جولة الصحافة\العدد مائة وثلاثة وخمسون - جمادى الاخرة 1437 هـ
أنت من تبحث عن داعش !! قراءة تحليلية للأسباب التي جذبت الشاب العربي لفكرة داعش
الخميس 10 مارس 2016

 

 قتادة الجميعان – مدونته الشخصية 16/6/2016

 

يقول صديقي صالح: قبل فترة ليست ببعيدة وأنا جالس على المائدة مع أسرتي أمام التلفاز، إذ بإبنى ذي العشر سنوات يسألني إثر لقطة مريعة على الشاشة لأحد المجاهدين الملتحين المعممين في سوريا يقوم بقتل عشوائي لمجموعة من المجاهدين الملتحين أيضاً مما سبب لابنه ذعراً وتصادماً في تفكيره واضطراباً في مشاعره، فجعله يتساءل: لماذا ؟؟ وهل هو مجرم وإرهابي حقاً كما تصفه المذيعة الإخبارية ؟؟ يقول صالح واصفاً حالته الشعورية لحظة سؤال ابنه البريء: لأول مرة أعجز عن الإجابة على تساؤلات ابني، فعلاً احترت في الرد عليه !! ماذا أقول؟ كيف أشرح؟ كيف أبرر؟ كيف أبسط له هذه التعقيدات في الأحداث الدموية المتسارعة اليوم؟

نعم عزيزي القارئ !! نعجز عن فهم ما يحصل حقاً اليوم؛ عمليات انتحارية “عشوائية” في كل مكان؛ العراق، سوريا، البحرين، السعودية، مصر، تونس، فرنسا..الخ، وهاهم مجموعة من “الكويتيين-الشيعة” قبل أسبوع يقتلون في صلاتهم وسجودهم -رحمهم الله وغفر لهم- في مسجد الإمام الصادق إثر تفجير انتحاري لأحد الشباب التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” (isis)، فاجعة لم يكن يتخيل حدوثها عامة الشعب الكويتي سنة وشيعة، وقف الجميع فيها حيراناً متسائلاً: لماذا ؟؟ وكيف ؟؟ فأتتني الإجابة من صديقي عبدالرحمن: إنها فتنة يا عزيزي؛ فتنة يصبح الحليم فيها حيران.

وبدأ المحللون من كل الجهات وفي شتى المجالات يدلون بدلوهم ، يحللون الأحداث بربطها بالماضي والحاضر والأشخاص والأفكار، تحليلات سياسية وأخرى نفسية وأخرى اجتماعية، ليصلوا قدر الإمكان إلى فهم وتفسير يقربهم من معرفة الحقيقة حول “داعش” وعملياتهم المتكررة في إراقة الدماء؛ ولعلي في مقالي هذا أحاول أن أضع بين يدي القارئ والمحللين فهمي ورؤيتي المتواضعة للأحداث؛ لست بذلك زاعماً ثبوتها يقيناً، فهي قطرة في بحر الخبراء والمختصين؛ إنما هي مجموعة أفكار أرفع درجة صوتها لعلها تجد صدىً وفائدة عند بعض المهتمين ليبنوا عليها تحليلاتهم وتفسيراتهم لفهم ومعالجة سليمة لما يحدث اليوم.

وما سأقوم باستعراضه والإجابة عليه هنا تساؤل رئيسي وهو: كيف تصل داعش إلينا؟ أي أنني لن أحلل تحليلاً سياسياً للأحداث ولو أن الشق السياسي أو الاقتصادي للمشكلة له أثره في التكوين، كما ويجب الانتباه إلى أن محاولة تحليل وفهم السلوك والشعور والدافع والفكر الإنساني ليس بالأمر الهين والبسيط كما يعتقد البعض، كما وأن العلوم الإنسانية كالفلسفة والسياسة والاقتصاد وعلم النفس والاجتماع تحصل فيه الكثير من المغالطات والتناقضات والاختلافات، وليس كل شيء فيها يسهل إثباته بشكل علمي ومنطقي أو حتى الاتفاق عليه، بعكس العلوم المادية الأخرى كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، كذلك يجب التنويه إلى أنه من السذاجة اعتبار أن هناك فقط عاملا واحدا مؤثرا ومكونا لأي حدث أو مشكلة؛ بل تكون هناك العديد من العوامل المؤثرة في تكون المشكلة سواء وعيناها أم لا.

كيف تصل داعش إلينا؟

أولاً: من الواضح جداً للعيان أن داعش تركز كثيراً في جذبها على التكثيف الإعلامي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي و“تويتر” خصوصاً، وغالباً ذلك يتم من خلال الموالين للفكر والمتعاطفين والمتأثرين به ، وكلنا نتفق أن أثر مواقع التواصل الاجتماعي بات اليوم أكثر تأثيراً وجذباً من الإذاعة والتلفاز خصوصاً على “شريحة داعش المستهدفة” شريحة الشباب والمراهقين.

ثانياً: تعتمد كثيراً على قوة الصورة والعمل السينمائي، احترافية في التصوير والسيناريو والإخراج بجودة عالية جداً، تُشعر المشاهد أنه أمام أحد الأفلام في دور السينما، وهذا يخرج المشاهد من حالة الملل المعتاد عند مشاهدة مثل هذه الأفلام التقليدية إلى حالة الاستمتاع والشعور بالإثارة عند المشاهدة، مما قد يسبب على المدى الطويل إدماناً على المتابعة وتقصي الأخبار وآخر المستجدات.

ثالثاً: استخدام المؤثرات الصوتية والأناشيد الحماسية والآهات في خلفية أفلامها المعروضة، وإظهار الدور البطولي لمجاهدي “داعش” وذكائهم والقدرة الفائقة على “فرد العضلات” على العدو من خلال الإبراز المتكرر لنجاحاتهم، ناهيك عن محاولة تشويه صورة العدو قدر الإمكان، وهذا كله يؤثر بشكل غير مباشر على الجانب العاطفي لدى المشاهد، ولا يخفى على الكثير اليوم أن المشاعر والعواطف هي المحرك الرئيسي نحو اتخاذ القرارات وليس التفكير المنطقي، فالتفكير والمنطق هو المبرر لاتخاذنا تلك القرارات وتقديم آلية التنفيذ.

رابعاً: العمل على قوة الـTestimonials وهي إحدى الطرق الفعالة في التسويق أو الترويج، بأن يظهر عميل لإحدى الشركات في لقاء عبر الشاشات ويذكر تجربته حول هذا المنتج، وأنه فعال ومفيد له ويبدأ بنصيحة المشاهد بأن يشتري هذا المنتج، ولو راقبت عزيزي القارئ ستجد أن “أغلب” منفذي العمليات الانتحارية لديهم تصوير أو تسجيل صوتي سابق لتنفيذه العملية الانتحارية يتم بثه بعد نجاح العملية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والقباع منفذ تفجير مسجد الصوابر دليلاً، ومن خلال هذه الأداة -التزكية إن صحت ترجمتها- هي تُفعل من خلالها أحد قوانين التأثير والإقناع على النفس البشرية ويسمى قانون “الموافقة الاجتماعية” Social approval” حيث يؤدي ظهور العديد من الأشخاص في مثل هذه الفيديوهات إلى إشعار المشاهد أن هذا الفكر ليس وحيداً غريباً؛ بل هناك الكثير من الشباب يتبناه بل وينضم إليه، فماذا تنتظر أنت ؟.

خامساً: (داعش غالباً لا تأتي إليك؛ بل أنت تبحث عنها)، هناك استراتيجية في التسويق اسمها “الجذب” (The pull strategie) وهي تعتمد اعتماداً رئيسياً على عدم محاولة فتح قناة مباشرة مع العميل؛ بل عمل دعايات وإعلانات عشوائية، التركيز على أسلوب “كلمة الفم-Mouth talk، بناء وإدارة فعالة للعلاقة مع العملاء، كل ذلك لخلق الطلب، مما يحفز الاحتياج لدى العميل الجديد للبحث عن منتجك والشراء، وهذا بالضبط ما تقوم به داعش -رغم تكلفته الباهظة إلا أنه أكثر أماناً لهم- من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وإنشاء الهاشتاقات ليكون قناة فاعلة للعميل الجديد للبحث عن التنظيم، والتشجيع المستمر على الدعم المتبادل لحسابات المنضمين للتنظيم أو حتى المتعاطفين معه، وهذه الاستراتيجية بالطبع تساعد على قوة وسرعة الانتشار للفكر، فداعش تروج وأنت تبحث.

سادساً: يتضح كذلك من بعض المصادر الأمنية أنه بعد أن يصل المتأثر بالفكر إليهم ويتجاوز الاختبارات كلها، يتم تجنيده كخلية “نائمة” في منطقته، ولا يعلن أو يصرح عن انتمائه أو حتى ميوله أو تأييده، وأثناء ذلك يبدأ بالشعور بالغربة في مجتمعه والنقم عليه؛ خصوصاً عندما يتم تداول ملف داعش في الجلسات أمامه بكل سذاجة وسخرية، فيلجأ بسرعة إلى مجتمعه الافتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الحقيقي إن كان قد تمكن من التعرف على بعض المنتمين للتنظيم في منطقته؛ فيتولد لديه شعور بالأمان والارتياح معهم، فتخلق لديه عادة جديدة وانفصالا تدريجيا عن مجتمعه وثقافته واتصالا جديدا في مجتمع وثقافة جديدة ناقمة على المجتمع وحاقدة عليه بكل أطيافه، فإذا ما جاء الوقت لعملية تخريبية جديدة في دائرته الجغرافية يتم التواصل معه وتكليفه بالمهمة لينفذها.

سابعاً: والجديد الذي لاحظته في أسلوب “داعش” في تنفيذ عملياتهم الانتحارية (D&D)، التفويض واللامركزية في اتخاذ القرار (Delegation & Decentralization)، فبعد إبلاغ المجند برغبة القيادة بتنفيذ عملية تخريبية في دائرته الجغرافية يتم تفويضه بالكامل لاختيار الطريقة والمكان والكيفية والوقت والفريق لتنفيذ العملية، ويعطى الوقت الكافي لتكوين فريق العمل والتخطيط للعملية، ثم يقوم من ناحيته برفع تقريره للقيادة وبعد إعطائه الإذن بالتنفيذ يتم إيصال كل احتياجاته لتنفيذ العملية من موارد مالية وذخيرة وسلاح ومتفجرات أو حتى موارد بشرية إن استلزم الأمر، وهذا يعطيني مؤشراً أن داعش تعتمد في هيكلها التنظيمي على أحد أحدث الهياكل التنظيمية في الإدارة ما يسمى بالتنظيم المسطح Flat structure” والذي يعتمد على اللامركزية وحرية جميع القطاعات في اتخاذ القرارات وآليات التنفيذ، وهذا يعطي سهولة وسرعة وفاعلية في التنفيذ وارتفاعا في معدل الانتاج والتوسع، وهذا يتضح من السرعة المفاجئة للجميع في توسع رقعة تنظيم الدولة.  

ثامناً: وأخيراً يجب الانتباه إلى أن كل ما سبق لا يكون فاعلاً ومؤثراً بالتأكيد على كل مشاهد ومتابع، إنما يتأثر بها شريحة محددة، وهذه الشريحة لها سمات ومعالم معينة، يقوم إعلام تنظيم الدولة - بوعيٍ منه أو بدون وعي- بإظهار المميزات والمثيرات التي تستثير هذه الشريحة المستهدفة، وهذه العملية تسمى “S.T.P” :

segmentation: تجزئة المجتمع إلى شرائح متنوعة في الأعمار والثقافات والمواقع الجغرافية والاهتمامات والسمات والاحتياجات.

Targeting: استهداف وتحديد الشريحة المطلوبة من المجتمع، وكذلك تحديد ودراسة السمات وأهم الاحتياجات في هذه الشريحة.

Positioning: تثبيت صورة التنظيم وأفكاره في ذهن الشريحة المستهدفة بالشكل والملامح التي يريدها إعلام التنظيم بشكل إيجابي، مع إبراز ما يلبي احتياجات هذه الشريحة أو يثير انتباهها ويجذبها، ويشعرها بتناسب الفكر المطروح مع معتقداتها وحياتها وطريقة تفكيرها.

ولعل أهم سؤال منطقي يتبادر الآن إلى أذهاننا في هذه المرحلة هو: من هي الشريحة المستهدفة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية؟ إليك أهم سمات هذه الشريحة وأهم ما يعرضها للانخراط أو التأثر بهذا الفكر من وجهة نظري:

 

الدوغمائية: اتباع منهج التفكير الدوغمائي أو الدوغماتي “Docmatic Thinking” وهذا النمط من التفكير لا يولد مع الإنسان كما يرى المستشار النفسي والأسري في جامعة الملك عبدالعزيز د.ميسرة طاهر؛ بل يُربى عليه ويكتسبه، في البيت، في المدرسة، المجتمع، الإعلام، المرجعيات أو “الجماعات” الدينية أحادية التفكير ..الخ من مصادر التربية والتوجيه والتلقي لدى الإنسان، والعقلية الدوغمائية ترتكز على ثنائية ضدية حادة، أي تتكون من جزئين رئيسين بحسب وجهة نظر مكتشف هذا النمط في التفكير عالم النفس الاجتماعي د.ميلتون روكيش : الأول/ اليقين المطلق بصحة ما لديه من أفكار ومعتقدات. والثاني/ إنكار الآخر وإنكار أفكاره ورفضها تماماً، بل واعتبارها باطلاً مطلقاً لا قيمة ولا معنى لها ويجب محاربتها وإنهاء وجودها ووجود حاملها إن تطلب الأمر، وليس مطروحاً لديه كخيار محاولة التوفيق والمصالحة بين النظامين ويرفضه باستمرار وبشدة. أحد مخاطر هذا النوع من مناهج التفكير كما يشير هشام صالح أنه مع عزله التام بين منظومة المعتقدات والإيمانات ومنظومة اللامعتقدات واللاإيمانات لديه، إلا أنه قادر على التعايش مع التناقضات الموجودة في منظومة معتقداته وتقبلها “من غير الإحساس بوجود مشكلة لديه”، وهذا النوع من التفكير ليس مقتصراً على جماعة دينية أو طائفة أو آيدلوجيات معينة ولا على نفس الدرجة لدى الأشخاص، لكنه قد يزداد مع ازدياد هذه المعايير أو العادات المكتسبة التي يتولد منها هذا النوع من التفكير كما يشير د.ميسرة :

عدم العقلانية.

التسرع في الاستنتاج.

عدم الاعتماد على الحقائق.

عدم التبين وعدم محاولة البحث والتقصي عن حقيقة المعلومة.

التعميم المفرط، فلا يتعب نفسه بالتشخيص الفردي؛ بل يكتفي بالحكم على الفرد من خلال قالب وتصنيف معين.

الشعور بالاضطهاد والظلم على مستوى شخصي وعلى المستوى الأممي: أما على المستوى الشخصي تجد أن من أشهر حالات الاضطهاد لدينا في الكويت خاصة ودول العالم عامة ما يعرف بملف “البدون”  أو ظاهرة انعدام الجنسية، والتي أدت إلى حرمانهم من حقوقهم الإنسانية الأساسية من صحة وتعليم واحتياجات أخرى ليس هذا المجال لسردها، تشير إحصائية مفوضية الأمم المتحدة المرصودة في سنة ٢٠٠٩ أن ٦٠ دولة حول العالم تشهد هذه الظاهرة، ويعاني منها أكثر من ١٠ مليون إنسان على الأقل، عدد ليس ببعيد عن أعداد اللاجئين والنازحين حول العالم، والأرقام في ازدياد مستمر، فكما تشير التوقعات أنه في كل ١٠ دقائق يولد طفل من عديمي الجنسية محروماً من حقوقه الأساسية كإنسان. وكذلك فإن أغلب الأقليات في دول العالم العربي معرضة للشعور بالاضطهاد، إما لوجود ظلم حقيقي أو شعوراً تم غرسه بشكل أو بآخر، لأغراض سياسية أو كعدوى منتشرة بين الأفراد المنتمين لهذا المجتمع المصغر أو الأقلية. ولا أريد التطرق للقمع السياسي وسجناء الرأي في عالمنا العربي، فالسجون مليئة بهم؛ يصرح المستشار أنور الرشيد (الأمين العام للمنتدى الخليجي لمؤسسات المجتمع المدني): “أن هناك 30,000 إلى 40,000 سجين رأي في دول مجلس التعاون الخليجي” وهذا بالطبع مؤشر خطير، فتخيل كم سجيناً من هؤلاء يشعر بالظلم والاضطهاد والحرمان من أبسط حقوقه الإنسانية “الحرية” !! أما على المستوى الأممي، فهناك شعور عام لدى المسلمين أن الأمة الإسلامية اليوم وفي القرن الأخير خاصة مثخنة بالجراح، ابتداءً من القدس وغزة، مروراً بأفغانستان والعراق وسوريا وبورما وتايلاند وانتهاءً بمصر واليمن وغيرها من المناطق التي تعاني ظلماً أو سفكاً للدماء، مما ولد شعوراً بالغضب لدى الكثير تجاه الغرب لغزوهم وظلمهم المتكرر أو تجاه الحكومات العربية بسبب

مواقفهم الضعيفة والمتخاذلة تجاه هذه القضايا الساخنة (من وجهة نظر هذا الذي يشعر بالاضطهاد). إليك استطلاعاً للرأي قامت به قناة الجزيرة حول ما إذا كان تمدد تنظيم الدولة الإسلامية يصب في صالح المنطقة أو لا والذي كانت نتائجه صاعقة ! حيث أن 81.5% من المشاركين بعدد 44992 صوتاً يرون تأييد تنظيم الدولة الإسلامية وأن تَقدمها يصب في صالح المنطقة !!

كذلك تفشي الشعور بالضعف في تقدير الذات: إما أن يكون هذا الضعف على مستوى فردي بسبب ضحالة الثقافة التربوية وهشاشة التنشئة الصحية السليمة وتذبذب الهوية في بعض مجتمعاتنا، أو ضعفٍ في الذات على مستوى أممي (في ذات الأمة الإسلامية أو العربية)، بسبب تكرر المشاريع الفاشلة والإخفاقات اليوم على مستوى الأمة الإسلامية عموماً والعربية خصوصاً، فأدى إلى ضعف في الإنتاج وخوف من الإنجاز وضعف في الثقة بالقدرات، ولّد شعوراً بالحساسية المفرطة جعلت الفرد في حالة عدم أمان وتبرير ودفاع مستمر عن الذات على المستوى الشعوري، وحالة هجوم متطرف مفاجئ على المستوى السلوكي حماية للذات.

السيادة والمقارنة: من يشعر بأنه لا سبيل للنجاح والإنتاج والتمكن إلا من خلال التفوق على الآخرين ومنافستهم، وتجده غالباً يؤمن بفكرة أن الإسلام دين لا يقوم ولا يكون إلا في حال السيادة والانتصار على الآخر والتمدد المستمر، مما يجعله في حالة قلق مستمر وتحفز وعدم راحة، ويكون حانقاً دائماً على الآخر بسبب المقارنة المستمرة معه مما قد يجعله يبرر أي حالة عنف تجاهه. هل تعلم أن هناك حوالي 750,000 مسلم يعيش في أمريكا يؤمن أنه لا مانع من ممارسة العنف على الشعب الأمريكي هناك بدافع الجهاد؟ أي حوالي 25% من المسلمين هناك !!

الانفصال عن الواقع والعيش والتعلق المستمر بالماضي والتاريخ أو الانغماس في المستقبل، ومحاولة لي الواقع ليتسق مع التاريخ الإسلامي، فتجده في احتقارٍ مستمر للواقع، غير واعٍ له ولا متمكن من التعايش معه، يتغنى فقط بأمجاد الأجداد والقرون الأولى وإنجازاتهم وعظمتهم وفتوحاتهم، متناسياً حجم الإخفاقات والمشاكل التي اعترت تلك الفترات؛ إما جهلاً منه أو من خلال التبرير المستمر للتاريخ، ولا يعي أن ما يتناسب مع تلك الفترة قد لا يتناسب مع الواقع اليوم، وهذا حتماً يجعله في حالة شلل وعجز عن العمل والإنتاج لافتقاده للأساليب والخطوات العملية للتنفيذ بسبب غياب الواقع عن حساباته.

ثقافة الاستعجال والاختصار، قد يراها بعض المختصين والتربويين أنها صفة حميدة، فمن خلالها يبحث الإنسان دائماً عن سبل الراحة والاختصار مما يساهم في تطور البشرية ونموها، نعم هذا صحيح من زاوية، لكن من زاوية أخرى مصاعب الحياة وعدم قدرة الإنسان على التحكم في كل ظروفه التي يمر بها، تجعل منه كائناً يحتاج أن يعي عامل الوقت والزمن مهم، لبناء أي شيء ولحل أي مشكلة ولتخطي أي تحدي ولتضاؤل أي مصيبة أو كارثة، فعامل الزمن سنة إلهية في هذا الكون الفسيح. التربية على الاستعجال التي تتناسب مع فلسفة فكر تنظيم الدولة القائمة على البحث عن أقصر الطرق، للوصول إلى الجنة بالاستشهاد -وهو شرف عظيم لاريب- لكنها تنشئ لنا جيلاً ينجذب ويتجه بسهولة إلى الهدم لا البناء أو على الأقل عدم قدرته على اتخاذ القرار الصحيح، لعدم قدرته ووعيه وإيمانه بضرورة البناء التراكمي وجدواه.

جلد الذات والشعور بالذنب المستمر، وجلد الذات يختلف عن نقد الذات، فنقذ الذات هي حالة ليست مرتبطة بالمواقف أو المشاعر السلبية، تستمد طاقتها من الشعور بقوتها الداخلية وقدرتها على المعالجة، أما جلد الذات فهو شعور سلبي يظهر عند المرور بتجارب فاشلة وهزائم يتبخر من خلالها كل ذكريات النجاح، وانكماش وتقوقع على الذات، الدافع الرئيسي وراءه الرغبة الجامحة بالتغلب على الفشل، إلا أن هذا التقوقع والانغماس في المشاعر السلبية يعميه عن الحلول المنطقية ويجعله غير مدرك لمناطق قوته وضعفه، فيكون ثنائياً في حله، إما الهروب للخلف وعدم مواجهة المشكلة وتجاهلها، أو الهروب للأمام من غير دراسة وتأني، لسان حاله كما قال شمشون : “علي وعلى أعدائي”، فبدلاً من التركيز على العلاج يسعى للانتقام من الذات لتخليصه من هذا الشعور المؤلم بالذنب، ولذلك تجداً كثيراً من المنخرطين في هذا التنظيم والمنفذين للعمليات الانتحارية عادة ما يكونون أصحاب سوابق جنائية.

ما الحل ؟؟؟

ليس شرطاً لكل من يُشخص حالة أو ظاهرة أن يوجد لها الحلول، ولست أنا هنا في مقالي أريد وضع الحلول بقدر ما أردت أن أستعرض القضية كما أراها من زاويتي، ومثل هذه القضايا لا تحل بوضع ساق على الأخرى واحتساء كوب من القهوة وإصدار القرارات العشوائية، بل يجب أن تتضافر جهود الدولة بمؤسساتها من جانب والمجتمع بمختصيه والأسرة من جانب آخر، فتدرس الحالات بشكل فردي والظواهر بشكل جمعي، وتوضع لها الخطط والميزانيات والانطلاق فوراً للتنفيذ لا الركن في الأدراج.

وأنوه في الختام، أنه لإيجاد الحلول الفاعلة والعملية للحد من هذه الظاهرة والتصدي لهذا الغزو الفكري يكون من خلال مسارين رئيسيين:

التنافس مع التنظيم على نفس الشريحة المستهدفة، من خلال إعادة دراسة هذه الشريحة وأهم سماتها ومثيراتها ومن ثم صناعة البرامج والمشاريع والأنشطة التي تعيد برمجتها أو علاجها إن استوجب الأمر، لتخفيف استقطاب التنظيم وجذبه لها. 

العمل على إصلاحات حقيقية داخلية في الدولة، وإيجاد مشاريع نهضوية جادة يتفق ويشترك فيها كلا الطرفين الشعوب وحكوماتها.

عزيزي القارئ، حتماً كل ما سبق قد لا يكون كله صوابا وقد لا يتفق الجميع معه، وحتماً في القضية جوانب أخرى عديدة لم أتطرق لها، إما تحفظاً وابتعاداً عن جدل عقيم أو بكل بساطة جهلاً مني، والأكيد أن هذا أقصى جهدي الشخصي الآن، والبحث والاطلاع والمحاولة للفهم والتحليل، وأحث نفسي وإياك بالبحث والاطلاع والمشاهدة والمراقبة والتحليل المستمر سعياً للوصول قدر الإمكان إلى الحق ليرتقي الإنسان وترتقي معه مجتمعاتنا.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق