كتاب الشهر\العدد مائة وخمسة وخمسون - شعبان 1437 هـ
تفكيك العلمانية في الدين والديمقراطية
الخميس 5 مايو 2016

 

 عرض أسامة شحادة – كاتب أردني

 

 

 

 

خاص بالراصد

هذا الكتاب أعتبره متميزاً لعدة أسباب فهو في أصله جزء من أطروحة أكاديمية عميقة وبلغة سهلة، قدمها د. رفيق عبد السلام لنيل درجة الدكتوراه سنة 2003م من الجامعة البريطانية بإشراف البروفيسور جون كين، وصدرت هذه الطبعة الثانية التونسية عن دار المجتهد في 2015 في 238 صفحة من القطع الكبير. وهذا الكتاب يختص بالعلمانية، بينما موضوع الحداثة وما بعد الحداثة فقد وعد المؤلف إصداره في كتاب منفصل لاحقا.

من جهة ثانية مؤلف الكتاب هو أحد رموز حركة النهضة التونسية وتولى حقيبة وزارة الخارجية عقب ثورة الياسمين التونسية عن حركة النهضة.

وميزة أخرى أن الكتاب قدم معالجة علمية موضوعية ونقدية عميقة للعلمانية في نشأتها وصيرورتها الأوروبية المتعددة ثم مرحلة التمدد والاستعمار ومن ثم انسحابها بعد أن ائتمنت المخلصين عليها من أبناء جلدتنا!  

وتتميز هذه المعالجة بكونها تستخدم المناهج الغربية في مثل هذه الدراسات الأكاديمية والتعامل مع المصادر الأجنبية مباشرة وليس بالواسطة، ولذلك جاءت مختلفة جداً عن السائد من الكتب والأبحاث الإسلامية المشرقية عن العلمانية.

تقوم فكرة الكتاب الجوهرية على أن العلمانية فكرة ومنظومة مركبة وليست مسطحة فهي أيدلوجيا وسلوك وممارسات، ولذلك في رأي المؤلف إن تفكيك العلمانية هو المدخل الأفضل للتعامل والتعاطي مع العلمانية، ومن جهة أخرى ضرورة تفكيك بعض الأساطير عن تلازم العلمانية والديمقراطية والتسامح والتعددية والتقدم.

في الباب الأول الذي حمل عنوان (في العلمانية)، تناول الفصل الأول الجذور الفكرية والتاريخية للعلمانية، وبتتبع جذور مصطلح العلمانية (سيكلوم) باللغة الرومانية كان ذا خلفية مسيحية دينية يقصد بها الدنيوي، أي رجال الدين الذين يتولون رعاية الشؤون الدنيوية لعامة المتدينين!! ثم تطور المعنى في القرن الثامن عشر وأصبح يقصد به عمليات مصادرة أملاك الكنيسة وتحويلها لملك عام يخضع لسلطة الدولة القومية!

لكن العلمانية باعتبارها نظرية سياسية شاملة وذات نسق تام لم تعرف إلا من قرنين من الزمن، وهي تقوم على عدد من التوجهات الوضعية والنزعات الإلحادية في القرن التاسع عشر، منها: أن العالم يسير وبصورة متصاعدة نحو التخلص من الدين والغيب، والتي تستبدل الدين والجانب الروحي بضرب من المتع الحسية في الحانات والبارات!

أما مفهوم (العلمانية فصل الدين عن الدولة) فهو اختزال مشوّه لحقيقة العلمانية التي تفرق بين الدين والحياة العامة ومختلف المؤسسات الاجتماعية، وتكاد تشمل الحياة بأجمعها وتستثني منها الشأن الخاص!!

من الإضافات المهمة حول العلمانية ما نبه عليه المؤلف من أن ظهور العلمانية في أوربا لم يكن نتيجة تطور فكري هادف وهادئ، بل ظهرت العلمانية نتيجة جو الحروب الدينية المسيحية التي عمت القارة، وكانت أقرب للتسويات الواقعية، وأن الإصلاحات البروتستانتية ساهمت بوعي أو بغير وعي في ظهور مناخ تقبل العلمانية، والنتيجة فلا المسيحية كانت دين السماحة والتعايش ولا العلمانية كانت حلاً ناجحاً، إذ تباينت العلمانيات كثيراً في دول أوربا، وجلبت للعالم الحروب العالمية التي قضت على الملايين!! فالعلمانية تشربت كل استبداد وإرهاب وتكفير الكنيسة لكن لصالح المادة بدلاً من الرب! وهذا سبب امتناع أوربا لليوم من تقبل الإسلام فيها برغم كل قيم الحداثة وما بعدها!

ورغم الصراع المستمر بين العلمانية والدين في أوربا، إلا أنه يجب التنبه لعدم تساوق تقدم العلمانية بين النخب والشعب، وتزداد هذه المفارقة في العالم الإسلامي، وتحولت الكنيسة جراء ذلك لجزء مهم من المجتمع المدني في الدولة العلمانية.

واستعرض المؤلف في الفصل الثاني العلمانية والحداثة عند ماكس فيبر باعتباره من القلائل الذين امتلكوا نظرة مركبة للعلمانية، وممّن حذروا من كوارث العلمانية القادمة بسبب شيوع قيم الإلحاد المنكر لوجود الرب والتي يسميها المؤلف "الدهرية"، والتي تفكك النظرة التوحيدية للكون والذي تقوم عليه المسيحية، ولذلك برغم أن البروتستانتية ساهمت في ظهور العلمانية إلا أنها سرعان ما كنت ضحية العلمانية التي لا تعترف إلا بالربح والفائدة العملية.

ثم ختم المؤلف هذا الفصل والباب الأول بتعقيب على طرح فيبر، فهو رغم نقده للعلمانية بناء على رؤيته المركبة لها، إلا أنه لم يتمكن من التخلص تماما من الانحياز ضد الإسلام بسبب جذوره المسيحية، فرغم عدم احتواء الإسلام على فكرة الخطيئة التي اتكأت عليها العلمانية لوصم المسيحية باللاعقلانية فقد أصر فيبر على أن المسيحية هي التعبير الأرقى في عالم الأديان، وأن الإسلام يتناقض مع العقلانية اعتمادا على تعميم غير علمي يساوي بين العلمانية والعقلانية، برغم تصادم وتناقض العقلانيات العلمانية!!

الباب الثاني الذي كان عنوانه "في الإسلام والعلمانية"، تناول الفصل الأول منه قراءة علاقة الإسلام والعلمانية، ويبدأ بالتأكيد على أن الخبراء متفقون على أن مسار العلمانية في العالم الإسلامي بخلاف التنظير، رغم علمنة النخبة الحاكمة عقب رحيل الاستعمار وعلمنة الدولة في ظل الاستعمار والاحتلال، إلا أن الواقع الفعلي شيء آخر، أطلقوا عليه تسميات متنوعة على غرار ممانعة إسلامية، استثناء إسلامي، فشل إسلامي! مما يعدونه تهديدا خطيرا لقيم العلمانية والحداثة التي حاولوا استنباتها في جنبات العالم الإسلامي!

وقد نتج عن ذلك انقسام منظّري العلمانية لثلاثة آراء تجاه موقف الإسلام من العلمانية: من يعتقدون رفض الإسلام تماماً للعلمانية والحداثة، لأن الإسلام لا يفصل بين الدين والسياسة/ الحياة، ولأنه يعتمد جماعية الأمة ويرفض الفردية الانعزالية، واتهام الإسلام بغياب العقلانية.

ومن يعتقدون بعلمنة الإسلام في نهاية المطاف بسبب أن العلمانية لابد أن تفرض سلطتها بالقوة بحسب طبيعتها مهما طالت المدة، وآخرون يعتقدون أن الإسلام ف العلمانية في تاريخه وإن لم تتطور علمانيته، ويمثلون لهذه العلمانية المزعومة بالانفصال الذي وقع بين أهل السيف/ الحكم، وأهل القلم/ العلماء!

وما يجمع هذه الآراء في نظر المؤلف أنها لا تقرأ الإسلام من خلال مفاهيمه بل تسقط عليه نماذجها الغربية الغريبة، ولذلك بقي العلمانيون الغربيون والعرب والمسلمون يتبنون نظرة خاطئة عن الإسلام تحمل ظلال التصور المسيحي عن الإسلام وظلال تصور العلماني للدين من خلال المسيحية، وينطلقون منها للتعامل مع الإسلام ودوما كانت النتيجة الفشل! وهذه الادعاءات الكلية والتعميمية والشمولية للإسلام والعلمانية والحداثة من منظور علماني هي سبب أزمات وفشل العلمانية في عالمنا والعالم، ولذلك يرى المؤلف أن جوهر الاختلاف بين الإسلام والعلمانية لا يعود للخلاف حول ارتباط الإسلام بالإيمان بالغيب وارتباط العلمانية بالدنيا، بل جوهر الخلاف هو نوعية الرؤية للدنيا وصلتها بالآخرة، كما أن قيمة الديني في الإسلام تزداد كلما ارتبطت بأمور الدنيا ونشر منافعها، بخلاف المسيحية التي تحتقر الحياة.

إن دعوى وجود علمانية في تاريخ الإسلام دعوى خاطئة، فوجود تمايز بين السلطة الحاكمة والعلماء ساهم في تقوية الجماعات الأهلية المستقلة وحررت الدين من يد السلطة وجعلته ناظما لحركة المجتمع والسلطة أيضاً في الشأن العام، وبقي نموذج الخلافة الراشدة قدوة ونبراسا يدفع المجتمع والسلطة لتقليده والسعي للارتقاء نحو كمالاته.

ولليوم برغم العلمنة في قطاعات السياسة بقوة كنموذج تركيا الأتاتوركية مثلاً، إلا أن المزاج الشعبي مزاج متدين، برغم أن العلمانية ومظاهر الحداثة الناعمة تمكنت من جذب شرائح واسعة لتلك المظاهر، حيث ترى الأم المحجبة والبنت المتبرجة، أو ترى الحجاب المتبرج!

كما أن الواقع الإسلامي كسر وهْم ارتباط التحديث بالعلمنة، فأكثر الدول العربية تحديثاً أكثرها ممانعة للعلمنة! وأكثر الشرائح المثقفة أكثرها تديناً، وانتخابات النقابات المهنية والاتحادات الطلابية تظهر ذلك بوضوح، ويعود الفضل في ذلك لجهود التيار الإصلاحي الإسلامي الذي كسر حلقة الجمود والخرافة المنسوبة للدين –بفعل ترسخ التصوف- وبين مسار العلمنة الذي فرضه الاستعمار.

هذه الممانعة الإسلامية للعلمنة الإلحادية جعلت العلمانيين يلجأون للقوة والبطش والإرهاب والإكراه من خلال أدوات الدولة لفرض رؤيتهم الداعية للتعددية والتسامح والانفتاح وتقبل الآخر، مع إقصاء المخالف ومنعه بالقانون من عباداته وحريته في اللباس والتعليم!

ولذلك فإن رفض المسلمين للعلمانية لا يعود لرفضهم الانتخابات والتعددية والتحديث، بل لأن العلمانية كما يقول مارسيل جوشي: "الخروج من الدين" بمعنى ألاّ يكون الدين هو السلطة الفوقية، واستبداله بسلطة فوقية دنيوية! وهذا المعنى مرفوض للعلمانية من قبل كثير من الأديان وليس الإسلام فحسب.

أما الباب الثالث فكان بعنوان "رؤية مغايرة للعلمانية والديمقراطية" حيث عالج فيه وهْم اعتبار الديمقراطية منظومة متكاملة متراصة البنيان وثقافة شاملة لا تنفك فيها القيم عن الأدوات والوسائل، كما يُشيع ذلك كهنة الديمقراطية ويؤيدهم في هذه النظرة كثير من الإسلاميين الرافضين للديمقراطية.

فاستعرض المؤلف تاريخ تشكل الدولة الحديثة في العالم الإسلامي عقب احتلال كثير من بلاد المسلمين وإنهاء الخلافة العثمانية، حيث حلت العلمانية والاستبداد محل الشريعة والسلاطين، وكيف رسخت الإمبريالية (التوسع على حساب الآخرين) الاستبداد في بلادنا ولم تهتم إلا بنهب خيراتنا برغم أنها رفعت شعارات تنوير البشرية! وورثت لنا دولة تعتمد القوة والإكراه في تنفيذ مطالب الخارج وتفتقد للحوار والتواصل مع الداخل.

ومع رفع شعارات الديمقراطية تم توليد استبداد جديد غير مرئي خلف ستار القانون والدستور، ولا بد من استحضار أن الديمقراطية كانت فكرة يبشر بها منظروها لأروبا فقط فيما كانوا يؤيدون سياسة احتلال الدول الآسيوية والأفريقية، وفي مرحلة لاحقة غض الطرف عن اللاديمقراطية طالما أن المصالح مؤمنة.

يفرد المؤلف فصلا عن اللائكية (العلمانية) الفرنسية وهل هي حل أم مشكلة، وذلك لأن كثيرا من العلمانيين العرب وخاصة المغاربة يطالبون بها كحل لمشاكل بلادنا، فيرى المؤلف أن هذا الطرح متناقض فهم يفرون من سطوة الدين -فيما يزعمون- ليقعوا في سطوة الدولة والذي هو جوهر اللائكية الفرنسية التي تعزل الدين عن المجال العام ثم تفرض قسراً رؤية علمانية إلحادية على المجتمع من خلال التعليم الملحد قصداً، وبقية أدوات التوجيه من الإعلام وغيره، ومن خلال الرقابة الصارمة وفرض العقوبات، وهذا تفسير التزمت الفرنسي تجاه الحجاب في المدارس والشوارع وغيرها من مظاهر الدين.

وهذه النزعة الشمولية الباطشة هي انعكاس لتشدد الكنيسة الكاثوليكية سابقا، ولم تحدث هذه اللائكية سوى استبدال بطش الكنيسة ببطش الدستور! واستعادة لتاريخ الإرهاب الدموي الذي هو جزء أصيل في مسار الثورة الفرنسية على طول الوقت، وقد رأينا حقيقة اللائكية الفرنسية وتسامحها في بطشها بالدول التي استعمرتها، فبخلاف القهر والبطش والقتل العميم، فقد فرضت على تلك الشعوب قسرا تغيير لغتها وثقافتها، ولليوم برغم خروج فرنسا منها إلا أنها تستعمرها روحيا.

إن تجربة فرنسا العلمانية هي الاستثناء في مسار العلمنة وليست الأصل، فالعلمانية في أوروبا وأمريكا لم تعرف هذا البطش والقسر وكانت نتيجة تفاهمات ومواءمات دون مجازر ودماء.

يدعو المؤلف إلى اعتماد الديمقراطية الإجرائية التي تتمثل في القوانين والتعليمات التي تكبح جماح السلطة والفساد، برغم أن الديمقراطية نفسها يتم التلاعب بها من قبل قادتها على خلاف ما كتبه الفلاسفة والمفكرون، فعالم الديمقراطية الواقعي بعيد جداً عن ذلك التنظير، لكن ما تزال آليات الفضح والكشف تحدّ كثيراً من المفاسد، وتبقى الديمقراطية أحسن الخيارات المتوافرة في عالم السياسة.

طبعا المؤلف يرفض مزاعم العلمانيين الذين يربطون الديمقراطية بالعلمنة والليبرالية ويجعلونها الأساس الذي لا بد من توفيره بدايةً لقيام الديمقراطية، ويرى أن هذه حيلة يشترك فيها أصحاب السلطة في عالمنا والقوى العالمية والأقلية العلمانية والتي كثير منها ماركسي في الأصل ويحارب الديمقراطية لصالح ديكتاتورية البلوريتاريا (العمال)! وذلك من أجل قطع الطريق على صعود القوى الوطنية والإسلامية التي قد لا تخدم المصالح الدولية وتقطع شريان النهب والفساد الداخلي. وعليه فالمؤلف يرى أن تعطيل الديمقراطية في بلادنا هو هدف استراتيجي للقوى العالمية والمحلية طالما أن الديمقراطية تأتي بالخصوم!

والعجيب أن الدول العلمانية الأقسى مثل ليبيا والجزائر وتونس تتراجع فيها الديمقراطية بشدة، بينما الدول الأكثر تدينًا ومحافظة كالأردن والبحرين والكويت والمغرب تتقدم فيها الحالة الديمقراطية بشكل ملحوظ، في مفارقة كاشفة لزيف دعاية المنظور الثقافي التي تزعم أن تقبل الديمقراطية مرتبط بقبول قيم العلمنة والحداثة ونبذ القيم الدينية.

أما دعوى تسامح الليبرالية فهي خرافة بالغة، وكشف عن التزوير في هذه القضية المؤرخ الفرنسي ميشال فوكو الذي أبان عن آليات العنف والسيطرة التي لازمت نشأة النظام الغربي الليبرالي الحديث، ويلخص ذلك بقوله: إن عصر الأنوار لم يبتدع ثقافة الحرية وحقوق الإنسان فحسب، بل ابتدع في ذات الوقت نظام السجن، والرقابة العامة!

وللخلاص من واقع الصراع الذي يحكم السياسة العلمانية في النظام الديمقراطي، هذا الصراع الذي تصفه الأدبيات العلمانية بأنه صراع الوحوش في الغابات بلا أخلاق أو قيود! ينادي المؤلف بما يسميه (الروحية الواقعية) التي تعترف بالواقع وبفطرة الإنسان القابلة للشر، لكن تدعو للعمل على تسديدها وتهذيبها بسلطان الدين الحق، بخلاف العلمانية التي تطلق يدها وتجعل الفوز للأكثر بطشاً! ولكن مع تسديد الفطرة والإنسانية لابد من الأخذ بالآليات الكابحة والمؤسسات الضابطة لسلوك الأفراد والجماعات والمنظمة لشؤون الحكم.

ولا مانع من الاستفادة من آليات الديمقراطية الوافدة من خارج الإسلام، كما تم الاستفادة سابقا من آليات الأمم والشعوب الأخرى عبر تاريخ الإسلام مع تطويرها وتطويعها بما يخدم مقاصد الإسلام.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق