أولويات السيداو.. من الجنسية للاتجار بالنساء
الثلاثاء 5 أبريل 2016

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

 

خاص بالراصد

من أشد وأقسى المحن التي تعرضت لها المرأة عبر التاريخ التعامل معها كسلعة تباع وتشترى ويتم الاتجار بها، وتجبر على ممارسة البغاء حيث المزيد من الإذلال وانتهاك الكرامة، وعندما جاء الإسلام فتح مجموعة مسارات لتحرر هؤلاء البشر الذين تم استرقاقهم وتسليعهم بدءا من إعادة الاعتبار في النظر إليهم انتهاءً بتحريرهم بصورة كاملة عن طريق العتق الاختياري والإجباري وفتح باب المكاتبة، وهذا كله مما تتساوى فيه المرأة مع الرجل بالإضافة لخلق حالة نفسية جديدة ترحب بتحرير الإماء والزواج منهن ومنحهن المكانة الاجتماعية اللائقة لذلك فإن المادة 6 من اتفاقية السيداو التي تنصّ على أن (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لمكافحة جميع أشكال الاتجار بالمرأة واستغلال بغاء المرأة) تبدو في الظاهر متوافقة مع فلسفة الشريعة حيث محاربة الاتجار بالنساء ومحاربة آفة البغاء إلا أن القليل من التأمل سيكشف أن الأمر ليس كما يبدو على ظاهره.

فالنسويات يعتبرن أن حصول المرأة على مهر هو ثمن للمرأة ومن ثم سيتحول عقد الزواج لعقد بيع سلعة، هي المرأة، مقابل ثمن هو المهر، تقول نوال السعداوي: (لا تختلف ملكية الرجل للمرأة كثيراً عن ملكية السيد للعبد فالرجل يشتري المرأة بمقدم الصداق وينص عقد الزواج في أول بنوده على أن الزوجة ملك لزوجها فإن عصت أو تذمرت باعها الرجل بحقه المطلق في التطليق، وحين تُطلّق المرأة بسبب أو بغير سبب فإن ثمنها ينخفض في سوق الزواج كأي سلعه ينخفض ثمنها بعدَ الاستعمال بدل أن يكون الزواج ناشئاً عن حب ورغبه صادقه من الطرفين أصبح عقداً يكتب ومالاً يقدم للبنت حتى تقبل أن يستملكها الرجل، لو كانت المرأة مساوية للرجل فلماذا يدفع لها المهر؟؟؟؟)([1]).

هذا هو التطبيق النهائي والمنشود لقضية الاتجار بالنساء عن طريق الزواج بحيث يكون المهر هو ثمن السلعة (المرأة) ولكن مواجهة المجتمع بهذه الدرجة من الصراحة ليست بالأمر الهين ومن ثم ففي البداية يتم اختيار نماذج صارخة تفتقد الشروط الشرعية للزواج كنيّة الاستمرار في الزواج وكالعدالة في حالة الزواج الثاني وكالكفاءة التي اشترطها عدد لا بأس به من الفقهاء، ثم يتم محاربة المهر وكأن المهر هو المسئول عن هذه الجرائم، ومن ذلك ما يحدث في بعض قرى محافظة الجيزة في مصر حيث زواج الفتيات من بعض الأثرياء العرب مقابل مبلغ محدد ولمدة محددة وهو ما يطلق عليه الزواج السياحي، وهو أسوأ من زواج المتعة عند الشيعة، حيث بالإضافة إلى أنه زواج مؤقت فهو لا يراعي الكفاءة وأسس العدالة لذلك أصدر المستشار أحمد الزند وزير العدل السابق قرارًا يقضي بأن يودِع طالب الزواج الأجنبي من مصرية 50 ألف جنيه باسمها في البنك إذا جاوز فارق السن بينهما 25 عامًا عند توثيق عقد الزواج، ولكن الجمعيات النسوية استهجنت هذا القرار واعتبرته تقنينا للاتجار بالبشر وأن ثمن الفتاة المصرية هو هذه الـ 50 ألف جنيه.

والحقيقة أن قضية الزواج السياحي -إن جاز هذا المصطلح- هي بالفعل قضية خطيرة وليست مجرد مشكلة مادية فحسب كما اختزلها القرار ولابد أن تتحرك الجهات المسئولة على أكثر من مستوى ويأتي دور علماء الدين في توعية الأهالي الفقراء الجهلاء بالحكمة من تشريع الزواج في المقام الأول حتى لا يتم اختزاله في مجرد عقد صوري.

وهناك علاقة وثيقة بين الاتجار بالنساء واستغلال المرأة في البغاء وتنشط هذه الأعمال المشبوهة خاصة في مناطق التوترات فهناك عشرات العصابات قامت بتهريب الكثير من الفتيات العراقيات بحجة العمل كخادمات في المنازل وكذلك تم خطف الكثيرات ليتم إجبارهن على ممارسة البغاء.

(وأورد تقرير أصدرته شبكة "إيرين" التابعة للأمم المتحدة أن 3500 فتاة سجلت في عداد المفقودين، فيما يعتقد أنهن سافرن إلى أماكن مختلفة من الشرق الأوسط، لينخرطن في عباب الرذيلة والعهر، ويصبحن جواري في قصور الأثرياء، في صورة من صور العبودية المقززة.

ونوهت رئيسة منظمة "حرية النساء" في العراق ينار محمد عن إعداد منظمتها لكتيّب يتضمن معلومات حول الاتجار بالعراقيات، ومنهن صغيرات السن، وتسفيرهن إلى خارج البلاد لتقديمهن للحكومة ومناقشة الأمر معها.

وأضافت الناشطة العراقية أن منظمتها أطلقت منذ عامين برنامجًا لمكافحة البغاء يشرف على تنفيذه ناشطات تجمعن معلومات ميدانية. تابعت:" توصلنا إلى بعض الأماكن التي تشهد اتجارا بالفتيات الصغيرات وتصل الأسعار إلى 10 آلاف دولار أو أكثر".

 وأشارت إلى أن سعر الفتيات الصغيرات بين 11 و12 عامًا وصل إلى 30 ألف دولار وأما الأكبر سنًا فينخفض سعرهن إلى ألفي دولار أميركي)([2]).

لكن من جهة أخرى لا تعتقد المنظمات الدولية والجمعيات النسوية التابعة لها في بلادنا أن الزنا المتفق عليه ودون إجبار هو لون من ألوان البغاء بل لعلهم يشجعون انتشار هذه الفواحش عن طريق ما يسمى خدمات الصحة الإنجابية والتشجيع على عري النساء وتعقيد الزواج وتجريمه قبل سن معين والترويج للفنون الهابطة المليئة بالفحش والتي تحث عليه.

على أن محاربة البغاء على طريقة النسويات وأهل الفن قد يكون عن طريق عودة بيوت الدعارة بطريقة مقننة ورسمية حيث دعت المخرجة المصرية المعروفة إيناس الدغيدي إلى ترخيص بيوت الدعارة في مصر، على أن تجدد الرخصة سنويا. والحكمة في رأيها أن ذلك يحمي المجتمع، معتبرة أن هناك عددا غير قليل يعملن في هذه المهنة على حد تعبيرها وأن علينا مواجهة الواقع بدلا من الهروب منه وأول هذه الخطوات حماية المجتمع بغض النظر عن حالة الرضا أو عدم الرضا من وجود هذه المهنة.

الحياة العامة والسياسية

تهتم وثيقة السيداو اهتماما شديدا بمشاركة المرأة في الحياة العامة، والسياسية على وجه الخصوص، حيث أن المادة 7 تنص على أن (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة للبلد، وبوجه خاص تكفل للمرأة، على قدم المساواة مع الرجل، الحق في:

(أ) التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، والأهلية للانتخاب لجميع الهيئات التي ينتخب أعضاؤها بالاقتراع العام.

(ب) المشاركة في صياغة سياسة الحكومة وفي تنفيذ هذه السياسة، وفي شغل الوظائف العامة، وتأدية جميع المهام العامة على جميع المستويات الحكومية.

(ج) المشاركة في أية منظمات وجمعيات غير حكومية تهتم بالحياة العامة والسياسية للبلد).

وهي مادة جيدة، مع بعض الملاحظات التي سأسجلها، ولم تتحفظ عليها أي دولة باستثناء الكويت، ونستطيع القول إن جميع الدول العربية تستطيع المرأة فيها المشاركة بالتصويت في الانتخابات أو الاشتراك في الوظائف العامة مع درجة من الاختلاف من بلد لآخر في درجة الوظيفة العامة والتي تريد النسويات في بلادنا أن تصل لقمة الهرم.

على أية حال يجب علينا التأكيد على حرية ورغبة المرأة في المشاركة فقد تحجم المرأة عن المشاركة لظروف شخصية كالحمل أو رعاية طفل صغير مثلا لذلك لم يوجب عليها الشرع الجُمع والجماعات.

كما يجب على الدول -بضغط شعبي- توفير المناخ المناسب لهذه المشاركة بحيث لا يكون هناك مجال للاختلاط غير المنضبط، وهو الأمر الذي لم يتحقق، ولقد قمت بنفسي باستطلاع رأي كثير من النساء عن أسوأ ما تعانيه النساء، وكنت اعتقد أنني سأجد الجواب: مشاكل أسرية أو زوجية لكنني وجدت شريحة الموظفات يجدن أن أسوأ ما يجدنه هو الاختلاط في العمل والزحام في المواصلات.  

وفي نفس السياق نصت المادة 8 على أن (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتكفل للمرأة، على قدم المساواة مع الرجل، ودون أي تمييز، فرصة تمثيل حكومتها على المستوى الدولي والاشتراك في أعمال المنظمات الدولية). هذه المادة تدفع بالنساء لا لمجرد المشاركة في الحياة العامة والسياسية في بلدها كما المادة السابقة وإنما تضغط على الحكومات حتى تقوم بالدفع بنساء لتمثيل البلاد على المستوى الدولي والاشتراك في أعمال المنظمات الدولية. ولابد أن نذكر في هذا الصدد أن الرجال لا يزالون يشغلون معظم المناصب البارزة في الأمم المتحدة من بينها الأمين العام ونائب الأمين العام ورئيس قسم الشؤون السياسية ورئيس المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى أن جميع من تولوا منصب الأمين العام كانوا من الرجال.

على أي حال أثمرت جهود النسويات بعض النتائج حتى أن الأردنية دينا قعوار أصبحت عضوا بمجلس الأمن وترأسته أيضا كما أن مايا مرسي رئيسة المجلس القومي للمرأة بمصر كانت تشغل منصب رئيس فريق المركز الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مجال سياسات تمكين المرأة للدول العربية، كما تمكنت الكويتية نوف العماري من العمل في المركز العالمي لتميز الخدمة العامة في سنغافورة والتابع للأمم المتحدة لتشغل منصب محلل برامج مجال المنطقة العربية، إلا أن هذه النجاحات في تطبيق هذه المادة لا يزال أقل كثيرا مما تطمح إليه النسويات.

تحفظ بالجملة

مثلت المادة 9 عقبة كبيرة بالنسبة للدول العربية للتصديق والانضمام لاتفاقية السيداو، تلك المادة التي تتعلق بحظر التمييز في قوانين الجنسية ومن الدول العربية التي قامت بالتحفظ على هذه المادة (الأردن، الجزائر، البحرين، العراق، الكويت، المغرب، تونس، لبنان، مصر، سوريا، السعودية) نظراً لمخالفة هذه المادة لقوانين الجنسية في تلك الدول (لم تتحفظ عليها جزر القمر واليمن وليبيا).

ولكن 5 دول من هذه الدول قامت برفع تحفظاتها وهي مصر والعراق وتونس والجزائر والمغرب فمنحت أبناء المواطِنة المتزوجة من أجنبي الجنسية عدا المتزوجة من فلسطيني حتى لا تذوب الهوية الفلسطينية في المجتمع العربي، وفقا لقرارات جامعة الدول العربية. وبالنسبة للكويت فهي تمنح الجنسية الكويتية لأبناء المواطنة الكويتية إذا كان الابن مجهول الأب أو أقام في الكويت حتى بلوغه الـ 21 سنة خاصة لو كانت الأم مطلقة طلاقا بائنا أو كان والد الطفل أسيرا،  والمسألة ترجع لتقدير السلطات.

 كما تجيز باقي دول الخليج أن تكون المرأة كفيلة لزوجها الأجنبي وأبنائها منه وهناك تسهيلات بالنسبة للإقامة والخدمات الاجتماعية دون الحقوق المدنية، وهذا هو نص المادة 9 من اتفاقية السيداو: (1. تمنح الدول الأطراف المرأة حقوقا مساوية لحقوق الرجل في اكتساب جنسيتها أو تغييرها أو الاحتفاظ بها. وتضمن بوجه خاص ألا يترتب على الزواج من أجنبي، أو على تغيير الزوج لجنسيته أثناء الزواج، أن تتغير تلقائيا جنسية الزوجة، أو أن تصبح بلا جنسية، أو أن تفرض عليها جنسية الزوج.

2. تَمنح الدول الأطراف المرأة حقا مساويا لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالهما). على أن الطموح النسوي في البلدان التي رفعت تحفظاتها على الاتفاقية يتجاوز منح الأبناء جنسية الأم لمنح الجنسية للزوج كما يحدث في البلدان الأخرى.

يبقى أن نقول إن الإسلام منح المرأة حقها الكامل في المواطنة فقد منحها الحق، لا في الاهتمام والمشاركة في الحياة العامة فحسب، وإنما جعل لها نفس القيمة ونفس الحقوق المجتمعية حتى أنها قد تجير بعض الأعداء المحاربين فيمضي جوارها، حتى أن البخاري عنون بابا اسماه (باب أمان النساء وجوارهن) ومن ذلك ما روته أم هانئ أنه (لما كان عام يوم الفتح فرّ إليّ رجلان من بني مخزوم فأجَرْتُهُما، قالت: فدخل علىَّ عليٌّ فقال: أقتلهما، قالت: فلما سمعته يقول ذلك أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ وهو بأعلى مكة، فلما رآني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ رحّب وقال: ما جاء بك يا أم هانئ، قالت: قلت يا رسول الله، كنت أمّنت رجلين من أحمائي، فأراد عليّ قتلَهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: قد أجرنا من أجرت) رواه مسلم، وفي رواية البخاري قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها: ( مَرْحَباً بِأُمِّ هَانِئٍ .. قدْ أَجَرنَا مَنْ أَجَرتِ يَا أُمَّ هَانِئ )، وفي رواية أحمد: أنهما رجلان من أحمائها، فقال لها النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (قد أجرنا من أجرت، وأمَّنا من أمَّنت فلا يقتلنَّهما).

فإذا كانت المرأة تملك الحق في أمان الأعداء المحاربين أفلا يكون لها الحق في منح جنسيتها لأبنائها المسلمين المقيمين معها؟ سؤال بحاجة للتفكير العميق للخروج من وطأة المشكلات الحقيقية التي تعانيها المرأة المسلمة التي منحها الإسلام بحق حزمة من الحقوق المتكاملة والمتوازنة تتجاوز كثيرا (السيداو) وغيرها من تلك المواثيق الأممية المتعلقة بالمرأة.

 



[1] -  نوال السعداوي، دراسات عن المرأة والرجل في المجتمع العربي، بتصرف.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق