سطور من الذاكرة\ العدد مائة وسبعة وخمسون - شوّال 1437 هـ
دول ابتلعتها إيران
الأحد 3 يوليو 2016

 هيثم الكسواني

سلسلة تتناول البلدان والأقاليم التي احتلتها إيران حديثا وجعلتها ضمن دولتها، والمعاناة التي تكبدتها الشعوب جراء ذلك، وطرق مقاومتها للاحتلال الإيراني.

7- البختيارية والقشقاي

ينبغي التنويه في البداية (وكما سبق أن نبّهنا في الحلقات السابقة عن الأحواز وبلوشستان وكردستان ولورستان ومناطق التركمان وأذربيجان) إلى أن احتلال إيران لمناطق البختيارية والقشقاي، وإن كان قد سبق قيام الثورة الخمينية ودولة الملالي سنة 1979م، إلاّ أن دولة الملالي لم تبادر إلى تصحيح الأخطاء أو الخطايا التي اقترفتها الدولة / الدول التي سبقتها، والتي ثارت عليها بحجة أنها دولة ظالمة لا تلتزم بشرع الله عز وجل، ولم تبادر إلى نصرة المظلومين والمستضعفين كما زعمت ثورتُها والشعارات التي أطلقتها، بل على العكس من ذلك تماما، رسّخت احتلالها لهذه الأقاليم والبلدان، ونهبت خيراتها، وأمعنت في مسخ هويتها، واضطهاد أهلها وإذلالهم، خاصة إذا كانوا من أهل السنة.

نبذة تاريخية وجغرافية

أولاً: البختيارية

                    

البختيارية هم قبائل مستقلة تعتبر فرعا من اللور، ولهم لغتهم أو لهجتهم الخاصة، التي تسمى البختيارية أو اللورية البختيارية، ويشكلون قومية مستقلة. ولا زال الكثير منهم يعيشون حتى الآن حياة البداوة والترحال، في حين أن الغالبية استقرت في حياة حضرية، ويتواجدون في مناطق غرب إيران، وشرق محافظة عربستان (التي أبدلت إيران اسمها إلى خوزستان) ومحافظتي جهار محل وبختياري، وبوير أحمد.

ولا تتوفر إحصائيات موثوقة عن أعداد البختياريين في إيران، ولا عن غيرهم من القوميات، لكن الإحصائيات الرسمية الإيرانية لعام 2011م، ذكرت أن عدد سكان محافظة جهار محال وبختياري بلغ 900 ألف تقريبا، في حين تجاوز عدد سكان محافظة بوير أحمد 658 ألفا، أما في الأحواز العربية فوصل عدد (اللور والبختياريين) إلى أكثر من مليون و 600 ألف نسمة.

       ولا يُعلم على وجه الدقة إن كان البختيارية اعتنقوا التشيع بفعل إكراه الصفويين أم اعتنقوه قبل ذلك، أي قبل قيام دولة الصفويين الشيعة وإجبارهم أهل السنة على اعتناق التشيع، لكنّ الثابت أن البختيارية عانوا من التشيع ودُوله، فبعد أن تعاقبت الدول والإمارات الإسلامية على بلادهم، خضعت الأراضي البختيارية لحكم الصفويين، الذين لجأوا، كما يقول المؤرخ "كروزنسكي" إلى سياسة بث الفرقة والنزاع بين اللور والبختياريين من أجل السيطرة عليهم، حتى أصبحت في عهد الشاه الصفوي عباس الأول سياسة رسمية.

وفي عام 1148هـ (1735م) هاجم نادر شاه، ملكُ الأفشار، البختياريين، محاولاً إخضاعهم لسلطانه، فقتل العديد منهم، وأبعد قسما منهم إلى خراسان، كما هاجم كريم خان الزند منطقة البختيارية، وبعد الاستيلاء عليها أوكل زمام أمورها إلى نائب السلطنة (علي مردان خان).

        ولم يختلف الوضع في عهد الدولة القاجارية، التي كانت تشنّ عليهم الحروب لإخضاعهم، ومع ذلك قام أحد زعمائهم، وهو محمد تقي خان جهار لنك، بالثورة على حكام القاجار، وتمكّن من السيطرة على جميع مناطق الأحواز الشرقية وقسم من أراضي مقاطعة فارس، وفي عهد محمد شاه القاجار، تحرك شفيع خان البختياري، وبأمر من محمد تقي خان جهارلنك، ليسيطر على معظم مقاطعة فارس ومقاطعة كاشان، لكن الطموحات البختيارية بدولة مستقلة تبخرت بعد أن تخلى عنها البريطانيون، وتحوّل محمد تقي خان من زعيم ثائر إلى متمرد يتوارى عن الأنظار.

ثانيًا: القشقاي

              

أما القشقاي فقبائل تركمانية شيعية، تتحدث اللغة التركية، ويشكلون قومية مستقلة، ولهم بيئتهم وثقافتهم المستقلة، ويمتهن رجالها الرعي، في حين تعمل النساء في حرفة النسيج. ويقدر عدد أفرادها بمليون ونصف المليون نسمة، أو أكثر بقليل، من مجموع سكان إيران البالغ 80 مليونا تقريبا، ويتركزون في محافظة فارس، وخاصة عاصمتها مدينة شيراز، وكذلك مدينة أصفهان، عاصمة محافظة أصفهان.

أما الاسم "قشقاي"، فيُعتقد أنه مأخوذ من اسم أحد حكام محافظة فارس من قِبل الصفويين، وهو جاني آغا قشقايي، أو أنه يعني "الحصان الأبيض" باللغة التركية.

ويُعتقد أيضا أن قبائل القشقاي، التي تعتبر من أهم قبائل التركمان في منطقة وسط آسيا، نزحت من القوقاز في عهد قائد التتار جنكيز خان إلى محافظة فارس الإيرانية قبل ألف عام. ويُعتبر القشقاي من نسل قبيلة آق قويونلو السنية، التي كان لها دولة في شرق الأناضول وأذربيجان وبلاد فارس والعراق وأفغانستان وتركستان  بين عامي 1467- 1502م، وقضى عليها الصفويون، واحتلوا عاصمتها تبريز، وأقاموا على أنقاضها، وأنقاض غيرها من الدول والأقاليم، دولتهم الشيعية في بدايات القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي).  

وبعد القضاء على دولتهم، أَجبر الصفويون "الآق قويونلو" على النزوح إلى المناطق الجنوبية من إيران، في حين استقر آخر حكامها، مراد بن يعقوب بن أوزن حسن الطويل، في مدينة ماردين (في جنوب شرق تركيا على الحدود مع سوريا).

ولعلّ انحدار القشقاي من قبائل "الآق قويونلو" يؤكد أصولهم السنية، كما يؤكد بوضوح ما مارسه الصفويون من بطش وقمع لتشييع أهل السنة، وتحويل إيران وما جاورها إلى دولة شيعية.

 

بعض ممارسات إيران العنصرية والقمعية تجاه البختيارية والقشقاي

1-  ضرب القوميات غير الفارسية في إيران بعضها ببعض، من أجل إضعافها وإحكام السيطرة عليها، وإضعاف الروابط فيما بينها، وإشغالها عن مقاومة العدوان الإيراني على مناطقهم، فعلى سبيل المثال عمدت السلطات الإيرانية منذ احتلال الأحواز العربية سنة 1925م، إلى نقل أعداد كبيرة من البختيارية واللور من مناطقهم إلى الأحواز، وتوطينهم فيها على حساب أراضي المزارعين العرب الأحوازيين، الأمر الذي جعل كثيرا من الأحوازيين ينظرون إلى قدوم هؤلاء البختياريين على أنه احتلال لا يختلف عن الاحتلال الإيراني أو الفارسي لبلادهم، ودعوا إلى مقاومتهم ورفع السلاح في وجوههم.

واعتبر بعضُ الأحوازيين البختيارية مؤامرة وأداة من أجل التغيير الديمغرافي في الأحواز المحتلة، وعدّوهم "الأخطر على النضال الوطني الأحوازي إذا ما تمكن العدو الإيراني من استثمارهم". وحذّروهم من أن الشعب الأحوازي سوف يتعامل معهم كما يتعامل مع باقي المستوطنين في الأحواز شأنهم شأن جنود الاحتلال الإيراني. كما أنه "ليس هناك حق للبختياريين أن يتصوروا أن الأحواز ولاية بختيارية".

2-   تشويه صورتهم في الإعلام الرسمي، ومن ذلك عرض قنوات حكومية في إيران في شهر شباط/ فبراير من العام 2014م، مسلسلا يدعى "الأرض العتيقة" تدور أحداثه خلال فترة حكم الشاه محمد رضا بهلوي التي استمرت من أربعينيات إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي، ويصوّر عائلة بختيارية على أنها فاسدة وحديثة الثراء وملَكية، وأن البريطانيين هم من جعلوا لهذه القبيلة اسمًا وسمعة، ما أدّى إلى قيام البختياريين باحتجاجات في عدة مدن ضد المسلسل، الأمر الذي اضطر السلطات الإيرانية إلى وقفه.

وحول تعامل إيران وإعلامها الرسمي مع بني جلدته، يقول أحد الكتّاب البختياريين، ويدعى سياوش جهانبخش بختياري في مقال له: كنتُ سعيدا جدا عندما شاهدتُ الإعلان عن المسلسل، وكنت أعدّ الأيام حتى يبدأ وأستمتع بمشاهدته على التلفاز، ولكن بعد مشاهدة إحدى حلقاته أصبتُ بالذهول لأن المحافظة (جهار محال بختياري) تحولت إلى كتلة من الغضب بسبب الشعور بالإهانة والاتهامات التي لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة.

ويضيف الكاتب: نحن شعب لم نطالب يوما بالاستقلال عن الحكومة المركزية في طهران، ودائما ما نقف في الصف الأول للدفاع عن تراب هذه البلاد، كما أننا نتبع المذهب الشيعي الاثنا عشري قبل الحقبة الصفوية وبعدها. والآن وفي ظل الجمهورية الإسلامية نواجه، ومع الأسف الشديد، مثل هذه الاتهامات والإهانة للقبائل البختيارية.

ويشير الكاتب إلى حوادث سابقة مماثلة بالقول: لقد سبق أن وُجهت مثل هذه الإهانات إلى الشعب البختياري في مسلسلات سابقة مثل “القبعة البهلوية” و“مدينة سامان صمصام خان”، وتم تبرير ذلك آنذاك بأن الأمر مجرد تشابه أسماء مع القيادي البختياري المعروف صمصام السلطنة بختياري، إلا أن الأمر في مسلسل “الأرض العتيقة” تجاوز التلميح إلى التصريح، من خلال استخدام صورة علي خان قلي خان سردار أسعد بختياري ...

3-  منعهم من التعلم بلغاتهم الخاصة، كما هو حال بقية القوميات غير الفارسية في إيران.

 

أهم المراجع

1-  الأمة في مواجهة الصعود الإيراني، تقرير ارتيادي صادر عن مجلة البيان، 1437هـ/ 2016م.

2-   مواقع: ويكيبيديا، ميدل إيست أونلاين، شبكة البصرة، أورينت نيوز، الحوار المتمدن، فيتوغيت، تبيان.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق