جولة الصحافة\العدد مائة وثلاثة وخمسون - جمادى الاخرة 1437 هـ
قوة إيران من 'قوتها الناعمة'
الخميس 10 مارس 2016

 

 الوليد خالد يحيى – صحيفة العرب 16/12/2014

 

ربما بدأت إيران تبرز كقوة إقليمية واعدة ذات نفوذ، منذ أن بدأت صور الخميني تطبع على أخماص بنادق مقاتلين “شيعة” في بيروت الغربية عام 1979، ليتبعه تكاثر بؤر نفوذها في المشرق العربي لتبلغ ذروتها بعد سقوط العراق عام 2003، مستغلة الفراغ الذي أحدثه التقهقر العسكري الأميركي دون تحريك أي قطعة عسكرية من أجل ذلك، لتصبح اليوم “قوة إقليمية” بارزة جعلها رقما إقليميا صعبا.

أجادت إيران استخدام مصطلح “القوّة الناعمة” الذي أدخله السياسي الأميركي، جوزيف ناي، إلى التداول السياسي في بداية التسعينات، إذ لم يكن جوهره العملي غائبا عن السياسة الدولية فقد استخدمت أميركا في حربها ضد الشيوعية “القوّة الناعمة”، أي أدوات الهيمنة الثقافية والإقناع الاجتماعي لتوجيه السلوك، وإحداث تبعية فكرية لها داخل المجتمعات المستهدفة، لكن لم يحقق ذلك الأهداف المرجوة في أغلب الأحيان، حيث لم يلجم تداول “المكدونالد” والسلع الاستهلاكية، ولا حتى هيمنة الجوانب الثقافية الأميركية عبر السينما والإعلام، الكثير من المجتمعات، عن اتخاذ المواقف العدائية لأميركا، فكانت القوة العسكرية هي العامل الحاسم لبسط نفوذها.

وبحسب ناي، فإن أحد عوامل الفشل الأميركي في بسط الهيمنة هو ضعف مصادر “القوة الناعمة”، مقارنة بما يصرف على “القوة الصلبة” واستراتيجيات “القوة الذكية” التي غالبا ما تكون نتائجها مخيبة للآمال.

لا شك أن العقلية الاستراتيجية “الخمينية”، استطاعت تلقّف أهمية الاعتماد على “القوة الناعمة”، في تحقيق طموح إيران الامبراطوري في الهيمنة على المنطقة، مدركة في ذلك مصادر هذه القوة لديها وآخذة بعين الاعتبار المتغيرات السياسية والفكرية في المزاج الشعبي العام. فكان للأيديولوجيا الخمينية مفعول السحر لدى شرائح واسعة من العرب ولم يقتصر فقط على الشيعة في بداية الأمر، فالحديث عن قيم الثورة وتحدي قوى الاستكبار ونصرة المستضعفين في الأرض، أصبح حديثا جاذبا، خصوصا مع فشل الأنظمة القومية الاشتراكية وانحطاط الليبراليين إلى مستوى التبعية للغرب.

عملت إيران على تكريس ذلك النموذج عبر العشرات من المؤسسات الدينية والثقافية، لنشر قيم ثورتها تحت مسميات منها “خيري وإنساني”، تستهدف بشكل أخص المناطق الشيعية بالسعي إلى تحقيق دمج عضوي لشيعة العالم والمنطقة العربية مع المشروع الإيراني عبر تعميم “التشيع الخميني” السياسي القومي في جوهره، والديني المقدس في تأثيره، لاعتماده على جوانب فقهية واستغلاله للفتوى الدينية.

فمنذ فشل تجربة التصدير العسكري للثورة الخمينية للعراق عام 1980، والتي استنزفت قدراتها العسكرية على مدى 8 سنوات، بدأ الإنفاق الإيراني على المشاريع الدينية والثقافية خارج الحدود بالتصاعد، حتى بلغ ذروته عام 2005، بعد إقرار ما عرف بـ”الخطة العشرينية” وهي الأولى من نوعها ووضعت مسألة تعزيز النفوذ الثقافي والديني من أولوياتها، لجعلها بحلول 2025 النواة المركزية الملهمة للعالم الإسلامي.

يبدو أن إيران بدأت تحصد ثمار هذه الاستراتيجية، حيث يظهر مرشدها الأعلى علي خامنئي، كإمبراطور من العصور الوسطى، وهو يحرك قطعان جنوده للموت من أجل مشروعه القومي، وجلّ هؤلاء الجنود هم من مناطق التبعية، وليسوا من داخل حدوده، هنا لابد من تسليط الضوء على الميزة الأبرز من مزايا “القوّة الناعمة” الإيرانية، وهي قدرتها على التحول إلى شكل آخر من أشكال القوة، أي إلى قوة عسكرية صلبة وضاربة، ولديها من التأثير الديني ما يجعلها تمول نفسها بنفسها.

إيران استطاعت التغلب على الكثير من العقوبات الدولية عبر استثمارها لتبعيتها العقائدية التي استطاعت بسطها عبر الهيمنة الدينية والفكرية، فهي استفادت من عائدات السياحة الدينية والمراقد التي هيمنت عليها في العراق، وأموال الخمس التي تؤخذ من فقراء الشيعة تحت تأثير الفتوى الدينية، لتذهب لصالح القيادة الدينية العليا وتتحول في ما بعد إلى منح لتمويل ميليشياتها حول العالم.

قوة الجذب الإيرانية تراجعت بعد ثورات الربيع العربي وفقدت قدرتها بشكل نهائي في كونها مصدر الإلهام للعالم الإسلامي وذلك بعد انكشافها كقوة استعمارية بطموحات قومية، واقتصرت هيمنتها على الشيعة، إلا أن نفوذها بدأ في التقهقر نوعا ما مع ازدياد الفقر الذي يعاني منه معظم الشيعة العرب، وبدايات ظهور وعي قومي وطبقي في بعض التيارات في جنوب العراق، والتي تعرضت للقمع الشديد والاجتثاث وهذا ما سينشئ مستقبلا صحوات شعبية هي وحدها الكفيلة بإنهاء الهيمنة الفارسية.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق