العرب والهلال الشيعي .... وعي مبكر نسبياً وتحرّك متأخر!
الأحد 3 يوليو 2016

 

 سعيد السويدي- كاتب عراقي

 

 

خاص بالراصد

يعتقد البعض أن مصطلح "الهلال الشيعي" ظهر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003، إلا أن الواقع غير ذلك، فقد تكرر التحذير من تشكل حلف شيعي يمتد من إيران إلى لبنان عدة مرات منذ عام 1979 ولغاية 2004.

واللافت للنظر أن العرب الذين أطلقوا هذه التحذيرات ينتمون إلى مناهج فكرية وسياسية متباينة لكنها تشترك في الوعي تجاه خطر التوسع الشيعي في البلاد السنية. وفيما يلي استعراض لهذه التحذيرات من خطر المشروع الإيراني الشيعي:

1- الدكتور فاضل البراك([1])

يقول في كتابه (تحالفات الأضداد): "تشير بعض الدراسات المعاصرة إلى أن الشاه المخلوع قام بتدشين حزب الدعوة وفرعه المرتبط به (حركة أمل بلبنان) وذلك بغية إنشاء محور طائفي في صورة قوس كبير يشق العالم العربي ويفصل بين أطرافه يتكون من إيران، العراق، لبنان"([2]).

بصرف النظر عن دقة المعلومات الواردة عن علاقة الشاه بهلوي بتأسيس حركة أمل اللبنانية وحزب الدعوة العراقي وعن طبيعة العلاقة بين هاتين الحركتين اللتين تجتمعان مع الشاه في محاربة المحور الشيوعي، فالمهم أن فكرة الهلال الشيعي طُرحت في ثمانينيات القرن الماضي قبل أن يظهر الوجه الديني الطائفي للنظام الإيراني.

2- الدكتور سفر الحوالي

يعتبر الدكتور سفر الحوالي من أبرز الذين حذروا من تداعيات الوجود الأمريكي في الخليج بعد الاحتلال العراقي للكويت (آب/ أغسطس 1990)، وأصدر كتابه المشهور (وعد كيسنجر والأهداف الأمريكية في الخليج) في تلك الفترة، وكان يعتقد أن الولايات المتحدة لم تأت بجيوشها من أجل تحرير الكويت وإنما لفرض واقع سياسي جديد وتشكيل تحالفات إقليمية موالية لها لتعزز هيمنتها على المنطقة الغنية بالنفط، يقول في كتابه المذكور: "إنها بداية تشكيل القوس خلفاً لحلف بغداد([3])، لكن ليست المشكلة هنا فحسب بل لها جانب آخر خفي أشارت إليه بعض المصادر الأمريكية أثناء أحداث أذربيجان حيث تحدثت عن تفكيك الإمبراطورية السوفيتية مقترحة ضم المناطق الشيعية إلى إيران وضم المناطق السنية إلى تركيا وضم أفغانستان إلى باكستان.

فإذا ضممنا هذا إلى عمود التحالف الذي يراد إنشاؤه وبين دول الخليج وأمريكا من جهة وبين عمود التحالف الآخر (مصر- إسرائيل- سورية) من جهة أخرى وضممنا إليه ما نادى به بعض مخططي السياسة الأمريكية من إعطاء إيران الثورة الأفضلية بدلاً من العراق ودول الخليج مستندين في قولهم إلى أن مناطق النفط تسكنها غالبية شيعية.

إذا تصورنا ذلك أدركنا خطراً كبيراً يهدد المنطقة في حالة تدمير العراق وإحلال التحالف الشيعي محلّه (إيران- سوريا- العراق الذي سيصبح دولة شيعية بعد فصل الأكراد- ثم بقية المناطق الخليجية كالبحرين والإمارات وشرق السعودية- والوجود الشيعي واضح فيها، ولا ننسى أن نذكر أن كثيراً من الناطقين بالعربية في جنوب تركيا من النصيرية أيضاً، أما باكستان فكثير من قادة جيشها الكبار شيعة ومعهم إخوانهم القاديانية والبريلوية).

إنها مصيبة عظمى لو أصبح هذا القوس الكبير قوساً رافضياً يهودياً توجهه الصليبية الغربية المتحالفة"([4]).

اعتبر الشيخ سفر الحوالي أن القوس الشيعي سيكون الجزء الأهم في حلف إقليمي كبير يخدم المصالح الامريكية والإسرائيلية، ولم يكن التركيز على الهلال الشيعي كخطر مستقل بذاته لأن إيران في تلك الفترة كانت في حالة كبيرة من الضعف بعد خروجها مثقلة بالخسائر من حربها على العراق، كما أن الحدث الأساسي في تلك الفترة كان مستقبل الوجود الأمريكي منطقة الخليج بعد انتهاء الحرب.

وفي العموم كان تحذير الشيخ الحوالي عام 1991 توقعا مبكرا لقيام تحالف غربي – شيعي بعد تدمير العراق وإسقاط حكومته، وهو الواقع الذي نعيشه منذ (نيسان 2003).

3- الملك عبد الله الثاني

اقترن مصطلح الهلال الشيعي بتحذير الملك عبد الله الثاني من قيام حكومة دينية في العراق موالية لإيران وذلك في الفترة التي سبقت الانتخابات العراقية الأولى (كانون الثاني 2005)، حينها قال العاهل الأردني، إن ما يزيد على المليون إيراني عبروا الحدود إلى العراق، والكثير منهم بغرض المشاركة في الانتخابات بتشجيع من الحكومة الإيرانية. وقال في مقابلة معه (أنا واثق من أن هناك الكثير من الأشخاص، الكثير منهم إيرانيون، ممن سيستخدمون في التصويت للتأثير على نتيجة الانتخابات).

واتهم الملك عبد الله الثاني أيضا الإيرانيين بدفع الرواتب وتوفير المؤن لعراقيين عاطلين عن العمل من أجل كسب رأي عام مؤيد لإيران داخل العراق، وأضاف أن بعض الإيرانيين تلقوا تدريبات على أيدي الحرس الثوري الإيراني، وهم أعضاء في المليشيات التي يمكن أن تثير المشاكل في العراق بعد الانتخابات.

وقال الملك عبد الله الثاني إن (من مصلحة إيران قيام جمهورية إسلامية في العراق، وبالتالي فإن جهود الإيرانيين تتجه نحو التوصل إلى حكومة مؤيدة لإيران)، وأضاف (إنه إذا ما أفلحت الأحزاب أو السياسيون المؤيدون لإيران في الهيمنة على الحكومة العراقية الجديدة فإن هلالاً من الحركات أو الحكومات الشيعية يمكن أن تمتد من إيران إلى العراق وسورية ولبنان وتغير التوازن التقليدي للسلطة بين الطائفتين الإسلاميتين الرئيسيتين وتطرح تحديات جديدة أمام مصالح الولايات المتحدة وحلفائها .(

وأضاف الملك عبد الله أنه (إذا ما أصبح العراق جمهورية إسلامية نكون عندئذ قد فتحنا أنفسنا على طائفة شاملة من المشاكل الجديدة التي لن تقتصر على الحدود العراقية)([5]).

هذه التصريحات سبقت أحداث العنف الطائفي وظهور فرق الموت الشيعية خلال الفترة 2005 - 2007، كما أنها سمت الأشياء بمسمياتها الحقيقية حيث أدرجت سوريا ضمن الدول الشيعية لأنها تخضع لنظام شيعي (علوي) طائفي وليس علمانيا محايدا، وكذلك لبنان الذي يبدو النظام السياسي فيه قائما على الشراكة بين طوائفه الأساسية (السنة والشيعة والموارنة) إلا أن الحاكم الفعلي هو حزب الله.

 

لماذا تأخر العرب عن مواجهة المخطط الشيعي؟

قد يتساءل البعض: لماذا لم يكن العمل العربي متناسباً مع الوعي بحجم الخطر الإيراني؟، ولا شك أن الجواب على هذا السؤال الكبير يتطلب تتبعاً دقيقاً للأسباب والعوامل التي جعلت العرب لا يواجهون هذا الخطر برغم الوعي، لكني سأسلط الضوء على ما اعتبره أهم الأسباب من وجهة نظري، وهو غياب الرؤية السياسية والعقدية للمواجهة.

لم يعد سراً أن إيران تملك رؤية للتوسع السياسي والمذهبي في البلاد العربية، ولعلّ الذي يغري حكام إيران بالمضي في مشروعهم -رغم كثرة التحديات والمعيقات التي واجهوها- هو غياب المشروع العربي المتصدي لمساعيها.

فالعلمانيون العرب لا يؤمنون بحقيقة الصراع الديني المذهبي بين السنة والشيعة بل يزعمون أن إيران تُسيس المذهب وتستغله لمصالحها، وبالتالي فهم لا يتقنون أدوات الصراع المذهبي ولذلك نجدهم يعوّلون على الشيعة العرب لمواجهة نفوذ إيران، أو يسعون إلى تحالفات سياسية عابرة للطائفية، ولا يحسنون التعاون مع القوى الإسلامية – والسلفية - من أجل وقف زحف الأفكار والشبهات الشيعية.

وهم في كل الاحوال متأخرون بمراحل عن التحرك الإيراني الذي يفرض الواقع الذي يريد.

أما الإسلاميون فلا يتفقون على رؤية واحدة تجاه خطر إيران، فمنهم المتهاون واللامبالي، ومنهم من لا يعتقد بوجود خلاف جوهري بين السنة والشيعة، ومنهم من يقتنع بوجود الخطر لكنه لا يملك الأدوات العملية لمواجهته، ومنهم من يقتنع بوجود الخطر لكنه لا يوليه الاهتمام الملائم ويعتقد أن هناك تحديات سياسية لها أولوية مقدمة على خطر إيران.

 

 

 



[1] - مدير الأمن العام ورئيس جهاز المخابرات العراقية في الثمانينيات من القرن العشرين.

[2] - تحالفات الاضداد، ص 93، هامش 89.

[3] - تحالف نشأ بين باكستان وتركيا وإيران والعراق والمملكة المتحدة عام 1955 لمواجهة المد الشيوعي.

[4] - وعد كيسنجر، ص 37-38.

[5] -By Robin Wright and Peter Baker , Iraq, Jordan See Threat To Election From Iran , Washington Post ,8  December, 2004.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق