جولة الصحافة\العدد مائة وثلاثة وخمسون - جمادى الاخرة 1437 هـ
تصنيف حزب الله رب عذر أقبح من ذنب
الخميس 10 مارس 2016

 

 المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي – موقعه الشخصي 6/3/2016

 

يحاول أصحاب المواقف الغائمة التي لا تعبر عن شجاعة خلقية أن يعتذروا عن تصنيف حزب الله ووصفه بكونه إرهابيا بأعذار اعتبرها أقبح من ذنوب حزب الله نفسه.

ذلك أن الحجتين المستعملتين هما:

1- تاريخ الحزب المقاوم قبل التدخل في شؤون العرب بدءا بلبنان نفسها عندما وجه السلاح لصدور شعبه معتبرين ذلك شافعا لإرهابه الموالي.

2- دعوى استقلال القرار التونسي لئلا نصبح تابعين للخليج عامة وللسعودية خاصة في موقفهم الأخير من حزب الله.

ولأبدأ بالحجة الثانية لأنها من أسخف الحجج.

ذلك أن الأحزاب التي لا تضع “خيط في ابرة” إلا بالتردد على السفارات وعلى كل لوبيات بني صهيون لا يحق لهم أن يتكلموا على استقلال القرار التونسي، هم تخلوا عن كل استقلال للإرادة والعقل والقدرة والحياة والوجود وصاروا تابعين بإطلاق لإملاءات السفارات واللوبيات أكثر مما كان عليه الأمر في القرن التاسع عشر، ففيه كانت القناصل تأمر الباي وتنهاه.

لكن اليوم من يدعون تمثيل الشعب هم الذين صاروا أكثر تبعية من البايات، لذلك فهذا عذر أقبح من كل الذنوب.

أما الحجة الأولى فهي ليست قبيحة فحسب بل هي حقيرة وغبية. للعلتين التاليتين:

1- كل فعل غايته تبين حقيقة بدايته. فغاية ما يزعم مقاومة بينت حقيقة بدايتها، كانت المقاومة هي العامل الجامع بين الطوائف والأحزاب من أقصى اليسار إلى اقصى اليمين في جنوب لبنان.

ومعنى ذلك أنها لم تكن مقاومة طائفية بل كانت عربية إسلامية، من جعلها تصبح طائفية شيعية حصرا؟  أليس من ألغى دور كل الآخرين لئلا يبقي فيها إلا طائفته؟

 وهل كان حقا ذلك من أجل المقاومة أم من أجل فتح الممر لإيران حتى تكون بيدها أداة ضغط على الغرب في مفاوضاتها بتهديد مزعوم لإسرائيل وليس من أجل تحرير لبنان التي أصبحت مقاطعة إيرانية؟

 لبنان ومثلها فلسطين كان يراد لهما أن يصبحا ورقة في المفاوضات الإيرانية لضمان بقاء نظام الملالي أولا ولاسترداد الإمبراطورية الفارسية ثانيا بمشروع لا يختلف كثيرا عن المشروع الإسرائيلي:

تفتيت السنة لافتكاك الإقليم الذي هم فيه الـأغلبية.

ولذلك فما بينهما من اتفاق هو الجوهر والباقي أعراض غايتها إخفاء وحدة المشروع.

الاعتذار بتاريخ المقاومة لرفض التصنيف هو في الحقيقة سوء فهم لهذا التاريخ بقصد أو بغير قصد، والأقرب أنه بقصد لأنه يعسر ألا يدرك الساسة في مواقفهم المنافقة ما وراء الظاهر، وحتى لعبة تهديد الخليج بإيران لم تعد مفيدة لأصحابها حتى وإن كانت مفيدة لإيران، فالمهم عندها هو تفتيت صف السنة العرب.

2- لو كانت المقاومة هي القصد من حزب الله ولا شيء غير المقاومة لما كان بحاجة لأن يكون متفرعا كأذرع السرطان في كل بلاد العرب والمسلمين ليكون ذراعا إيرانية فضلا عن تأييد مغول الغرب في غزو العراق واستدعائهم بعد فشله في معركة سوريا سواء كانوا من الغرب التقليدي أو من بقايا السوفيات.

فإرهاب حزب الله ليس مقصورا على ما شكت منه السعودية والخليج بل هو يشمل كل دار الإسلام لأنه أحد أذرع إيران فيها وأحيانا بنفس الاسم.

وتونس ليست بمعزل عن هذا الغزو بل وحتى الأحزاب التي يتكلم زعماؤها مثل هذا الكلام هي بدورها مخترقة منه ومن آليات الاندساس الإيراني.

لكن الأخطر من ذلك كله -لأن مواقف النخب التونسية وزعماء الأحزاب بما فيهم النهضة ليس لها أدنى وزن في المعارك المصيرية رغم توهمهم أنهم سرة العالم- هو أخطاء أحزاب ما يسمى بالإسلام السياسي.

فلكأن النهضة بهذا الموقف المشين تؤيد متهمي هذه الأحزاب بأنها في العمق حليفة لإيران وأن الوصف سياسي لا يتضمن المعنى الإسلامي النبيل بل المعنى المنافق كالحال في الإسلام السياسي الشيعي: مجرد تقية لنهم سياسي خالص لعله دون النهم العلماني الصريح منزلة خلقية.

كنت أتصور الفرصة قد حانت ليتم الصلح بين الإسلامين السنيين أعني الإسلام التقليدي في الخليج والذي كان يخاف الثورة والإسلام الذي يدعي أنه ذو دور فيها.

وكان جل مسعاي هو تحقيق هذا الصلح لأنه شرط استرداد السلاح اللطيف الذي فقدته السنة. وكنت أتصور عاصفة الحزم فرصة تاريخية ينبغي استنساخها لتوحيد الإسلامين:

1- فالإسلام التقليدي في الخليج بدأ يدرك سر ضعفه فشرع في الانتقال من الإسلام المقصور على التعبد إلى الإسلام الساعي للتحرر من هذا التوجه وجعل قيم الإسلام تصبح بداية الوحدة مع الإسلام السياسي بسبب الحاجة إليه في التصدي للأعداء.

2- والإسلام السياسي في البلاد التي حدثت فيها ثورة بدأ يدرك سر ضعفه فشرع في الانتقال من الإسلام شبه المقصور على السياسة للتحرر من التبعية لأوهام رضا الغرب عليه وأن السند الأولى هو ما يحصل الآن لأن الثورة من دون التزام بعض الخليجيين أنظمة وشعبا لن يجد سندا ماديا حقيقيا إلا بالكلام.

هذه هي الفرصة التي يضيعها الزعماء ذوي النظر القصير والنفس الأقصر ودعوى البراجماتية تقديما لمصلحة حزبية زائلة وغير مقدرة لمآلات الأمور:

فالنهضة بهذا الموقف الذي يلعب على التناقضات بين الخليج وإيران سيخسر السندين:

• أولا لأن إيران مقدمة على أحداث لن يبقى فيها لمشروع الملالي أدنى دور.

• وثانيا لأن الخليجيين يمكن أن يستغنوا عن الحركات السياسية الإسلامية بسبب إمكاناتهم المادية وبسبب ما سيحصل من انكماش إيراني على الجبهة الداخلية لتدارك ما يعاني منه الشعب الإيراني من حرمان لن يصبر عليه أكثر مما صبر. والأيام بيننا.

ولاختم كلمتي بما لا اعتبره حجة بل سخافة: إذا صنفنا حزب الله بما يستحق فنحن نكون سندا لإسرائيل.

وهذا من العجائب، هو الآن في حربه على الشعبين السوري والعراقي وحتى اليمني أكبر سند لإسرائيل. لذلك فتصنيفه ليس سندا لإسرائيل بل التنديد بأحد أذرع إيران التي بدأت تتقرب من إسرائيل لأن ظاهر العداء حان قطاف ثمراته:

الصلح مع الولايات المتحدة يمر بالصلح مع إسرائيل، وما كان ليكون ممكنا لو لم تكن إسرائيل ولوبياتها قد ساندت تمريره في الكنجرس، يكفي استغباء للشعب العربي وللأمة الإسلامية: فلسطين آخر هموم إيران.

وهي آخر هموم اليسار والليبرالية والباطنية وبقايا الصليبية من النخب العربية التي هي مجرد مليشيات في خدمة الحرب على الإسلام وخاصة على غالبيته السنية التي هي الوحيدة القادرة على جعله يستأنف دوره التاريخي المعدل لنظام العالم الجديد بما من الله به عليها من قوة مادية وروحية.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق