سطور من الذاكرة\العدد مائة وستة وخمسون - رمضان 1437 هـ
دول ابتلعتها إيران -6- أذربيجان
الأحد 5 يونيو 2016

 هيثم الكسواني

سلسلة تتناول البلدان والأقاليم التي احتلتها إيران حديثا وجعلتها ضمن دولتها، والمعاناة التي تكبدتها الشعوب جراء ذلك، وطرق مقاومتها للاحتلال الإيراني.

 

6- أذربيجان

ينبغي التنويه في البداية (وكما سبق أن نبّهنا في الحلقات السابقة عن الأحواز وبلوشستان وكردستان ولورستان ومناطق التركمان) إلى أن احتلال إيران لأذربيجان، وإن كان قد سبق قيام الثورة الخمينية ودولة الملالي سنة 1979م، إلاّ أن دولة الملالي لم تبادر إلى تصحيح الأخطاء أو الخطايا التي اقترفتها الدولة التي سبقتها، والتي ثارت عليها بحجة أنها دولة ظالمة لا تلتزم بشرع الله عز وجل، ولم تبادر إلى نصرة المظلومين والمستضعفين كما زعمت ثورتُها والشعارات التي أطلقتها، بل على العكس من ذلك تماما، رسّخت احتلالها لهذه الأقاليم والبلدان، ونهبت خيراتها، وأمعنت في مسخ هويتها، واضطهاد أهلها وإذلالهم، خاصة إذا كانوا من أهل السنة.

نبذة تاريخية وجغرافية

يُعتبر الأذريون ثاني أكبر مجموعة في إيران بعد الفُرس، إذ تتراوح نسبتهم بين 16 – 24% من مجموع سكان إيران بحسب بعض الدراسات، ويَدين معظمهم حاليا بالمذهب الشيعي. والأذريون يتحدثون اللغة الأذربيجانية، التي تعتبر من اللغات التركية، وهم أحد مكونات الشعوب غير الفارسية في إيران، أو ما يُعرف بالشعوب المضطهدة في إيران.

أما بلادهم فقد دخلها الإسلام مبكرا، وتحديدا في عهد الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وذلك في سنة 22هـ، التي كان فيها فتوحات كثيرة، منها فتح همذان والري وأذربيجان وخراسان، إلاّ أن انتشار الإسلام في منطقة أذربيجان كان أسرع من غيرها من البلاد المجاورة.

وتعاقبت على أذربيجان الدول والإمارات والممالك الإسلامية السنية حتى بداية القرن العاشر الهجري (16م) عندما استطاع الشاه إسماعيل أن يحتل أذربيجان وغيرها من البلدان، ويؤسس دولته الصفوية الشيعية، ويفرض فيها التشيع بالسيف والإكراه، حيث أعلن من تبريز (عاصمة أذربيجان) سنة 907هـ (1502م)، قيام الدولة الشيعية الإثنى عشرية، وجاء ذلك مقرونًا بقتل 20 ألفا من أهل تبريز السنة، في حين هرب عدد من أهلها إلى أراضي الدولتين العثمانية والمملوكية طلبا للنجاة، وتشيع –بالإكراه- من بقي منهم على قيد الحياة.

وتعتبر أذربيجان اليوم مقسمة إلى قسمين:

الأول: أذربيجان الشمالية، وهي دولة مستقلة، كانت تتبع للاتحاد السوفييتي حتى عام 1991م، عندما حصلت على استقلالها، أو بالأحرى استعادت استقلالها.

الثاني: أذربيجان الجنوبية، التي تحتلها إيران، وتقع في شمال غرب البلاد. ويتواجد الأذريون في إيران بشكل أساسي في محافظات: أذربيجان الشرقية، وعاصمتها تبريز، وأذربيجان الغربية، وعاصمتها أرومية، وأردبيل، وعاصمتها أردبيل، وزنجان، وعاصمتها زنجان، بالإضافة إلى تواجدهم الكبير في العاصمة طهران، وفي محافظتي قزوين وغُلستان.

وتذهب بعض الإحصائيات إلى أن الأذريين وبقية الأتراك كالتركمان والقاشقاي وغيرهم، يشكلون 40% من إجمالي سكان إيران، ما جعل العديدين يصفون العاصمة الإيرانية طهران بأنها أكبر مدينة تركية في العالم، أو ثاني أكبر مدينة تركية في العالم بعد إسطنبول، حيث يشكل الترك 60% من سكان طهران.

وقد جاء في سبب تسميتها بأذربيجان أقوال عديدة منها أن الكلمة تعني "بيت النار" حيث كانت بيوت النار منتشرة في أذربيجان بكثرة.

بعض ممارسات إيران العنصرية والقمعية في أذربيجان

على الرغم من أن المرشد الأعلى الحالي لإيران علي خامنئي ينحدر من أذربيجان، وعددا آخر من المراجع والمسؤولين، وبالرغم من أن معظم الأذريين شيعة، إلاّ أنهم – كسائر المكوّنات غير الفارسية في إيران- يتعرضون لمختلف صنوف الإقصاء والتهميش وطمس الهوية، والتي يمكن تلخيصها في الآتي:

1-  عدم الاعتراف بثقافتهم وهويّتهم المستقلة، أو بِلغتهم الأذربيجانية التركية، أو السماح لهم باستخدامها في التعليم، ما جعل الطلاب الأذريين في بداية العام الدراسي، في 23 سبتمبر/ أيلول من كل عام يقاطعون المدارس احتجاجا منهم على حرمانهم من التعلّم بلغتهم، ولِلفت انتباه المسؤولين إلى انتهاك أحد حقوقهم. وقد اقتنع الأذريون بكذب المسؤولين في هذا الشأن، فقبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وعد الرئيس حسن روحاني الأذريين بتأسيس "مجمع للثقافة واللغة التركية في أذربيجان" كاعتراف منه بخصوصيتهم الثقافية، لكن بعد فوزه بالرئاسة تجاهل مطلبهم هذا، وافتتح بدلا من ذلك "مؤسسة أذربيجان للثقافة والفن والأدب" ما اعتبره الأذريون حركة التفافية وصورة مشوهة لما طالبوا به.

2-  تشويه صورة الأذريين في وسائل الإعلام، واحتقارهم، ففي مايو/ أيار 2006م، قامت صحيفة حكومية بنشر صورة كاريكاتيرية لحشرة الصرصار وهي تتحدث اللغة الأذرية، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات في عدّة مدن إيرانية. وتكرر الأمر في سنة 2015م، وعلى شاشة التلفزيون الإيراني، إذ ظهر في برنامج أسبوعي، رجل من الأتراك الأذريين يقف مع ابنه في فندق بالعاصمة طهران، يشتكيان من رائحة الغرفة التي يقطنان فيها، فيما يكتشف صاحبُ الفندق لاحقاً، أن السبب وراء الرائحة هو فم الطفل الذي كان ينظف أسنانه بفرشاة تنظيف المرحاض.

3-   اتهام الأذريين للحكومة الإيرانية بإهمال بحيرة أرومية، في شمال غرب إقليم أذربيجان، والتي تعد ثاني أكبر بحيرة مالحة في العالم، ما أدى إلى جفافها، الذي أدى بدوره إلى الإضرار بالزراعة والثروة الحيوانية في المنطقة المحيطة بها، نتيجة للرياح المحملة بأملاح المناطق الجافة من البحيرة.

4-  إغلاق صحفهم ومطبوعاتهم الناطقة بلغتهم واعتقال صحفييها وسجنهم، وعلى سبيل المثال فقد أغلقت السلطات الإيرانية مؤخرا صحف ومطبوعات: يربق وديلماج ونداء أذربيجان وراوي وشمس تبريز ويشمك. وفي سنة 2007، أُلقي القبض على الصحفي سعيد ماتنبور، وهو ناشط ثقافي من مدينة زنجان، وحوكم محاكمة غير عادلة بدون حضور محامٍ له. وفي يونيو/ حزيران 2008م، حُكم عليه بالسجن 8 سنوات بتهمة الدعاية ضد النظام الإسلامي، وإقامة علاقات مع الأجانب. ويعمل ماتنبور على نشر انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، ويدعو إلى زيادة الحقوق السياسية والثقافية واللغوية للجماعات الأذرية التركية في إيران.

5-  تغيير أسماء مدن وقرى تركية في إقليم أذربيجان إلى أسماء فارسية.

6-  رزوح العشرات من النشطاء الأتراك الأذريين في سجون إيران بسبب تشكيلهم لأحزاب علنية خاصة بهم أو المطالبة بحقوقهم الثقافية.

7-  محاولة إضعاف روابطهم مع وطنهم الأم، فعمومًا تتّسم علاقات إيران بجمهورية أذربيجان بالفتور والتوتر، بسبب أنشطة إيران الاستخباراتية في الأراضي الأذربيجانية ومحاولاتها التدخل بشؤونها، واتخاذها موقفا مؤيدا لأرمينيا في نزاعها الحدودي مع أذربيجان، وحديث الأذريين بين الحين والآخر عن استعادة الجزء المحتل من بلادهم، ومما قامت به السلطات الإيرانية لإضعاف الروابط بين شطري أذربيجان الحدّ من انتقال الأذريين لديها من وإلى أذربيجان، أو حتى الزواج منهم.

 

مقاومة الأذريين للاحتلال الإيراني

تتنوع الوسائل التي يستخدمها الأتراك الأذريون في مقاومة الاحتلال الإيراني الفارسي لمناطقهم، ومِن ذلك التظاهرات، إلاّ أن اللافت في الآونة الأخيرة هو استغلالهم للملاعب الرياضية والمباريات للتعبير عن آرائهم وانتقاد السياسات الحكومية، وإن كانت المعارضة إجمالا تتّسم بالسلمية، والبعد عن العمل العسكري، كما هو الحال في بلوشستان مثلاً، ويمكن تقسيم المعارضة الأذرية للاحتلال الإيراني إلى قسمين:

الأول: يركّز على الحصول على الحقوق الثقافية، واستعمال اللغة الأذربيجانية في التعليم وفي وسائل الإعلام، والاعتراف بالخصوصية الثقافية. ففي 20/5/2015م، على سبيل المثال، نظم مئات الأذربيجانيين تجمعا احتجاجيا أثناء وبعد زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني لتبريز، وإلقائه كلمة في ملعب المدينة، حيث قامت قوات الشرطة والأمن بقمع التجمع الذي هتف المشاركون خلاله بشعارات تطالب بالحقوق القومية للشعب التركي الأذري في إيران ورفع التمييز والاضطهاد الثقافي عنه، كما رفعت الجماهير البطاقة الحمراء (الكرت الأحمر) بوجه روحاني تنديدا بأكاذيبه وسياسات نظامه وإعرابا عن عدم الترحيب به وبزيارته.

الآخر: يطالب بالاستقلال عن إيران، والانضمام إلى الوطن الأم في جمهورية أذربيجان، لا سيّما وأن هذا المطلب بدأ يلقى قبولا متزايدا على الضفة الأخرى، أي من جمهورية أذربيجان، حيث طالب بعض أعضاء مجلس النواب الأذربيجاني، في فبراير/ شباط 2012، بتغيير اسم الدولة من أذربيجان إلى أذربيجان الشمالية، للتذكير بالجزء الجنوبي المحتل من إيران، كما طالبوا بإجراء مراجعة قانونية لمعاهدات تاريخية منحت روسيا وإيران الحالية سيطرة على مناطق أذربيجانية.

        أما في داخل إيران فتجدر الإشارة إلى ما حدث في إحدى مباريات كرة القدم في طهران من قِبل الجماهير الأذرية التي رفعت لافتة كبيرة كتب عليها بالإنجليزية "أذربيجان الجنوبية ليست جزءًا من إيران". كما دأب مشجعو فريق "تراختور" الأذربيجاني على رفع قبضاتهم بشكل يرمز إلى "الذئب الرمادي"، الذي يرمز بدورِه إلى استقلال أذربيجان أو التحاقها بشقيقتها أذربيجان الشمالية.

        وفي تطور لافت للمعارضة في أذربيجان ضد السياسة الفارسية، وعدم حصرها بالمطلب الثقافي واللغوي، لوحظ في بعض المباريات، ليس في ملعب تبريز فحسب، بل في ملعب "آزادي" بطهران ترديد هتافات من قبيل "الخليج عربي وليس فارسيًا"، وذلك لإثارة أحاسيس الفرس في إيران تجاه اسم الخليج، حيث يؤكد الإعلام الإيراني ليل نهار على فارسيته، أولاً: تضامناً مع الشعب العربي الأحوازي، وثانياً: تحدّياً للقوميين الفرس الذين يتعصبون لاسم الخليج الفارسي، فيما لا يحركون ساكناً، بل يؤيدون تغيير أسماء مدن وقرى تركية في إقليم أذربيجان إلى أسماء فارسية.

ومما لابد من الالتفات إليه إلى أن الأذريين –بحكم نسبتهم الكبيرة في إيران وانتمائهم للمذهب الشيعي- قادرون على إعطاء زخم أكبر لقضية الأقليات والقوميات غير الفارسية، لذلك ثمة من يعتقد أن السلطات الإيرانية تخشى حراك الأذربيجانيين أكثر من حراك الشعوب الأخرى غير الفارسية.

أهم المراجع

1-  دراسة: الأذريون في المجتمع الإيراني.. بين التهميش والدمج، قاسم عبد الوهاب، المنشورة ضمن كتاب "الأمة في مواجهة الصعود الإيراني"، تقرير ارتيادي صادر عن مجلة البيان، 1437هـ/ 2016م.

2-  معجم البلدان، ياقوت الحموي، 1979.

3-  مقابلة مع الأمين العام لمركز مناهضة العنصرية في إيران، يوسف عزيزي، صحيفة إيلاف، 27/5/2015.

4-  مواقع وصحف: العربية نت، ترك برس، مفكرة الإسلام، ويكيبيديا.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق