ما هو اللوبي الإيراني في واشنطن ؟
الثلاثاء 5 أبريل 2016

 دانية قليلات الخطيب

– النهار 5/4/2016

يتردد اليوم الكلام عن اللوبي الإيراني في أميركا وعن كونه استطاع كسر الجليد بين البلدين بالرغم من ان نظام الملالي ينعت أميركا بـ"الشيطان الاكبر" وان المساجد الإيرانية في كل يوم جمعة تدعو بالموت لأميركا. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو هذا اللوبي وما مدى قوته واستدامته؟

يجب اولا التعريف ما هو اللوبي؟ وهنا يمكن استعمال الوصف الذي وضعه كل من والت ومارشينمر في تعريف اللوبي الإسرائيلي لنستنتج معنى عاما للوبي. فقد عرّف هذان العالمان اللوبي بأنه تحالف أفراد وجماعات تسعى للتأثير في السياسة الأميركية في اتجاه مصلحة إسرائيل. ومن هنا نستطيع أن نعرف اللوبي بوجود مجموعة تربطها فكرة أو مصلحة معينة، تحاول التأثير في السياسة الأميركية في اتجاه معين.

عملية الضغط تتطلب تفكيرا وعملا استراتيجيا ونفسا طويلا وهذه ميزات يتمتع بها الإيرانيون.

فكما عمل الإيرانيون في العالم العربي على خلق قواعد شعبية لهم على مدى ثلاثين عاما مكنتهم من بسط نفوذهم في الجوار العربي، كذلك عملوا بنفس طويل على نشر افكار تظهر ايران بصورة ايجابية في أميركا مما سهل عملية الانفتاح على النظام الإيراني.

لإيران اكاديميون عدة في أميركا مثل فالي نصر من جون هوبكنز وحسين موسويان من برنستون وكريم سجابور من كارنيجي وراي تقيه من مجلس العلاقات الخارجية، طرحوا فكرة ان اقصاء إيران من المنظومة الجيوسياسية العالمية هو امر خاطىء و مضر للأمن الاقليمي والعالمي.

كما طرحوا فكرة ان العداء لأميركا هو نتيجة سوء تفاهم، كما ان هناك دائما طرحا لفكرة ان الشعب الإيراني محب لأميركا، فاستطلاع عالمي للرأي في 2009 وجد ان 51 في المئة من الشعب الإيراني لديه فكرة ايجابية عن أميركا كما ان ثلثيه يحبذ عودة العلاقات الديبلوماسية وذلك خلافا للشعوب العربية التي وإن كانت حكوماتها حليفة لأميركا فإن عندها فكرة سلبية عنها.

وقد روّج اكاديميون كنصر و موسويان ان التطرف المعادي للغرب هو التطرف السني، وقد برهنت "داعش" على ذلك من خلال قيامها بعمليات في باريس وغيرها ومن خلال اعدامها افرادا غربيين. وهذه فكرة اساسية ساعدت في الانقتاح على النظام الإيراني الذي لكونه شيعيا، هو بشكل مباشر معاد للتطرف السني.

وبالرغم من انه لا وجود للوبي الرسمي لايران مثلما لاسرائيل لان العلاقات الديبلوماسية كانت منقطعة حتى المدى القريب و الجالية الإيرانية في أميركا معارضة للنظام، كما لا يمكن الترويج لدولة تبنت عمليات ارهابية ضد منشآت ومواطنين اميركيين. فالفكرة الاساسية التى تبناها مؤيدو الانفتاح على ايران، هي ان الانفتاح الاقتصادي سيدمر الايديولوجيا وبالتالي النظام الذي يقوم عليها.

فراي تقيه مثلا، من مجلس العلاقات في كتابه "ايران الخفية" ناقش ان العزلة الاقتصادية تزيد من احكام قبضة النظام على الحياة العامة في إيران. كما ان عهد اوباما شكل ارضا خصبة لنشر مثل هذه الافكار. فأوباما الذي اراد بأي شكل ان يتخلص من الصورة العدائية التى اعطاها بوش لأميركا، اراد ان يكون عهده عهد انفتاح أميركا على العالم. وقد سمّى توماس فريدمان الصحافي الاميركي والكاتب في جريدة "النيويورك تايمز" هذا الاتجاه بـ "عقيدة اوباما"، الذي في عهده رفعت العقوبات عن كل من كوبا وبورما وايران.

مجهود الجالية الإيرانية والمفكرين من اصول إيرانية كان له تأثير في تسهيل الانفتاح وعقد الصفقة النووية، واتمام الصفقة خلق قوة دفع للنشاط السياسي الإيراني الاميركي. قبل المعاهدة النووية تمركز معظم النشاط الإيراني الاميركي على قضايا داخلية تهم الجالية، وكان هدفه الاول تمكينها داخل المجتمع الامريكي. فمثلا هناك "اللجنة السياسية الإيرانية الاميركية" وهدفها ايصال الأميركيين من اصول إيرانية الى مراكز سياسية. كما هناك "رابطة المحامين الإيرانيين الأميركيين"، و"الديموقراطين الإيرانيين الأميركيين في سان دييغو"، و"شبكة المحترفين الإيرانيين الاميركيين في اورانج كونتي" وغيرها... واليوم هناك مجهود لتوحيد تلك المؤسسات ودفعها لتبني قضايا سياسة خارجية لا سيما مسألة الانفتاح على ايران. ويقوم "المجلس الوطني الإيراني الاميركي" ويرأسه تريتا بارسي بهذه المهمة.

وقد اصدر تكتل المنظمات الإيرانية الاميركية بيانا موحدا لدعم الاتفاق النووي، حتى منظمة مثل "الحملة العالمية لحقوق الانسان في ايران" التي هدفها حسب نظامها الداخلي "دعم الشعب الإيراني في نضالهم من اجل الحصول على حقوقهم الانسانية وايصال صوتهم الى الساحة الدولية"، والتى دائما تنشر تعديات النظام الإيراني على حقوق الانسان كانت من الموقعين على البيان الموحد لدعم الاتفاق النووي.

ويعد المجلس الوطني الإيراني الاميركي اهم منظمة إيرانية أميركية، ويكمن نجاحه في انه لا يتكلم باسم لا النظام الإيراني ولا يدافع عنه بالرغم من دوره في تنسيق لقاءات بين مسؤولين إيرانيين واميركيين في فترتي 2006-2007 و2008-2009.

مهمة المجلس كما هي معلنة على موقعه الالكتروني هي خلق تقارب بين الأميركيين والشعب الإيراني وليس النظام. ولكن هذا وبشكل غير مباشر سهل لأميركا الانفتاح على النظام الإيراني. وبالرغم من ان المنظمة تأخذ مواقف مناهضة للنظام كاستنكارها احتجاز الشاعرة الإيرانية هلا سيديغي المقيمة في الامارات لدى عودتها لزيارة ايران فهي تحظى بدعم إيراني. وتدعم الدولة مثل تلك المنظمة بالرغم انها لا توافقها في كل مواقفها لأنها تفكر بطريقة استراتيجية وتعرف انه حين تروج المنظمة صورة ايجابية لإيران فهي تفيد النظام بشكل غير مباشر. وتكمن قوة المنظمة في امرين اولهما انها تمثل مواطنين اميركيين لهم حق دستوري بالمشاركة في صنع القرار، فحين يذهب بارسي للقاء اي مسؤول اميركي فهو يمثل شريحة من المواطنين الاميركيين. ويفتخر المجلس بأنه كمنظمة إيرانية - اميركية لديه القاعدة الشعبية الاوسع. وبالرغم ان عضويته لا تتجاوز الثلاثة الاف الا ان وجود جذور شعبية لديه يعطيه شرعية داخل المجتمع الاميركي. ولأنه لا يدافع عن النظام يحظى بصدقية، فالإيرانيين يعون ان نظامهم غير متجانس مع منظومة القيم الاميركية لذلك لا يحاولون الدفاع عنه ولكنهم يدافعون عن الشعب الإيراني، وعن حضارته، وعن كونه تواقا للانفتاح على الغرب.

وقد اقامت الجالية نشاطات عدة للترويج للحضارة الفارسية، منها على سبيل المثال معرض الكتاب الفارسي في مكتبة الكونغرس عام 2014، كما انشئ مؤخرا معهد الدراسات الشيعية في واشنطن وهدفه تثقيف الجمهور الاميركي على المذهب الشيعي، وبالرغم انه اكاديمي الصبغة، وهو حسب نظامه المعلن مؤسسة اميركية مستقلة غير ربحية، الا انه ينشر افكارا تخلق نوعا من التقارب مع النظام الإيراني المبني على المذهب الشيعي.

كما روج مناصرو الانفتاح فكرة ان ايران لديها القوة على الارض ولا يمكن استثنائها من اية محادثات. وقد برهنت تجربة أميركا في العراق على ذلك. فخلال احتلالها العراق وجدت نفسها اسيرة النفوذ الإيراني فيه، واليوم ايران لديها نفوذ في كل المنطقة. وقد ناقش العديد من المفكرين ومنهم الكاتب البريطاني روبرت فيسك معتبرين ان ايران هي اليوم المؤهلة لتكون شرطي المنطقة، ولذلك على أميركا استمالتها و ليس معادتها. كما ان ايران طرحت محفزات عدة لتشجيع الغرب على الانفتاح عليها منها العقود النفطية التي تبلغ مئة مليار دولار والتي يمكن ان تستفيد الشركات الاجنبية منها عند رفع العقوبات.

واليوم بينما تتوجه الانظار في واشنطن الى اللوبي الإيراني ويتكلم البعض عن هزيمته للوبي الاسرائيلي يبقى السؤال حول مدى قوته ومدى استدامته؟ فاللوبي بشكله الحالي حديث التكوين، وقوته واستدامته، تعتمدان بشكل كبير على تطور العلاقة بين الجالية الإيرانية والنظام. فهل ستظل الجالية مؤيدة للانفتاح على ايران حين ترى ان هذا الانفتاح له اثر مناقض للهدف المرجو منه، وانه سيزيد من سلطة الملالي بدل ان يضعفها؟

دكتورة من جامعة اكستر في بريطانيا ومتخصصة في جماعات الضغط الأميركية

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق