رؤية إيران 2036
السبت 7 مايو 2016

 

 د. محمد السلمي – الوطن السعودية 5/5/2016

 

النظام الإيراني الحالي لا يزال يسير وفق إستراتيجية تصدير الثورة الطائفية، عبر إهمال الداخل واستحقاقاته ومطالبه؛ مقابل إنشاء ودعم الميليشيات والجيوب المسلحة والخلايا التجسسية في المنطقة

شهدت المنطقة خلال الأسبوعين الماضيين إطلاق ثلاث رؤى واستراتيجيات مستقبلية، اثنتان منها عربية خليجية والثالثة إيرانية. فهناك الرؤية السعودية 2030 التي تمثل نقلة نوعية على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والابتعاد عن الاعتماد على النفط، وتقليص البطالة ورفع المستوى المعيشي للمواطنين، وهناك الرؤية الإماراتية 2030 التي كشف عنها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وترتكز على تحويل مدينة دبي إلى مدينة ذكية، كما تسهم الاستراتيجية في زيادة كفاءة قطاع النقل وخفض التلوث وتوفير ملايين الساعات المهدورة في التنقل وزيادة إنتاجية الأفراد، وهي نقلة إماراتية جديدة إلى جانب العديد من المشاريع التنموية والاقتصادية الهائلة التي تشهدها البلاد. وأخيرا الرؤية الإيرانية 2036 التي كشف عن جزء كبير منها الجنرال رحيم صفوي القائد السابق للحرس الثوري الإيراني والمستشار العسكري الحالي للمرشد خامنئي.

بحسب ما نشرته المواقع الرسمية الإيرانية فإن هذه الاستراتيجية تعتمد على تطوير التوجه الإيراني الحالي وترسيخه، حيث تركز على الحيلولة دون سقوط بشار الأسد، ودعم كبير لحزب الله في لبنان ليصبح في حالة اكتفاء ذاتي ماليا وعسكريا، وهذا يعني ترسيخ مشروع اختطاف الدولة اللبنانية بتنوع مكوناتها وصهرها في الفكر الميليشي المستورد من إيران الذي يمثله حزب الله، وكذلك دعم السياسة الإيرانية في العراق وضمان وجود حكومة عراقية في بغداد موالية لطهران. أظهرت الخطة الاستراتيجية الإيرانية أيضا معاداتها للتحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب ومعارضتها لتشكيله، علاوة على توجهات معادية لأنقرة ودول الخليج العربي.

هناك ثلاثة مؤشرات رئيسة يمكن استنتاجها من الرؤية الإيرانية:

المؤشر الأول، عزم إيران على الاستمرار في سياسة تدخلاتها في الشأن الداخلي العربي ورغبتها في استمرار التوترات في المنطقة وبخاصة بين إيران وجيرانها، وهذا المؤشر يقودنا تلقائيا إلى نقطتين رئيسيتين، إحداهما أن سياسة الإدارة الأميركية الحالية تجاه إيران المبنية على فكرة تحويل طهران إلى دولة طبيعية من خلال استراتيجية المرونة الدبلوماسية التي قادت إدارة أوباما إلى المراهنة على الاتفاق النووي لم تكن دقيقة، بل متفائلة أكثر مما ينبغي، والأخرى أن دول مجموعة 5+1 قد انساقت كثيرا خلف الرؤية الأميركية، وبالتالي لم تتحقق أهداف الاتفاق النووي وليس هناك أي مؤشرات ملموسة لتحقق ولو جزء يسير منها، هذا إذا صدقنا بأن هدف الاتفاق النووي هو ذلك المعلن.

المؤشر الثاني، استمرار إيران في العزف على الصراع الطائفي في المنطقة ومحاولة ضمان بقاء ناره متقدة لأطول فترة وعلى أكبر مساحة ممكنة. يظهر ذلك من خلال استراتيجية إيران 2036 التي تتمحور حول لبنان وسورية والعراق، وجميعها مناطق صراع طائفي تم إشعاله من قبل الجانب الإيراني والشواهد على ذلك كثيرة وواضحة.

المؤشر الثالث، استمرار النظام الإيراني في استراتيجية الهروب إلى الأمام وإشغال الداخل عن مطالبه واستحقاقاته من خلال خلق العداء مع الخارج لقمع أي صوت في الداخل يطالب بإصلاح أو حقوق دينية أو سياسية أو اجتماعية ومعيشية. بعبارة أخرى، في ظل محاولات البعض تصوير أن إيران في عهد روحاني مختلفة عن إيران خلال حقبة نجاد، تؤكد الحقائق على الأرض أن النظام الإيراني الحالي لا يزال يسير وفق إستراتيجية تصدير الثورة الطائفية التي يترتب عليها إهمال الداخل واستحقاقاته ومطالبه لصالح إنشاء ودعم الميليشيات والجيوب المسلحة والخلايا التجسسية والعبث بالتركيبة الاجتماعية والسياسية والدينية في دول المنطقة بهدف خدمة المشروع الإيراني. هذا يعني أيضا أن الاحتفالات الضخمة التي شهدتها شوارع المدن الكبرى في إيران إبان توقيع الاتفاق النووي والروح التفاؤلية التي سيطرت على الشباب الإيراني آنذاك قد بدأت تتلاشى في ظل ليس فقط عدم تغير أي شيء على الأرض بل تأكده بأنه لا شيء سيتغير على المستوى المعيشي خلال العشرين عاما القادمة في ظل الاستراتيجية التي تم الكشف عنها أخرا.    

خلاصة القول، ما يمكن قراءته بوضوح من رؤية إيران 2036 أن الشعب الإيراني قد يدرك أن همومه وتطلعاته ليست مأخوذة بعين الاعتبار في استراتيجية النظام للعشرين عاما القادمة، وأن التركيز على إشعال الخارج لا إرضاء الداخل، وسيظل نظام ولاية الفقيه يراهن على الوقت لإطالة عمره من خلال إشغال الداخل بقضايا هامشية وصراعات سياسية مختلقة، وكذلك إشغال الخارج بملفات مثل الملف النووي ثم الصواريخ الباليستية والآن الاستراتيجية العشرينية ولا نعلم ماذا ستكون الخطة القادمة للنظام.

نتعاطف كثيرا مع الشعب الإيراني الصديق الذي يرى دول المنطقة من حوله، وبعضها أقل ثراء من وطنه، تتقدم وتتطور في شتى المجالات، بينما يرى في بلاده أن قرابة نصف الشعب يعيش تحت خط الفقر، وتفتك المخدرات بشريحة كبيرة من فئة الشباب من الرجال والنساء، وتتقدم الأمية ويتراجع متوسط الأعمار بسبب تدهور الخدمات الصحية، وارتفاع نسب التضخم والبطالة، وكل ذلك يحدث دون أن يحرك النظام الحاكم ساكنا، والأدهى والأمر أنه يتم استفزاز الشارع بهذه الاستراتيجية، مما يعني أن الشعب لا يرى حتى اللحظة ضوءا في نهاية هذا النفق المظلم.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق