إيران في إرتريا .. أدوار مشبوهة وأطماع إقليمية
الثلاثاء 5 أبريل 2016

 

 د. محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

مقدمة:

إرتريا دولة إفريقية، تقع في الشمال الشرقي للقارة على الساحل الغربي للبحر الأحمر المقابل للجزيرة العربية، ويحد إرتريا من الغرب والشمال الغربي السودان، ومن الجنوب إثيوبيا، ومن الجنوب الشرقي جيبوتي، ويمتد الجزء الشمالي الشرقي من البلاد على ساحل البحر الأحمر، مباشرة في مواجهة سواحل السعودية واليمن، على امتداد ساحل طوله 1000 كيلومتر، وتمتلك إرتريا حوالي 126 جزيرة في البحر الأحمر، أكبرها جزيرة دهلك .

تقدر مساحة إرتريا بحوالي 124 ألف كم مربع، وعدد سكانها حوالي 5 ملايين نسمة، وعاصمتها أسمرا، ويتحدث الكثير من سكانها العربية، وتتميز إرتريا كغيرها من الدول الأفريقية والدول الأخرى بتعدد الأديان وكثرة المعتقدات ولعل ذلك ناتج من تأثرها ببيئة الدول المحيطة بها، ولا توجد إحصائية رسمية حول نسب أتباع الأديان في إرتريا، ولكن يقدر بأن ما نسبته 75% من السكان هم مسلمون سنة، و10% من مسيحيون أرثوذكس، و10% مسيحيون كاثوليك، و3% مسيحيون بروتستانت وآخرون، و2% الباقية ديانات تقليدية محلية.

تتنوع أعراق سكان إرتريا إلى تسع مجموعات لغوية تجمعهم اللغة العربية والثقافة الإسلامية، واللغة العربية والتجرينية هما اللغتان الرسميتان في البلاد، وهناك اتصال عميق بين إرتريا والبلاد العربية منذ فترة طويلة قبل الإسلام نتج عنه تداخلات اجتماعية بسبب تلك الصلات العرقية واللغوية والدينية والاقتصادية، وتعد إرتريا أول بقعة دخلها الإسلام في إفريقيا عبر هجرة الصحابة إلى الحبشة في العام الخامس للبعثة النبوية، كما ظلت إرتريا مرتبطة بدولة الخلافة الأموية من عام 80 هـ، ثم العباسية، ثم الدولة العثمانية من عام 1557م إلى 1865م، وقد تعرضت إرتريا بعد ذلك إلى سلسلة من التعاقب الاستعماري الحديث بدءًا من الاستعمار الإيطالي في الفترة من 1885م –1941م، والاستعمار البريطاني من 1941م – 1952م، وأخيراً الاستعمار الإثيوبي من عام 1962م إلى 1993م، حيث نالت إرتريا استقلالها بعد نضال استمر لأكثر من ثلاثين عاماً.

الوجود الإيراني في إرتريا.. لماذا؟

الخطوة الأولى للعلاقات الإيرانية الإرترية بدأت بزيارات قام بها الجانب الإرتري لطهران، وقالت إريتريا إنها أرسلت مبعوثا إلى إيران لإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية مع ذلك البلد، وكان ذلك في ذات الوقت الذي ساءت فيه علاقاتها مع الدول الغربية بسبب النزاع الحدودي مع إثيوبيا المجاورة، وبدأت العلاقة فعليا بفتح إيران لتمثيل دبلوماسي في أسمرا بسفير غير مقيم هو سفير إرتريا في الإمارات العربية المتحدة، وقيل السفير الإيراني في الخرطوم، ثم بدأ الإعداد لزيارة الرئيس الإرتري أسياس أفورقي لطهران بدعوة من الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، ونقلت بعض وسائط الإعلام ومنها نيويورك تايمز عن مسؤولين في طهران قولهم إنه "لا حدود للتعاون بين إيران وإرتريا"، وهو ما يعبر عن العلاقة بكل أوجهها. ثم جاءت زيارة أفورقي لطهران في مايو 2009م، ولفتت الزيارة الرئيس الإريتري إلى خبرات وإنجازات إيران في مجالات متعددة، حيث قال آنذاك إن إريتريا تحرص على تطوير العلاقات والتعاون مع الجمهورية الإيرانية في شتى المجالات بما فيها الاقتصادية والاستثمارات، واستخراج المعادن والطاقة والزراعة والصناعة.

يمكن القول إن الوجود الإيراني في إرتريا، هو وجود ملحوظ كماً ونوعاً، ويمكن التعرف على بعض أنواع الوجود الإيراني من خلال بعض التقارير الإخبارية والمعلوماتية، وتصنيفها كالتالي:

أولا: الجانب المدني

– بناء قاعدة بحرية تطلّ على باب المندب.

– وجود فنيين في معامل تكرير البترول.

– الاتفاقية الثقافية، وهي عبارة عن مذكرة تفاهم لتعزيز الروابط الثقافية والعلمية والتعليمية.

– صفقات تجارية واستثمارية.

- استخراج المعادن ويقصد به الذهب الذي تحاول الحكومة الإرترية الاستفادة منه لسرعة المردود وتعمل فيه شركات لا حصر لها في أماكن عدة من إرتريا.

– التعاون في مجال الطاقة والصناعة والزراعة.

ثانيا: الجانب العسكري

- تشير بعض التقارير إلى أن إيران تمكنت بسرية تامة من بناء قاعدة بحرية عسكرية على البحر الأحمر في السواحل الإرترية.

– كما تم إنشاء مركز لتموين السفن الإيرانية التي تجوب البحر الأحمر.

– أرسلت إيران مئات من عناصر (فيلق القدس) وضباط البحرية والخبراء العسكريين في الحرس الثوري إلى إريتريا.

- نصَبت إيران عشرات بطاريات الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى والصواريخ المضادة للطائرات والسفن في ميناء عصب.

– توجد غواصات وسفن حربية إيرانية في مياه إرتريا.

– توجد طائرات تجسس إيرانية بدون طيار في المنطقة.

الدور المذهبي لإيران في إرتريا:

لم تشهد إفريقيا عبر التاريخ وجودا فاعلا للفرق الضالة في الإسلام، وخاصة المذاهب الشيعية، كما لم يذكر لها أي نوع من النشاط أو الحضور حتى في التاريخ الحديث، لكن بعد ما يسمى الثورة الإيرانية تزايد نشاط التشيع، حتى بلغ الأمر اليوم ظاهرة ملحوظة ومقلقة في عموم إفريقيا، وفي منطقة القرن الإفريقي خاصة، وإرتريا جزء من القرن الإفريقي، ويأخذ هذا النشاط ثلاث واجهات هي:

أ - دعم الوجود الشيعي في تلك البلاد من خلال مراكز التعليم والتعرف على الواجهات الدينية.

ب- الدخول إلى المجتمع من أبواب الأدوار الإنسانية، وإنشاء منظمات للنساء مثل منظمة "الزهراء" وإنشاء المراكز الثقافية إذا أتيح لها ذلك.

ج- مِنح التعليم في إيران أو إيجاد مراكز تعليم لها ما أمكن إلى ذلك سبيلا، وهو نشاط حثيث وسري ديدنه التّقية، لذلك لا يظهر إلا حين يستفحل ويكون أمرا واقعا.

ويندرج ضمن هذا الأسلوب: الغزو الثقافي، حيث تعمل إيران جاهدة على إعطاء صورة نموذجية عن الحكم الإسلامي الديمقراطي فيها، وعن احترامها "لحقوق الإنسان" ودفاعها عن الدول المستضعفة، وسعيها لرفع الظلم عنها بدعم هذه الدول تنموياً، وبإعطاء منح للطلاب المسلمين للدراسة في إيران، وتعلم اللغة الفارسية، ودعمها لذلك بوجود صحفي وإعلامي مكثف وعشرات المطبوعات الإيرانية، وإقامة المراكز الثقافية الإيرانية، بالإضافة إلى المؤسسات الخيرية التي لها مشروعات في بعض الدول كمؤسسة إمداد الإمام، التي تقوم بدور في رعاية أُسر فقيرة وتأسيس مدارس وجمعيات خيرية.

تشير بعض التقارير لحجم وجود التشيع في إرتريا، لكنها تقارير تعميمية لا تعطي دلائل لحقائق فعلية، وهي تقع ضمن ما أكده الباحث حسن قطامش في دراسة له بعنوان "دراسة حول عدد الرافضة في العالم من المصادر الشيعية"، بيّن فيها أنْ لا حقيقة لغالب ما يذاع وينشر من معلومات عن أعداد الشيعة، وقال الباحث في نهاية دراسته: "وبعد قراءة هذه الأرقام والنسب والإحصائيات من المصادر الشيعية حول عدد الشيعة في العالم، تبين لنا مدى تفاهة هذه الأرقام وضعفها الشديد وعدم استنادها لأي حقيقة يمكن الاعتماد عليها".

بدأت إيران -ومنذ إقامة العلاقات مع إريتريا- بمحاولة نشر التشيع وسط أتباع الطرق الصوفية هناك عن طريق ملحقها الثقافي، مما يؤكد على أن لإيران أهدافا مبيتة غير تلك المعلنة المتعلقة بمصفاة تكرير البترول والأنشطة الأخرى، ومن تلك الأهداف تمركز إيران في أهم ممرين مائيين في العالم هما باب السلام الأحوازي "مضيق هرمز" و"باب المندب"، وترى بعض تلك التقارير أن أبرز التجمعات السكانية للشيعة في إرتريا توجد في مدن: أسمرا ومصوع وعصب وبعض المدن الأخرى.

هناك بعض الأسباب والعوامل التي يمكن أن تسهم في توسع العمل الإيراني المذهبي في المنطقة، وقد تؤدي لانتشار الشيعة في إرتريا، منها :

أولا: قرب إرتريا من مراكز انتشار الفكر الشيعي في العالم العربي كاليمن التي يتمركز فيها الحوثيون الذين كشفت بعض التقارير عن تلقيهم لتدريبات في إرتريا، ويدفع عدد من التجار اليمنيين الشيعة المقيمين في إرتريا أموال الخمس لإيران، وهؤلاء لم يظهر تشيعهم إلا مؤخرا مع الوجود الحوثي في البلاد، ويسعى الشيعة في إرتريا لنشر فكرهم لاسيما في مناطق نقفة ونفاسيت وضواحي مصوع وجزيرة دهلك ودنقلو والعاصمة أسمرا.

ثانيا: ظهور بعض جيوب التشيع في كثير من دول القارة الإفريقية المتاخمة لإرتريا كإثيوبيا والسودان.

ثالثا: انتشار الجهل وحب آل البيت في المجتمع الإرتري مما يمثل بيئة خصبة لانتشار الفكر الشيعي في أوساط المتصوفة بالذات، كما توجد عادات شعبية في إرتريا لها صلة بالمعتقدات الشيعية مثل ما يُفعل في يوم عاشوراء من طقوس (تحضير البليلة وما يتبعها من دفن وتد عليه أغصان شجرة وأشياء أخرى في منتصف الدار). ومن الغرائب أن قيادة جبهة التحرير الإرترية في ثمانينيات القرن الماضي استغلت هذه العادة وسوّقتها لدى الشيعة عندما قابلوا الخميني في إيران، مستدلين بها على أن الشعب الإرتري شيعي بالفطرة، حتى اقتنعت إيران بذلك وبعدالة النضال الإرتري، وفتحت مكتبا رسميا للجبهة في طهران آنذاك.

رابعا: وجود طلاب إرتريين في إيران، حيث درس بعضهم في العراق وسوريا خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي، وتطوع بعضهم في الحرب العراقية الإيرانية آنذاك ووقعوا أسرى لدى الإيرانيين، ومن ثم درسوا في الحوزات العلمية هنالك، وعادوا إلى إرتريا بعد إطلاق سراحهم يحملون الفكر الشيعي، بيد أنهم ظلوا يعيشون مرحلة البيات الشتوي لأفكارهم الشيعية منذ دخولهم إرتريا بعد الاستقلال ليظهروا في الآونة الأخيرة بالتبشير والدعوة إلى فكرهم الرافضي من خلال التجمعات الشبابية والمقاهي في المدن الإرترية، بعد تمكن الحوثيين ونشرهم للتشيع خاصة في أوساط الشباب والطلاب والتجار اليمنيين في المدن الإرترية الكبرى، وكذلك في أوساط قبيلة الرشايدة العربية المشتركة بين السودان وإرتريا في الساحل بصورة يخشى معها تشيع هذه القبيلة العربية في المستقبل عاجلا أو آجلا.

بالإضافة إلى ذلك كانت هنالك علاقات وثيقة منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي بين السفارة الإيرانية بالخرطوم وبعض الكوادر المتقدمة في إحدى أجنحة الحركة السياسية الإرترية آنذاك، نتج عنها دعم وتمويل مراكز تعليمية في بعض المناطق المتاخمة للحدود السودانية الإرترية وتبعث هذه المراكز بطلابها إلى الحوزات الدينية بمدينة قم الإيرانية، مما يزيد الخشية من تسرب الفكر الشيعي إلى معسكرات اللاجئين الإرتريين بشرق السودان إن لم يتم التصدي لهذا الفكر في أسرع وقت.

خامسا: ظاهرة انتعاش الخلاوي والمراكز القرآنية مؤخرا، فمن الأمور الإيجابية اللافتة للنظر في الآونة الأخيرة في إرتريا انتعاش نشاط الخلاوي والمراكز القرآنية، وقد ظهرت هذه الخلاوي والمراكز فجأة بنشاط غير معهود من قبل، مع إمكانيات مادية كبيرة في دعم الطلاب وإعاشة الداخليات لتلك المراكز، حيث يؤكد المتابعون للأوضاع بأن وراء هذا الدعم والانتعاش للمراكز جهة خارجية مؤثرة في النظام الحاكم، يرجح أنها إيران حسب تلك المصادر المطلعة .

إسرائيل وإيران.. تقاطعات على الأرض الإرترية: 

تشير كثير من التقارير والمقالات الإعلامية العربية منها والأجنبية لدور إيراني وإسرائيلي في إرتريا، وهذا الدور جاء بمباركة النظام الحاكم في أسمرا بحثا عن فك العجز الاقتصادي والضائقة المالية، بجانب أهداف واستراتيجيات بعيدة أو قريبة يحققها وسط هذه الأجواء، منها الاستجابة للإملاءات الخارجية وهي إستراتيجية متشعبة الأبعاد تضم الصهيونية والكنائس والغرب الاستعماري، فالنظام يريد توطيد المصالح الاقتصادية المتبادلة مع إيران، والاستفادة من بعض الخبرات الإيرانية الفنية والعسكرية، والتأكيد للغرب خاصة عن أهميته ودوره الخطير في المنطقة، بجانب التأكيد للعرب عن دوره في جلب المشاكل لهم، وتهديد أمنهم والاستعراض على خصومه  المحليين، والاستقواء ماليا وعسكرياً لمحاربة المعارضة الإرترية المتنامية.

يرى بعض المراقبين مخاطر ومحاذير للدعم الإيراني لإرتريا، ولما تحمله هذه العلاقة من احتمال التبادل الصاروخي بين إيران وإسرائيل في حال تعرض إيران لهجوم إسرائيلي، وجعل إرتريا مسرحا له، والمخاطر المترتبة على الصراع الإيراني الصهيوني في المنطقة عامة كثيرة، وهو ما يؤكده الصهاينة ضمن دراستهم لهذه الاحتمالات، حيث يرى نداف زائيفي مراسل الشئون الأمنية بصحيفة معاريف أن هناك مخاوف إسرائيلية أخرى من قيام إيران بإقامة قواعد يمكن من خلالها نشر منظومة صواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه في مثل هذه الحالة فإن إسرائيل ستضطر إلى توجيه منظومة الدفاع الجوي الخاصة بها إلى منطقة القرن الأفريقي تحسباً لأي طارئ. كما ذكر المراسل أن المسافة بين ميناء عصب الإريتري وإسرائيل تصل لنحو 2300 كيلو متر، وهو مدى مناسب للصواريخ التي تقوم إيران بتحديثها، مشيراً إلى أنه طبقاً للتقارير الواردة بهذا الشأن فإن الإيرانيين يقومون في تلك المنطقة بتشغيل طائرات صغيرة بدون طيار وذلك بهدف استخدامها في تأمين القاعدة الإريترية.

بينما كشفت مصادر أن إسرائيل لديها وجود في اثنين من الجزر الإريترية: دهلك وفاطمة. ويتم تجميع النفايات النووية الإسرائيلية في هذه الجزر. كما أن لإسرائيل مراكز رصد على البحر الأحمر للإشراف على المملكة العربية السعودية واليمن والسودان بالإضافة إلى مراقبة تحركات سفن النفط، ويقال إن للموساد محطة نشطة للغاية لجمع المعلومات الاستخبارية في منطقة ليست بعيدة عن حدود إريتريا مع السودان.

والدور الإرتري من وراء الذهاب إلى إيران يؤكد أن إرتريا يمكن أن تساعد في  الاستدراج الصهيوني لإيران في إرتريا، وهو دور رديف للدور الصهيوني ينوب عنه إنابة تامة، فالصهاينة حاضرون جنبا إلى جنب الحضور الإيراني في إرتريا، فالمشروع برمّته -حسب مراقبين- إسرائيلي التخطيط والتنفيذ، وإليهم ترجع النتائج والتبعات، فهو جبهة ضمن حربهم الباردة، وما كان النظام الإرتري ليتجرأ علي أن يثير الغبار على من حوله لو لم يكن يستند إلى خلفية أمينة قوية تطمئنه وتحميه، فالوجود الإيراني في إرتريا كان محل ارتياب وتساؤل عند عدد من المراقبين, وسعى البعض ليتعرف على بعض ملامح وأهداف هذا الوجود.

أهم أسباب التعقيد حول ما يجري في المنطقة هو التنافس الإيراني الصهيوني في إرتريا؛ فجميع دول المنطقة في حالة توجس وارتياب وترقب دائم، إذ ليس المهم فقط أن تنتقل حرب صاروخية بين إيران وإسرائيل إلى المنطقة؛ فيما يتحدث البعض عن دور إرتري للتقريب بين إيران وإسرائيل ونزع فتيل الانفجار (إن وجد)، وهي خطة يهودية ليس النظام الإرتري أداتها الوحيدة، بل يلاحظ أن لها أذرعا كثيرة خفية وظاهرة حسب التقارير الإخبارية عن إيران.

كما تسهم هذه العلاقة في وضع القدرات الإيرانية العسكرية والفنية تحت عدسة المجهر الصهيوني، حيث وجود قواعد التجسس الصهيونية المتمكنة في إرتريا؛ فالإيرانيون جاءوا إلى ساحةٍ فرشها لهم اليهود، بجانب استدراج إيران إلى منطقة الجنوب العربي للنفخ في كير العداء القديم بين العرب وحكومة إيران، وإشغال إيران بالبحث عن أدوار جديدة في المنطقة وتوريطها في ملفات مستجدة، وخلق جو من الاحتكاك المباشر للإيرانيين مع القوى الدولية المعسكرة في المنطقة تحت ذريعة محاربة القرصنة وغيرها.

والوجود الإيراني له تداعيات على مستوى المنطقة، منها ما هو خفي، ومنها ما هو ظاهر؛ فالأفارقة مهما كانوا يمثلون دور الصديق والمتعاون مع إيران، تظهر توجساتهم في ذلك بشكل أو آخر؛ فالتنافس الصهيوني الإيراني لا شك غير مرحب به في المنطقة، أما دول حوض البحر الأحمر فجميعها عبّرت عن تخوفها وتوجسها من الحضور الإيراني الثقيل، والجميع يعلم أن الوجود الصهيوني في الصومال والقرن الإفريقي يجسده الفعل الإرتري الذي هو بلا شك انعكاس وإسقاط للأهداف الصهيونية، وبالتالي يخشى أن يضاف إليه تمثيل إرتريا للانعكاسات والإسقاطات الإيرانية، ومحاولتها للعب دور مراقب لإيران في اليمن عبر الحوثيين.

معلوم أن إسرائيل تنظر إلى إيران على أنها -طال الأمد أم قصر- ميراث أكيد لها، ويتبين ذلك من تصريحات كثيرة من قادة الصهيونية؛ فمثلما عمل الإيرانيون والأميركيون على أسس المحاصصة في العراق، فإنه يمكن للإيرانيين والإسرائيليين أن يجدوا سبيلا للمحاصصة في اريتريا أيضا، وفي إطار ترتيبات إقليمية أوسع، فالتعاون الأميركي الإيراني في العراق، والتعاون الإسرائيلي الإيراني في إرتريا، يمكن أن يرسيا أساسا متينا لتحالف إقليمي يتحول فيه العداء الظاهري، إلى "زواج متعة" وثيق بين الطرفين. فإسرائيل تفضل التعامل مع إيران بأساليب المكر والخداع. وذلك لعلم إسرائيل ربما كما يقول الكثير من الباحثين في عدم جدية إيران في حربها فهي ورقة إعلامية براقة يلوح بها لا غير.

والوجود الإيراني في إرتريا لا يخلو من بعض المنافع التي ربما تكون من الأسباب الأساسية لوجودها في منطقة قريبة من باب المندب عسكريا؛ فقد تهدف بهذا الحضور إلى إظهار نفسها كقوة عالمية منافسة، أو يحسب لها حسابها في منطقة هي امتداد طبيعي لمنطقة نفوذها في مضيق هرمز في الخليج وبحر العرب، بجانب دعم حلفائها الحوثيين في اليمن وإمدادهم بالمؤن والأسلحة. كما أن هذا الحضور الإيراني رسالة إلى دول الخليج والعرب عامة ليعرفوا أن لإيران وجودا وقوة في الجنوب العربي، أو أن إيران تقف على أبوابهم.

الدور الإيراني في اليمن عبر إرتريا:

لعبت إيران عبر إريتريا وما زالت دورا مهما في الصراع الدائر في اليمن بين الحوثيين من جهة، وبين مؤيدي الشرعية ومِن خلفهم التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية من جهة أخرى، حيث أشارت تقارير إقليمية ودولية مختلفة إلى أن أسمرا كانت صلة الوصل بين إيران والحوثيين من خلال استخدام أراضيها كمحطة لتوصيل المساعدات اللوجستية الإيرانية إلى الحوثيين لتنفيذ انقلابهم على الشرعية واستكمال سيطرتهم على اليمن، وكذلك لمواجهة عاصفة الحزم التي نفذها التحالف العربي لوقف التمدد الحوثي الذي يمثل النفوذ الإيراني في اليمن، وما يترتب عليه من تهديد للأمن القومي الخليجي، خاصة أمن السعودية.

كما أكدت تلك التقارير أنه في إطار سعي إيران لكسر الحصار الذي يفرضه الغرب عليها بسبب برنامجها النووي وطموحاتها في السيطرة الإقليمية فإنها قامت بمحاولة إيجاد موطئ قدم لها في عدد من المواقع الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا كما هو الحال في العراق وسوريا ولبنان واليمن ثم في إريتريا، التي تعاني هي الأخرى من حصار تفرضه عليها إثيوبيا بسبب الصراعات التي تحكم علاقاتهما، وعدم قدرة أسمرا على كسر هذا الحصار بسبب التوافق الأمريكي الغربي مع إثيوبيا. حيث سهل تلاقي الإرادة الإيرانية مع الإريترية الوجود العسكري الإيراني في شرق إفريقيا وباب المندب، حيث تشير التقارير إلى أن طهران بنت قاعدة عسكرية في أرخبيل دهلك بمواجهة ميناء عصب، تستخدمها في تزويد الحوثيين بالسلاح والمساعدات الأخرى، كما تراقب من خلالها مضيق باب المندب الذي يسير عبره جزء كبير من تجارة العالم المارة بقناة السويس خاصة البترولية منها.

كذلك سعت إلى توسيع هذا الوجود في إفريقيا من خلال استخدام تلك القاعدة في تصدير السلاح إلى مناطق النزاع في عدد من الدول الإفريقية، إضافة إلى تسهيل نقل عناصر القاعدة من أفغانستان إلى جنوب اليمن، وكذلك تدريب عناصر من الحوثيين وعلاج المصابين منهم في الحرب، وتخزين سلاح إيراني، وإيصاله إلى صعدة معقل الحوثيين، عبر قوارب صيد صغيرة، تنتقل بين ميناء عصب وميناء حرف سفيان في اليمن. إضافة إلى استقبال مئات من عناصر فيلق القدس وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية منتشرة في كل أراضي البلاد كما ذكرنا سابقا، خصوصا على طول الساحل الإريتري على البحر الأحمر المقابل لليمن والمملكة العربية السعودية.

وقد أكدت المعارضة الإريترية أن هناك دورا يلعبه النظام الحاكم في أسمرا في دعم الحوثيين، مشيرة إلى أنه يعتبر حلقة وصل بينهم وبين إيران، التي تستخدم الأراضي الإريترية كجسر ناقل للمعدات، والإمدادات القادمة من إيران إلى الحوثيين.

وقد استغلت إيران رغبة إريتريا في الخروج من عزلتها الدولية المفروضة عليها بسبب ممارسات نظامها الحالي، فانطلقت إيران بمساعدات سخية للنظام، وفي المقابل عززت وجودها العسكري البحري في البحر الأحمر وخليج عدن وقُبالة السواحل الصومالية تحت ذريعة محاربة القرصنة، إلى جانب وجود قاعدة عسكرية إيرانية في ميناء عصب الإرتري، كما يشكل الامتداد الإيراني في إريتريا أهمية كبرى لإيران فيما يخص جمع المعلومات الاستخباراتية في مجال الدفاع البحري.

وقد أكد الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح في وقت سابق، وقبل تحالفه مع الحوثيين أن المتمردين الحوثيين يتلقون تمويلا من "مرجعيات إيرانية" ويسعون إلى إقامة "شريط شيعي" يؤمن بالمبادئ الإيرانية على طول الحدود مع السعودية، مشددا في الوقت عينه على أن اتهامه ليس موجها إلى النظام الإيراني، وكما كانت إرتريا محطة للوصول إلى اليمن، سيكون اليمن محطة للوصول إلى السعودية، والنوايا المبيتة ظهرت منذ البداية من خلال اعتداءات الحوثيين على الأراضي السعودية، كما ستزيد أنشطة إيران المختلفة وأدوارها المتعددة بزيادة حجم الموالين لها من خلال التشييع.

نجحت إيران في تنفيذ بعض مخططاتها الساعية إلى ترسيخ نفوذها الإقليمي على شاطئ البحر الأحمر من خلال الحليف الحوثي الذي استطاع الوصول إلى ميناء الحديدة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، مذكراً بنبوءة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي التي قال فيها، إن هدف الحوثيين هو الوصول إلى البحر الأحمر، وإن السيطرة على باب المندب تغني عن امتلاك قنبلة نووية. في إشارة لا تخفى إلى إيران ومشروعها النووي. ولا ريب أن هذه الخطوة كانت إضعافاً للخطط الخليجية، ولا سيما الإماراتية، للخروج من مأزق سيطرة إيران على مضيق هرمز من خلال إنشاء موانئ تصدير جديدة في سلطنة عمان، كما أنها تمثل نوعاً من التطويق للسعودية من الجنوب، بعد أن أصبحت لها الكلمة العليا في العراق الجار الشمالي للمملكة. وضمن الاستراتيجية الإيرانية للتوسع في شرقي أفريقيا لإحكام إيران سيطرتها على البحر الأحمر كهدف تسعى إليه وأمنية تكاد تحققها، كما أن تطويق الدول المناوئة لها هدف تنسق له ضمن استراتيجيتها العامة.

وتشير معلومة غير منتشرة أن هناك زيارة حوثية إلى العاصمة الإريترية "أسمرا" تمت قبيل بدء عمليات عاصفة الحزم، إذ وصل وفد رفيع المستوى من الحوثيين، برئاسة حسين العزي رئيس دائرة العلاقات الخارجية في المكتب السياسي لجماعة الحوثي إلى أسمرا، وهو ما يعطي صورة ذهنية عن طبيعة العلاقات بين جماعة الحوثي وإريتريا، والدور الإريتري في الصراع في اليمن، حيث تُشكل أسمرا خطًا خلفيًا في القتال للحوثيين.

وذكرت إحدى برقيات ويكيليكس، المرسلة من السفارة الأمريكية في أسمرا إلى واشنطن بتاريخ 12 فبراير 2010، أن السفير السعودي في إريتريا قلق من تزايد النفوذ الإيراني، وقالت البرقية أيضًا إن إيران زودت البحرية الإريترية بالأسلحة، وأن السفير السعودي يقول إن المتمردين الحوثيين كانوا موجودين في إريتريا عام 2009، وقد أخبر السفير السعودي ناصر علي الحوطي نظيره الأمريكي يوم 11 فبراير 2010 أنه قلق بخصوص التحركات الإيرانية المتزايدة في إريتريا، كما أن اليمنيين كانوا على علم كامل بهذا وهو ما دعا وزير الخارجية اليمني، رياض ياسين، لانتقاد موقف إريتريا مما يحدث في اليمن، مؤكدًا احتمال هروب الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح إلى إريتريا، ودعا أسمرا لاتخاذ موقف محايد في القضية اليمنية.

لكن المخاوف من العلاقات بين إرتيريا وكل من إسرائيل وإيران، تراجعت إلى حد ما بعد الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس الإرتري أسياس أفورقي للسعودية، والتي شهدت احتفاءً لافتا من الجانب السعودي. وربما تعيد هذه الزيارة العلاقات التاريخية بين السعودية وإرتيريا إلى طبيعتها بعد سنوات من الجفاء وأزمة عدم الثقة، كما صب إعلان إرتيريا اعترافها بالشرعية الدستورية في اليمن في ذات السياق، كما نفى عدد من المسئولين الإرتيريين أكثر من مرة للاتهامات الموجهة لها بدعم الحوثيين من خلال الوجود الإيراني في مياهها الإقليمية.

يتضح مما سبق أن هناك انعكاسات للوجود الإيراني والصهيوني في المنطقة، وهذا الوجود سيكون له ما بعده؛ فالمنطقة مرشحة لصراعات واحتكاكات، كما حدثت عدة هجمات جوية من قبل إسرائيل في السودان والبحر الأحمر، وهذا ما دفع العديد من المراقبين للنشاط الإيراني إلى الجزم بأن البحر الأحمر مرشح في المرحلة المقبلة ليكون حلبة جديدة لمواجهات مسلحة إقليمية دولية على خلفية الحراك الإيراني غير المسبوق لفتح جبهات جديدة في القرن الإفريقي.

خاتمة:

الخلاصة أن أنشطة إيران لنشر التشيع وبسط وجودها العسكري والاقتصادي آخذة في التزايد في منطقة القرن الإفريقي وعموم إفريقيا، وهدفها توسيع نفوذ إيران في المنطقة وفي إرتريا على وجه الخصوص، مما يتطلب مواجهة الأمر بجهد جماعي مدروس ومؤسس لمعالجة الداء قبل استفحاله، في ظل الأحداث المتوالية والسريعة والمؤثرة على أمن وسلام سواحل البحر الأحمر، والتي تستوجب إيجاد إستراتيجية إسلامية عربية موحدة مستقبلية تتعامل بجدية مع كل الأخطار المطروحة.

كان للسياسة الأميركية والإسرائيلية دور بارز في تحفيز إيران على مد نفوذها، وفي وضع قضية تمدد النفوذ الإيراني وملفها النووي في أعلى مستويات الخطر، ولكن حتى ذلك الوقت الذي دخلت فيه أميركا وسيطا بين إثيوبيا وإريتريا قبيل وبعد الانفصال، ثم خلال نزاعاتهما المستمرة إلى عام 2000م لم ترتقِ مخاوف المد الإيراني في تلك المنطقة إلى مستوى التهديد، لأن اهتمام أميركا حتى ذلك الوقت كان يتركز حول إسرائيل وليس إيران، وبتحركات محسوبة استطاعت إيران أن تخدم تطلعاتها من بوابة القرن الأفريقي لتمكين الحوثيين، حتى تحول اليمن إلى إقليم تابع لها، ولكن جاءت "عاصفة الحزم" وأطاحت بكل الحسابات التي كانت حتى وقت قصير في حكم المؤكدة.

حاولت إيران القفز فوق كل الخيارات المتاحة، فبعد إغلاق باب السودان لم تحتج إلى كثير جهد لطرق باب إريتريا لتكون سندها الداعم، وتمكنها من تحقيق حلمها الذي لا تستطيع تحقيقه من السودان، وهو تحكمها في الممرات المائية العربية من مضيق باب المندب وحتى قناة السويس، على طول البحر الأحمر.

من المهم أن نشير لضرورة وحتمية الوقوف العربي والإسلامي مع إرتريا لضمان عدم تمدد إيران في الفراغات التي أوجدها الغياب العربي، والسعي لتأهيل دعاة إرتريين متخصصين في تبيين عقائد الرافضة بأسلوب علمي وموضوعي وسطي، وتوجيه بعض القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية لتخصيص مساحات للدعاة والعلماء الإرتريين لمخاطبة ذويهم داخل إرتريا باللغات المتاحة لبيان الخطر الإيراني وسبل مكافحته وتطويقه.

المراجع:

1-    التشيع في إفريقيا (تقرير ميداني)، خاص بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى 2011م.

2-    صالح كرار، الوجود الإيراني في إرتريا، مقال منشور على موقع صحيفة فرجت نت الإلكترونية الإرترية، على الرابط: http://www.farajat.net/ar/21665.

3-    الشيعة في القرن الإفريقي وإرتريا، مادة منشورة بمجلة البيان، يونيو 2015م.

4-    العلاقات الإيرانية الأرتيرية، مادة أعدها مركز البحر الأحمر للدراسات والبحوث، منشورة بمجلة البيان، يونيو 2015م.

5-    أحمد فودة، إريتريا وإيران والحوثيون، مقال منشور بصحيفة الشرق القطرية، بتاريخ: 2/5/2015م.

6-    كيف تدعم إريتريا الحوثيين في الحرب الدائرة باليمن؟، مقال منشور بموقع نون بوست، على الرابط: http://www.noonpost.net/content/6533.

7-    عبد الإله بن سعود السعدون، الجوار الإسرائيلي الإيراني في الجزر الإرترية، مقال منشور بصحيفة الجزيرة السعودية، العدد: 14812، بتاريخ: 8 جمادى الآخرة 1434هـ.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق