الناصريون وإيران .. ما هو الجامع بينهما؟
الثلاثاء 5 أبريل 2016

 أسامة الهتيمي– كاتب مصري

 

خاص بالراصد

من جديد تدفعنا بعض التطورات والأحداث إلى إعادة الحديث عن علاقة الدولة الإيرانية الشيعية اليمينية بالتيار القومي واليسار العربي، اللذين يبدو أنهما كانا البديل الإيراني الأفضل عوضا عن أغلب تنظيمات الحركة الإسلامية العربية السنية بمختلف مدارسها واتجاهاتها، والتي كانت على علاقة وثيقة لدرجة كبيرة مع إيران وقادتها منذ وقوع ثورة الخميني في نهاية السبعينيات من القرن الميلادي الماضي وحتى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 الذي كان في الحقيقية سببا في بدء توتر العلاقة بين الطرفين وتراجعها حيث كشفت عملية الغزو والدور الذي لعبته إيران خلالها بعضا من الوجه القبيح لسياسة طهران، التي بذلت جهدا كبيرا في إخفائه عبر المراوغة والتخفي وراء شعارات مخادعة وزائفة طيلة أكثر من عقدين من الزمان.

ثمة حدثان مهمان شهدتهما الساحة السياسية المصرية مؤخرا:

تمثل الأول في تلك الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها كل من حركة "كفاية" بالتنسيق مع "حزب الكرامة – الذي أسسه حمدين صباحي - والحزب العربي الناصري وحزب التحالف العربي الاشتراكي ولجنة الشؤون العربية بنقابة المحامين" – يقودها ناصريون أيضا – فضلا عن عدد من الشخصيات المحسوبة على التيار الناصري المصري بينهم كريمة الحفناوي ومحمد بسيوني وكمال أبو عيطة وعبد الحليم قنديل ومحمد الأشقر ومحسن هاشم، وهي الوقفة التي أعرب خلالها الواقفون على سلم نقابة الصحفيين المصريين عن رفضهم لقرار مجلس التعاون الخليجي بوصف "حزب الله" اللبناني بأنه "منظمة إرهابية" حيث رددوا في هتافاتهم شعارات للتنديد بالقرار والتأكيد على ضرورة المقاومة، ومجددين رفضهم لمعاهدة كامب ديفيد فيما لم يفتهم حرق علم الكيان الصهيوني وإصدار بيان لرفض تصنيف أي مقاومة عربية بالجماعة الإرهابية باعتبار أن هذا القرار يصب في صالح العدو الصهيوني ومخططاته في الوطن العربي.

فيما تمثل الثاني في مشاركة وفد مصري يضم عددًا من قيادات الناصريين في مؤتمر عقد بدمشق يوم 19 مارس الماضي للتضامن مع قائد النظام السوري بشار الأسد حيث التقى الوفد كلاً من حسن نصر الله الأمين العام لـ "حزب الله" اللبناني وبشار الأسد.  

وضم الوفد كلاً من جمال زهران، البرلماني السابق وأستاذ العلوم السياسية، ومحمد عطية المنسق العام لحملة "لا للأحزاب الدينية" وحسام الأطير وجمال أبو عليو من الحزب الناصري والمحامي أسعد هيكل وبعض الشخصيات العامة والحزبية حيث تم انتخاب ما سمي بـ "متلقى التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة" والذي اختار زهران أمينًا مساعدًا للملتقى ومسئولاً أول للتجمع بمصر. وكان من بين ما ناقشه هذا الملتقى المزعوم سبل التصدي لمؤامرة استهداف سوريا والعراق وتعزيز معادلة "الشعب والجيش والمقاومة" لمواجهة ما وصفوه "بالإرهاب المنظم والعصابات التكفيرية ومن يدعمها والتأكيد على أهمية التنسيق السياسي والعسكري مع سوريا وإيران وروسيا بمواجهة العدوان وعلى أهمية وحدة سوريا والعراق وعروبتهما ودورهما الممانع والمقاوم".

وعلى الرغم من أن هذين الحدثين ربما لم يحظيا بكثير اهتمام من قبل وسائل الإعلام المصرية فضلا عن الفاعلين لانشغالهم بقضايا أخرى تزدحم بها الحياة السياسية في مصر إلا أن الحدثين لهما دلالتهما الخطيرة إذ بات واضحا أن التحرك الإيراني لا يتوقف للحظة عن مواصلة خطته لاستقطاب أطراف سياسية بعينها تكون له ظهيرا داعما ومؤيدا لسياساته ومدافعا عن قضاياه من منظوره الخاص غير أن هذه الأطراف هذه المرة تمثلت في تيارات وقوى سياسية يفترض أنها في ظاهرها على تعارض مع الدولة الإيرانية خاصة فيما يتعلق بأمرين في غاية الخطورة:

الأول: هو أن إيران دولة دينية حيث قامت على مبدأ ولاية الفقيه ولقبت نفسها بالجمهورية الإسلامية.

الثاني: أن إيران تمارس سياسات شعوبية وطائفية بحق السنة والعرب، تجسد ذلك في كل من العراق وسوريا ولبنان وغيرها.

ومع أن ما سبق أدركته الكثير من الأطراف بمن فيهم الإسلاميون الذين انفضوا عن إيران معترفين بخطأ الرؤية والانخداع إلا أن عين القوميين والناصريين العرب على ما يبدو ما زالت لا ترى بوضوح هذا التعارض أو أنها تعمدت ألاّ ترى، فوقع هؤلاء في فخ التناقضات التي لم ير البعض تفسيرا لها سوى أنها إنما جاءت لتحقيق مصالح ضيقة لقيادات هذه التيارات ولو كان ذلك على حساب المبادئ التي يتاجرون بها والتي ما فتئوا يصدعون بها رؤوس الناس.

يكشف عن ذلك أن المبررات التي قدمها قادة الناصرية والقومية العربية والتي على أساسها اتخذوا موقفا داعما لإيران وحلفائها تتساقط أمام أعين المتابعين والمراقبين للسياسات الإيرانية حيث لا يرون في إيران إلا نموذجا فجا للإمبريالية الاستيطانية التي تبذل ما في وسعها من أجل توسيع هيمنتها ومد نفوذها على بلدان المنطقة وأن مسألة تدثرها بشعارات المقاومة ودعم الشعوب المضطهدة ليس إلا محاولة لاستغفال الشعوب واستمالة عواطفها فيما لا تختلف هي مطلقا عن بقية قوى العالم الإمبريالية من ناحية الهدف، بل وفي أحيان كثيرة من ناحية الوسائل أيضا.

لكن وفي إطار التنظير والحوار دعونا نسمح لأنفسنا بالافتراض الجدلي بصحة ما يذهب إليه هؤلاء من أن إيران دولة تدعم المقاومة وأنها تقود حلف الممانعة ضد أمريكا و"إسرائيل" وأنها الدولة التي تدعم تنظيم حزب الله الذي قاتل الكيان الصهيوني وأوقفه عند حده.

لكننا في الوقت نفسه من حقنا أن نسأل هؤلاء عن السبب وراء موقفهم من الكيان الصهيوني أليس هو أن هذا الكيان قام على أرض عربية قام باحتلالها بالقوة ومارس ولا يزال ضد أهلها كل صنوف وأنواع الانتهاكات وهو الأمر الذي فضلا عن تعارضه مع المبادئ والقيم الإسلامية يتعارض مع ما تدعو إليه أواصر القومية العربية التي تدفع بأتباعها للتضامن والوقوف معا يدا واحدة لصد أي عدوان يستهدف انتزاع حق عربي؟

بكل تأكيد ستكون إجابة هؤلاء على تساؤلاتنا بالإيجاب، وهو ما نعمله ويعلمه الجميع، ومن ثم نسأل هؤلاء سؤالا آخر ألا وهو: ما الفرق لدى هؤلاء بين ما فعله الكيان الصهيوني بحق فلسطين والفلسطينيين وما فعلته إيران بحق العراق والعراقيين؟.. ربما يرد هؤلاء بادئ الأمر بأن الفرق كبير وأنه لا مقارنة بين الطرفين، لكننا يمكننا أن نؤكد بما لا يدع مجالا لجدل أو شك أن إيران هي نسخة أخرى من الكيان الصهيوني وأن العبرة في المسألة بالنتيجة، فإيران التي وعلى لسان قادتها هي التي دعمت القوات الأمريكية في غزوها للعراق عام 2003 لتصبح العراق وبعد أيام قلائل من القصف المتواصل تحت نير الاحتلال الأمريكي فكانت سببا في كم التخريب والدمار الذي لحق بالعراق والعراقيين والذي كان أبرز مظاهره مقتل نحو مليون عراقي أغلبهم من الأطفال والنساء وإصابة مئات الآلاف بالأمراض المستعصية نتيجة القنابل العنقودية فضلا عن تهجير ملايين أخرى وتدمير البنية التحتية وفتح الباب على مصراعيه أمام سرقة كنوز وثروات العراق من البترول والآثار بل وكانت سببا في أخطر ما يتعرض له العراق وينفذ أجندة الصهيونية العالمية بشأن المنطقة ألا وهو تقسيم البلاد على أساس طائفي ومذهبي.

ونزيد: هل يخفى على أحد من الناصريين أو القوميين طبيعة الدور الذي تلعبه إيران في العراق ومدى ما لها من سطوة على قادة الحكم فيها للدرجة التي يشرف فيها وزير الدفاع الإيراني على الجيش العراقي والمليشيات المسلحة فيما لا تصدر الحكومة العراقية أي قرار دون أن يمر على طهران؟

وهل نسي الناصريون والقوميون أن من أشرف على عملية إعدام صدام حسين الذي يتخذونه أيقونة للنضال والصمود أمام الجبروت الأمريكي هي إيران عبر رجالها في العراق ووسط هتافات وشعارات طائفية وفي توقيت مستفز للغاية لمشاعر المسلمين في كل مكان، وهي الجريمة التي لم يتردد حزب الله – الموالي لإيران – في أن يرحب بها حيث أعلنت قناة المنار التابعة للحزب عن فرحتها باغتيال صدام على يد رفاق حسن نصر الله في العراق أمثال مقتدى الصدر وعبد العزيز الحكيم، ابن خالة حسن نصر الله، فيما قام الحزب بتوزيع الحلوى في مناطق جنوب بيروت؟

وهل نسي هؤلاء أيضا أن إيران كانت أول من اعترف باحتلال أمريكا للعراق فكان وزير خارجيتها أول وزير خارجية في العالم ـ وحتى قبل وزير الخارجية الأمريكي ـ يذهب إلى بغداد ليبارك الاحتلال الأمريكي فيما تسارع مرجعياتها الدينية إلى الإفتاء بشرعية الاحتلال والتعامل السياسي معه وبعدم جواز مقاومته بل إنها اعتبرت أن الاحتلال الأمريكي للعراق قد صحح وضعاً تاريخياً استمر 1400 عام، بحسب زعمهم؟

إن الواقع يقول إنه وكما أن فلسطين أصبحت بيد الصهاينة فإن العراق أيضا أصبح بيد الإيرانيين الذين وجدوا في الغزو الأمريكي فرصة للتشفي والانتقام من الشعب العراقي ومعاقبته على مشاركته في الحرب الذي اندلعت بين العراق وإيران واستمرت لنحو ثماني سنوات حيث انتهت في 1988م نزاعا على منطقة شط العرب العراقية التي ادعت إيران ولا زالت أنها إيرانية.

واستمرارا لافتراضاتنا الجدلية فلنتجاوز الحديث عن العراق وكأن ما جرى له لم يجر من الأصل ولنذهب لملفات أخرى منها مثلا احتلال إيران للجزر الإماراتية العربية عام 1971 زمن الشاه وهو أمر لم يكن من العدل أن نقيّم به حكومة ثورة الخميني التي اندلعت بعد ذلك بنحو ثماني سنوات لكن الحقيقة والواقع يقولان إن حكومة الثورة لم تُعد الحق لأصحابه وأبقت على احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث دون أن تبدي أية نية لإعادتها للإمارات أو حتى القبول بالتحكيم الدولي بشأنها بالإضافة إلى تلك التصريحات الصادرة عن بعض قيادات الدولة الإيرانية والخاصة بالإمارات بما تحمله من غطرسة وعنجهية لا حدود لهما.

والأمر لا يختلف كثيرا بشأن البحرين التي تعيش حالة من التهديد الدائم من قبل الدولة الإيرانية التي لا تفتأ تعمل على إثارة القلاقل والتوترات عبر شيعة البحرين الذين خضع بعضهم بكل أسف لابتزاز الإيرانيين وخداعهم عبر استبدال الرابط القومي والإسلامي برابط آخر تمثل في التمركز حول الطائفة وولاية الفقيه فتحولت قُم لقبلة يتوجه لها الشيعة في العالم كله وصار الخميني رمزا وقائدا لكل الشيعة.

كما لا يخفى على أحد كيف تنظر الدولة الإيرانية للبحرين، وكيف تواترت الأنباء حول وجود ممثل للبحرين في البرلمان الإيراني باعتبارها إحدى المحافظات الإيرانية، وهو أمر بطبيعة الحال يصيب دول مجلس التعاون الخليجي بحالة من القلق، الأمر الذي دفع المملكة العربية السعودية لإقامة جسر أو "كوبري" يربط بينها وبين البحرين بما يسمح لقواتها بالتدخل السريع في حال تعرضت البحرين لأي تهديد.  

ثم نواصل تساؤلاتنا ونقول: على أي أساس قامت ولا تزال تقوم إيران بتقديم الدعم المالي والعسكري والسياسي للمتمردين الحوثيين في اليمن؟ هل لأن لهم حقوقا سياسية مهدرة أم لأن هؤلاء الحوثيين ينتمون مذهبيا للشيعة وأن إيران وجدت فيهم مبتغاها لتستخدم اليمن كأداة ضغط على المملكة وابتزازها لتحقيق مخططها التوسعي باتجاه بلدان الشام العربية؟.. أعتقد أن الإجابة يعلمها الجميع حيث يدركون أن مسألة الديمقراطية والحرية والحصول على الحقوق هي آخر ما يمكن أن تفكر فيه طهران، وأن الأمر لا يعدو عن اعتبار الحوثيين ورقة تلعب بها خاصة وأن الجميع يدرك أن الحوثيين وعلى المستوى العقدي أقرب لأهل السنة منهم للشيعة الأمامية الإثني عشرية.

وماذا عن موقف إيران من الثورة السورية؟ ولماذا تصر على دعم وتأييد بشار الأسد في حربه ضد شعبه، هل لأن الأسد بالفعل جزء من محور الممانعة وأنه يدعم المقاومة الفلسطينية أم لأن الرجل ليس إلا حليفا إستراتيجيا لإيران هو وطائفته العلوية التي تمثل أقلية بين سكان سوريا؟.. إذا كان الأمر متعلقا بمسألة الممانعة فإننا وبكل أريحية نقول إن بشار لم يقدم شيئا حقيقيا للتدليل على هذه الممانعة يتجاوز حدود الكلام والخطب العنترية فيما لم يطلق رصاصة واحدة باتجاه الجولان، أما إذا كان الحديث عن دعم المقاومة الفلسطينية واستضافة بعض قياداتها في دمشق فذلك أيضا لم يعد يمكن الاستناد عليه بعدما سارع بشار وبمجرد اندلاع الثورة السورية إلى طرد هذه القيادات.

الحقيقة أن حديث الانتهاكات الإيرانية طويل للغاية ومليء بالنماذج الفجة التي تفضح زيف الدعاوى الإيرانية غير أننا نحاول أن ننتقل لملف آخر يتعلق بترديد مزاعم دعم إيران للمقاومة الفلسطينية وهي الدعوى التي طالت وبكل أسف على الكثيرين وربما دعمها موقف بعض فصائل المقاومة الفلسطينية من إيران والتي آثرت أن تنتهج نهجا براجماتيا مع إيران كمحاولة منها لعدم فقدان أي طرف يمكن أن يقدم لها الدعم وكورقة ضغط تستحث بها بعض الأطراف العربية وخاصة الخليجية لمواصلة دعمها لهذه المقاومة.  

وبعيدا عن تقييم موقف فصائل المقاومة الفلسطينية التي لاشك أن بعض قادتها استفادوا بالفعل من العلاقة مع إيران إلا أن النظر بعمق لمسألة الدعم الإيراني للمقاومة يكشف عن أن إيران هي التي استفادت من هذا الدعم وليس العكس، وأن موقف إيران من الاحتلال الصهيوني لفلسطين ليس إلا للمتاجرة، وإلا مَن يفسر لنا موافقة إيران على ما جرى بحق الفلسطينيين في العراق وقتما أصبحت هي صاحبة القوة والسيطرة عليه، ومَن يفسر لنا موقف إيران الصامت إزاء ما قامت به حركة أمل الشيعية في جنوب لبنان بحق الفلسطينيين المتواجدين هناك حيث الانتهاكات ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان بين عامي (1984 -1987) فيما عرف بحرب المخيمات، ومن يفسر لنا موافقة إيران على قيام حليفها في لبنان (حزب الله) بترشيح المدعو إيلي حبيقة الذي عرف بأنه سفاح مجزرة صبرا وشاتيلا لأكثر من دورة برلمانية، ولماذا تنكرت إيران لزعيم حركة فتح الفلسطينية الراحل ياسر عرفات ومنعته من دخول أراضيها على الرغم من أن الحركة قامت بتقديم كل دعم ممكن للثورة الإيرانية قبل أن تنجح وعندما كان رجالها مطاردين من قبل مخابرات الشاه.

الحقيقة أن هذا -وغيره الكثير- لا يعطي لنا إلا تفسيرا واحدا هو أن إيران غير صادقة في دعمها للفلسطينيين، ولو أنها كذلك لوجب عليها مثلا حثّ رجلها في دمشق بشار الأسد ومن قبله والده حافظ الأسد على العمل بجدية لاستعادة الجولان المحتلة ولبذلت جهدا حقيقيا لحماية الفلسطينيين الذين تعرضوا لانتهاكات لا محدودة في سوريا إبان اندلاع الثورة السورية.

ولعله يجدر بنا أن نشير أيضا إلى قضية أخرى تتعلق بموقف إيران من العرب والقومية العربية وهو الموقف الذي يعلم القوميون والناصريون أنه معادٍ لأقصى درجة، فإيران ترفض مطلقا تسمية الخليج العربي بالعربي وتطلق عليه اسم الخليج الفارسي، فضلا عن أنها رفضت أن يطلق عليه الخليج الإسلامي كحل وسط لتجاوز هذه الأزمة.

وإيران التي احتلت منطقة الأحواز العربية وضمّتها لأراضيها تمارس أشد أنواع الاضطهاد ضد سكان هذه المناطق الذين ينتمون للعرق العربي رغم أنهم من العرب الشيعة، فمنعتهم من الالتحاق بالجيش أو الشرطة وحرمتهم من تولي المناصب بل وحرّمت عليهم التحدث بالعربية فيما ضيقت عليهم إنشاء المدارس العربية أو المؤسسات الراعية لهم وغير ذلك من السياسات التي تؤكد أن الدولة الإيرانية دولة عنصرية من الدرجة الأولى وأن هذه العنصرية تستهدف الجنس العربي بشكل أساسي وهو ما يفسر العنف الذي مارسته الميلشيات الإيرانية ضد الشيعة العرب في العراق ما يؤكد القول بأن الإيرانيين الفرس يتعاطون مع العرب انطلاقا من حقدهم الدفين منذ انتصر العرب على الفرس في معركة القادسية زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

إن ثمة شواهد كثيرة تؤكد أن الإيرانيين -حكاما ومحكومين- ينظرون للعرب نظرة تحمل الكثير من الحقد والاحتقار، وأن هذه النظرة ليست مقصورة على زمن الشاهنشاهية، بل إنها انسحبت أيضا إلى ما بعد الثورة ولا زالت على الرغم من أنه كان يفترض أن تتغير هذه النظرة، ومن ذلك مثلا ما ذكره الكاتب الفلسطيني محمد أسعد بيوض التميمي مِن أن والده الراحل الشيخ أسعد بيوض التميمي وفي عام 1990 وخلال الذكرى الأولى لوفاة الخميني اجتمع بالخامنئي في طهران وقد كان محمد نجل الشيخ أسعد مرافقا له فطلب الشيخ أسعد من الخامنئي أن يكون الحديث بينهما باللغة العربية وبدون مترجم فهي لغة القرآن وكلاهما يتقنها وتكريما للغة القرآن فما كان من الخامنئي إلا أن انتفض وكأنه استفز وأجاب بحدة: أنا لا أتقن العربية، وهو في الحقيقة يتقنها جيداً.

وهو تقريبا نفس المعنى الذي يستفاد من رفض الخميني التحدث باللغة العربية مع الكاتب المصري والقطب الناصري المعروف محمد حسنين هيكل.

فإذا كان الخميني وهو رأس السلطة في الدولة الإيرانية وهو بالأساس عالم دين يفترض أنه يقدر اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم لا يريد أن يتحدث بها مع ضيوفه العرب وهو ما ييسر الحديث مصرا على التحدث بالفارسية عبر مترجم فما بالنا بغيره من بقية الإيرانيين؟

يضاف إلى ذلك التعصب الإيراني بشأن القومية الفارسية التي ربما تطرح كبديل عن القومية العربية التي اعتبرها الخميني كفرا، فنجد مثلا أن الدستور الإيراني بعد الثورة ينص على أن "رئيس الدولة يجب أن يكون شيعيا" أي أنه لا يقتصر على كونه إيرانيا فحسب بل يكون شيعياً حتى يتم تفادي أن يكون إيرانيا من سنياً أو غير ذلك.

ولا يفوتنا الإشارة إلى قضية أخرى شديدة الأهمية تتعلق بالموقف من طبيعة الحكم في إيران حيث ينظر العلمانيون وبينهم الناصريون والقوميون إلى إيران باعتبارها نموذجا للحكم الديني حتى أنهم وفي إطار الانتقاد لها يطلقون عليها دولة الملالي وهو موقف كفيل بأن يدفع هؤلاء إلى تبني رؤى مغايرة للرؤى الإيرانية داخليا وخارجيا وهو ما لم يتحقق على الرغم من الاعتبارات السياسية التي أشرنا إليها آنفا.

هذا كله يجعل من غير المستساغ أن نقبل بما يقدمه هؤلاء من مبررات لهذا التحالف والتوافق، ويبقي الشكوك والشبهات حول حقيقة دوافع مواقف تأييد هذا التيار العلماني القومي العربي لإيران الدينية المعادية للعروبة وما هو الجامع المشترك بينهما؟؟

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق