سطور من الذاكرة\العدد مائة وخمسة وخمسون - شعبان 1437 هـ
دول ابتلعتها إيران
الخميس 5 مايو 2016

 سلسلة تتناول البلدان والأقاليم التي احتلتها إيران حديثا وجعلتها ضمن دولتها، والمعاناة التي تكبدتها الشعوب جراء ذلك، وطرق مقاومتها للاحتلال الإيراني.

هيثم الكسواني – كاتب أردني

خاص بالراصد

5- بلاد التركمان

 

 

ينبغي التنويه في البداية (وكما سبق أن نبّهنا في الحلقات السابقة عن الأحواز وبلوشستان وكردستان ولورستان) إلى أن احتلال إيران لمناطق التركمان، وإن كان قد سبق قيام الثورة الخمينية ودولة الملالي سنة 1979م، إلاّ أن دولة الملالي لم تبادر إلى تصحيح الأخطاء أو الخطايا التي اقترفتها الدولة التي سبقتها، والتي ثارت عليها بحجة أنها دولة ظالمة لا تلتزم بشرع الله عز وجل، ولم تبادر إلى نصرة المظلومين والمستضعفين كما زعمت ثورتُها والشعارات التي أطلقتها، بل على العكس من ذلك تماما، رسّخت احتلالها لهذه الأقاليم والبلدان، ونهبت خيراتها، وأمعنت في مسخ هويتها، واضطهاد أهلها وإذلالهم، خاصة إذا كانوا من أهل السنة.

نبذة تاريخية وجغرافية

يُعتبر التركمان من الشعوب التركية التي سكنت منطقة آسيا الوسطى منذ القرن الخامس الهجري، وكانوا في الأصل يسكنون منغوليا، وقد عُرفوا فيما سبق باسم "الغُزّ"، وتذهب بعض الآراء حول سبب تسميتهم بالتركمان إلى أن الكلمة مكونة من مقطعين هما: ترك وإيمان، أي الترك الذين آمنوا واعتنقوا الإسلام، حيث الأغلبية الساحقة من التركمان الآن هم من المسلمين السنة ومن أتباع المذهب الحنفي.

وكان للتركمان إسهامات عظيمة في التاريخ الإسلامي، منها إسهامات دولة السلاجقة التركمان، وفتوحاتها العظيمة، وانتصارها على الروم في معركة ملاذ كرد الشهيرة سنة 463هـ، ودفاعها عن أهل السنة والخلافة العباسية، والقضاء على الدولة البويهية الشيعية التي تسلطت وسيطرت على الخلافة العباسية بين عامي 334 - 447هـ ونشرت التشيع في العراق وغيره.

ومن إسهامات التركمان كذلك جهاد الدولة الزنكية -التي أسسها عماد الدين زنكي- ضد الصليبيين وجهودها في توحيد البلاد الإسلامية، ونشر العلم.

وكان للتركمان دولٌ في إيران وجوارها قبل احتلالها من قبل الشيعة، ومن هذه الدول: الدولة البايندرية (آق قوينلو)، التي قضى عليها الشاه إسماعيل الصفوي، في بدايات القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وأسس على أنقاضها وأنقاض غيرها من الدول السنّية دولتَه الشيعية المتطرفة، التي شكلت الإلهام والقدوة للدول الشيعية التي جاءت بعدها.    

والتركمان الآن يعيشون في عدة دول منها: إيران والعراق وسوريا وأفغانستان وشمال القوقاز وجمهورية تركمانستان. وقد ضم شاه إيران السابق رضا بهلوي بعض مناطق التركمان إلى دولته في سنة 1925م، ففي تلك الفترة انطلقت طموحات الشاه بهلوي من عقالها، وأخذ يحتل الدولة تلو الدولة، والإقليم تلو الإقليم، ويضمها إلى دولته التي تأسست على أنقاض دولة القاجار، وفي تلك الفترة (الثلث الأول من القرن العشرين) استطاع بهلوي أن يحتل الأحواز العربية وبلوشستان وكردستان ولورستان ومناطق التركمان والأذريين وغيرها من الإمارات والأقاليم، مستخدما كل أساليب المكر والخديعة والبطش، ومستفيدا من الضوء الأخضر الذي أعطته إياه بريطانيا، ومردّ ذلك انتصار الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا سنة 1917م، ما دفع بالقوى الغربية إلى تأييد وجود كيان إيراني قوي وموحد يشكل حاجزا أمام الشيوعيين الروس ومحاولاتهم الوصول للمياه الدافئة.

 ولا تتوفر إحصائيات رسمية موثوقة عن عدد التركمان ونسبتهم في إيران، إلا أن التقديرات تؤكد أن عددهم يصل إلى ثلاثة ملايين نسمة من مجموع سكان إيران، حيث يتركزون في شمال، وشمال شرق البلاد على الحدود مع أفغانستان وتركمانستان.

وكما فعلت مع غير الفرس من الأحوازيين والبلوش والكرد واللور، بعثرت إيران التركمان في ثلاث محافظات هي غُلستان، وخراسان رضوي، وخراسان الشمالية، وذلك من أجل إضعافهم، وتقليل التواصل فيما بينهم، وتضييع قضيتهم، وبالتالي سهولة السيطرة عليهم.

 

بعض ممارسات إيران العنصرية والقمعية في مناطق التركمان

1-  "التفريس" ومحاربة اللغة التركمانية وثقافة السكان وهويتهم الخاصة، ومن ذلك بدء السلطات بفرض تعليم اللغة الفارسية حتى في المراحل التحضيرية التي تسبق المرحلة الابتدائية. وقد أصدرت "مجموعة مدافعي حقوق الإنسان التركمان في إيران" بيانا في شهر أغسطس/ آب 2014م، أوضحت فيه أن الحكومة الإيرانية، ورغم منعها تعليم اللغة التركمانية في المدارس، فإنها تريد البدء بفرض تعليم اللغة الفارسية حتى في المراحل التحضيرية التي تسبق المدرسة الابتدائية، في محاولة لتدمير اللغات غير الفارسية في إيران. ومن مظاهر التفريس الظاهرة في مناطق التركمان تسمية الشوارع والميادين بالفارسية بدلا من اللغة التركمانية.

2-  تغيير التركيبة السكانية في مناطق التركمان الحدودية بهدف تفريسهم، من خلال زيادة عدد غير التركمان.

3-  قتل علمائهم وإهانتهم وإيذاؤهم والتضييق عليهم، ففي أغسطس/ آب 1997 على سبيل المثال، هاجمت عناصر من المخابرات الإيرانية منزل الشيخ آخوند ولي محمد أرزانش، الذي كان قد هرب من إيران ولجأ إلى تركمانستان (أسوه بمئات من طلبة العلم من السنة الإيرانيين إلى الدول المجاورة)؛ وعندما لم يجدوه في المنزل أوسعوا ابنه ضربا، ثم استولوا على بعض الصور والمستندات والوثائق المتعلقة بالتركمان، وغادروا البيت بعدما هددوا أهله بالموت إن هم أخبروا الشرطة، وهذه الحادثة كانت الثانية من نوعها؛ إذ أنه في شهر أبريل/ نيسان من نفس العام هجم شخص مجهول بسكين على منزل الشيخ ولي محمد ليقتله، ونجا الشيخ بعدما أصيب بجروح خطيرة.

4-  التمييز في الوظائف وفرص العمل والخدمات والمناصب العليا، ما جعل الكثير من التركمان يهجرون مدنهم ومناطقهم ويتوجهون للعيش والعمل في العاصمة طهران وبعض المدن الأخرى كأصفهان ومازندران، برغم ما تتمتع به مناطقهم من طبيعة خلابة وإمكانيات سياحية واقتصادية، كما أدى ذلك التمييز والتهميش إلى قيام بعض أفراد الجيل الجديد بأعمال غير مشروعة كالاتجار في المخدرات.

5-  التضييق على ممارسة الشعائر وفق مذهب أهل السنة، ومراقبة أئمة المساجد لئلا يخرجوا عن الضوابط التي تضعها السلطات الشيعية الرسمية.

 

إن سياسة التمييز والاضطهاد من الأسباب التي دفعت جزءا مهما من التركمان للمطالبة بالفيدرالية، كحلٍّ وحيد للمحافظة على الهوية، ومن ذلك قيام أكثر من 3000 تركماني (في شوال 1426هـ) بتنظيم احتفالية لاستذكار يوم مقتل أحد قادتهم التاريخيين تقدموا خلالها بمذكرة إلى الحكومة الإيرانية ضمّنوها عشرة مطالب سياسية منها إعطاء حق التعلم باللغة الأم للتركمان وكذلك لجميع الشعوب والأقليات الإيرانية الأخرى، وتحقيق المطالب القومية المشروعة لهم ومحاربة السياسات الشوفينية التي تم إرساء أسسها منذ عهد الشاه الهالك رضا بهلوي. كما حددت الفقرة الخامسة من المذكرة وبوضوح (أن السبيل الأمثل والوحيد لإدارة الدولة، هو النظام الفدرالي الذي يحقق طموحات جميع الشعوب الإيرانية).

وفي مقابل هذا الفريق الساعي إلى الفيدرالية والحكم الذاتي ضمن الدولة الإيرانية، هناك من يسعى للاستقلال عن إيران، ومردّ ذلك اليأس من نظام الملالي وسياسته القمعية تجاه الشعوب غير الفارسية، ومن ضمنهم التركمان. في حين يرى قسم من التركمان الساعين إلى الانفصال عن إيران الانضمام إلى جمهورية تركمانستان، لا سيّما بعد استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991م.

وبين الساعين إلى الفيدرالية وإلى الاستقلال والانفصال، ثمة من يؤمن بضرورة البقاء في الدولة الإيرانية، لكن بالهجرة نحو المدن الكبيرة كطهران وأصفهان للحصول على فرص عمل جيدة وتحسين وضعه الاقتصادي والمعيشي في ظل سوء الأوضاع في مناطق التركمان.

ولا بأس هنا أن نورد تعليقا لأحد الناشطين التركمان في إيران (أمين داداشي) وهو من سكان مدينة كنبد كاووس، إحدى أهم مدن محافظة غُلستان، حول الوضع في مناطق التركمان في إيران ومعاناتهم ومطالبهم، فيقول: "نحن التركمان نواجه وضعا صعبا في مواجهة الدولة الإيرانية، ولذلك نحن نخطط الآن للانتفاض ضد الظلم الواقع علينا، ونحن الآن في بداية التحضير لثورة ضد السلطات الإيرانية التي تظلمنا، وسوف نقوم بذلك لمعالجة الظلم الواقع علينا، خاصة في التمثيل البرلماني غير العادل، لأن مستوى التمثيل البرلماني الحالي لا يؤدي إلى تحقيق مطالبنا خاصة في مجالات التنمية المجتمعية والسياحية، فكما تعرف نحن في منطقة مهمة جدا، وتمتاز بطبيعتها الخلابة، وبالرغم من ذلك لا نتمتع بالتنمية السياحية التي ستصبّ في مصلحتنا الاقتصادية بسبب سياسات النظام تجاه التنمية في منطقتنا...

ومن بين مظاهر الظلم أننا كمواطنين تركمانيين لا نحصل على حقوقنا في التوظيف والتعيين في مقابل حصول الفرس على الوظائف، على سبيل المثال: مجمع المصانع الواقع في منطقتنا التركمانية يتمتع الفرس فيه بالوظائف في مقابل إقصائنا، وحتى لو حصل المواطن التركماني على فرصة عمل يكون متوسط دخله نحو 200 دولار، وهو مبلغ يكفي بالكاد للقليل من الطعام والشراب طيلة أيام الشهر".   

 

أهم المراجع

1-  دراسة: تركمان إيران.. مستقبل ما بعد الاتفاق النووي، محمد محسن أبو النور، المنشورة ضمن كتاب الأمة في مواجهة الصعود الإيراني، تقرير ارتيادي صادر عن مجلة البيان، 1437هـ/2016م.

2-  أعلام التركمان والأدب التركي في العراق الحديث، مير بصري، ط1، دار الورّاق، لندن 1997م.

3-  مواقع وصحف: العربية نت، إصلاح ويب، المسلم، ويكيبيديا، رابطة أهل السنة في إيران.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق