودية وتركيا.

 



[1]  - حذفنا الهوامش لضيق المساحة وهي موجودة في موقع مركز إدراك.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق