تعرجات التيار الصدري
السبت 7 مايو 2016

 صباح العجاج– كاتب عراقي

خاص بالراصد

تمهيد:

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003، تمسّك هذا التيار بمقتدى الصدر كونه الوريث الوحيد للمرجع العراقي محمد محمد صادق الصدر، وكان عندهم رؤى وتطلعات خاصة شيعية تختلف عن بقية التيارات عبّر عنها كاتبهم عادل رؤوف في العديد من مؤلفاته، هذه الرؤى عن كيفية قيادة العراق وعن تشكيل حوزة شعبية جماهيرية، ورغم أننا لم نر هذا مطبقا في سلوك الصدريين منذ  سنة 2003 لكن كثيرا منهم لا زال يحلم بتطبيقها، وكذا غير الصدريين من الشيعة العلمانيين، واليساريون يرون إمكانية التعاون بينهم وبين التيار الصدري الديني في تكوين مشروع لقيادة العراق، لكن الصدر وتياره حورب من قبل إيران، ومن قِبل بقية التوجهات الدينية الشيعية في سدّة الحكم، والسنة لم ينسوا الجرائم البشعة التي مارسها أصحابه تجاه العرب السنة بدافع ذاتي طائفي وبدافع إيراني، لذا بات التيار غير مرغوب به وغير موثوق بسلوكه.

واليوم سيطر جمهور التيار الصدري على الشارع متظاهرا في بغداد قرب المنطقة الخضراء، منتظرا حكومة التكنوقراط التي وعد بها رئيس وزراء العراق حيدر العبادي، ووصل الأمر ذروته عندما اقتحم مؤيدو التيار الصدري البرلمان، ومن ثم انسحبوا لخارج البرلمان وبقوا داخل المنطقة الخضراء في ساحة الاحتفالات، وتعالت هتافاتهم علنا ضد إيران وضد قاسم سليماني، ومن ثم جاء القرار بالانسحاب من المنطقة الخضراء، وجاءت طائرة إيرانية من شركة (إيران أون لاين) إلى مطار النجف ليغادر عليها مقتدى الصدر([1])إلى إيران، بعد أن أعلن أنه سيعتكف شهرين معتزلا السياسة!!

كل هذه الأحداث جرت في 3 أيام، ولا يزال الجميع ينتظر أن يفهم مستقبل الحكومة العراقية والبرلمان العراقي، إلى أين تسير، بل العراق كله إلى أين يسير؟

 

ما هو التيار الصدري؟

 صحيح أن التيار الصدري ظهر بهذا الاسم بعد الاحتلال في 2003م، لكن وجوده الحقيقي أقدم من ذلك، فهو يمتد إلى نهاية أيام والده الذي قتل سنة 1999م([2])، والذي كان يطلق على تياره اسم (الحوزة الناطقة)([3])، وساهم ذلك بأن يكون لهم دور بارز في مرحلة ما بعد الاحتلال([4]).

في بداية الاحتلال برز التيار الصدري كقوة جماهيرية عربية شيعية، واجهت العديد من القوى الشيعية الأخرى، فكان مُستهل أعمالها قتل عبد المجيد الخوئي في النجف وتصفيته، باعتباره أحد المتهمين بقتل والده، وفي أواخر سنة 2003 تأسس جيش المهدي([5]) كقوة عسكرية تابعة للتيار الصدري، بحجة مواجهة القوات الأمريكية، فحصلت اشتباكات مع الشرطة العراقية والأمريكان بداية 2004، كما قام بعدة عمليات لتصفية خصومه من المجلس الإسلامي الأعلى، وجناحه العسكري قوات بدر، وقام جيش المهدي بحماية مناطق الشيعة ببغداد وخاصة مدينة الثورة (الصدر) حاليا، والشعلة من الأمريكان، وجرت معارك عدة في بغداد ومحافظات الجنوب والوسط كان من أشهرها معركة النجف، وحصار القوات البريطانية سنة 2007، ثم جرى تجميد نشاط جيش المهدي.

وأبشع جرائم جيش المهدي تجاه السنة ما حصل بعد تفجيرات مراقد العسكريين في سامراء، حيث شنّ جيش المهدي حملة إبادة جماعية لأهل السنة([6])، من قتل وحرق وغصب للمساجد في بغداد وجميع المدن، كما أنه قام بتصفية العديد من الفلسطينيين المقيمين في العراق([7])، وتهجير المسيحيين والصابئة، بعد أن كانت هذه مهمة المجلس الأعلى وفيلق بدر([8])، لكن بسبب قلة حجم أتباع المجلس الأعلى الذي ترعرع في إيران عجزوا عن تنفيذ المشروع الإيراني الكبير في السيطرة على الدولة العراقية؛ ومعالجة الوجود السني إما بالقتل، والتهجير، والإذلال، فدفع التيار الصدري وجيش المهدي لتنفيذ المهمة.

واستمر هذا الأمر لحين هزيمته في معركة صولة الفرسان مع القوات العراقية بالتعاون مع القوات البريطانية والأمريكية في زمن المالكي –بسبب الصراع الشيعي الشيعي- سنة 2008 في مدينة البصرة، فتخلص العراقيون من جرائم جيش المهدي وهرب مقتدى إلى إيران، لتكتمل الخطة الإيرانية في اصطياد التيار الصدري كما سنبين.

موقف السُنّة من التيار الصدري:

كان كثير من التوجهات القومية كحزب البعث([9]) وغيره تؤمل في التيار الصدري أنه سيكون القوة الشيعية المتعاونة مع بقية القوى الوطنية في ضرب المحتل الأمريكي، وأنه شريك في الوطنية، كما أن العديد من النخب والدول لا تزال تبني على هذا التيار آمالا عريضة، ونستطيع القول إن على رأس هؤلاء التوجهات القومية([10])، التي كانت تنتظر أن يقاطع العملية السياسية الجديدة ولا يشارك في الانتخابات، لكنهم في سنة 2005م علموا كذب ظنهم([11]).

وممن كان يعول على التيار الصدري هيئة علماء المسلمين التي تبينت أنها غير مصيبة فيما بعد، وكذلك عوّل عليه ولا يزال يعول العديد من النخب الشيعية والسنية، التي تؤمن بالوطن والمواطنة، وتريد شريكا شيعيا غير طائفي وترى هذا الشريك في التيار الصدري للآن! وكل هذه الرؤى كانت تصطدم بسلوك التيار الصدري الطائفي وسلوكه الإجرامي والإرهابي، وبُعده عن الرؤية الوطنية التي يدّعيها.

موقف إيران من التيار الصدري:

التيار الصدري تيار تأسس على قواعد شيعية طائفية، لكنه تيار عراقي عربي، ويعتبر أكبر تيار شيعي ديني داخل  شيعة العراق، وله تقاطع مع تيار محمد باقر الصدر، وهما لا يحملان فكر ولاية الفقيه؛ لذا فإن إيران في البداية لم تعوّل على الصدريين أبدا وكان هذا واضحا منذ بداية الاحتلال، كما كانت لا تعول على حزب الدعوة سابقاً، ولكن التعويل الإيراني كان على منظمة بدر والمجلس الأعلى اللذين هما ربيبة وصنيعة إيران ويقودهما أشخاص يملكون ولاءً وتبعية لإيران.

ولأن إيران تريد من الشيعة غير الإيرانيين أن يكونوا أتباع لها فقط، لا شركاء أو أصدقاء لمشروعها الطائفي، ولذلك فهي ترفض أي شيعي لا يؤيد ولاية الفقيه([12])بل من يخالف إيران من الشيعة يحارب وقد يقتل ويُقاتل؛ من أجل ذلك عملت إيران على شق حزب الدعوة وتقسيمه وأخرجت منه المجلس الأعلى في ثمانينيات القرن الماضي، وفي الحاضر قتلت إيران محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى عندما أراد الاستقلال عن إيران والتعاون مع أمريكا عقب الاحتلال، فجرى تصفيته من قبل أصدقاء إيران([13]) وبترتيب منها في 8/2003م!

لكن سياسة وسلوك إيران البراغماتية من جهة والنفس الطويل من جهة أخرى جعلتها تقبل بالواقع الصدري وتتعاون معه باستراتيجية تنتهي بالتيار الصدري إلى أن يصبح أسيراً لديها ورهن إشارتها، فكانت توجيهات المرشد خامنئي لحسن نصر الله بالاستفادة من شعبية مقتدى داخل الوسط الشيعي، وفعلا تمّ التواصل بين الرجلين وساعد نصر الله مقتدى على تشكيل جيش المهدي كقوة ظاهرها مواجهة المحتل، ثم ظهرت حقيقته الطائفية في حرب السنة وتهجيرهم وإبادتهم لصالح المشروع الإيراني.

لكن التيار الصدري وجيش المهدي بعد معارك النجف مع القوات الأمريكية، شعر بضعفه وقلّة موارده فلجأ مقتدى إلى إيران حتى لا يلقى القبض عليه، وهناك بدأت إيران تنفذ خطتها في تدجين مقتدى والتيار الصدري وجيش المهدي وتحويلهم لقوة ضاربة لصالحها، ولم تقتصر الخطة على مقتدى بل امتدت من قبل للتواصل مع القيادات العسكرية داخل جيش المهدي.

فاستطاعت إيران أن تسحب من جيش المهدي أحد قياداته وهو قيس الخزعلي لتشكل جيشا/ ميليشيا جديدة أسمتها (عصائب أهل الحق) ليكون تابعا لها في الحقيقة، وسحبت من جيش المهدى كذلك عدة فصائل صغيرة، حتى غدا ضعيفا عسكريا وورّطته في الحرب مع الأمريكان، ثم كانت القاصمة بصولة الفرسان التي قادها المالكي ضدهم سنة 2008 والتي أنهت وجود جيش المهدي عسكريا، مما لجأ معه مقتدى لإعلان تجميد جيش المهدي، وبانسحاب العصائب منه أصبح التيار الصدري بدون قوة لمدة خمس سنوات تقريبا (2009-2014)،ولجأ إلى الاعتماد على القوة الشعبية والسياسية.

وفي غياب جيش المهدي برزت قوى عسكرية (ميلشيات) أخرى تابعة لإيران كبديل عن القوة الرسمية (الجيش والشرطة)، وكان هذا ما تريده إيران وتخطط له.

كانت مشكلة التيار الصدري هي كبر حجمه وحاجته الكبيرة للمال لتنظيم صفوفه، فليست لديه مرجعية تجمع الخمس، وليست لديه دولة تدعمه، وما يحصل عليه التيار الصدري من المال المنهوب من الدولة نتيجة الفساد من العقود والوزارات التي حصل عليها لا يكفي لسد حاجته، وكانت هذه نقطة ضعفه، وفي كل انتخابات كان التيار الصدري يستخدم وسيلة الضغط على البيت الشيعي لتحصيل مكاسب مالية ومناصب داخل الدولة العراقية، ولذلك بقي للتيار وجود سياسي في الانتخابات العراقية بحصة من النواب والوزراء لا بأس بها ووجود في عدد من مجالس محافظات الوسط والجنوب.

البيت الشيعي والتيار الصدري:

كوّن أحمد الجلبي البيت الشيعي، وجمع فيه كل القوى الشيعية والأحزاب ومن بينها التيار الصدري، والذي دخل كأحد الأركان الأساسيين لقوى التحالف الشيعية داخل الانتخابات، الأولى والثانية والثالثة، ومثل التيار الصدري في البرلمان كتلة الأحرار، ولم تكن علاقة الصدريين مع بقية الكتل ودّية، فقد كان لهم عداء قديم مع فيلق بدر، وللمجلس الأعلى عداوة قديمة معهم منذ أيام المعارضة في إيران (خاصة مع آل الحكيم)، ووصل الأمر إلى القتال بالسلاح، وانتقلت بعد ذلك إلى منافسات حادة حول الوزارات، وعلى مقاعد مجالس المحافظات، كما أن هناك شيء مهم وهو أن التيارات الشيعية التي عادت من الخارج استحوذت على مجلس الحكم والسلطة ولم تترك للتيار الصدري -الأكثر شعبية عند شيعة العراق - شيئا، وربما كان هذا أحد دوافع التيار لمعاداة الأمريكان لأنهم لم يمنحوه شيئا.

أما علاقات التيار الصدري مع حزب الدعوة فقد كانت جيدة، لكن حزب الدعوة هيمن على السلطة من بداية الاحتلال ليومنا (الجعفري- المالكي- حيدر العبادي)، ويمتلك حزب الدعوة حتى بعد انشقاقه نخبا وتكنوقراطا بخلاف التيار الصدري الذي أغلبه من عوام الفقراء، لكنه الأكثر شعبية، وبسبب إقصاء المالكي للصدريين ومن ثم محاربته لهم في (صولة الفرسان) تولّدت عداوات بين الصدريين و"الدعوة" عموما والمالكي خصوصا بواعثها السلطة والمال؛ لذلك كان للصدريين دور مهم في القضاء على المالكي وتنحيته من السلطة سنة 2014.

فقد لعب الصدريون دور بيضة القبان داخل البيت الشيعي، فكلما تعرض المكون الشيعي لأزمة كان التيار الصدري منقذا له، ولا يفوتنا أن نذكر محاولات العديد من النخب الشيعية العلمانية بالتقرب من التيار الصدري مثل أحمد الجلبي وإياد علاوي.

ولأن إيران تعرف أهمية الصدر من حيث شعبيته وقدرته على تخريب البيت الشيعي، الذي تحتاجه إيران للاستيلاء على العراق حيث لا يمكنها فعل ذلك والشيعة في حالة تفكك وصراع، لذا احتضنت إيران الصدر خلال الفترة 2007-2011 بحجة الدراسة في الحوزة بعد مطاردة الأمريكان والمالكي له بحجة قتل الخوئي!

عاد الصدر بعد خروج الأمريكان للعراق داعما لتيار المالكي فنصره في انتخابات 2010 لنيل الولاية الثانية له! لكن بمرور الزمن وبعد محاولة المالكي التعاون مع العصائب ومحاربة الصدر، كان الصدر يفكر مليا بطريقة لضرب المالكي، وحصل هذا في انتخابات 2014، الذي لعب فيه الصدر دورا ضد المالكي؛ لذا وقف مؤيدا للعبادي.

وبظهور داعش في منتصف 2014، وتشكيل الحشد الشعبي الشيعي منحت الفرصة لعودة جيش المهدي باسم جديد (سرايا السلام) والذي لم يشارك مع الحشد إلا في مواطن محدودة، بشمال بغداد وقرب سامراء وكان الدعم الإيراني مستندا على ثلاث شخصيات: هادي العامري، أبو مهدي المهندس، قيس الخزعلي.

بينما الصدر لا يملك مالا ولا سلاحا؛ وكان بداية تمويل الحشد بيد نوري المالكي من المليارات التي أخذها إبان حكمه، ولم يعط للصدر أي دعم، وإنما أخذ الصدر دعما من الحكومة العراقية التي دعمت كل الحشد فيما بعد رسميا.

كانت مواقف الصدر الخارجية تتماهى مع موقف تياره الطائفي وإيران، فهو يهاجم البحرين لموقفها من الشيعة فيها، ويهاجم السعودية لموقفها من إعدام نمر النمر، ودعم الحرب على الثورة السورية وأيد بشار الأسد ومنحه الأسد وساما في سنة 2012، لكن مقتدى أيضاً كان يسعى للظهور بمظهر الشيعي العربي المعتدل غير الإيراني! فزار قطر والسعودية، وغازل السنة أحيانا.

 



([1]) مقتدى هو الابن الرابع للمرجع الشيعي العراقي محمد محمد صادق الصدر، من مواليد 1973، وهو ليس مرجعا ولم يصل عند الشيعة إلى مرحلة الاجتهاد وهو يتبع خليفة والده المرجع الشيعي الإيراني كاظم الحائري. وهو متزوج من ابنة عمه المفكر المعروف محمد باقر الصدر.

([2]) هناك جدل طويل حول من قتله، فقد كان والده مشروع الدولة (زمن صدام) كمرجع عربي بديل للمراجع الإيرانيين، ولذا يستبعد البعض قتله من قبل الحكومة ويتهم إيران، لكن بعضهم يرجح قتل الحكومة العراقية له لأنه تمرد عليها.

([3]) ردا على حوزة السيستاني التي اختارت عدم الظهور فسميت الحوزة الصامتة.

([4]) راجع: محمد محمد صادق الصدر مرجعية الميدان... مشروعه التغييري ووقائع الاغتيال، لعادل رؤوف.

([5]) هناك تفاوت في تقدير عدد أفراد جيش المهدي، ويعتقد أنه بحدود 6-10 آلاف مقاتل.

([6]) لا يعني أنه لم يشارك في تصفية السنة قبل ذلك بل له مشاركات عديدة هو وفيلق بدر خاصة في مناطق جنوب بغداد. انظر (جرائم الإبادة الجماعية لأهل السنة في المحمودية 2005-2008م) د. طه حامد الدليمي.

([7])انظر كتاب (فلسطينيو العراق بين الشتات والموت) جمع وإعداد: أحمد اليوسف.

([8])  انظر كتاب (البادئون بالعدوان) د. طه حامد الدليمي.

 

 
 
 

 

([9]) حزب البعث ليس سنيا لكن هو خليط من مكونات سنية وشيعية.

([10]) من يعرقل المشروع السُنّي العراقي، حزب البعث العربي الاشتراكي، سمير الصالحي، الراصد، العدد 141.

([11]) أهكذا تورد المقاومة يا مقتدى الصدر؟ بشار الموسوي، شبكة البصرة، 2005.

([12]) انظر المحركات السياسية الإيرانية في منطقة الخليج العربي، د. عادل علي عبد الله.

 
 
 
 

 

([13]) استخدمت إيران القاعدة في تصفيته.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق