موقف الحزب الإسلامي من الهجوم على الفلوجة.. المبررات والدوافع
الأحد 5 يونيو 2016

 خاص بالراصد

 

لا يخفى على المتابع للشأن العراقي، موقف الحزب الإسلامي العراقي المخزي من الهجوم على الفلوجة، والحزب يمثل الواجهة السياسية للإخوان المسلمين في العراق، موقف يكاد لا يختلف كثيرا عن موقف إيران وميليشياتها.

فالحزب لم يكتف بالصمت عن جريمة شركائه في العملية السياسية وإنما راح وعبر مواقعه الرسمية والإعلامية يروج لهذه الهجمة، وكتبوا على موقع حزبهم الإلكتروني عبارة "نتطلع لنصر قريب في الفلوجة" مستخدمين عبارات يظنون أن بإمكانهم التلاعب بمدلولاتها فيما بعد، فيفسرونها لمن ينتقدهم "بنصر المدينة وأهلها على داعش"، وهو أسلوب ملتوٍ تعوّد الحزب الإسلامي وأتباعه على استخدامه.

الأشنع من ذلك كله أن الحزب لديه مجموعة من أبناء العشائر في الفلوجة شكل بهم صحوات تقاتل جنبا إلى جنب مع الميليشيات وتقصف الفلوجة، وليس هذا بالأمر الغريب أو الجديد عليهم فقد فعلوا الشيء نفسه في العام 2007 وعملوا على تصفية وقتل عدد من أفراد المقاومة العراقية الذين لا علاقة لهم بتنظيم القاعدة بدعوى أنهم يتبعون التنظيم وهم يعرفون جيدا مرجعية من استهدفوهم بالقتل.

أما لماذا يفعل الحزب كل ذلك وما هي دوافعه ومبرراته؟ فهنا لابد لنا من الرجوع إلى الوراء قليلا لأن ذلك سيساعدنا في فهم سلوك هذا الحزب وأتباعه، فعندما تأسس الحزب الإسلامي في ستينيات القرن الماضي كان هدفه الوصول إلى السلطة مستخدما ورقة الدين التي تعد ورقة رابحة في كل زمان ومكان، وحتى صراع الإخوان الخفي قبل احتلال العراق والمعلن بعده مع حزب البعث لم يكن صراعا عقديا بقدر ما هو صراع على السلطة.

فالثاني حكم البلد ولم يترك فرصة لغيره في المشاركة، وبعد الاحتلال بقي الصراع بينهم قائم لأن الإخوان فشلوا في توسيع عباءتهم ليدخل تحتها أهل السنة كلهم، بينما استخدم حزب البعث منجزات الحكم السابقة في الترويج لنفسه، هذا الصراع القديم وهدف الوصول إلى السلطة كانا السبب وراء ارتماء إخوان العراق في حضن بريطانيا والغرب عموما ليبدأ مشوار التآمر على العراق وإن كان ذلك على حساب أهل السنة، فالمهم الوصول إلى السلطة حتى إن كان وصولا شكليا أو جزئيا.

ومع أن الإخوان ينكرون ذلك وينكرون اشتراكهم في المؤتمرات التي هيأت لاحتلال العراق، إلا أن الحكومة العراقية التي سبقت الاحتلال رصدت هذا الأمر ووثقته، لكنها لم تتعامل مع الإخوان بالحزم الذي تعاملت به مع حزب الدعوة الشيعي الذي كان يعمل من لندن أيضا في الخط الذي عمل فيه الإخوان، كما أنها لم تتعامل مع كوادر الإخوان في الداخل بالقسوة التي تعاملت بها مع شباب التيار السلفي الذين لم يكونوا منظمين قبل احتلال العراق، فاتهمتهم بالوهابية والتبعية للسعودية وأعدمت منهم وسجنت، والسبب في ذلك سوء العلاقات بين العراق والسعودية في تلك الفترة وسيطرة كبار البعثيين الشيعة على هذا الملف!

وقد وثق بعض رجال الدولة السابقة الذين عملوا في السلك الدبلوماسي وجهاز المخابرات اشتراك الإخوان بكل المؤتمرات التي هيأت وأقرت احتلال العراق والتي تم فيها تقاسم الأدوار، وهي مؤتمرات كثيرة لكن المفصلي منها كان أربعة مؤتمرات هي: مؤتمرات لندن ونيويورك وطهران وصلاح الدين، وهي مؤتمرات ضُخم فيها دور الشيعة من خلال رفع نسبتهم في العراق وهي نسبة كاذبة، وأعطيت للعرب السنة نسبة 18% من عدد سكان العراق وهي نسبة غير صحيحة، لكن حزب الإخوان وافق عليها على أن يكون الممثل الوحيد للسنة، وإن أنكر الحزب ذلك فواقع الحال يدل عليه.

ومن هنا فإن الحزب الإسلامي ركب قطار الاحتلال الأمريكي لكنه لم يكن من ركاب الدرجة الأولى وإنما ركب مع عمال الخدمة، فكانت مهمته شرعنة هذا الاحتلال ومقرراته، فاشترك بمجلس الحكم ثم الحكومة ممثلا عن العرب السنة، وكان دائما يدفع باتجاه تحقيق رغبات الاحتلال ومنها إقرار الدستور المسخ وغير ذلك من الأمور، وقبِل بأن يكون شريكا ضعيفا لكل الأحزاب الشيعية وميليشياتها، بل كان دائم التبرير لأعضائه عندما يسأل عن فشله في تحقيق مطالب السنة، بأن علينا فهم الواقع وأن الأمر كله بيد الشيعة ووجودنا أفضل من عدمه، وبعد أن بدت السيطرة لإيران أكبر من أمريكا بعد انسحاب القوات الأمريكية تفاهم الحزب مع إيران التي كانت تريد المحافظة على كذبة أن الحكم في العراق تشاركي بين السنة والشيعة والأكراد، كما أن الإخوان سابقا لا يرون أن ملالي إيران يشكلون خطرا عليهم بل انبهروا بثورة الخميني.

ومشكلتهم في الفلوجة الآن ليست مع الميليشيات التي تسيطر عليهم وتذل أهلهم، ولكن مشكلتهم الحقيقية مع تنظيم داعش وقبله تنظيم القاعدة وقبله تنظيم التوحيد والجهاد، الذين يعد الحزب التفاهم معهم أمرا مستحيلا لسبب بسيط وهو أن هذه التنظيمات لا تعترف بغيرها سياسيا أو عسكريا، وعليه لن يتمكن الإخوان من العمل في ظل وجودهم فكل واحد منهما له مشروع مختلف عن الآخر، ولذا فالحزب يعتبر العمل مع الحكومة وإيران وميليشياتهما أفضل بكثير من ترك العمل وعدم المشاركة السياسية أو الحصول على سلطة هامشية، ولذا عليهم الوقوف بوجه هذا التنظيم وإن تطلب ذلك الوقوف مع الشيطان نفسه، وإن أبيد العرب السنة عن بكرة أبيهم، فمع كل ذلك ستبقى للإخوان فرصة تمثيل العرب السنة في العملية السياسية!

كما أن الإخوان وعلى طول خط عملهم في العراق بعد الاحتلال كانوا أصحاب مشروع "النصف خطوة"، فإن كان للعرب السنة نشاط دخلوا معهم في هذا النشاط بشكل جزئي، فإن رأوا أن الغلبة لهم وأن المشروع نجح تقدموا وتصدروا، وإن فشل المشروع انسحبوا وأنكروا مشاركتهم، وهم يفعلون الشيء نفسه مع الشيعة، الآن تقدموا خطوات مع الميليشيات وقدموا لهم الخدمات لكنهم لا يعلنون صراحة أنهم يهاجمون معهم، وعلى المستوى التنظيمي فواضح أنهم أصدروا أوامرهم لأتباعهم بالصمت، ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم الإسلامي بالدعاء لأهل الفلوجة وتناقل أخبارهم نجد أعضاء الحزب وأنصاره يصمتون عن ذلك، ليكتفوا بنشر الرقائق والطرف وبعض الأخبار العلمية.

وختاما: لابد من العلم أن الحزب الإسلامي تحركه حسابات الربح والخسارة الحزبية والمصلحية بعيدا عن قضية العرب السنة ووضعهم، وهدف الحزب التشبث بوضعه الحالي والبقاء في العملية السياسية وإن كان ثمن ذلك كرامة أهل السنة ووجودهم وهويتهم.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق